المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البخاري.. بطل العالم في الذاكرة


عبدو خليفة
08-25-2016, 12:42 AM
إن درة الحفاظ، وأعجب ذاكرة تسمع عنها، هو إمام الحديث محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى، وبالرجوع إلى
سيرته سنجد عجبًا. فلما قدم بَغْدَاد وذاع صيته والناس كانت تأتيه من كل مكان، سمع بِهِ أصحاب الحديث هناك، فَاجْتمعُوا وَأَرَادُوا امتحان حفظه، فعمدوا إِلَى مائَة حَدِيث فقلبوا متونها وأسانيدها وَجعلُوا متن هَذَا الإسناد لإسناد آخر، وَإسْنَاد هَذَا الْمَتْن لمتن آخر.
ودفعوا هذه الأحاديث إِلَى عشرَة أنفس (10رجال) لكل رجل عشرَة أَحَادِيث، وَأمرُوهُمْ إِذا حَضَرُوا الْمجْلس أَن يلْقوا ذَلِك على البُخَارِيّ وَأخذُوا عَلَيْهِ الْموعد للمجلس، فَحَضَرُوا وَحضر جمَاعَة من الغرباء من أهل خُرَاسَان وَغَيرهم وَمن البغداديين، فَلَمَّا اطْمَأَن الْمجْلس بأَهْله انتدب رجل من الْعشْرَة فَسَأَلَهُ عَن حَدِيث من تِلْكَ الْأَحَادِيث، فَقَالَ: البُخَارِيّ لَا أعرفهُ، فَمَا زَالَ يلقي عَلَيْهِ وَاحِدًا بعد وَاحِد حَتَّى فرغ، والبُخَارِيّ يَقُول: لَا أعرفهُ.
وَكَانَ الْعلمَاء مِمَّن حضر الْمجْلس يلْتَفت بَعضهم إِلَى بعض وَيَقُولُونَ فهم الرجل، وَمن كَانَ لم يدرِ الْقِصَّة يقْضِي على البخاري بِالْعَجزِ وَالتَّقْصِير وَقلة الْحِفْظ!
ثمَّ انتدب رجل من الْعشْرَة أَيْضًا فَسَأَلَهُ عَن حَدِيث من تِلْكَ الْأَحَادِيث المقلوبة، فَقَالَ: لَا أعرفهُ، فَسَأَلَهُ عَن آخر، فَقَالَ: لَا أعرفهُ، فَلم يزل يلقِي عَلَيْهِ وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى فرغ من عشرته، والْبخاري يَقُول: لَا أعرفهُ.
ثمَّ انتدب الثَّالِث وَالرَّابِع إِلَى تَمام الْعشْرَة حَتَّى فرغوا كلهم من إِلْقَاء تِلْكَ الْأَحَادِيث المقلوبة، وَالْبُخَارِيّ لَا يزيدهم على: لَا أعرفهُ.
فَلَمَّا علم البخاري أَنهم قد فرغوا التفت إِلَى الأول، فَقَالَ: أما حَدِيثك الأول، فَقلت كَذَا، وَصَوَابه كَذَا، وحديثك الثَّانِي كَذَا، وَصَوَابه كَذَا، وَالثَّالِث وَالرَّابِع على الْوَلَاء، حَتَّى أَتَى على تَمام الْعشْرَة، فَرد كل متن إِلَى إِسْنَاده وكل إِسْنَاد إِلَى مَتنه، وَفعل بالآخرين مثل ذَلِك، عشرة رجال بعشرة أحاديث، مغلوطة ومصححة (يعني 200 حديث).
وبعد هذه الحادثة أقر النَّاس في بغداد لَهُ بِالْحِفْظِ وأذعنوا لَهُ بِالْفَضْلِ.
هذا الموقف رواه الحافظ ابن حجر بسنده عن جمع من شيوخ بغداد، ثم قال بعده: هُنَا يخضع للبخارِي، فَمَا الْعجب من رده الْخَطَأ إِلَى الصَّوَاب، فَإِنَّهُ كَانَ حَافِظًا؛ بل الْعجب من حفظه للخطأ على تَرْتِيب مَا ألقوه عَلَيْهِ من مرّة وَاحِدَة!
نقلا عن موقع قصة الإسلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
قلت: ومع كل هذه المزايا التي حبا الله بها عبده محمد بن اسماعيل البخاري رحمه الله تعالى، ومع ذلك القَبول الذي حُظي به من جميع أهل العلم في الإسلام وهم أدرى الناس بما في كتاب البخاري، ومن قبل ما عالم الله به من تريليونات من المسلمين منذ زمانه رحمه الله إلى زماننا هذا، ثم يأتي أفراد من تلاميذ المستشرقين يقول لك أحدهم: مشكلتي مع البخاري.
ما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. من أنت بالىسبة للبخاري حتى تكون لك معه مشكلة؟ وهل تضاهي حبة رمل في صحراء شاسعة القمر؟