المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدور السياسي للطرق الصوفية في مصر


عبدالناصر محمود
09-19-2016, 07:43 AM
الدور السياسي للطرق الصوفية في مصر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ

(إياد جبر)
ـــــــــــــ

17 / 12 / 1437 هـ
19 / 9 / 2016 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/818092016015425.png





أحدث سقوط الاسلام [السياسي] أمام النظام السلطوي نقلة نوعية لدى الطرق الصوفية في مصر، فتركت موقعها الهامشي وأصبحت محط اهتمام نظام السيسي، الذي بات يعتبرها واحده من أهم مطالبة، كونها ستمده بالشرعية الدينية، ومن تم تملئ ذلك الفراغ الذي ظهر جلياً على الساحة الثورية جراء إقصاء غالبية التيارات الاسلامية من المعترك السياسي، كما أن مُعارضة الطرق الصوفية للإسلام السياسي أو الإسلام الأيديولوجي الحركي بتعبير "حسن الشافعي" لم يكن خافياً غلى أحد بعد 3 يوليو 2013، ولم يتورع مشايخهم عن المجاهرة بدعمهم ووقوفهم إلى جانب عبدالفتاح السيسي، حيث مشيخة الطرق الصوفية بعيداً، حينما صرحت بأن السيسي "مُحب للطرق الصوفية، لأنه صوفي الأصل".

نجاح النظام المصري في تسخير الطرق الصوفية للدفاع عنه تحت ستار الدين، وتمكنه من توظيفها سواء على مستوى الداخل أو الخارج، كان بمثابة الخيار الأنسب للنظام الجديد، لأن مشايخ الطرق الصوفية لطالما نجحوا في إلصاق مصطلح الاسلام المُعتدل بأنفسهم، لأنهم اتبعوا اسلوب مهادنة النُظم السياسية وخدمتها.

وبالعودة قليلا إلى تاريخ علاقات الطرق الصوفية مع النظم السياسية المصرية المتعاقبة في العصر الحديث، لن تستوقفنا أي أحداث صدامية هامة حول علاقاتهم بالسلطة، فبعد أحداث 1954 التي اصطدم خلالها نظام عبد الناصر بالتيار الإسلامي، تم تعيين الشيخ "محمد محمود علوان" شيخا للطرق الصوفية، وهي المرة الأولى التي يتم فيها اختيار شيخ المشايخ بالتعيين، فقبول الطرق الصوفية لهذا القرار ربما كان لشعورهم بالضعف، لكن ما ترتب عليه عملياً كان يصب في مصلحة الطرفين، لأن مهادنة الطرق الصوفية لنظام عبد الناصر شهد إقبال غير مسبوق للمريدين، هرباً من تهمة الانتماء للإخوان المسلمين، وإظهار النظام على أنه لا يُعادي التيار الإسلامي، حتى وصل الأمر إلى انضمام أعضاء الطرق الصوفية للاتحاد الاشتراكي الذي استغل الاحتفالات الدينية لهذه الطرق في توزيع المنشورات ونشر الشائعات وإطلاق الشعارات والخطب الداعمة للنظام.

في المقابل تولت العديد من مشايخ الصوفية الكثير من المناصب السياسية، سواءً على مستوى تنظيم الاتحاد الاشتراكي العربي أو على مستوى مجلس الأمة، فالشيخ "الجنيدية" تقلد منصب رفيع داخل ذلك التنظيم المذكور، وأصبح عضوا في مجلس الأمة لثلاث دورات متتالية، والأمر كذلك بالنسبة للشيخ "كامل القاياتي" الذي أصبح عضوا في نفس المجلس، كما تولى الشيخ "محمد المسلمي" منصب سكرتير مساعد لجنة الاتحاد الاشتراكي عن محافظة الشرقية، والشيخ "خير الله فضل عطية" تقلد منصب سكرتير عام الاتحاد الاشتراكي في مرسى مطروح.

لم يختلف الأمر كثيراً في عهد السادات، حيث امتثلت الطرق الصوفية عبر تاريخها للترويض والعمل على خدمة النظام السياسي، مقابل وصول مشايخها إلى بعض المناصب السياسية، والتغلغل داخل أجنحة النظام وكسب الكثير من الولاءات، حتى خلال حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، قدمت مشايخ الصوفية الكثير من الدعم السياسي والاجتماعي لنظام مبارك، عبر ما تمتلكه من أعضاء ومريدين تجاوزا حد العشرة ملايين وفقاً لأغلب المصادر والتقارير الصحفية، كما أن تعدد الطرق الصوفية جعلها محل اهتمام الكثير من الأحزاب السياسية، لأن قدرتها على الحشد خاصةً في المحافظات الفقيرة والتي تُغاني من ضعف الموارد كانت كبيرة، فالشيخ "محمد محمد احمد الطيب" من السياسيين المرموقين، وله نفوذ على المستوى المحلي بسبب صلته السياسية بالحكومة وعن طريق ذلك النفوذ كان يتدخل بفاعلية لمصلحة دائرته "الاقصر" فضلاً عن كونه عضو في الحزب الوطني الحاكم.

