المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المشاكل الاقتصادية بين الفكر البشري وشريعة الخالق


Eng.Jordan
08-28-2016, 10:26 AM
المشاكل الاقتصادية
بين الفكر البشري وشريعة الخالق



مقدمــــــــة

يهدف علم الاقتصاد إلى تحقيق الرخاء بوصفه الجانب المادي للسعادة التى هي غاية الناس فى الدنيا . يتطلب تحقيق الرخاء المادي أن يعمل المجتمع على تحقيق هدفين أحدهما على المستوى القومي والآخر على المستوى الفردي ؛
1. كفاية الناتج القومي ، بمعنى توفير السلع والخدمات الكافية من من حيث الكم والنوع لتلبية متطلبات المجتمع الاستهلاكية والتنموية ، وتشغيل كامل الطاقات البشرية المؤهلة للعمل .
2. كفاية الدخل الفردي ، بمعنى أن يكون دخل كل فرد ، على الأقل ، كافياً لتلبية حاجاته المعيشية فى مستوى معيشي معياري مقبول من قبل المجتمع .

بقصد تحقيق الهدفين ، كان على المجتمعات اختيار منهج لاستغلال الموارد لتحويلها إلى منتجات وثم توزريع المنتجات على أفراد المجتمع ، فانبثق عن الفكر البشري ، بصورة رئيسية ، نظام اشتراكي وآخر رأسمالي ؛
· النظام الاشتراكي يقوم على الملكية العامة للموارد الطبيعية وثم استغلالها بتحويلها إلى منتجات ، يجرى توزيعها على أفراد المجتمع بحسب حاجات كل فرد . ولكن التجربة العملية فرضت الأخذ بالنظام الرأسمالي جزئياً ، فأقرت الاشتراكية الملكية الخاصة فى حدود معينة .
· النظام الرأسمالي يقوم على الملكية الخاصة للموارد الطبيعية وثم استغلالها بتحويلها إلى منتجات يتم بيعها لأفراد المجتمع بحسب المقدرة الشرائية لكل فرد ، مع اعتماد أنظمة رعاية إجتماعية لمساعدة ذوى المقدرة الشرائية المتدنية . ولكن التجربة العملية فرضت الأخذ بالنظام الاشتراكي جزئياً ، فأقرت الرأسمالية الملكية االعامة فى حدود معينة .

بعد مضي سنوات طويلة على تطبيق كلا النظامين فقد ثبت فشل السيسات المتبعة فيهما فى تحقيق أهداف الاقتصاد على المستويين القومي والفردي . يشير إنفجار الفقاعات المالية خلال العقود الأربعة الأخيرة إلى فشل الأنظمة الاقتصادية القائمة فى تحقيق الرخاء المنشود ، فالاقتصاد يتميز بعدم الاستقرار وفئة قليلة من الأفراد والمؤسسات تتحكم فى غالبية رأس المال والثروات . انتشرت الثورات فى العالم على اختلاف شعاراتها للتعبير عن السخط على الظلم الاجتماعي الناتج عن جشع الأنظمة الوضعية .

مع تفاقم معاناة الشعوب وزيادة الفقر وتدنى مستوى معيشة الطبقات المتوسطة ، أصبح من الضروري تكثيف الجهود لإعادة النظر فى المرتكزات الأساسية التى يقوم عليها الفكر الاقتصادي القائم بهدف التعرف على المشكلة أو المشاكل الرئيسية التى تعيق تحقيق الرخاء فى المجتمعات ، وثم تقديم سياسات إقتصادية بديلة تعكس العدالة الاقتصادية وتحقق مصالح جميع أفراد المجتمعات وفق الأحكام التى فرضها خالق البشر لتهديهم إلى الطريق القويم فى معالجة شؤون حياتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ,

إذا كان الفكر العلماني القائم على فصل الدنيا عن الدين قد استقطب الكثيرين بسبب عدم وضوح مفاهيم المناهج الخاصة بتنظيم الشؤون الحياتية المعاصرة فى الشرائع السماوية ، وبسبب تصرفات المتشددين بغير حق ، فإن الإحجام عن التعرف على أحكام الحياة فى الشرائع السماوية يمثل قصوراً فى حق المعرفة لدى العلمانين ، ويضفى حكماً على الأديان دون معرفة مسبقة لما تقدمه من أجل سعادة البشرية .

