المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التصوف في ضيافة روسيا المعتدية!


عبدالناصر محمود
09-04-2016, 07:39 AM
التصوف في ضيافة روسيا المعتدية!*
ـــــــــــــــــــ

2 / 12 / 14 37 هـ
4 / 9 / 2016 م
ـــــــــــــ

http://taseel.com/files/0be711a01d166d8cbefd2de1241bc414-796x427.jpeg





عقدت في العاصمة الشيشانية جروزني، وتحت رعاية من الحكومة الموالية لموسكو، فعاليات مؤتمر "من هم أهل السنة والجماعة؟"، في الفترة 25- 27/8/2016م، بمشاركة أكثر من مائتي شخصية من عدة دول، معظمهم ممن ينتسبون للمدرسة الأشعرية المتصوفة. وكان الهدف من المؤتمر تقديم الأشاعرة على أنهم "أهل السنة والجماعة"، وتقديم العقيدة الأشعرية الماتريدية باعتبارها الحق والاعتدال والوسطية بين الفرق. كما سعى المؤتمر لإدانة من وصفهم بـ"التيارات الإرهابية المتطرفة"، في وقت تدعم روسيا مواجهة القوى الإسلامية في جمهوريات الاتحاد الروسي تحت يافطة "الإرهاب" دون تمييز، وتشارك في الحرب ضد الشعب السوري بصورة مدمرة.

المؤتمر حظي بحضور رئيس مجلس النواب الشيشاني[1] محمد آدم -نيابة عن رئيس الجمهورية الشيشانية راعي المؤتمر؛ وحضور كبير علماء القوقاز، ومفتي الشيشان. كما حضر شخصيات من مصر والأردن والسودان واليمن والسعودية والكويت وماليزيا وموريتانيا والهند والمغرب والبحرين. وكان من بين أبرز المشاركين من مصر: محمود الشريف -نقيب الأشراف، وعبدالهادي القصبي -شيخ مشايخ الطرق الصوفية؛ ومن اليمن: علي الجفري؛ ومن السعودية: محمد بن عبدالرحمن السقاف وعبدالله الخطيب وعبدالرحمن العثمان وحاتم العوني -عضو مجلس الشورى سابقا؛ ومن الكويت: محمد عبدالغفار الشريف؛ ومن البحرين: إبراهيم المريخي؛ ومن الهند: أبوبكر أحمد؛ ومن موريتانيا محمد الأمين؛ ومن ماليزيا: علي زين العابدين الحامد؛ ومن المغرب أحمد عبادي -الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء.
وقد ألقى كل من الدكتور أحمد الطيب -شيخ الأزهر، وعلي جمعة –مفتي الجمهورية المصرية سابقا، كلمة في المؤتمر. واختتمت الجلسة بدعاء للحبيب عمر بن حفيظ -أحد رموز الصوفية في اليمن. وكان من اللافت في كلمة شيخ الأزهر حصره مفهوم "أهل السُّنَّة والجماعة" على أتباعِ الإمام أبي الحسن الأشعري، وأتباع أبي منصور الماتريدي، وأهل الحديث. معتبرا مذهب الأشعري "عرضا أمينا لعقائد السلف، بمنهج جديد"، كشف فيه الأشعري عن "الاتساق الكامل في الواقع ونفس الأمر بين النقل والعقل". وأنه "المذهب الوحيد الذي لا يكفِّر أحدًا من أهل القِبلةِ".

كما أكد شيخ الأزهر –الذي يشغل موقع رئيس مجلس حكماء المسلمين[2]، في كلمته، على أن الجماعات التكفيرية بتصرفاتها البشعة المنكرة وبجرائمها الإرهابية لا تمت إلى أهل السنة والجماعة –بمفهومه السابق- بأدنى سبب. وشدد على أن التكفير بريد الدماء, ومبرر إراقتها عند من يسفكون دماء المسلمين, ويزعمون أنهم يجاهدون الكفار؛ وعلى أنه لم يعد "أمامنا" إلا هدف واحد هو لم شمل الأمة وغسل العقول والقلوب من العقائد السوداء, والتأويلات التي ينكرها الإسلام وشريعته أشد الإنكار.
وقد ترأس الدكتور أحمد الطيب وفدا من الأزهر، وصف بأنه "رفيع المستوى"، للالتقاء بالرئيس الشيشاني رمضان قاديروف[3]، لبحث آليات التعاون بين الأزهر الشريف وجمهورية الشيشان. وعبر عن إعجابه بالتقدم الهائل الذي حدث في الشيشان بقيادة قاديروف، الذي وصفه بالقوي بإسلامه ومنهجه الوسطي. في حين طلب الرئيس الشيشاني من شيخ الأزهر الإقامة في قصر الحكم تشريفا له.