لكن الخلاف بين الطرق الصوفية ونظام مبارك كان قد ظهر على السطح خلال الأشهر الأخيرة التي سبقت ثورة 25 يناير، بعد قيام الأخير بكسر الأعراف والقواعد المتبعة في اختيار شـيخ مشايخ الطرق الصوفية التي تقضي أعرافها، بأن يتـولى هذا المنصب الأكبر سناً من بين أعضاء المجلس الأعلى للطرق الصوفية المنتخبين من مشايخ الطرق، وتعيينه "عبد الهادي القصبي"، الذي كان عضواً في الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم آنذاك. الأمر الذي دفع الشيخ "أبو العزايم" إلى التهديد بالترشح في انتخابات مجلس الشعب 2010 ضد رئيس مجلس الشعب المنحل "فتحي سرور" في دائرة السيدة زينب، وذلك بهدف توجيه رسالة احتجاج الى السلطة اعتراضاً على تدخُلها السافر في شؤون المتصوفة، على حد تعبيره.

وبالرغم من نشوب الخلافات بين نظام مبارك والطرق الصوفية، إلا أن احتجاجات الأخيرة لم تصل إلى حد الصدامات معه وظلت عند حدها الأدنى، حتى أنها التزمت الصمت أبان ثورة 25 يناير، وقد أرجع الشيخ "محمد الشهاوي" رئيس المجلس العالمي للصوفية وشيخ الطريقة الشهاوية، مسألة صمت الطرق الصوفية إلى أن تعاملها مع نظام مبارك وفق مبدأ "اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم ".

وفي خضم أحداث ثورة يناير ونجاح موجتها الأولى، بدأت مواقف الطرق الصوفية آخذه في التغير، واتجهت نحو الانخراط المُعلن في العمل السياسي، عبر تشكيل ثلاثة أحزاب سياسية، هي "حزب التحرير وحزب نهضة مصر وحزب النصر"، لكن الأمر المثير للاهتمام إن موقف تلك الطرق الصوفية، تجاوز مسألة التنافسية مع مختلف التيارات الاسلامية الأخرى، لاسيما الاخوان والسلفيين، وكان منطق العداء والاقصاء ظاهراً في قياداتها، فوفقاً لتصريح رئيس حزب النصر السابق "محمد صلاح زيدان" أنه يتخوف من صعود السلفيين سياسيًا، معتبراً صعودهم مؤشراً إلى جر البلاد لفتن طائفية، ومطالبًا بضرورة مشاركة جمع الطوائف في وضع الدستور حتى لا يستأثر به الإخوان والسلفيون".
ولم يكن موقف الطرق الصوفية مُستغرباً حينما قبلت على نفسها العيش في بيت الطاعة والولاء لنظام السيسي ومساندتها له، وتأييدها الكامل له تحت شعار "لا إله إلا الله السيسي حبيب الله"، حيث أكد شيخها "أشرف عبد العزيز" شيخ الطرق الصوفية ونائب الطريقة البيومية، أن الطرق تعلن عن ميلاد زعيم جديد سوف يحقق آمال وطموحات الشعب المصري بعد معاناة عاشها طوال الفترة الماضية.

ولعل الصورة التي جمعت السيسي بمشايخ الطرق الصوفية أثناء مبايعتهم له قبل فتح صناديق الانتخابات الرئاسية في مايو 2014 ما تزال عالقة في الاذهان، ومنذ ذلك الحين قرر نظام السيسي الاعتماد عليهم واعطاءهم دور كبير في دعم وتأييد نظامه، وأصبح حضورهم بشكل مكثف في وسائل الاعلام المصرية، ويأتي برنامج "أيها المريد" التلفزيوني الذي يقدمه الحبيب علي الجفري خير دليل على ذلك.

فصلاً عن ذلك حازت اللقاءات والاحتفالات والمنتديات الدينية التي تشرف عليها الطرق الصوفية، على دعم الحكومة المصرية وأصبحت جزءً من برنامج وزارة الاوقاف المصرية، ففي 22 يونيو2015 افتتح وزير الاوقاف "محمد مختار جمعة" بحضور الدكتور "عبد الهادي القصبي" رئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية، الملتقى الفكري الصوفي تحت عنوان "التصوف ضد التطرف"، إصافة إلى تزعم مشايخ الطرق الصوفية لما سُمي بتجديد الخطاب الديني الذي أعلن عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي، فكان الاتحاد العالمي للطرق الصوفية سباقاً، في وضع استراتيجية جديدة لتطوير هذا الخطاب، مُعلناً عن عدة مطالب لاستكمال تلك الاستراتيجية أهمها، تشكيل لجان نوعية لتنقية كتب التراث، وإعادة دراستها وفقا للعلوم الحديثة، مطالباً الأزهر بتشكيل لجنة تضم علماء الحديث والفقه والتفسير وغيرها مع بعض العلوم الحديثة لإعادة دراسة التراث وتنقيحه.

