المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التصوف وتركيع الشعوب


عبدالناصر محمود
09-04-2016, 07:31 AM
التصوف وتركيع الشعوب*
ـــــــــــــ

2 / 12 / 1437 هـ
4 / 9 / 2016 م
ــــــــــ

http://taseel.com/files/fec0871c4c028badfa1745e1166d6ddc-796x427.jpg





عرف التصوف قديما كحالة يعيشها المرء متخففا من متاع الدنيا، زاهدا فيه، مقبلا على العبادة، منقطعا لذكر الله والتفكر في آياته، منهمكا في محاسبة نفسه ولومه إياها. فاشتهر في ذلك أئمة أجلاء، عرف الناس فيهم صدق الموعظة وحسن الخلق وقبول الدعاء وحسن الخاتمة. وشيئا فشيئا تحول التصوف من سلوك فردي ينبع من صفاء النفس وعمق الإيمان والحب لله إلى طريقة ينتحلها الكثير لما لها من قبول عند الخاصة والعامة. ولم تسلم مع كثرة الداخلين من الانحرافات العقدية والفلسفية التي لحقت بها، أو بالشطط والغلو في السلوكيات والأحوال، كل ذلك في سبيل التأثير على الجماهير وتحويلهم إلى مريدين يسهل قيادهم.

وقد أثر التصوف بما لحقه من انحراف بعد نشوء الطرق في واقع المسلمين سلبا، ولا يزال حتى اليوم يلعب دورا في فكرهم ووعيهم وعقائدهم وتصوراتهم وحركتهم. ولا أدل على ذلك من تعايش الطرق الصوفية مع حالة الظلم والاستبداد والفساد الواقعة على الأمة دون أدني مدافعة. بل وقوفها سلبا من حركات التغيير المطالبة بالعدل والإصلاح والحقوق.

إرجاء وجبر:
-------

ساهمت الطرق الصوفية في نشر عقيدة الإرجاء والجبر في الأمة خلال قرون من الزمن. والإرجاء هو القول بأن الإيمان شيء واحد، لا يزيد ولا ينقص، ولا يتفاضل أهله فيه، وحقيقته القول؛ وأن المرء مهما فعل لا يكفر طالما أنه يقر بالإيمان بلسانه. أما الجبر فهو القول بنفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته لله تعالى، وأنه لا مشيئة للإنسان مع مشيئة الله، فهم مُكرَهُون على ما يفعلون. ومن ثم فالجبر يعزز روح السلبية لدى الإنسان، ويغرس فيه عدم المدافعة والمقاومة للأقدار باعتبار ذلك عبثا لا جدوى منه، لأنه ليس للإنسان قدر واستطاعة على الحقيقة.

فعقيدة الإرجاء مكنت أهل الظلم والجور والفجور من بقاء وصف الإيمان الكامل لهم، مهما فعلوا وعاثوا في الأرض فسادا. وعقيدة الجبر أسلمت جمهور الناس لظلم الطائفة الأولى وجورها وفجورها، فلا ترفع رأسا ولا تنكر بلفظ!

وقد كانت نشأة عقيدة الإرجاء مبكرة كرد فعل لعقيدة الخوارج القائلة بكفر فاعل الكبيرة؛ كما نشأت عقيدة الجبر في مقابل القائلين بنفي القدر في آخر عهد الصحابة –رضي الله عنهم. وهي فترة اتسمت بالصراع المسلح والدموي بين طوائف الأمة، وذهب فيه الآلاف من خيارها في فتنة استمرت عقودا، ما بين مدٍّ وجزرٍ.

إن تحول التصوف إلى طرق ومشيخات لها أتباعها ومزاراتها وأوقافها ومواردها عزز من تشربه لعقيدة الجبر التي تعطي الأتباع شعورا بتحقق الإيمان وراحة الضمير، وهم يقصرون في القيام بالواجبات وانتهاك الحرمات، طالما وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. خاصة وأن الطرق الصوفية أحدثت في العبادات والأوراد والسلوكيات ما هو بديل ميسر عن تكاليف الشارع، وربطت ذلك بأحوال تتلبس فيها الشعوذة ب*****.

