المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اعترافات علماء أهل الكتاب بتحريف التوراة


عبدالناصر محمود
09-26-2016, 08:41 AM
اعترافات علماء أهل الكتاب بتحريف التوراة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ

(د. حسين بن علي زومي)
____________

24 / 12 / 1437 هــ
26 / 9 / 2016 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/files/c2192028896f4baacbc8c28b22c5775a-796x427.jpg




الحديث عن تحريف الكتب السماوية المتقدمة على القرآن الكريم حديث قديم، وهو ما شهد به القرآن الكريم –ذاته- وعابه على بني إسرائيل. وإذ شاء الله تعالى بقاء اليهودية والنصرانية حتى قيام الساعة فإنَّه سبحانه حذر أمة الإسلام "المحمدية" أن تتبع سنن هاتين الأمتين، فتضيع كتابها وتعبث به. ما أعطى المسلمين وعيا كافيا للحفاظ على القرآن الكريم كما أنزل دون زيادة أو نقص أو تبديل وتحريف. في مقابل ذلك أتت الاعترافات النابعة من هاتين الطائفتين لتؤكد على أنَّ "التوراة" و"الإنجيل" ليسا هما على الوضع الذي تلقاه موسى وعيسى –عليهما السلام- من الوحي وبلغاه لقومهم؛ وأن الأيدي البشرية قد عبثت بهما.

فإنَّ "علماء اليهود وأحبارهم يعتقدون أن هذه التوراة -التي بأيديهم- ليست هي التي أنزلها الله تعالى على موسى بن عمران بعينها، لأنَّ موسى -عليه السلام- صان التوراة عن بني إسرائيل, خوفاً من اختلافهم من بعده في تأويلها المؤدي إلى تفرقهم أحزاباً, وإنما سلمها إلى عشيرته أولاد لاوي"[1]. وهذا الذي خشي منه موسى -عليه السلام- هو الذي حدث بعد ذلك، حتى أنَّ يهود اليوم لا يعترفون بـالتوراة إلا كنص جامد، ولا يفسرون نصوصها إلا بحسب ما ورد لديهم في "التلمود"، حتى ولو كان المعنى مخالفاً لظاهر النص.
وما يقرأه اليهود "الأرثوذكس" اليوم هو كتاب ذو معانٍ مختلفة تماماً عن التوراة التي يقرؤها غير اليهود, أو اليهود غير المتشددين[2]. وقد كان الاعتقاد السائد عند كثير من أهل الكتاب –إلى عصر قريب- أنَّ التوراة الموجودة هي كتاب موسى -عليه السلام، حتى نشطت حركة النقد في العصور الوسطى بزعامة كثير من ربانيي اليهود. وفي أواخر القرن الخامس عشر وأوائل السادس عشر, ظهر أمثال العالم اللاهوتي "أندرياس بودنشتن كارلنت"، ونقد الكتاب المقدس في كتابه المشهور (الأسفار الشرعية)، وقد وقف إلى جانبه كثير من علماء اللاهوت الكاثوليك[3].

تلا ذلك ما صدر عن العالم الألماني "يوليوس فلهاوزن"، ومؤيديه، عندما عكسوا الترتيب التقليدي لتأليف أسفار العهد القديم؛ حيث نسبوا إلى زمنٍ يأتي بعد موت موسى بقرون عدة تأليف الأسفار الخمسة الأولى خاصةً؛ استنادا للاختلافات التي يُشار بها إلى الله، وتكرار بعض القصص، والفروق الواضحة في اللغة والأسلوب بين أجزاء مختلفة من هذه المجموعة. كل هذا أقنع العلماء الناقدين بأن الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى ما هي في الواقع إلا نتيجة تصنيف من مصادر مختلفة.

ويعود الفضل للمستشرق "هـ. جريسمان"، تلميذ فلهاوزن، في انتشار تأثير هذه المجموعة المعروفة على نطاقٍ واسع باسم "مدرسة تاريخ الأديان"؛ وامتداد تأثيرها بسرعة إلى دراسات الشرق الأدنى القديم بصورةٍ عامة، مما أدى للتغيير الجذري للتأويل التوراتي الضيق في الغالب لتاريخ بني إسرائيل -الذي وضعه النقاد الأدبيون من أتباع فلهاوزن.
إن هذه المجموعة من الدارسين كانت شديدة الاهتمام بسيل المكتشفات الحديثة، والنصوص المترجمة مؤخراً عن الشرق الأدنى القديم. وقد كان لتأثير هذه المواد الجديدة، مقترناً بالتحرّر من العقلية الدينية الضيقة التي اتسمت بها معظم الدراسات التوراتية الليبرالية والبروتستانتية المحافظة، الفضل في التوصل إلى فهم جديد لتاريخ بني إسرائيل القديم.
وقد جاء في قرار اللجنة الحبرية التوراتية -في 27/6/1906م: "يمكن القول بأن موسى استغل وثائق مخطوطة وتقاليد شفوية سابقة ونقل عنها ما يوافق الغاية التي استهدفها بإلهام الروح القدسي, وأنه نقل تارة النصوص بحروفها وتارة بمعناها وأخرى بتلخيص وإسهاب[4]..، وأن الكتب الخمسة المذكورة قد أعيد تحرير نصوصها مع مرور الزمان، بحيث أضيفت –مثلاً- نصوص كتبها كاتب ملهم بعد وفاة موسى, وزيدت تفسيرات, وتحولت تعابير قديمة إلى تعابير مستحدثة, وأن هناك أخطاء اقترفها النساخون"[5].

