المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : غياب الكفاءة المحلية يضع مفاعلات بريطانيا النووية في أيد أجنبية


Eng.Jordan
08-21-2016, 02:50 PM
FINANCIAL TIMES (https://www.aleqt.com/section_ft.html)
من بين ست محطات يجري التخطيط لإنشائها في المملكة المتحدة، لن يكون أي منها مملوكا لشركة بريطانية، ما يثير مخاوف من فقدان السيطرة على بنية أساسية حيوية.




https://www.aleqt.com/a/small/2a/2afae8553fbf5a801bc6f468bae0f703_w570_h0.jpgمحتجون يتظاهرون ضد بناء مفاعل نووي في ويلفا الواقعة على جزيرة إنجليسي في ويلز، التي ينتظر أن تستضيف واحدا من ستة مفاعلات تصل كلفتها مجتمعة إلى 100 مليار جنيه استرليني.

كيران ستيسي من لندن

في حقل يقع في منطقة نائية شمال غربي ويلز، يعمل مزارع وحيد على قطع العشب ووضعه في أكوام من القش يمكن بيعها مقابل ربح متواضع. مزرعته، وحتى التلة التي تقع عليها، ستهدم قريبا من قبل شركة هورايزون المملوكة لليابان - المرحلة التي تمثل نقطة البدء في خطة طموحة لبناء واحدة من سلسلة من محطات الطاقة النووية في مختلف أنحاء المملكة المتحدة.
تعتبر ويلفا الواقعة على جزيرة إنجليسي، واحدة من مواقع عدة مخصصة للمحطات، التي يمكن أن تصل تكلفتها إلى 100 مليار جنيه استرليني. وإذا سارت الأمور حسب الخطة، فستحل مكان محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم التي مضى عليها زمن طويل في المملكة المتحدة. لكن على الرغم من مليارات الجنيهات التي سيتم ضخها في مجال الطاقة النووية في بريطانيا، فقط بعضها من المحتمل أن يبقى في المملكة المتحدة. ومن بين ست محطات يجري التخطيط لإنشائها، لن يكون أي منها مملوكا من قبل شركة بريطانية.
بالنسبة إلى مجموعات الطاقة النووية الفرنسية والصينية والأمريكية واليابانية، تمثل خطط المملكة المتحدة الطموحة فرصة مواتية في سوق عالمية صعبة خلافا لذلك. فعقب حالات الانصهار التي حدثت في محطة فوكوشيما في اليابان عام 2011، قلص كثير من البلدان، بما في ذلك اليابان وألمانيا، أو ألغى خططا تتعلق بالطاقة النووية.
وعدم مشاركة بريطانيا في مثل هذا البرنامج المحلي الضخم كان موضع انتقادات. يقول النقاد "إن المشروع يمثل حتى مثالا آخر على ميل البلاد للسماح للشركات والحكومات الأجنبية بالاستفادة وتحقيق أرباح من خلال مشاريع البنية التحتية الأكثر حساسية والأكثر تحقيقا للربح في المملكة المتحدة".
ويبدو أن النقد يتفق مع وجهة نظر أعضاء في حكومة المملكة المتحدة. فعندما أرجأت رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، بشكل غير متوقع مشروع محطة بتكلفة 18 مليار جنيه مزمع بناؤها في هينكلي بوينت جنوب غربي إنجلترا، قال حلفاء "إن السبب هو مخاوف تتعلق بمشاركة اثنتين من الشركات الصينية المدعومة من الدولة، جنبا إلى جنب مع شركة الكهرباء الفرنسية المدعومة من الدولة EDF". ويرى بعض المسؤولين تلك المحطة وكأنها مسألة أمن قومي، محذرين من أن الدولة الصينية يمكن أن تمتلك السلطة لإيقاف جزء كبير من إمدادات الكهرباء لبريطانيا.
وتسبب القرار الذي اتخذته ماي في إثارة استياء شديد في بكين، التي تلقى مسؤولوها تطمينات من خلال دعم ثابت قدمته الحكومة السابقة للمشروع. وستسافر ماي إلى الصين الشهر المقبل لتقويم العلاقات الثنائية بين البلدين، ومن المتوقع أن تتخذ قرارا يتعلق بالمشروع خلال فترة تلك الرحلة.
وليس فقط المفاعلات النووية في المملكة هي ما يجري بناؤه الآن، أو تمويله، أو شراؤه من قبل داعمين في الخارج، إذ يشمل أصحاب مطار هيثرو شركة فيروفيال الإسبانية، إضافة إلى صناديق الثروات السيادية الصينية والقطرية والسنغافورية. وشركة أريفا، وهي واحدة من أكبر شركات تشغيل الحافلات والقطارات في بريطانيا، مملوكة من قبل "دويتشه بانك". وحاول ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء السابق، اجتذاب الاستثمارات في خط السكك الحديدية فائق السرعة "إتش إس 2" من داعمين صينيين.

