المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التوراة وجذور النصوص المحرفة


عبدالناصر محمود
09-26-2016, 08:36 AM
التوراة وجذور النصوص المحرفة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(د. حسين بن علي زومي)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

24 / 12 / 1437 هـ
26 / 9 / 2016 م
ــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/files/7dbb94432b0a87f9da796124e2b25b12-796x427.jpg




أنزل الله تعالى التوراة على موسى –عليه الصلاة والسلام، لتكون شريعة لبني إسرائيل، يقول تعالى: ((إِنَّا أَنزَلنَا التَّورَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا والرَّبَّانِيُّونَ والأَحبَارُ بِمَا استُحفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وكَانُوا عَلَيهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخشَوُا النَّاسَ واخشَونِ ولَا تَشتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ومَن لَّم يَحكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ))، المائدة: 44. غير أن بني إسرائيل لم يقوموا بدورهم في حفظ التوراة، لا توثيقا ولا تطبيقا، ما أضعف حضورها وسهل تحريفها. ثم إنَّ الله تعالى سلط على بني إسرائيل من يسومهم سوء العذاب على كفرهم وإعراضهم؛ يقول تعالى: ((فبِمَا نَقضِهِم مِّيثَاقَهُم لَعَنَّاهُم وجَعَلنَا قُلُوبَهُم قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ونَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ..))، المائدة: 13. من هنا بدأت قصة تحريف التوراة، ولكن كيف؟

بحسب الروايات اليهودية فإنَّ سليمان –عليه الصلاة والسلام- جمع شيوخ إسرائيل في العيد، لوضع تابوت عهد الرب في محراب البيت في قدس الأقداس، وحمل الكهنة التابوت، وكان الجميع يمشون مع الموكب، حتى سليمان –عليه الصلاة والسلام، وفتح التابوت بعد وضعه في مكانه المخصص له، وكانت المفاجأة: لم يكن في التابوت إلا لوحا الحجر اللذان وضعهما موسى هناك في حوريب، حين عاهد الرب بني إسرائيل عند خروجهم من أرض مصر.[1] وهكذا فقدت التوراة في ظروف غامضة –بحسب روايات يهود.
ولم ترد أدنى إشارة للتوراة بعد سليمان، واختفت حتى ورد أنه تم العثور عليها بمحض المصادفة في عهد "يوشيا بن آمون" (641- 611 ق.م)، أي بعد وفاة موسى –عليه الصلاة والسلام- بأكثر من سبعمائة سنة، "وصعد الملك إلى بيت الرب، وجميع رجال يهوذا وكل سكان أورشليم معه، والكهنة والأنبياء، وكل الشعب من الصغير إلى الكبير، وقرأ في آذانهم كل كلام سفر الشريعة الذي وجد في بيت الرب"[2].

توالت بعد ذلك النكبات على اليهود مِن قِبَلِ الشعوب المجاورة؛ حتى تمكن "نبوخذ نصر" من سبيهم إلى بابل, ونهب الهيكل، وتدمير أورشليم وتخريبها عام 856 ق.م.[3]
مكث اليهود في بابل تحت حكم السَّبي حتى سمحت لهم الدولة الفارسية بالعودة إلى أورشليم. فكان ممن عاد من اليهود مجموعة بقيادة "عزرا بن سرايا"[4]، وكان ذلك عام 458 ق.م. تقريباً[5]. وعند وصول عزرا إلى أورشليم طلب الشعب من عزرا أن يأتي بسفر شريعة موسى, فأتى عزرا الكاتب بالشريعة أمام الشعب, وشرع في قراءتها سبعة أيام كاملة[6].
يقول ول ديورانت: "ولما فرغوا من قراءتها أقسم الكهنة والزعماء والشعب على أن يطيعوا هذه الشرائع, ويتخذوها دستوراً لهم يتبعونه, ومبادئ خُلُقية يسيرون على هديها، ويطيعونها إلى أبد الآبدين، وظلت هذه الشرائع من تلك الأيام إلى يومنا هذا المحور الذي تدور عليه حياة اليهود, ولا يزال تقيدهم بها طوال تجوالهم ومحنهم من أهم الظواهر في تاريخ العالم"[7].

أما الجويني فيؤكد على أن "التوراة التي بيد اليهود الآن: هي التوراة التي كتبها عزرا الورّاق, بعد فتنتهم مع نبوخذ نصر, وقَتلِهِ جُموعَهم وطَوائفَهم، إلا ما شذَّ مِن إبقائه قوماً لا يعبأ بهم ولا بعددهم، وجَعلِهِ أَموالَهم غنيمةً لسراياه وعساكره، وإتلافه ما بأيديهم من الكتب، لعدم انقياده بأحكام شريعتهم, وجزمه بفساد أعمالها، ونصبه في بيت عبادتهم صنماً, وإعلامه بالنداء محذراً من التنوه بذكرها, إلى أن انقرض -والحال كذلك- جيل, حتى كان من بقي, وظفر بشيء من أوراقها بقصد المغائر, ويتحيل في قراءتها خلسة لهذه النسخة التي كتبها عزرا قبل بعثة المسيح –عليه الصلاة والسلام- بـ545 سنة، ولم يكن على وجه الأرض نصراني، فحينئذ التبديل ممكن"[8].