تناولت الشرائع السماوية جميعها مسائل إقتصادية ، على أن الإسلام يتميز بشمولية عرض قواعد ثابتة تمهد الطريق لتأسيس نظام إقتصادي عادل متكامل يصلح لجميع البشر في كل زمان وفي كل مكان ، ذلك أن العقيدة الإسلامية تقوم على أن الإنسان خلق ليعبد الله " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" (الذاريات 51 : 56) ، وتشمل العبادة أن يعيش المسلمون وفق أنظمة بينها الله فى القرآن الكريم وتم إبلاغها للبشر من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم " ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين " (البقرة 2 : 2) ، فليس مطلوباً من البشر وضع أنظمة حياتهم ، وإنما عليهم وضع السياسات التى تمكنهم من تطبيق الأنظمة التى فرضها الخالق عز وجل لتتحقق لهم السعادة فى الدنيا والآخرة .

خلافاً لما اتجه إليه الكتاب القدامى والمعاصرون فى بحوثهم المتعلقة بالنظام الاقتصادى الإسلامي باعتباره مجرد نظام غير ربوي يحقق التكافل الاجتماعي ، فإن البحث يتناول عرض كل من المشاكل الاقتصادية ، ثم يبين السياسات الوضعية المتبعة لمعالجتها ، وبالمقابل يوضح أحكام الخالق بشأنها ، وذلك بهدف التوصل إلى سياسات بديلة تتوافق مع قواعد الشريعة الإسلامية وتترجم فى مجملها نظاماً إقتصادياً عادلاً متكاملاً .

الفصل الأول

مشكلة نــــــــــدرة الموارد

ينظر الاقتصاديون إلى الندرة على أنها المشكلة الاقتصادية الرئيسية التى تعيق تحقيق الرخاء ، ويلقون باللوم على الطبيعية التى يعتقدون أنها لا توفر قدراً كافياً من الموارد لتلبية إحتياجات المجتمعات .

ما هو مفهوم الندرة ؟
يقصد بالندرة فى المفهوم الاقتصادي المعاصر عدم كفاية الموارد المتاحة لتلبية الحاجات المادية لأفراد المجتمع .

ما هي الموارد ؟
يقصد بالموارد الموارد الطبيعية والموارد البشرية .
· الموارد الطبيعية تتمثل فى المواد التى أودعها الله فى الكون وسخرها الخالق للبشر لتتشكل منها المنتجات .
· الموارد البشرية تتمثل فى القوة العاملة التى يمكنها حاضراً أو مستقبلاً تقديم الجهد العضلي والذهني اللازم لتشكيل المنتجات .

ما هي الحاجات ؟
يقصد بحاجات الأفراد المنتجات من السلع والخدمات وهى تشمل :
· منتجات الاستهلاك مثل الغذاء واستهلاك الكهرباء والماء والطب والتعليم .
· منتجات التنمية وهى المنتجات التى تستهلك خلال آجال طويلة مثل معدات الصناعة والمواد الخام والمبانى والطرق والجسور. منتجات التنمية تستعمل لغرض إنتاج منتجات قابلة للاستهلاك .
· منتجات الدفاع لحماية الموارد والمنتجات مثل السلاح للجيوش وأجهزة الأمن الداخلي .
· منتجات الوقاية مثل حماية البيئة ومكافحة الفساد والمراقبة والتخطيط والقضاء .
· الخدمات مثل خدمات الاستشارات والنظافة .