صنع في اليابان

في محطة ويلفا، تعطي العلامة التجارية هيتاشي الموجودة على الرافعات المكلفة بالأعمال الأولية للمشروع إشارة عن مدى أهمية الشركة اليابانية التي تمتلك "هورايزون"، في كل مرحلة من مراحل العملية. المحطة بأكملها سيتم بناؤها في مدينة هيتاشي في اليابان قبل أن يتم شحنها، كل جزء على حدة، إلى شمالي ويلز. وقد قدمت "هورايزون" تصميمها للجهات المنظمة للحصول على الموافقة، وستتخذ القرار النهائي للمضي قدما فقط بعد أن تحصل على التمويل المناسب وتقدم طلبات التخطيط اللازمة.
في مورسايد، شمالي مقاطعة كامبريا، هناك شركة تسمى نيوجين تعمل على تطوير موقع آخر عبر الطريق من محطة الطاقة في سيلافيلد. وتعد نيوجين مشروعا مشتركا بين شركة توشيبا اليابانية و"إنجي" الفرنسية، التي يعد أكبر مساهميها الدولة الفرنسية. وتم تصميم مفاعلها النووي من قبل "وستينجهاوس"، الشركة الصناعية الأمريكية، التي تعود ملكية الجزء الأكبر منها إلى شركة توشيبا.
إذا كانت ماي تشعر بالقلق من حصول الصينيين على إمكانية إغلاق وإيقاف مشروع هينكلي بوينت، ربما تكون حتى أكثر اهتماما بخطط شركة EDF، ومحطة الطاقة النووية العامة الصينية، والشركة النووية الوطنية الصينية في شرق إنجلترا. وبعد أن يطور الائتلاف "كونسورتيوم" محطة أخرى في سيزويل، في سافوك، تأمل المجموعات الصينية تصميم وبناء مصنع في برادويل في إسكس.
مع ذلك، لم يتبق أمام المملكة المتحدة خيار يذكر سوى الاستعانة بجهات غير بريطانية لبناء محطات توليد الطاقة الجديدة، بعد أن شهدت تراجعا في قاعدتها من حيث المهارات بسبب عقود من عدم الرغبة في بناء مفاعلات نووية جديدة.
ويسعى السياسيون إلى الاستفادة من هذا، قائلين "إنه يبين مدى انفتاح المملكة المتحدة أمام الاستثمارات الخارجية". يقول جون هاتون، نصير الطاقة النووية أثناء خدمته في مجالس حزب العمال البرلمانية في العقود السابقة والرئيس الحالي لرابطة الصناعة النووية "قررت الحكومة عدم اختيار هذه التكنولوجيا. وكان موقفنا يقوم على أن أي شخص لديه تكنولوجيا قابلة للتطبيق يمكنه تقديمها من أجل الحصول على ترخيص، والحقيقة البسيطة مفادها أن شركة EDF كانت في مكان أفضل من أي طرف آخر لتبدأ عصر النهضة".
ويجادل آخرون بأن هناك طريقة مختلفة للمضي قدما في موضوع تجديد وتحديث قطاع الطاقة النووية في البلاد. مثلا، كان من الممكن أن يطلب الوزراء من الشركات تقديم عطاءات لبناء المحطات، ومن ثم التفاوض حول السعر والفائدة التي ستعود على القوة العاملة في المملكة المتحدة، قبل بنائها على نفقة الدولة.
ويقول بيتر أثيرتون، المحلل لدى شركة كورنوول لاستشارات الطاقة "يمكن أن نحصل على برنامج نووي تقوده الحكومة لكي يكون بأقل تكلفة. لكن ما فعلناه بدلا من ذلك أننا قلنا "إن كل من يريد بناء مفاعل نووي يمكنه ذلك. لهذا السبب نرى أن الأمر مشاع للجميع في الوقت الحاضر".
وهناك أشخاص آخرون أكثر انتقادا. أحد المسؤولين التنفيذين في قطاع صناعة الطاقة النووية قال لـ "فاينانشيال تايمز"، "الحكومة سعيدة بأن تكون البنية الأساسية للطاقة لدينا مملوكة من قبل الدولة، طالما أنها ليست الدولة البريطانية".