وفي ضوء الترحيب الرسمي بالأزهر، في مسعى لإعطائه مكانة ومجالا للحضور في منطقة القوقاز، في سبيل مواجهة التيارات الإسلامية المحلية الرافضة للهيمنة الروسية والراغبة في التحرر والاستقلال، أكد أحمد الطيب بأن الأزهر سوف يعطي أهمية خاصة للشيشان، للمساهمة في مساعدة الشعب الشيشاني على مواجهة الأفكار والتيارات المتطرفة. علما بأن الأزهر يعاني من حالة اختطاف في ظل انقلاب 3 يوليو (2013م) الذي تعاني منه مصر حتى اللحظة.

وجاء من نتائج البيان الختامي للمؤتمر، والذي صدر في 27 أغسطس، "أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد، وأهل المذاهب الأربعة في الفقه، وأهل التصوف الصافي، علماً وأخلاقاً وتزكية". واعتبر المؤتمرون المؤتمر "نقطة تحول هامة وضرورية لتصويب الانحراف الحاد والخطير الذي طال مفهوم أهل السنة والجماعة؛ إثر محاولات اختطاف المتطرفين لهذا اللقب الشريف وقصره على أنفسهم وإخراج أهله منه".

وأوصى البيان الختامي بإنشاء قناة تلفزيونية على مستوى روسيا الاتحادية، لـ"توصيل صورة الإسلام الصحيحة للمواطنين، ومحاربة التطرف والإرهاب"؛ و"زيادة الاهتمام بقنوات التواصل الاجتماعي، وتخصيص ما يلزم من الطاقات والخبرات للحضور الإيجابي في تلك الوسائط، حضوراً قوياً وفاعلاً"؛ وأن يتم "إنشاء مركز علمي لجمهورية الشيشان، لرصد ودراسة الفرق المعاصرة ومفاهيمها، وتشكيل قاعدة بيانات موثقة تساعد على التفنيد والنقد العلمي للفكر المتطرف". كما أوصى بـ"ضرورة رفع مستوى التعاون بين المؤسسات العلمية العريقة، كالأزهر الشريف والقرويين والزيتونة وحضرموت ومراكز العلم والبحث فيما بينها ومع المؤسسات الدينية والعلمية في روسيا الاتحادية".

وتقدم المشاركون في ختام بيانهم بالشكر للرئيس الشيشاني لـ"جهوده المباركة في خدمة القرآن الكريم والسنة المطهرة"!! في وقت يدعو فيه قاديروف إلى المشاركة مع روسيا للقتال في سوريا، ويمدها برجال للقتال. وهو أمر غير مستغرب مع هذا التيار الذي يشرعن للاحتلال والعدوان تحت مسمى الوسطية والاعتدال والتعايش.
وقد سبق للرئيس الشيشاني رمضان قاديروف أن وجه –في أغسطس 2014م- دعوة لكل من الدكتور شوقى علام -مفتى مصر، ومحمود الشريف -نقيب الأشراف، والدكتور عبدالهادى القصبى -شيخ مشايخ الطرق الصوفية، والدكتور محمد محمود أبو هاشم -نائب رئيس جامعة الأزهر، لحضور المؤتمر العالمي الذى نظمته الشيشان حول التصوف الإسلامي ودوره في دعم السلم المجتمعي عام 2014م.
وأشار شيخ مشايخ الطرق الصوفية -حينها- أنه تحدث إلى الرئيس الشيشاني -هاتفيا، واستشعر قدر حماسه لنشر الصوفية المعتدلة(!!)، للابتعاد بالشعب الشيشاني عن شبهات التشدد والتطرف(!!). ومن جهته شدد مفتي مصر على أهمية إعلاء دور التصوف الصحيح في مواجهة نوازع التطرف والعنف، لأن التصوف الحقيقي المنضبط بضوابط السنة النبوية الشريفة –حسب وصفه- هو روح رسالة الإسلام التي فيها العلاج لكل ما أعوج في الأمة من مشكلات.

وقد توجه الوفد المصري إلى المؤتمر، الذي عقد تحت عنوان: "التصوف أمان للأوطان واستقرار للإنسان"، بالعاصمة جروزني، على متن طائرة خاصة أرسلها قاديروف خصيصا لذلك. وحضرته شخصيات صوفية من عدة دول عربية وإسلامية كذلك.
وهكذا يظهر أن التصوف اللصيق بالأنظمة المستبدة والعميلة يقف اليوم مدعوما من قبل هذه الأنظمة ومن قبل الغرب، وتفتح له الأبواب ليعمل على تغيير عقائد المسلمين ووعيهم وأخلاقهم، وتطويعهم للمحتل الأجنبي وأدواته المحلية، عوضا عن القيام بمهمة الإنكار والاستنفار لطاقات الأمة للوقوف مع القضايا العادلة في فلسطين والعراق وسوريا وغيرها.