كما أن الطرق الصوفية وهي تبني جمهورها ومواردها المالية ومكاسبها الدنيوية آلت على نفسها أن تنأى عن مقارعة الحكام الجبابرة والولاة الظلمة وأهل الفساد في الأرض. فشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تنافي عقيدة الإرجاء والجبر تؤدي بالضرورة للمواجهة وإلى الخسارة وفقدان المكاسب.
من هنا بات للخنوع والذل والخور فلسفة دينية تساهم في شرعنته وتبريره؛ ومن هنا سُميَّ الإرجاء "دين الملوك". روى ابن بطة من طريق الإمام أحمد عن قتادة قال: "إنما أحدث الإرجاء بعد هزيمة ابن الأشعث". ويقصد بذلك عبدالرحمن بن الأشعث الذي خرج على طغيان بني أمية زمن الحجاج، هو والعشرات من العلماء والقراء، وقضي على معظمهم في "دير الجماجم" سنة 83هـ. حيث أصاب الناس فزع ووهن بما جرى، وظهر بعدها الإرجاء والتصوف والشعور باليأس من تغيير مظالم السلطان.
وحيثما وليت وجهك للطرق الصوفية –إلا ما ندر منها- تجدها منصرفة عن الجهاد والاحتساب والاشتغال بأمور المسلمين العامة، بل مبررة للواقع ومعتذرة له. وتكتفي الطرق الصوفية التي تستنزف الجماهير بالحديث عن تربية النفس وتهذيبها، وانتظار الفرج من الله تعالى، والعيش في أوهام الفناء في الله. ما يدفع البعض للانغماس في شهوات الجنس وملذات المخدرات والأغاني والطرب هروبا من الواقع المؤلم.

الأولياء والفجار:
-----------

غلت الطرق الصوفية في أوليائها، ورفعتهم إلى مستويات تضاهي الأنبياء والرسل، بل ربما تتفوق عليها. بادعاء عصمتهم، ومخاطبة الله لهم سفاحا أو من خلال الإلهام أو الكشف أو الرؤى؛ بل ربما تجلى الله تعالى –بزعمهم- للولي! ويستحيل الولي مع هذه القصص إلى معقد للولاء والبراء، فكل من خالفه شيطان زنديق، وعدو لله.
ويصبح الأتباع بين يدي الشيخ كالميت بين يدي مغسله، لا يعترض عليه، ولا يشك في صحة أقواله وصدق دعاويه؛ فما أحله حلال وما حرمه حرام، وما ذمه مبغوض وما مدحه محبوب. ويحدد الأتباع أعداءهم في إطار تحديد مواقف الآخرين من الولي.

هكذا تحول التصوف من توجه لله وزهد في الدنيا، وحالة صفاء نفسي، إلى أطر عصبوية وفرق طائفية تتوجه لأفراد من البشر، يمجدونهم ويعلقون قلوبهم بهم، ويتخذونهم أربابا يطيعونهم ويوالون فيهم. فانفك الصوفية من جسد الأمة وتميزوا عن كيانها.
ورضي مشائخ الطرق الصوفية بما حققوه من مكانة وحظوة في نفوس أتباعهم، فلم يبالوا بغاشم يستبد بهم، أو ظلوم ينتهك حقوقهم، أو محتل يعدوا على ديارهم، إلا القليل النادر منهم.
يقول الشعراني: "لقد أُخذ علينا العهد بأن نأمر إخواننا أن يدوروا مع الزمان وأهله كيفما دار، ولا يزدروا قط من رفعه الله عليهم، ولو كان في أمور الدنيا وولايتها، كل ذلك أدبًا مع الله -عز وجل- الذي رفعهم، فإنه لم يرفع أحدًا إلا لحكمة هو يعلمها".

لهذا لم يشتهر عن رموز التصوف كابن عربي وابن الفارض والشاذلي والبدوي وغيرهم مجاهدة الصليبيين ولا غيرهم؛ ولم يحضوا على الجهاد ولم ينشغلوا بفقهه. ورغم مكانة الإمام أبي حامد الغزالي، الذي عاصر القدس تسقط في يد الصليبين، وعاش اثنتي عشرة سنة بعد ذلك، إلا أنه لم يشر إلى هذا الحادث العظيم، ولم يدع المسلمين لمواجهته!
بل وقف رموز هذه الطرق في كثير من بلدان المسلمين زمن الاحتلال مشرعنين له، ومباركين حلوله، ومانعين من مقارعته، ومنشغلين عن ذلك بدروسهم وأورادهم! والطواف حول القباب وحضور الموالد! بل إن القضية الفلسطينية المحورية في وجدان المسلمين جميعا لا تجد أصداء في الخطاب الصوفي والشعور الصوفي والوجدان الصوفي والحركة الصوفية.