كما صدرت الطبعة الكاثوليكية للكتاب المقدس بالقول: "ما من عالم كاثوليكي في عصرنا, يعتقد أن موسى ذاته كتب كل التوراة, منذ قصة الخليقة, أو أنه أشرف حتى على وضع النص, لأنَّ ذلك النص قد كتبه عديدون بعده, لذلك يجب القول: إن ازدياداً تدريجياً قد حدث, وسببته مناسبات العصور الآتية الاجتماعية والدينية"[6].
ومن أقوال "مارتن لوثر" -مؤسس البروتستانتية: "أيقنت أنَّ اليهود أناس غلاظ الأكباد, انحرفوا عن شريعة موسى, وزوروا كتبه وأقواله... فيجب علينا إحراق كتبهم المزورة, وتدمير معابدهم القذرة، لننقذ شعبنا من خطرها, فلو عاد موسى بنفسه للحياة لأمر بحرقها, وإزالتها من الوجود"[7].

ويقول "نولدكه"، في كتابه (اللغات السامية): "جمعت التوراة بعد موسى بتسعمائة سنة، استغرق تأليفها وجمعها زمناً متطاولاً، تعرضت حياله للزيادة والنقص. وإنَّه من العسير أن نجد كلمة متكاملة في التوراة مما جاء به موسى, لأن التوراة لم تدون في عهده, ولا في الجيل الذي تلاه"[8].
وتذكر دائرة المعارف الفرنسية تحت عنوان "توراة": أن العلم العصري ولاسيما النقد الألماني, قد أثبت بعد أبحاث مستفيضة في الآثار القديمة والتاريخ وعلم اللغات أنَّ التوراة لم يكتبها موسى، وإنما كتبها أحبار لم يذكروا اسمهم عليها, ألفوها على التعاقب, معتمدين في تأليفها على روايات سماعية سمعوها قبل أسر بابل[9].

ويقول "هامرتن"، في كتابه (تاريخ العالم): "يجدر بنا أن نواجه هذه الحقيقة, وهي أن أخبار الكتاب المقدس جاءتنا من عهد متأخر جداً عن العهد الذي نصفه؛ وأن قصاراها أن تمدنا ببيان ناقص مشوب بالهوى عن عنصر واحد من العناصر المختلفة التي تألف منها فيما بعد شعب إسرائيل؛ وأن تاريخهم بأسره من عمل الخيال إلى حد ما، بيد أننا لا نجد في العهد القديم نفسه إشارات عن اختلاط دماء شعب بني إسرائيل, وعن الشك فيما كانوا عليه قبل عهد داود"[10].

وينقل الشيخ رحمة الله الهندي عن "أكتسائن" -الذي كان أعلم علماء المسيحية في القرن الرابع من القرون المسيحية: "أنَّ اليهود قد حرفوا النسخة العبرانية في بيان زمان الأكابر الذين عاشوا قبل زمن الطوفان وبعده إلى زمن موسى عليه السلام, ونقلوا هذا الأمر لتصير الترجمة اليونانية[11] غير معتبرة, ولعناد الدين المسيحي". ثم يعقب رحمة الله الهندي بالقول: "ويعلم أن قدماء المسيحيين كانوا يقولون مثله, وكانوا يقولون: إن اليهود حرفوا التوراة في سنة 130 من السنين المسيحية"[12].

وقد أثبت عدد من الباحثين هذا التبديل والتحريف، وعلى رأس هؤلاء: "ول ديورانت"، في كتابه الشهير (قصة الحضارة)[13]، وكذلك "ريتشارد سيمون"، في كتابه (التاريخ النقدي للعهد القديم)، وكذلك "جان أستروك" و"إيخهورن" و"إيلجين".. وغيرهم[14].

-----------------------------------------
[1] إغاثة اللهفان، لابن القيم: ج2/358.
[2] التاريخ اليهودي: الديانة اليهودية وطأة ثلاثة آلاف سنة, إسرائيل شاحاك، ترجمة صالح علي سوداح, دار بيسان، بيروت، ط1/1995م: ص58- 61. ويعلق المؤلف بقول "هامبتي دامتي": خلف مسألة من يحدد معاني الكلمات يكمن السؤال الحقيقي: من هو السيد؟!
[3] الكتب المقدسة بين الصحة والتحريف، د. يحيى ربيع: ص72.
[4] نحن المسلمون نعتقد أن (التوراة) التي جاء بها موسى -عليه السلام- كلها من كلام الله سبحانه.
[5] نقد النص التوراتي، د. إسماعيل الصمادي: ص83.
[6] نفس المصدر والصفحة.
[7] حقائق وأباطيل في تاريخ بن إسرائيل, فوزي محمد حميد، دار الصفدي، ط1/1414هـ- 1994م: ص147.
[8] الكتب المقدسة بين الصحة والتحريف، د. يحيى ربيع: ص100.
[9] نفس المصدر والصفحة.
[10] ج2/108، ترجمة وزارة المعارف المصرية.
[11] هناك ثلاث نسخ مشهورة للتوراة: العبرية أو العبرانية؛ واليونانية أو السبعينية؛ والسامرية -وهي أكثر النسخ دقة.
[12] إظهار الحق, رحمة الله الهندي، تحقيق أحمد حجازي السقا, دار التراث العربي، القاهرة، 1398هـ: ص218.
[13] ج2/367.
[14] انظر: دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف العلمية, موريس بوكاي، دار المعارف: ص28 وما بعدها.

--------------------------------