ما مدى كفاية الموارد لتلبية الحاجات ؟
1. كفاية الموارد على المستوى العالمي
توضح مؤشرات النمو العالمى الصادرة عن البنك الدولى والمحدثة بتاريخ 28 يوليو/تموز 2011 معدلات نمو الناتج الإجمالي العالمى بالمقارنة مع معدلات النمو السكاني العالمى خلال السنوات 1985 ، 1990 ، 1995 ، 2000 ، 2005 حيث بلغ معدل نمو الناتج 3.9% ، 3.0% ، 2.9% ، 4.3% ، 3.6% على التوالى ، بينما بلغ معدل النمو السكاني 1.7% ، 1.7% ، 1.5% ، 1.3% ، 1.2% على التوالى .
تؤكد زيادة معدلات نمو الناتج على معدلات النمو السكانى على عدم وجود ندرة للموارد على المستوى العالمى . وبالإضافة لذلك فإنها تشير إلى الإفراط فى استغلال الموارد العالمية مما يفسر زيادة تلوث البيئة وتنامى أنشطة إعادة تصنيع المنتجات التالفة . وحيث لا يمكن القول بأن جميع الموارد فى العالم مستغلة ، فإنه يمكن تأكيد وفرة الموارد على المستوى العالمي .
2. كفاية الموارد على المستوى القومي
لا شك أن الواقع والمسح الجغرافي الجيولوجى للدول يبين التفاوت فى الموارد الطبيعية المتوفرة لدى كل دولة من حيث الكمية والنوع ، ولكن التجارة الدولية تمكن الدول من تبادل فوائض الموارد . فإذا توفرت الموارد الناقصة عن طريق الاستيراد انتفت صفة الندرة عنها وأصبحت الموارد متوفرة على المستوى القومي . أما المجتمع الذى لا يتوفر لديه مقومات الدولة من موارد طبيعية وبشرية فلا يمكنه تشكيل دولة وإنما عليه الانضمام إلى دولة مجاورة .
3. كفاية الحاجات على المستوى الفردي
هناك فرق بين ما يرغب الأفراد فى الحصول عليه من منتجات وبين احتياجات الفرد فى الاقتصاد ، فالرغبة فى امتلاك الثروة ، بطبيعة البشر ، لا حدود لها . لذلك ، فمن المنطقي أن يكون المقصود بالحاجات فى الأنظمة الاقتصاد المعاصرة هو ما يلزم للفرد إقتنائه لتلبية حاجاته المعيشية المعقولة . ولكن الواقع العملي يثبت تمكن بعض الدول من تحقيق ناج قومي يفوق من حيث الكم إحتياجات ِشعوبها ، ومع ذلك فليس جميع الأفراد فى مجتمعاتهم ينعمون بالرخاء . تشير مؤشرات النمو خلال عام 2005 الصادرة عن البنك الدولى إلى أن معدل نمو الناتج فى الولايات المتحدة الأمريكية 3.1% مقابل نمو سكانى بمعدل 0.9% ، ومع ذلك لم تتمكن الولايات المتحدة الأمريكية التى تحقق أكبر ناتج قومى فى العالم من تحقيق الرخاء على المستوى الفردي .

حيث ثبت توفر الموارد الطبيعية والبشرية على المستوى العالمي ، وإمكانية توفيرها على المستوى الإقليمي ، ومن ثم توزيعها على المستوى الفردي بما يحقق الرخاء لأفراد المجتمعات ، فإن المشكلة بالضرورة تكمن فى استغلال الموارد .