ويقرر ذلك السمؤال بن يحيى (المغربي)، أن عزرا "جمع من محفوظاته ومن الفصول التي يحفظها الكهنة، ما لفق منه هذه التوراة التي في أيديهم؛ ولذلك بالغوا في تعظيم عزرا هذا غاية المبالغة. فهذه التوراة التي في أيديهم على الحقيقة كتاب عزرا وليست كتاب الله"[9]. وقد ألمح الإمام الجويني بكلام نفيس إلى السبب الذي دعا عزرا إلى ذلك فقال: "لحرصه على استمرار رياسته, وعدم القول بعصمته: لمانعه له من الإقدام على فعل الصغائر والكبائر. ونحن الآن نشاهد وننقل ما أرّخ عن الماضين, أن كثيراً ممن تعلق له غرض بأمر محبوب, شاهدناه يبالغ جهده, ويحمل النفس على تسليطه الفكر على دقائق الحيل وأنواعها، ولا ييأس من مراده ولا ينثني عنه, إلا بعد أن يحس من نفسه العجز، ولو فرض أن محبوبه الذي تعلق به غرضه ليس بالنفيس, بله الرئاسة, التي هي سبب لإقامة الفتن في العالم وقتل الولد والقريب ومصادمة العشائر, وإيقاع الحروب بينهم وتبديل الرحمة بالقسوة, والقرابة بالعداوة. وعلى الجملة: فقلب الحقائق من أخص صفاتها. وقد قيل: آخر ما ينزع من رؤوس الصديقين حب الرئاسة. ورياسة بني إسرائيل كان شأنها عظيم، ومن أحاط بتواريخ العالم خبراً, وتتبع غرائب قصصها, ظفر بأجلِّ من عزرا, حمله حب الرئاسة على فعل السفهاء الخالعين ربقة العقل والدين"[10].

الفرق بين عزرا وعزير:
-------------------

يميل بعض علماء مقارنة الأديان إلى القول بأن عزرا هو الذي ورد ذكره في القرآن باسم "عزير"، وهذا قول خاطئ, لأن "عزير" مذكور في القرآن مع حادثة له تعد من آيات الله تعالى وعظيم قدرته.
يقول صاحب (بذل المجهود): "وعزرا ليس هو العزير، لأن العزير هو تعريب لعازار, وأما عزرا فإنه إذا عرب لم يتغير حاله لأنه اسم خفيف الحركات والحروف, ولأن عزرا عندهم ليس بنبي وإنما يسمون عزير هسوفير وتفسيره الناسخ"[11].
ويقول ابن القيم: "وبعض الناس يظن أنه الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها...، ويقول أنه نبي، ولا دليل على هاتين المقدمتين, ويجب التثبت في ذلك نفياً وإثباتاً, فإن كان هذا نبياً واسمه عزير فقد وافق صاحب التوراة في الاسم"[12].

-----------------------------------------
[1] ملوك أول (8: 1- 9).
[2] ملوك ثاني (33: 1- 2). وأخبار الأيام الثاني (34: 29- 30).
[3] ملوك ثاني (25: 8- 11).
[4] عزرا: يرجع نسبه إلى هارون حسبما ورد في سفره؛ وجاء وصفه أنه كاتب ماهر في شريعة موسى –عليه الصلاة والسلام. [عزرا 7: 1- 10]. ويعرف لدى الكثيرين بأنه مؤسس اليهودية, حيث أنه قد جمع الأسفار وأعاد ترتيب الشريعة: "وزعموا أن النور الآن يظهر على قبره, وهو عند بطائح العراق". انظر: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان, لابن قيم الجوزية، تحقيق محمد حامد الفقي, دار المعرفة، بيروت: ج2/359.
[5] بذل المجهود في إفحام اليهود، الحكيم بن السموأل: ص135.
[6] نحميا (8: 1- 18). ونلاحظ هنا الاختلاف الكبير من ناحية الحجم بين التوراة التي اكتشفت في عهد يوشيا، حيث أنها قُرِئَت على اليهود مرتين كاملتين في يوم واحد, والتوراة التي ادعاها عزرا احتاجت قراءتها إلى أسبوع كامل!
[7] قصة الحضارة، وِل ديورانت: ج2/366.
[8] شفاء الغليل في بيان ما وقع في التوراة والإنجيل من التبديل، للجويني، تحقيق أحمد حجازي السقا, إدارة البحوث العلمية، الرياض, ط1403هـ: ص30.
[9] بذل المجهود في إفحام اليهود، مرجع سابق: ص134.
[10] شفاء الغليل، مرجع سابق: ص32.
[11] الكتب المقدسة بين الصحة والتحريف, د. يحيى محمد ربيع، ط1/1415هـ- 1994م, دار الوفاء، المنصورة: ص84.
[12] هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، ابن قيم الجوزية, تحقيق أحمد حجازي السقا, ط2/1399هـ، المكتبة القيمة: ص207. ويرى ابن الجوزي أنه عزير (القرآن)، وأن التحريف إنما وقع من جهة تلميذه ميخائيل، فبدلها وزاد فيها ونقص منها. انظر: فضائل القدس، لابن الجوزي، تحقيق جبرائيل سليمان جبّور, ط2/1400هـ- 1980م, دار الآفاق الجديدة، بيروت: ص106.

-------------------------------