المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرجوع إلى الأمام والتقدم إلى الخلف


عبدالناصر محمود
01-10-2012, 08:19 AM
الرجوع إلى الأمام والتقدم إلى الخلف
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ

ـ قال لي : أنتم رجعيون متخلفون : فسألته : ومن أنتم ؟
قال : متقدمون حداثيون .
ـ فسألته وما معنى رجعيون ومتقدمون ؟ فأجاب رجعيون : أي الرجوع للماضي ونبذ التقدم والحضارة والتمسك بأحكام وقوانين قديمة لم تعد تصلح للزمن الجميل الجديد التكنولوجي ، ومعنى متقدمين :أي منفتحين على العالم ونقبل العلوم الحديثة والنظريات وندعو للحرية الكاملة للرجال والنساء وتطوير الاقتصاد الحديث والتعامل مع أصحاب المعتقدات دون تمييز .
ـ فطرحت عليه سؤلا آخر : هل ترانا نركب الجمال ونترك السيارات والطائرات ؟ أم ترانا نتراسل ونتواصل عبر الحمام الزاجل ؟ أم نحن رافضون للسكن في الأبراج لأن الخيام سنة ؟ أم نحرم دخول الأطفال الحضانات لأنها رحم صناعي ؟ وهل نمنع الآي باد لأنه يلهي عن ذكر الله ؟
ـ فأجاب : لا ، لا أعرف عنكم ذلك . فسألته : إذن فلماذا تصفنا بالرجعيين ؟ فقال : لأنكم تريدون الرجوع لأحكام الإسلام التي ظهرت منذ ألف وأربعمائة عام بينما نحن في زمن مختلف تماما .
ـ قلت : أولو كان الإسلام جاء منذ مائة عام أكنتم تقبلونه ؟
ـ فأجاب : لا . فسألته : أولو جاء منذ عشرين عاما أيكون مناسبا لزماننا ؟ فسكت وزاغ بصره متحيراً .
ـ فسألته : عن القوانين التي تسير عليها حياة الناس في مختلف الدول منذ متى وهي موجودة ؟ فقال : منذ سنين أو عشرات السنين .
ـ فقلت : إذن حدد لي عدد السنين التي يمكن من خلالها قبول القوانين وتقييم صلاحيتها ؟ .
ـ فقال : لا يمكن لأن كل بلد له ظروفه ولن نضيع أوقاتنا في تغيير القوانين كل عام بل علينا أن ننتج ونعمل . فقلت : إذن فكيف تقيس صلاحية القوانين ؟ فقال : من خلال تحقيق القانون لردع المخطئ والعدالة ومراعاة اختلاف أحوال الناس . فسألته : ولو توافرت هذه الصفات في قانون ولكن عمره ألف عام أتقبلونه ؟ فقال : نعم مادام يؤدي الغرض ويحقق المرام .
ـ فقلت : إنكم تكيلون بعشرة مكاييل إذا كان الأمر فيه إسلام ، وحقيقة رفضكم لأنه جاء بمكارم الأخلاق التي تمنعكم حرية الفسوق والعصيان بينما لم تحصلوا من الغرب إلا على مفاسد الأفكار ومساوئ الأخلاق .
ـ وقد اتفقنا معكم في قبول الحداثة والتكنولوجيا والتقدم العلمي واختلفنا في أي قانون ينظم شئون حياتنا كما يختلف الجميع ولم نعرف منكم معايير أسباب منطقية بفلسفتكم أنتم لرفض الإسلام ، فإنكم تدعون للتقدم لكن إلى الوراء حيث تعودون لأخلاق ما قبل الإسلام التي يعيشها العالم الغربي الآن ، والديمقراطية التي تريدون كانت قبل الإسلام بمئات السنين ، فمن منا رجعيّ ؟ وهذا فقط ما اكتسبتموه دون أن نرى مجهوداتكم العملية ، بينما حتى ثقافة قبول الآخر التي تدعون إليها ما هي إلا ديكور لانفتاح زائف يغلق في وجوهنا ... لهذا فإنكم تتقدمون إلى الخلف .
ـ بينما نحن نقبل التقدم التكنولوجي والعلمي في حين نرجع لأحكام الإسلام التي تتجدد فيها الأخلاق الإسلامية الكريمة كلما مر عليها الوقت في زمن اللا أخلاق مثل العطور كلما مر عليها الزمن زاد ثمنها وأصبحت أكثر ثباتا وأفوح عبقا وأعظم قيمة .. ولهذا فإننا نرجع إلى الأمام .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
{ بقلم : محمد عياد ـــ صحيفة الفتح ــ العدد : الثالث ـ
ـ 15 ـ 12 ـ 1432 هـ ــ 11 ـ 11 ـ 2011 م }
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
:Egypt:

مهند
01-13-2012, 04:32 PM
فقد صدق الذي كتب

اشكرك اخي الفاضل على الطرح الرائع و الراقي

جاسم داود
01-13-2012, 04:34 PM
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمن ِالرَّحِيمِ
الْسَّلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الْلَّه وَبَرَكَاتُه
الأخ الفاضل
جزاك الله خيراً
نسأل الرحمــن أن يجعل كل عملنا خالصاً لوجهه الكريم
جزاك الله الجنة و نعم المصير
وأدعو لك و للأبد بالصحة والعافية ان شاء الله
وصلى اللهُ على سيِّدِنا مُحمَّد وَعلى آلِهِ وصحبه وَسلّم
دمـت برعـاية الله وحفـظه

مطر وقمح
01-14-2012, 12:11 PM
جميل ما تقدم
ندعو الله ان يثبتنا على دينه الحنيف
..
تقديري

أمير الحرف
01-15-2012, 10:54 AM
الحمد لله رب العالمين
أشكركِ جزيل الشكر والعرفان
أحييك

عبدالناصر محمود
01-17-2012, 08:10 AM
ـ استنكر أحد المفكرين العرب(*) أن يكون في تراثنا العربي مئة اسم للسيف في تاريخ مليء بالهزائم ، وهذا الاستنكار يلح الآن بشدة ضمن سياق الثورات التي تعصف ببعض الدول العربية ، وعن دور المثقف فيها . حيث سقط دور المثقف الطليعي والمبشر والمنقذ ؛ وأصبح في كثير من أحواله مجرد معلق على ما جرى . أما كون المثقف هو ضمير الأمة ؛ فأصبح موضوعاً قابلاً للنقاش ؛ إذ قد يكون المثقف مستلباً أو مردداً ، ويكفيه أن يؤلف كتاباً عن عودة الوعي يصفي به مواقفه السابقة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ
(*) م: المجلة العربية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
01-18-2012, 08:33 AM
ألبراليون هؤلاء ؟
----------------

اللبرالية صنفان : صنف أصلي مصنوع في الغرب، وصنف
مغشوش يباع في العالم العربي باسم الصنف الأصلي.
أصحاب الصنف الأول يبيعون بضاعة من صنع أيديهم
فتستطيع لذلك أن تتحاور معهم وتدلُّهم على مواطن الخلل في
بضاعتهم ، وهي كثيرة . وقد يستمعون إليك ، وقد يعترفون
لك بما في بضاعتهم من عيوب ثم يحاولون تغييرها كما ظلوا
يفعلون على مرِّ السنين . لكنك لا تستطيع أن تفعل ذلك مع
مروجي البضاعة المغشوشة ؛ لأن بائعيها ليسوا أصلاء ؛
وإنما هم مقلدون مزيفون لا يستطيعون ترويج بضاعتهم إلا
بتسميتها بالاسم الذي اختاره المصنعون الأصلاء ودافعوا عنه
وأعطوا أنفسهم حرية إعادة النظر في بضاعتهم وتعديلها
وتبديلها . كيف تتجادل مع إنسان يعترف لك بأن مَثَله الأعلى
أن يتحول إلى أوربي يأخذ من أوربة كل شيء حتى الديدان
التي في بطون أبنائها كما كان أتاتورك يقول، أو يقول لك :
( لكي نكون مثل الأوربيين يجب أن نسير في الدرب نفسه
الذي ساروا عليه . ونأخذ حضارتهم بما فيها من حلو ومُرِّ ،
وخير وشر ). كما كان طه حسين يصر ،أو يردد ما كان يقوله
الدكتور زكي نجيب محمود قبل أن يمنَّ الله عليه بالهداية :
( إنه لا أمل في حياة فكرية معاصرة إلا إذا بترنا التراث بتراً،
وعشنا مع من يعيشون في عصرنا علماً وحضارة،ووجهة
نظر إلى الإنسان والعالم،بل إني تمنيت عندئذٍ أن نأكل كما
يأكلون ،ونجدَّ كما يجدُّون ،ونلعب كما يلعبون،ونكتب من
اليسار إلى اليمين كما يكتبون ). كيف يمكن أن نتحاور مع
إنسان مثل هؤلاء غمس نفسه في بؤرة التقليد والتبعية فلم يعد
يرى إلا ما رآه له من أتبعه ؟