ما هي مشكلة استغلال الموارد ؟
يقصد بمشكلة استغلال الموارد ، سوء التخطيط أو التنفيذ أو المراقبة الذى يترتب عليه الفشل فى استغلال الموارد بالشكل الذى يحقق النمو الأمثل للناتج القومي . ويتضح ذلك فى عدة مجالات يمكن تلخيصها فيما يلى :
1. اكتشاف الموارد
قد يفشل المجتمع فى تحقيق هدف النمو من حيث الكم بسبب الجهل بما فى بواطن الأرض وحولها من موارد . كثير من الدول الفقيرة والمتخلفة التى تعرف بأنها الدول البكر ، مثل الدول الإفريقية ، تتوفر لديها موارد لم يتم اكتشافها بعد .
2. استخراج الموارد
قد يفشل المجتمع فى تحقيق هدف النمو من حيث الكم رغم العلم بوجود موارد لم يتم استخراجها أو بسبب عدم اتخاذ القرار السياسي باستخراجها بعد ، أو بسبب اتخاذ قرار بتأجيل استخراجها لصالح الأجيال المقبلة . كثير من الدول الفقيرة والمتخلفة تتوفر لديها موارد لم يتم استخراجها بعد . تشير مؤشرات النمو خلال عام 2005 الصادرة عن البنك الدولى إلى أن معدل نمو الناتج اللبناني 1% مقابل نمو سكانى بمعدل 1.4% . لايمكن أن يستنتج من ذلك ندرة الموارد فى لبنان ، ذلك أن أصحاب القرار فى لبنان يعلمون بوجود موارد من الغاز فى البحر الأبيض المتوسط ولكنهم لم يسعون لاستخراجها .
3. عدم استغلال الموارد
قد يفشل المجتمع فى تحقيق هدف النمو بسبب عدم استغلال الموارد المستخرجة . يقصد بالاستغلال تحويل الموارد المستخرجة إلى منتجات قابلة لتلبية حاجات المجتمع . إذا استغلت الدولة موارد تقل عن ما يلزم لتلبية حاجات أفراد المجتمع ، فإنه يترتب على ذلك حرمان الجيل الحاضر من استغلال الموارد لإنتاج ما يكفيه من حاجات على حساب اكتناز الموارد المتاحة لاستغلالها من قبل الأجيال المقبلة أو على حساب استنزاف موارد دول أخرى . وغالباً ما يكون ذلك على حساب ارتفاع معدل البطالة إذ أن فيه حرمان لطاقات بشرية من توفير مجالات عمل محلية . تستورد الولايات المتحدة الأمريكية النفط من الخارج رغم توفر إحتياطيات النفط لديها بكميات كبيرة .
4. الإفراط فى استغلال الموارد
قد يفشل المجتمع فى تحقيق هدف النمو بسبب الإفراط فى استغلال الموارد المستخرجة . إذا استغلت الدولة موارد تتجاوز ما يلزم لتلبية حاجات أفراد المجتمع مثل الدول النفطية العربية ، فإنه يترتب على ذلك استبدال الموارد التى تمثل ثروة المجتمع بأوراق نقدية ، بالإضافة إلى اهدار موارد من حق الأجيال المقبلة وتحمل مخاطر ارتفاع معدل تلوث البيئة فى الدولة المنتجة .
5. كفاءة استغلال الموارد
قد يفشل المجتمع فى تحقيق هدف النمو رغم استغلاله لموارده بسبب تدنى مستوى الكفاءة فى استغلال الموارد . يقع على الدولة والمستثمرين مسؤولية رفع الكفاءة الإنتاجية بتوفير التقنيات اللازمة وتحسين طرق الانتاج وأساليب مراقبة الإنتاج والجودة وتأهيل وتدريب القوى العاملة ودعم البحوث العلمية .
6. توزيع استغلال الموارد
قد يفشل المجتمع فى تحقيق هدف النمو على مستوى الأقاليم ، فتتركز التنمية فى مناطق معينة كالمدن الرئيسية على حساب انخفاض معدل التنمية فى مناطق أخرى .
7. تشكيلة المنتجات
قد يحقق المجتمع ناتج قومي من حيث الكم يفوق ما هو مطلوب لتحقيق الرخاء ، ولكن تختلف تشكيلة المنتجات عن تلك المطلوبة لتحقيق الرخاء لأفراد المجتمع . ما لم يتمكن المجتمع من استعادة التوازن بين التشكيلتين عن طريق التجارة الدولية ، فإنه يمكن تفسير الاختلاف بين التشكيلتين بأنه نتيجة سوء توجيه الخطط الإنتاجية على حساب المنتجات الاستهلاكية ، ومثال ذلك :
§ إعطاء الأولوية لمنتجات التنمية بقصد الإسراع فى تطوير الدولة ، مثل بناء شبكة طرق .
§ إعطاء الأولوية للمنتجات الكمالية بقصد الاهتمام بمظهر الدولة ، مثل تجميل الساحات العامة .
§ إعطاء الأولوية للمنتجات الحربية بقصد مواجهة عدوان متوقع .
§ إعطاء الأولوية للمنتجات ذات الربحية العالية مثل إنتاج الأسلحة لتصديرها .
§ استنزاف الموارد فى الحروب والتدمير والإرهاب وأعمال الشغب .
8. الإسراف فى الاستهلاك
قد يتمكن المجتمع من توفير منتجات كافية لتلبية حاجات المجتمع ، ولكن تتمكن فئة فى المجتمع من اقتناء أكثر مما يلزمها من حاجات . فالمشكلة إذا تتعلق بترشيد الاستهلاك ومثال ذلك اقتناء أكثر مما يلزم من الحاجات الثابتة والمنقولة بسبب الرغبة فى الظهور ، أو اقتناء أكثر مما يلزم من الحاجات الغذائية ، ويدل على ذلك ما يتلف من مأكولات من قبل الفنادق والأثرياء .

ما هي أحكام الإسلام فى الندرة ؟
إن الله عز وجل خلق الإنسان ، "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالاً كثيراً ونساءاً " (النساء 4 : 1) ، وسخر له الموارد الطبيعية ليستغلها "واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم فى الارض تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون الجبال بيوتاً" (الأعراف 7 : 74) ، على أن يكون استغلاله لها وفق ضوابط استخلافه فيها " ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين" (النساء 4 :14) .