توسيع النطاق

في موقع شركة هورايزون شمالي ويلز، تتسبب الحقيقة التي مفادها أن المشروع يجري تصميمه وبناؤه على بعد أكثر من تسعة آلاف كيلو متر، في طرح تحديات فريدة من نوعها. فعلى إحدى حواف الموقع يوجد حوض صغير لبناء السفن يقدم خدماته لمصنع موجود هناك منذ 45 عاما، يجري إيقافه حاليا. وسيجري تحويل الحوض إلى ميناء عميق قادر على استقبال المفاعل الذي يزن 600 طن عندما يصل من اليابان.
وتتطلب عملية نقل المفاعل من الميناء تشييد أكبر رافعة في العالم: مركبة بارتفاع 200 متر تحمل المفاعل على مسارات سكك حديدية صممت خصيصا عبر الموقع الذي تبلغ مساحته ألف فدان، وهي عملية يمكن أن تستغرق عدة أسابيع.
سيعمل نطاق العمل على خلق ما يصل إلى عشرة آلاف فرصة عمل في ذروته، لكن شركة هورايزون تقول "إنه من المحتمل أن تكون 2500 فرصة عمل منها فقط من مصدر محلي". وتجري الشركة الآن محادثات لاستئجار ثلثي قرية سياحية يجري التخطيط لتشييدها قريبا من الموقع، لتوفير مساكن للعمال القادمين من خارج المنطقة.
وسيتم تنفيذ جزء كبير من العمل في اليابان إلى درجة أن "هورايزون" تأمل في الحصول على ضمانات حكومية من الدولة اليابانية للمساعدة في تمويل المشروع.
وتسري وسط المجتمع المحلي القريب من إنجليسي حالة من القلق كون المشروع يجري تشغيله من قبل شركات أجنبية. وتبلغ مساحة الجزيرة نحو 715 كيلو مترا مربعا وهي موطن لـ 70 ألف نسمة، عاش كثيرون منهم هناك منذ أجيال. ولديها واحدة من أعلى النسب من المتحدثين باللغة الويلزية المتركزين في مكان واحد في البلاد ـ أكثر من 50 في المائة.
وتتساءل بيثان روبرتس، التي عاشت على جزيرة إنجليسي طوال حياتها "هل سيحضرون أناسا ليعيشوا هنا من أماكن أخرى؟ هذا قد يعمل على تغيير المكان - ربما فرص العمل التي ستكون متاحة لن يحصل عليها السكان المحليون".
ويقول ديلان مورجان، أحد منظمي الحملة المحلية المناهضة لإقامة المصنع "نحن نرى أن هذا يمثل تهديدا للغة الويلزية. ليس من قبيل الصدفة أن بناء أول مصنع تابع لشركة ويلفا أدى إلى حدوث تراجع في النسبة المئوية للمتكلمين باللغة الويلزية".
وتشعر شركة هورايزون بالحساسية إزاء تلك المخاوف. جاء جريج إيفانز، مدير الموقع هناك، من الولايات المتحدة، لكنه يعيش على الجزيرة منذ عام 2001 وهو رئيس لـ "أملوتش تاون"، نادي كرة القدم المحلي. يقول "ينبغي لكثير من شباب إنجليسي المغادرة من أجل الحصول على فرصة عمل الآن. وهذه فرصة ذهبية للسماح لقليل منهم البقاء في الجزيرة".
وبالنسبة إلى أمثال "EDF" و"هيتاشي" و"توشيبا"، يمثل استعداد المملكة المتحدة للضغط قدما والمضي في بناء مصانع الطاقة النووية بعد "فوكوشيما" فرصة نادرة الحدوث لتوفير العمل لمهندسيهم.
السبب الرئيسي الآخر وراء سعي المطورين الدوليين إلى العمل في بريطانيا فهو أن مكتب تنظيم الطاقة النووية في المملكة المتحدة، الذي يجب أن يصادق بالموافقة على تصاميم جميع المصانع، يعتبر واحدا من المكاتب الأكثر صرامة في العالم. وأحد أهم المحفزات والدوافع وراء استثمار الصينيين، المشاركين في EDF، في المملكة المتحدة هو ختم الجودة الذي يمكنهم الحصول عليه وهم يسوقون تصميم "هوالونج وان" على الصعيد الدولي.
والعقبة الرئيسية التي تواجهها كل من "هورايزون" و"نيوجين" هي أنه يجب عليهما تسويق رؤيتيهما لمستثمرين عالميين. يقول كلا المطورين "إنهما سيقومان ببناء مصانعهما بتكلفة أقل من 18 مليار جنيه استرليني وهي تكلفة بناء مشروع هينكلي بوينت"، لكنهما لم يحددا التكلفة بالضبط.
بالنسبة إلى المستثمرين المخاطر والأرباح كبيرة. بناء محطة نووية يعني إنفاق مليارات الجنيهات، مع عدم وجود أمل في الحصول على عائدات إلى أن يصل المشروع إلى طور التشغيل. لكن إذا وصل المخطط إلى تلك المرحلة تكون العائدات سخية وطويلة الأجل وتدعمها الضمانات الحكومية. وقد وافقت المملكة المتحدة على دفع مبلغ 92.50 جنيه استرليني لشركة EDF مقابل كل وحدة كهرباء تنتجها في مشروع هينكلي بوينت، أي أكثر من ضعف سعر الجملة الحالي.
يقول أثيرتون، من شركة كورنوول للطاقة "البنية الأساسية تقدم عائدات طويلة الأجل مرتفعة الأرباح وقليلة المخاطر - بشرط أن يتم بناؤها".