رأى اللبراليون الزائفون كما رأى الشيوعيون من قبلهم أن
أكبر عائق يسد على الأمة طريق التبعية هذا هو الإسلام ،
فأصيبوا كما أصيب الشيوعيون من قبلهم بداء عضال يسميه
بعض الغربيين (الإسلامفوبيا) . تحولت دعوة الشيوعيون
بسبب هذا المرض من دعوة ذات أساس اقتصادي إلى دعوة
همُّها الترويج لثقافة الشارع الغربي الرأسمالي . ثقافة الرقص
والغناء والسفور ومعاقرة الخمور،حتى أصبحوا ـ كما كنا نقول
لهم ـ مجرد وكلاء لثقافة ذلك الشارع الرأسمالي .والذي حملهم
على هذا هو أنهم وجدوا أن القيم الإسلامية المعادية لذلك
الفجور هي التي كانت من أهم أسباب ابتعاد الشباب عنهم ،
فأرادوا أن يقولوا للشباب كونوا معنا نحرركم من تلك القيود
ولا تكون مع الإسلاميين الذين أثقلوا كواهلكم بتكاليف
المعتقدات والعبادات والحلال والحرام، وما علم المساكين كما
لا يعلم إخوانهم المسمَّون اليوم باللبراليين : أنهم يتبعون بذلك
طريقاً خطَّه لهم العدو منذ زمان بعيد وحذرهم ربهم منه :
{يَا بَنِي آدَمَ لا يَفتِنَنَّكُمُ الشَّيطَانُ كَمَا أَخرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الجَنَّةِ
يَنزِعُ عَنهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِما }[الأعراف:27].
{ إِنَّمَا يَأمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالفَحْشَاءِ }[ البقرة : 169] .

إذا كان الشيوعيون في بلادنا كانوا قد صاروا مجرد عملاء
لثقافة الشارع الغربي الرأسمالي ، فما هكذا كان إخوانهم في
البلاد الغربية .لقد كان أولئك يحاربون تلك الثقافة ؛حتى إن
ابنة ستالين قالت في كتاب لها : إن والدها كان ينهاها من
ارتداء التنانير القصيرة! وكانت تسجيلات بعض الأغاني
والموسيقى الغربية كموسيقى الروك آند رول لا تدخل البلاد
الشيوعية إلا مهربة.
يقول أ.د/ جعفر شيخ إدريس :
عندما هيأ الله ـ سبحانه وتعالى ـ لنا زيارة موسكو بعد سقوط
الاتحاد السوفييتي مباشرة،وجدنا نساءهم يرتدين ثياباً هي
أكثر حشمة مما رأينا النساء في البلاد الأوربية والأمريكية
يرتدينه. لكننا علمنا بَعدُ أن الأمر تغير بعد أن فُتح باب
الاتصال بالغرب على مصراعيه .