يؤكد الإسلام على وفرة الموارد وكفايتها ، ويضع الضوابط لاستغلالها .

1. وفرة الموارد
يؤكد القرآن الكريم على عدم وجود ندرة فى الموارد ؛
· على المستوى العالمي : "وجعلنا لكم فيها معايش " (الحجر 15 : 20) .
· على المستوى القومي : يقر القرآن الكريم بتفاوت توزيع الموارد " وهو الذى جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات " ( الأنعام 6 : 165) ، ولمعالجة هذه المشكلة فقد شرع الله تبادل الموارد بين الدول من خلال تشريعه تعاون الشعوب "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا" (الحجرات 49 : 13) .
· على المستوى الفردي : " وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها " (هود 11: 6) .
2. ضوابط الحاجات
بينما يقر الإسلام بالرغبة غير المحدودة للأفراد فى الحصول على المنتجات "وتحبون المال حباً جما" (الفجر 89 : 20) ، إلا أن حاجات الأفراد من السلع والخدمات فى الاقتصاد الإسلامي محدودة بما شرع الله ؛
· ضمن السعــة : "لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آته الله لا يكلف الله نفساً إلا ما ءاتاها" (الطلاق 65 : 7) .
· بدون بخــــــــل : "الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذاباً مهينا" (النساء 4 : 37) .
· بدون إسراف : "ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين" (الأنعام 6 : 141) .
3. كفاية الموارد لتلبية الحاجات
تؤكد آيات القرآن الكريم على تحقق التوازن بين الموارد والحاجات المشروعة من حيث الكمية والنوع سابقاً وحاضراً ومستقبلاً .
· التوازن من حيث الكميــة : "وجعلنا لكم فيها معايش " (الحجر 15 : 20) .
· التوازن من حيث النوعية : "وأنبتنا من كل شيء موزون" (الحجر 15 : 19) .
· التوازن فى المستقبـــــــــــل : " وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم " (الحجر 15:21) .

والخلاصة أنه خلافاً للفكر الاقتصادي المعاصر ، لا تقر الشريعة الإسلامية بوجود مشكلة إقتصادية سببها ندرة فى الموارد ، وإنما تؤكد ، وكذلك الإحصاءات من الواقع العملي ، على كفاية الموارد لتلبية حاجات البشر . إن المشكلة الرئيسية تكمن فى السلوك البشري لاستغلال الموارد .



الفصل الثاني

مشكلة التضخــــــــــــــــم

ما هو التضخم ؟
يعرف التضخم فى الاقتصاد بأنه ارتفاع فى المستوى العام لأسعار السلع والمنتجات . ولكن من الضروري التمييز بين التضخم المفتعل والارتفاع الطبيعي لسعر سلعة ما ، أو لأسعار مجموعة من السلع ، بسبب زيادة الطلب أو نقص العرض أو زيادة تكاليف الإنتاج ، مثل ارتفاع سعر الطماطم فى غير موسمها . خلافاً للتضخم المفتعل لا يترتب على الارتفاع الطبيعي للأسعار تضخماً ضاراً وإنما يعكس ارتفاعاً حقيقياً فى قيمة السلعة أو السلع ليس له تأثير يذكر على المستوى العام للأسعار بسبب تفاعلات عاملي الطلب والعرض فى السوق التى تعيد الأسعار إلى نقاط التوازن ، وبسبب تعدد المنتجات ونوعياتها ، وبفعل التطوير التقني المتلاحق لتقديم سلع بديلة وأساليب إنتاج أقل كلفة .

كيف ينشأ التضخم المفتعل ؟
قبل ظهور البنوك والأسواق المالية ، كان النشاط الاقتصادي ينحصر فى النشاط الإنتاجي وكانت الدولة ، حصرياُ ، تصدر النقود التى يتداولها الأفراد والمؤسسات . يمثل النشاط الإنتاجي حصيلة تضافر جهد العمال والمنتجات التنموية مثل المعدات والتجهيزات والمباني وغيرها بالإضافة إلى مخاطرة المستثمر . ومن يساهم فى الانتاج يحصل على نقود تمثل دخلاً له ، فالدخل يوزع بين عمال يحصلون على أجور مقابل جهدهم اليدوي أو الذهني ، ومستثمرين يحصلون على إيجار (أو استهلاك) مقابل الانتفاع بممتلكاتهم من المنتجات التنموية وكذلك على ربح مقابل تحملهم مخاطر الاستثمار . يمكن التعبير عن ذلك على المستوى القومي بالمعادلة التالية :
الناتج القومي بسعر البيع = الدخل القومي = (أجور العمال + عوائد المستثمرين)