وسياسة الدعم وفتح الأبواب وحرية الحركة والتمكين التي تجري للصوفية في الوطن العربي والعالم الإسلامي تأتي كنتيجة لنصائح مؤسسة راند بخصوص توظيف الجماعات التي تصفها بالاعتدال في سبيل معركة الأفكار التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية جنبا إلى جنب مع حملاتها العسكرية.[4]

[1] جمهورية الشيشان هي إحدى جمهوريات روسيا الاتحادية، وتقع في شمال شرق منطقة القوقاز. وهي اسميا تتمتع بحكم ذاتي، ولها دستورها الخاص، ورئيسها وبرلمانها وحكومتها الداخلية, وتمثلها الحكومة الفدرالية في الشؤون الدولية. وهي تبعد نحو ألف ميل جنوبا عن العاصمة الاتحادية موسكو. ويبلغ عدد سكانها قرابة 1.3 مليون نسمة، يدين معظمهم بالإسلام، ويغلب على معظمهم النزعة الصوفية.
بعد تفكك الاتحاد السوفييتي في 1991م، تم تقسيم جمهورية الشيشان-أنجوش ذاتية الحكم إلى جمهوريتين: أنجوشيا والشيشان. وتسمت الشيشان ب"جمهورية إشكيريا الشيشانية" وسعت للاستقلال. فقد أعلن رئيس الجمهورية المنتخب الجنرال جوهر دوداييف استقلال الشيشان عام 1991م، ما أشعل حربا ضارية من قبل الروس ضد الشيشان من عام 1994م وحتى 1996م. ثم عادت السلطة الروسية خلال الحرب الشيشانية الثانية عام 1999م، ومن وقتها وهي تخضع للهيمنة الروسية.

[2] هو هيئة دوليَّة تضم عددا من رموز التصوف في العالم الإسلامي؛ تمَّ إنشاؤه برعاية من حكومة الإمارات العربية المتحدة عام 2014م، ومقره أبو ظبي؛ وهو يهدف إلى تقديم الصوفية كممثل بديل عن السنة بوصفها تيارا معتدلا وسطيا غير متطرف.

[3] رمضان أحمدوفيتش قاديروف: من مواليد عام 1976م. يقدم نفسه على أنه من الثوار الشيشانيين، وأنه قاتل مع والده ضد القوات المسلحة الروسية عقب تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1990م، سعيا وراء استقلال الشيشان. لازم والده عقب الحرب الأولى، وأصبح والده رئيسا للشيشان. في الحرب الشيشانية الثانية انضمت قوات جماعة قاديروف للمعسكر الروسي، ووقفت ضد الداعين لاستقلال الشيشان عن الاتحاد الروسي، ومن هنا بدأت علاقته بالاستخبارات الروسية. بعد اغتيال والده أحمد قاديروف في 9 مايو 2004م، تم تعيينه كنائب لرئيس الوزراء. وبعد تعرض رئيس الوزراء سيرغي أبراموف لحادث سيارة في ديسمبر 2005م، حلَّ قاديروف محله، كرئيس مؤقت للوزراء. وفي 1 مارس 2006م استقال أبراموف من منصبه، وصرح لوكالة "إيتار تاس" أنه قام بذلك بشرط أن يتسلم رمضان قاديروف مكانه. وعقب تنحية إلخانوف وبعد ترشيح بوتين لقاديروف لرئاسة الشيشان، وافق البرلمان الشيشاني على الترشيح وأصبح رئيسا للبلاد عام 2007م. ورغم ما أظهره قاديروف من ميول إسلامية، كإجبار النساء على ارتداء الحجاب، وتحريم المقامرة، ومنع إنتاج الكحول، وغير ذلك، إلا أنه وقف ضد الث ر المنادين باستقلال الشيشان، وقضى عليهم. وهو لا يخفي ولاءه للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويصفه بالرجل الشجاع الذي يفكر بمصلحة الشيشان أكثر من أي جمهورية أخرى؛ ويرى أن بوتين يجب أن يكون رئيساً إلى الأبد. وتمتد علاقته بأجهزة الأمن الفيدرالية الروسية إلى عام 2000م، عندما تسلم بوتين مقاليد الحكم في روسيا الاتحادية. وقد شهدت فترة حكم قادريوف حالة من القمع السياسي، والقضاء على المعارضين، وممارسه التعذيب، والقتل خارج إطار القضاء، والخطف والإخفاء القسري، والاعتقالات التعسفية، والفساد المالي والإداري.

[4] صدرت لمؤسسة راند -المؤسسة الاستشارية الأولى للجيش الأمريكي، والتي أصدرت عام 1999م كتاب (مواجهة الإرهاب الجديد)- عدة تقارير تتعلق بالعالم الإسلامي، كان الأخطر منها عام 2004م بعنوان (العالم الإسلامي بعد 11 سبتمبر)، ثم تقرير عام 2005م بعنوان (الإسلام المدني الديمقراطي)، ثم تقرير عام 2006م بعنوان (ما بعد القاعدة)، ثم تقرير عام 2007م بعنوان (إقامة الشبكات الإسلامية المعتدلة). كل ذلك لمساعدة الاحتلال الأمريكي الغربي للعالم العربي والإسلامي سياسيا وفكريا في إعادة تشكيل الوعي الإسلامي، ولإعادة تفسير الإسلام نفسه من جديد -من جهة أخرى.



ـــــــــــــــــــــ
*{مركز التأصيل للدراسات والبحوث}
ــــــــــــــــــ