محركات الاستيراد

بالنسبة إلى كثيرين من الذين أسهموا بصورة قوية في تشكيل موقف بريطانيا إزاء الاستثمار الخارجي، يعتبر هذا كله دلالة على وجود نهج سليم في بناء البنية الأساسية.
حذر السير مالكولم ريفكيند، وزير الخارجية الأسبق، من الآثار الأمنية المترتبة على السماح للمجموعات الصينية بالمساعدة على تطوير مشروع هينكلي بوينت. لكنه يدافع عن الاستراتيجية الأوسع نطاقا خلف البرنامج النووي قائلا "أشك في إمكانية الحصول على القيمة الحقيقية للأموال عن طريق الحد من عدد الشركات، أو البلدان التي نسمح لها بأن تشترك في مشاريع من هذا القبيل. لم يكن هذا أبدا هو النهج البريطاني".
بالنسبة إلى آخرين، يعد هذا دلالة على وجود فشل أعم أدى إلى تفاقم التدهور الصناعي طويل الأجل في البلاد.
يقول أثيرتون "نحن نستخدم الآن أربع تكنولوجيات مختلفة من خمس شركات تصنيعية مختلفة في الوقت نفسه. ومن خلال ذلك، يمكننا تقليل الفرص الخاصة بسلسلة التوريد في المملكة المتحدة. سيتعين على القائمن على البناء التقليل من المخاطر عن طريق استيراد المخزون من بلادهم الأصلية".
في شمال إنجليسي يستعد السكان المحليون لأن يتم تغيير جزء من جزيرتهم على نحو لا يستطيعون بعده معرفته. عمل كثيرون في أعمال تشييد وبناء المصنع الأصلي في الستينيات، ويأملون الآن أن تزودهم المفاعلات بطفرة ازدهار مشابهة في توفير فرص العمل والاستثمار.
اعتاد جيرينت جونز التدريس في كوليج ميناي، وهي كلية محلية تساعد على تدريب مهندسي الطاقة النووية ومدعومة من قبل شركة هيتاشي. يقول "يعمل ابني في مصنع ويلفا القديم. المصنع الجديد ضروري ومهم. آمل فقط أن يستطيع العثور على فرصة عمل جديدة هناك".