ولا ريب في أن الدور الذي تحاول الطرق الصوفية لعبة بدعم من النظام المصري، موجه بالأساس إلى ضرب كافة التيارات الدينية، لاسيما التيار السلفي، حيث أكد شيخ مشايخ الصوفية، عبد الهادي القصبي في مايو 2015 على أن "التصوف الإسلامي هو منهج السلف الصالح من هذه الأمة وأن محاولة سرقة مصطلح السلف وحصره وإطلاقه على بعض الفئات المتشددة والمنحرفة عن منهج الاعتدال والوسطية، إنما هو محاولة لتضليل المجتمع".

في سياق مُختلف، أظهرت الانتخابات البرلمانية المصرية في أكتوبر 2015، مساعي مشايخ الطرق الصوفية للوصول الى المناصب السياسية، ودعمها المُعلن للأحزاب او التيارات المحسوبة على نظام السيسي، وذلك بعد تصاعد الخلاف بين جبهة الشيخ "علاء الدين أبو العزائم" رئيس الاتحاد الصوفي العالمي، وجبهة الشيخ "عبد الهادي القصبي" شيخ مشايخ الطرق الصوفية، بسبب إعلان الأول وإحدى عشر طريقة صوفية عن دعمهم لإحدى القوائم بالمرحلة الثانية من الانتخابات البرلمانية، ودعم قائمة أخري في المرحلة الأولى، وإعلان الثاني دعمه وجبهته التي يقترب عدد طرقها الصوفية من 59 طريقة لقائمة منافسة باعتباره مرشحاً عليها في قطاع القاهرة ووسط وجنوب الدلتا.

ذلك الدور الذي اضطلعت به الطرق الصوفية على مستوى الداخل المصري وبمباركة ودعم من نظام السيسي، سرعان ما ظهرت نتائجه خارجياً، فمحاولة الحبيب الجفري الذي يترأس "منظمة طابة" المُنظمة والممولة لمؤتمر "غروزوني" المثير للجدل، والذي جاء ليمزق أهم كتلة في العالم الاسلامي الممزق أصلاً "أهل السُنة والجماعة" خير دليل على ذلك، والأمر الذي لا تقل أهميته عن ذلك، هو أن الطرق الصوفية تمكنت خلال سنوات قليلة أن تجرد مؤسسة الأزهر من دورها المعنوي، لأن مشاركة علماء الأزهر في مؤتمر "غروزوني"، دون معرفة أهدافة حسب بيان المركز الاعلامي بمشيخة الأزهر، يؤكد على هشاشة وضعف هذه المؤسسة وتراجعها لمصلحة الطرق الصوفية.

الأمر الأخير الذي يستدعي إلى الوقوف عنده مطولاً، هو أن اعتماد النظام المصري الحالي وغيره من النظم العربية على الطرق الصوفية وتوظيفها لخدمة مصالحة، كان وما يزال مطلباً أمريكيا صهيونياً بالدرجة الأولى، توصي به وتدعمه تقارير معاهد تؤثر في صنع القرار في عواصم بلدانها، ففي مارس 2007 وردت فكرة الاستعانة بالطرق الصوفية وتوظيفها لمواجهة الاسلام السياسي، في دراسة أعدتها مؤسسة راند الأمريكية، التي شبهت هذا النوع من الاسلام المعتدل على حد وصفها بالإسلام "الارثوذكسي" الذي يمثله التقليديون والمحافظون المعتدلون، وقد ذهبت الدراسة إلى أبعد من ذلك حينما أشارت إلى أن الولايات المتحدة والغرب عموماً معنيين بدعم وتشجيع هذا النوع من الاسلام ضد الاصوليين.
تلك التوصيات لم تكن الأولى من نوعها، لأن وسائل الاعلام الصهيونية كانت قد استعرضت توصيات دراسة مشابهة في مايو 2014، أعدها مركز "هرتسليا" الذي يُعد من أهم المراكز البحثية لدى الكيان، حيث جاءت توصيات المركز الصهيوني مشابهة لتوصيات المركز الامريكي، وطالبت الأنظمة العربية بدعم الطرق الصوفية لمحاصرة الاسلام السياسي، لكن أهمية هذه التوصيات تكمن في تزامنها مع التحولات الهامة على الساحة السياسية المصرية وما ترتب عليها من صعود غير مسبوق للطرق الصوفية على حساب قوى الاسلام السياسي، فوقوفها إلى جانب التيار الليبرالي خلال ثورة يناير ضد التيار الاسلامي، ودعمها لنظام السيسي فيما بعد يؤكد على أنها ماضية في صراعها مع التيار السلفي على المستويين المحلي والاقليمي.



--------------------------------------