ولكن بعد التطور التقني وزيادة تعقيدات الاقتصاديات ، تعاظمت حاجة الدول والمؤسسات والأفراد للنقود ، ولم تعد معظم الدول قادرة على توفير الغطاء اللازم لإصدار العملة ، بينما بعض الأفراد والمؤسسات والدول يزيد دخلها عما تنفقه ، فاتجت الأنظمة الاقتصادية على اختلاف أنواعها ، رأسمالية واشتراكية وإسلامية وغيرها ، إلى تطبيق الفكر الرأسمالي لاستقطاب المدخرات وفوائض الأموال عن طريق استحداث أنشطة مالية اعتبرها الاقتصاديون جزءاً من النشاط الاقتصادي ، فظهرت البنوك ومؤسسات الإقراض والأسواق المالية لتعمل جميعها على استقطاب النقود ، ومع زيادة حجم الإنفاق الخاص والعام يتنامى الفساد المالي . ترتب على ذلك زيادة الدخل القومي بمقدار ما يحصل عليه الممولون من فوائد أو ربح تمويل ، وما يحصل عليه المضاربون من ربح رفع أسعار الأصول بسبب المضاربات ، و ما يحصل عليه المفسدون من رشاوى ودخول غير شرعية ، إضافة إلى ما تحصله الدولة من ضرائب لتغطية الفساد فى المال العام ولتسديد فوائد الدين العام المتصاعد ، وذلك دون أن يقابل زيادة الدخل القومي زيادة فى كمية الناتج القومي ، وإنما يقابلها زيادة فى كلفة الناتج القومي . وحيث يحرص المستثمرون على المحافظة على زيادة ، أو على الأقل ثبات ، معدل ربحهم بعد الضرائب ، فإنهم يضيفون ربحاً على الزيادة فى التكاليف . نتج عن ذلك ظهور فئة من الأفراد والمؤسسات تحصل على دخول دون أن تشارك فى الإنتاج ، وبالتالى يرتفع الناتج القومي بسعر البيع ، وتصبح المعادلة على المستوى القومي كالتالى :
الناتج القومي بسعر البيع = الدخل القومي = (أجور العمال + عوائد المستثمرين) + (فوائد الممولين + أرباح المضاربين + دخل المفسدين + زيادة ربح المستثمرين)

الفوائد أو الأرباح التى يدفعها المستثمرون للممولين تضاف إلى تكلفة السلع بوصفها كلفة تمويل . فى المضاربات على الأسهم يتم انتقال الربح أو الخسارة بين البائع والمشترى ، لكن إذا كان السوق رائجاً على صعود فإنه يتحقق لكل المضاربين ربحاً فتزيد دخول المضاربين عما كانت عليه بدون مشاركة فى الإنتاج ، أما إذا كان السوق كاسداً على هبوط فإن دخول المضاربين تنخفض ، وذلك خلافاً لما يروج له بأن رواج الأسواق المالية مؤشر اقتصادي جيد . المضاربات فى أسواق البضائع تزيد من أسعار السلع وهمياً لأنها تعتمد على حجم الطلب والعرض على عقود المضاربات وليس على السلع ذاتها ، وذلك ما يفسر تقلب سعر النفط فى الأعوام الماضية وتقلب سعر الذهب فى السنوات الحاضرة .

زيادة الدخل القومي بسبب ممارسة هذه الأنشطة المالية تعكس انخفاضاً فى قيمة العملة لأن المستهلك يضطر لأن يدفع كمية أكبر من النقود ليحصل على نفس كمية المنتجات التى كان يحصل عليها. كما أن زيادة الناتج القومي بسعر البيع بسبب ممارسة هذه الأنشطة المالية تعكس ارتفاعاً فى المستوى العام للأسعار . والتضخم المفتعل هو انخفاض فى قيمة العملة يقابله ارتفاع فى المستوى العام للأسعار . لمزيد من التوضيح بأرقام افتراضية ، يبين الجدول التالى أثر الأنشطة المالية التضخمية فى افتعال التضخم :

حمل المرجع كاملاً من المرفقات