وعلى العكس من ذلك اعتبر رموز الصوفية المجاهدين والمصلحين في تلك الحقب التاريخية دعاة فتنة، ومثيري فرقة، وعابثين بأمن واستقرار الديار وحرمة الدماء! متخذين من شعار: "أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم على أرضكم" منهجا في تطبيع الاحتلال وقبول الاستبداد وجور الظالمين.
ومما ساعد رموز الصوفية على ذلك تعطيل أتباعهم عن التلقي من الكتاب والسنة، وتفقههم في الدين، ليضلوا جهلة منقادين، لا يعرفون موجها ومعلما ومرشدا وداعيا إلى الحق ومشرعا غير شيخ الطريقة. من هنا يمتنع الصوفية عن الانفتاح على طوائف المسلمين الأخرى، ويتمسكون بمرجعية الطريقة ومشيخيتها، ولا يقبلون بأي مزاحم لها.
وقد أدرك الإمام الشّافعي –قديماً- واقع هذا الانحراف وأثره فقال: "لم يتصوّف رجل عاقل قط وأتت عليه صلاة العصر إلاّ وهو مجنون".

التصوف وآل البيت:
------------

لم يرتبط التصوف في بداياته بمعتقدات أو مواقف من آل البيت، سواء سلبا أو إيجابا. فقضية آل البيت لم تكن حاضرة في دائرة الفلسفة والسلوك الصوفي. غير أن هذا الأمر لم يدم طويلا في ظل حالة السيلان التي شهدتها العقائد والتصورات خلال قرون مضت، وحالة التلاقح التي جرت بينها.
ومؤخرا، وعقب قيام نظام ولاية الفقيه "الشيعي الاثنى عشري" في إيران، وإعلانه عن تصدير الثورة في سبيل إقامة إمبراطورية صفوية فارسية بأي ثمن؛ استطاع نظام الملالي من اختراق الطرق الصوفية بعدد من الدول العربية والإسلامية، واستمالتها في مقابل العداء مع التيارات السلفية الصاعدة. وجرى هذا الاختراق من خلال ما يقدمه نظام الملالي من بعثات تعليمية، واتصال ثقافي، واحتضانٍ لمناشط صوفية في مصر والسودان واليمن وسوريا والمغرب وغيرها.
وقد بدأ هذا الاختراق يعطي ثماره ببروز قيادات صوفية متشيعة موالية للنظام الإيراني؛ وتشيع شرائح من جماهير الصوفية في تلك البلدان. وفي حين تتحالف الأنظمة مع الطرق الصوفية لتشكل لها غطاء دينيا وبديلا للخطاب "الإسلامي السياسي".
فمصر اليوم تشهد أنشطة موسعة لرموز المذهب الشيعي تستهدف الترويج لعقيدة الشيعة؛ وتنسيقا بين هؤلاء مع أقطاب التصوف والطرق الصوفية واستخدامها لنشر التشيع. كما أن حالة اليمن تظهر إلى أي مدى تمتد مواقف الصوفية من الحياد إلى الانخراط مع الحوثيين في الصراع، وحضور بعض رموز الصوفية في صف الانقلاب العسكري الذي تدعمه إيران وتسانده، عدا عن تشيع أطراف منهم.
إن انخراط البعض بوصفه من آل البيت في التصوف، وتسرب عقائد الشيعة للتصوف منذ قرون، ساهم في هذا التقارب والتمهيد للتحول من التصوف إلى التشيع الاثنى عشري. ومن ثمَّ فالتصوف المعاصر أمام منعطف جديد في ملامحه، يضاف إلى بقية التحولات التي جعلت منه غلا في عنق الأمة ويدها وسوطا على ظهرها، وهي تُنحَرُ أمام جحافل التشيع الطائفي.
لقد ساهم تركيع الأمة لقبور الأولياء وأضرحة الأئمة.. تركيعها للمستبد والمحتل، فإنَّ من ذلَّ لغير الله فقد العزة بالله. من هنا تفتح الأبواب للتصوف اليوم ليكون حاضرا وبديلا عن دعوة أهل السنة والجماعة ومنهج السلف من قبل أنظمة مختلفة.


-------------------------
*{مركز التأصيل للدراسات والبحوث}
ـــــــــــــــــ