المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : «إسرائيل» وسر الرهان على واقعية بوتين


Eng.Jordan
04-10-2012, 02:09 PM
صالح النعامي

لأول وهلة يبدو الترحيب الإسرائيلي اللافت بانتخاب فلادمير بوتين رئيساً لروسيا، مستهجناً بعض الشيء في ظل تعبير معظم دول العالم عن استيائها وانتقادها لعمليات التزوير التي تمّت على نطاق واسع، في الانتخابات التشريعية والرئاسية في روسيا.

وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، الذي لا يحاول إخفاء إعجابه الشديد ببوتين، كان أكثر المرحّبين حرارة بإعادة انتخابه، وذهب إلى حد اعتبار بوتين "من ذلك النوع من القادة الذي يفضّل الاحتذاء بهم".

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما سرّ الحرص الإسرائيلي على مدّ الجسور مع روسيا، على هذا النحو اللافت؟

إنّ الإجابة على هذا السؤال تكمن في التحولات التي طرأت على المنطقة في أعقاب الثورات العربية، حيث شعرت "إسرائيل" لأول مرة بعمق عزلتها الإقليمية، بعد سقوط الأنظمة المتحالفة معها، ومع تفجُّر خصومات بينها وبين دول كانت جزءًا من منظومة تحالفاتها في المنطقة، مثل تركيا.

والأهم من ذلك إدراك دوائر صنع القرار في تل أبيب، حجم تراجع مكانة الولايات المتحدة في المنطقة، علاوة على اضطرار الإدارة الأمريكية للاهتمام بمناطق أخرى، بسبب الأزمة التي تعصف بالاقتصاد العالمي.

استعادة قوة الردع

إنّ حكام تل أبيب باتوا يشعرون شيئاً فشيئاً بحجم الفراغ الذي باتت تتركه الولايات المتحدة في المنطقة، مع العلم أنّ "إسرائيل" كانت دوماً تعي أنّ الكثير من دول المنطقة كانت تحرص على تسخين علاقاتها معها في السر والعلن، إرضاءً لواشنطن، من هنا فعندما تشعر هذه الدول بأنّ مكانة واشنطن قد تراجعت فإنّها تصبح ترى أنّه من العبث مواصلة التقرب من "إسرائيل". ناهيك عن أنّ العقيدة الأمنية الإسرائيلية اعتبرت دوماً أنّ التحالف بين "إسرائيل" ودولة عظمى هو أحد ركائز الأمن "القومي" الصهيوني، لذا فقد مثّل التحالف مع الولايات المتحدة ذخراً إستراتيجياً من الطراز الأول ﻟ"إسرائيل".

لقد حافظت "إسرائيل" على قوة ردعها في مواجهة الدول العربية لعقود، ليس فقط بفضل قوتها العسكرية وتفوقها النوعي فقط، بل بشكل أساسي بفضل علاقاتها الخاصة مع الولايات المتحدة، حيث إنّ أعداء "إسرائيل" كانوا يدركون أنّ الولايات المتحدة لن تسمح بأن يتم إلحاق هزيمة بالكيان الصهيوني. من هنا، فإنّ تراجع مكانة الولايات المتحدة يعني تراجع قوة الردع الإسرائيلية.

شراكة مصالح

لا يوجد في العلاقة بين "إسرائيل" وروسيا ما يسوغ إقامة تحالف لدواع إستراتيجية أو قيمية أو ثقافية، لكن "إسرائيل" في المقابل أدركت في العامين الماضيين أنّ هناك ما يؤسس لشراكة عميقة في المصالح. يدرك صنّاع القرار في "إسرائيل" مدى رهان بوتين على إنتاج الغاز الروسي في استعادة روسيا الدور العالمي الذي كان يضطلع به الاتحاد السوفييتي.

وفي أعقاب اكتشافات الغاز الضخمة التي توصّلت إليها "إسرائيل" في شرق حوض البحر المتوسط، فإنّ هناك في تل أبيب من رأى في هذا التطور فرصة تاريخية للتعاون مع روسيا في مجال إنتاج الغاز، بل إنّ هناك من رأى أنّ "إسرائيل" بإمكانها أن تعرض على روسيا الإسهام في العثور على أسواق جديدة للغاز الروسي.

بيت القصيد هنا، أن تتحول "إسرائيل" إلى شريك هام وحيوي في اقتصاديات الطاقة لروسيا، مما يجعل روسيا تدافع في المقابل عن المصالح الإسرائيلية، وتسهم في تقليص مظاهر العزلة التي تعيشها تل أبيب في أعقاب الثورات العربية، مما يكسب "إسرائيل" مكانة إقليمية مرموقة. ويعزز هذا التوجه العوائد الضخمة المنتظرة لتصدير الغاز الإسرائيلي للخارج.

أحلاف ومظاهر ضعف

لقد أدركت "إسرائيل" أنّ محاولتها بناء تحالفات مع دول البلقان، مثل: اليونان، ورومانيا وبلغاريا والمجر، في أعقاب تدهور العلاقات مع تركيا لا يمكن أن يغطّي على حجم الخسارة التي تعرّضت لها "إسرائيل" في أعقاب الثورات العربية بافتقادها حلفاء إقليميين أقوياء، لدرجة أنّ هناك في تل أبيب من اعتبر أنّ هذه التحالفات تعكس ضعفاً أكثر مما تراكم قوة لـ"إسرائيل"، من هنا كان التوجه نحو روسيا وبقوة وبتصميم.

واقعية بوتين

أكثر ما يثير رغبة صنّاع القرار في تل أبيب في الرهان على العلاقة مع روسيا بوتين في إخراجهم من عزلتهم الإقليمية وتحسين مكانة كيانهم، هو حقيقة إدراكهم للطابع الواقعي لسياسات بوتين، فقد شهدت العلاقات الإسرائيلية الروسية تدهوراً كبيراً إبّان الحرب الروسية الجورجية، بعدما تبيّن أنّ "إسرائيل" قامت بتزويد جورجيا بطائرات بدون طيار، وعملت "إسرائيل" بجنرالاتها المتقاعدين على تدريب القوات الجورجية، وهذا ما أثار حفيظة بوتين، مما جعله يوثّق علاقاته مع إيران.

أدرك صنّاع القرار في تل أبيب أنّه يتوجّب عليهم إصلاح الخطأ وتوصّلوا إلى تفاهمات سرية بالغة الأهمية مع روسيا، تم بموجبها التزام تل أبيب بالتوقف عن تزويد جورجيا بالسلاح، والأكثر من ذلك قيام "إسرائيل" بتزويد روسيا بطائرات بدون طيار بالغة الدقة. وشيئاً فشيئاً، قامت روسيا بالرد بنفس العملة، فقد كشفت وثائق ويكليكس أنّ بوتين أمر بإطلاع "إسرائيل" على طابع التجهيزات الدقيقة في المنظومات الدفاعية الإيرانية التي قامت روسيا بتزويدها لها، وهذا ما يساعد "إسرائيل" في بناء مخططاتها لضرب المنشآت النووية الإيرانية في ساعة الصفر.

قصارى القول، خارطة التحالفات الإسرائيلية مرنة جداً، فحيثما تكون مصلحة تل أبيب يكون حلفاؤها.