واللبراليون المزيفون في بلادنا يكررون الآن مأساة مرض
الإسلاموفوبيا مع فارق كبير :هو أن الشيوعيين كانوا بسبب
تبعيتهم للاتحاد السوفييتي أعداء للاستعمار الغربي.لكن
أصحاب اللبرالية المغشوشة في بلادنا يشيدون بهذا الاستعمار
ويرون فيه المنقذ الوحيد لهم من آثار القيم الإسلامية ،والقادر
وحدَه على تحقيق لبراليتهم المعادية للإسلام.
يقول أ.د/ جعفر إدريس : لقد سمعت ـ والله ـ بأذني رجلاً في
إحدى دول الخليج كان يتمنى أن تزحف القوات الأمريكية على
بلده بعد أن تنهي مهمتها في العراق .ثم عرفت بَعدُ أن ذلك لم
يكن موقفاً شاذاً؛وإنما كان أمراً يجاهر به أصحاب اللبرالية
المغشوشة من العرب الساكنين في البلاد الغربية،بل ينظمون
مظاهرات تؤيد بوش وتصفَّق له .

المقلدون من أمثال من يسمُّون أنفسهم باللبراليين في بلادنا
يأخذون عن الغرب مذاهب باطلة لجأ إليها الغرب لظنه أنها
تحل مشكلات يواجهها ،فيتبنون تلك الفلسفات والمذاهب
الباطلة ثم يزيدون الأمر ضِغثاً على إِبَّالة بمحاولتهم فرضها
على بيئة ليس فيها أمثال تلك المشكلات .بعض منتقديهم في
بلادنا ـ بما فيهم بعض الإسلاميين ـ يأخذون عليهم هذا الجانب
الأخير،أي جانب محاولتهم لفرض الأفكار والقيم والفلسفات
الغربية على بيئة لا تشبه البيئة الغربية التي نشأت فيها تلك
الأفكار والمعتقدات بما أنها في نفسها باطلة فإنها لا تصلح لا
للشرق ولا للغرب. نعم ! إنها قد تكون قد أدت من الناحية
العملية إلى وضع هو أخف ضرراً من الوضع الذي حلَّت
محلَّه في البلاد الغربية ؛ لكن هذا لا يجعلها حقاً أو صواباً .
ثم إنهم لا يكتفون بأخذ المذهب الباطل ،بل يحاولون أن
يتقمصوا الشخصية الغربية وأن ينظروا إلى الأمور بنظرتها
حتى لو لم يكن لتلك النظرة علاقة بالفلسفة أو المذهب الذي
أخذوه منهم وتبنَّوه .

البليَّة الثالثة التي أصابت هؤلاء المقلدين العمين ؛أنهم
يستوردون بعض المذاهب والأفكار الغربية لحل مشكلات لا
وجود لها في العالم الإسلامي .من أحسن الأمثلة على ذلك
دعوتهم جميعاً إلى العَلمانية التي يسوَّغ الغربيون لجوءهم إليها
بكثرة الحروب التي حدثت عندهم بسبب الحكم الديني ،كانوا
إذا حكمت طائفة منهم (كاثوليكية أو برتستانتية)لا تكتفي
بسيطرتها السياسية،بل تحاول أن تُكره أصحاب الطوائف
الأخرى على تغيير معتقداتهم والدخول معهم في طائفتهم .
وهذا شيء لم يحدث في العالم الإسلامي ؛بل إن أهل السُّنة
الذين كانوا مسيطرين سياسياً على معظم العالم الإسلامي لم
يجبروا المعتزلة ـ مثلاً ـ على تغيير عقائدهم ،بل لم يجبروا
اليهود والنصارى على تغيير أديانهم .لقد أعطوا خصومهم من
حرية العبادة وحرية التصرف في شؤونهم الخاصة ما لا
تعطيه العلمانية. ثم إن العلمانية حدثت في أوربة بموافقة
رجال الدين وربما مساعدتهم ؛ فلماذا يحاول هؤلاء العمون
فرضها على أناس يرونها مضادة لدينهم ؟
هذا ما كان من أمر اللبراليين المقلدين ؛ فما بال اللبراليين
الأصليين ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ
{م:البيان :ع:288ـ أ.د. جعفر شيخ إدريس ـ حفظه الله}
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
01-19-2012, 08:18 AM
العلمانية في المغرب ... صراع متجدد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يقول مصطفى الحسناوي الميسوري :(*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ

ـ كان يوماً مباركا ذلك اليوم الذي زرت فيه الشيخ الدكتور إدريس الكتاني في بيته لأول مرة تنقلنا في النقاش بين مواضيع شتى حتى أثرت معه كتابه ( المغرب المسلم ضد اللادينية ) واستغربت عدم إعادة طبعه رغم مرور أكثر من نصف قرن على طبعته الأولى التي نفدت منذ أعوام ، فاقترح عليِّ أن أتكلف بذلك فاستجبت دون تردُد شاكراً له هذه الثقة ، ثم اقترح عليِّ أن أعدَّ مقدمة لهذه الطبعة ، وهذا من تواضعه ـ حفظه الله ـ فمتى كان الأصاغر المجاهيل يقدمون للأكابر المشاهير ، وترددت في القيام بذلك لمعرفتي قدر نفسي ، ولعلمي أن أي مقدمة لهذه الوثيقة المهمة لن تقدم جديداً ذا فائدة . ثم بعد تفكير يسير توكلت على الله في خط هذه السطور التي لن يكون لها كبير فائدة إلا على كاتبها ، الذي هيأ له الله ـ عز وجل ـ من الأسباب ما جعل اسمه يوضع بجانب اسم باحث ومفكر من الطراز العالمي . ويتشرف بأن تكون له يد في إخراج هذا السفر المهم المفيد،الذي يرصد فيه صاحبه مؤامرة حيكت ولازالت تحاك ضد عقيدة ودين وأخلاق وتاريخ هذا الشعب . مؤامرة حاكت خيوطها نُخبٌ تصدرت صالونات السياسة ومنابر الإعلام ، وصُنعت صنعاً على أعين الغرب . لتكون هي ممثل الشعب وقائده إلى ظلمات العلمانية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ
(*) م: البيان ـ ع:293 ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
01-20-2012, 07:55 AM
الخطاب الليبرالي ولغة الهجاء(*)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ في الدفاع عن الليبرالية ، لكن دون أي تحليل معرفي يتعمق مفاهيمها وشروط نشأتها والإشكالات التي انبثقت في صيرورة ظهورها ونموها، وبلغة أكثر إيغالاً في استهجان المخالف وهجائه واحتقاره ؛ يقول د. أحمد البغدادي في مقالة يكفي عنوانها دلالة على وثوقية وقصور الفكر الذي تصدر : فالعنوان (( نعم الليبراليون وحدهم هم الديمقراطيون ولا أحد غيرهم ))(1) ، ثم يضيف مؤكداً أن ليس ثمة ديموقراطيين غير الليبرالين ، وأن هذا الحكم لا يصدق على (( العالم العربي فقط ، بل وفي كل مجتمع )) .
ـ وكأن الرجل قام باستقراء جميع الوقائع والتجارب السياسية في العالم أجمع ، وانتهى بعد طول بحث ومعاينة إلى تسطير حكمه الجازم هذا !!!
ـ بل يذهب أكثر من ذلك إلى الإفصاح عن حكم في حق تاريخ الإنسانية كله متجاهلاً أن النظام الديمقراطي ظهر ، على الأقل داخل
سياق التاريخ الأوربي نفسه ، في المجتمع اليوناني القديم ، أي في لحظة تاريخية تسبق ظهور الليبرالية بأزيد من 23 قرناً ! لكن رغم بداهة هذه الحقيقة التاريخية وشيوعها ، نجد البغدادي يقول متسائلاً باستنكار : (( أليست الديمقراطية من ( اختراع ) الفكر الليبرالي لقطع دابر الاستبداد السياسي والديني )) . [!!!!!].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
(1) شاكر النابلسي، ((الليبراليون الجدد جدل فكري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ
(*) نقد الليبرالية ـ د. الطيب بوعزة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ

عبدو خليفة
01-20-2012, 09:54 AM
شكرا لأخينا الكريم عبد الناصر على هذا الموضوع الحيوي الذي أعتبره موضوع الساعة في الصراع الحضاري وبعد، في الحقيقة مهما ادعى العلمانيون من التقدم والحرية فهم متخلفون ورجعيوت وعبيدا لما سواهم من البشر، أما كيف ذلك؟ فأقول إن العلمانية هي إديولوجية تحتوي على تصوارت وأحكام ــ قوانين ــ من صنع البشر فالإيمان والالتزام بها وفرضها على الناس بأي وسيلة كانت هو عبادة لأربابها، وإن تعجب فعجبا لمن يرضى أن يكون عبدا للإنسان الأروبي الذي لم يعرف في حياته قط حتى الطهارة من البول أعزاكم الله، لذلك كانت العلمانية مصنع يتم فيه مسخ البشر، أما الإنسان الحر الأبي ذو الفطرة السليمة هو من لا يرضى أن يكون عبدا إلا لله خالق الكون والإنسان والحياة الذي خضعت له السماوات والأرض، أما أن يخضع البشر لبشر مثله ويلتزم بما يشرعه له فهذا عين التخلف والرجعية علم من علم وجهل من جهل وأحب من أحب وكره من كره فعلى الإنسابية أن تنتبه لذلك.

(( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ))


[التوبة:31]
ملاحظة : ان أحبار العلمانيين ورهبانهم لا صلة لهم بعلم اللهوت وان ما يشرعونه لهم إنما من وحي الشهوات .

عبدو خليفة
01-20-2012, 11:47 AM
اسمحوا لي معشر الإخوة أن اضف هذه المعلومات عن ظاهرة الإنتحار في الغرب نتيجة للحداثة والعلمانية، محذرا مما يدعو له هؤلاء القوم في وطننا الإسلامي، المعلومات تقول أن حالات الانتحار بين الشباب في أمريكا قد زادت بشكل كبير في السنوات الأخيرة.

• في كل يوم ، ينتحر 14 شابا (تتراوح أعمارهم بين 15 و 24).

• في كل عام ينتحر أكثر من 5،000 شاب ،( تتراوح أعمارهم بين 15 و 24).

• وهناك 1.2 مليون شاب يحاول الانتحار في كل عام.

المصدر: المواقع الحكومية الأمريكية:
http://www.azag.gov/ChildrensPage/bookmark_Teen ٪ 20Suicide.pdf
http://mentalhealth.samhsa.gov/publi...t3/default.asp

عبدالناصر محمود
01-22-2012, 07:51 AM
السلام عليكم ورحمة الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأخ الفاضل: عبدو خليفة

ـ جزاك الله خيراً على هذه الإضافات القيمة ، وهذا الإثراء الجيد.
ـ دمت في رعاية الله وحفظه .:1_181:

عبدالناصر محمود
01-22-2012, 07:53 AM
بين الليبرالية والإسلام(*)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ بينما يرى توماس هوبز ـ أحد منظري الليبرالية ـ أن المجتمعات البشرية لا تقوم إلا على المصلحة الشخصية وأن كل واحد لا يهتم بأخيه بل بنفسه ومصلحته فقط ، وأن حالة الطبيعة هي " حرب الكل ضد الكل " فإن نبي الإسلام محمداً صلى الله عليه وسلم يصدع قائلاً: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " [متفق عليه]، وجاء في الأثر : " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان الإنفاق من الإقتار والإنصاف من نفسك وبذل السَّلام للْعَالم "[رواه البزار والطبراني وصح موقوفاً].
ـ وبينما ترى الليبرالية شرعية الرغبة اللامتناهية في الاستهلاك ، فإن الإسلام حد لذلك حدوداً فجعل رغبة الإنسان في امتلاك المال والشهرة محدودة بألا تصل إلى إفساد خلقه ودينه ، فقد ذم الله تعالى من فرح بملكه وأضاع إيمانه فقال عن قارون : { إنَّ قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إنَّ مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إنَّ اللهَ لا يُحب الفرحين(76) وابتغ فيما آتاك اللهُ الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن اللهُ إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إنَّ اللهَ لا يُحبُّ المُفسدين }[القصص:76، 77] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه "[رواه أحمد والترمذي وغيرهما ] . ولقد رشد الإسلام السلوك الاستهلاكي فذم الإسراف وهو مجاوزة الحد فيه بقوله تعالى : { وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يُحب المسرفين}[الأعراف:31].
ـ وفي حين يتحيز هوبز وجون لوك لصالح أصحاب الملكية ويرون أن غير الملاك لا حق لهم في الحياة السياسية إلا الاعتراف بمن يسود لأنهم غوغاء وغير قادرين على الفعل السياسي العقلاني ، وهم كالصفحة البيضاء القابلة لأن تكتب السلطة فيها ما تشاء ، وهو ما يفسر لك احتقار الليبراليين للشعب وتجهيله إذا ما خالف رأيهم .
ـ فإن كتاب الإسلام خلد مبدأ المساواة بين الكافة بقوله تعالى : {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير}[الحجرات:13] وجاء في الحديث : ( الناس سواسية كأسنان المشط ، وإنما يتفاضلون بالعافية ، والمرءُ كثيرٌ بأخيه ، ولا خير في صُحبة من لا يرى لك من الحق مثل ما ترى له ) [رواه الاصبهاني في أمثال الحديث ].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) علاء عبده ـ الفتح ـ ع : 13 ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ

عبدالناصر محمود
01-25-2012, 08:55 AM
اكتبوا التاريخ(*)
ـــــــــــــــــــــ
*ـ بقلم : نادر بكار :ـ

ـ اليوم يتحدد بشكل ما إذا كنا قادرينا على كتابة التاريخ ؛ وهو السؤال الذي طرحته قبل خوض غمار المنافسة الانتخابية ؛ أم أننا سنفوت الفرصة النادرة ونرتد على أعقابنا خاسرين .... اليوم ـ والحديث لأبناء التيار الإسلامي ـ جزءٌ كبير من مستقبل الإسلام في مصر ستتحدد ملامحه بأدائكم البرلماني جنبا إلى جنب أداء إخوانكم الدعوي .
ـ بغير مبالغة أقول أن أنظار العالم بأسره معلقة بكم ؛ وأنفاس الدنيا محتبسة ترقب خطواتكم ؛ لأن الناس ببساطة قد انقسمت في شأنكم فريقان ؛ فريق دأب على شنئانكم فهو يتربص بكم الدوائر لحقد دفين لا يعلم مداه إلا الله وفريقٌ دأب على حبكم لكنه ينتظر منكم الكثير بعدما حمَّلكم أمانة تشفق منها الجبال من ثقلها .
ـ أما الأول فحسن صنيعكم تحت قبة البرلمان وانتباهكم لمصالح الناس كفيل بإلجامه فلن يشمت منهم أحد ؛ والثاني فاستمساككم بالشريعة ؛ مع بذلكم الواسع في حل مشكلاته المزمنة كفيل باستمرار تأيده لكم ؛ فاستوعبوا حجم التحدي الذي تقبلون عليه فلن تبك علينا السماء والأرض ولن نجد بين يدي الله عذراً إن فرطنا هذه المرة .
ـ وتذكروا أن هداية القلوب لازالت مهمتكم الرئيسة ؛ فاستصحبوا طلاقة الوجه واستقامة السلوك ولطف المعشر مع رفق في المعاملة ولين في القول أثناء جلسات البرلمان عسى ربكم أن يقلب من كان بينكم وبينه عداوة وليا حميماً .
ـ أما الحديث عن تطبيق الشريعة فقد أفتاكم أهل العلم بأنه لن يأتي دفعة واحدة في واقع مرير ورث فيه الناس الإسلام وجهل أكثرهم معانية ؛ فاحذروا مزالق الشيطان فلستم على الناس قضاة وإنما ارتضاكم أهل مصر دعاة ؛ فالتؤدة التؤدة والسكينة السكينة ؛ ولكم في حديث ( لولا أن قومك حديثو عهد ) إشارة واضحة تستأنسون بها في للتدرج المطلوب ؛ فلا يكفي حسن النية لقبول العمل حتى يضاف إليه حسن الصنيع ؛ وقد يفسد الرجل الواحد تدبير جيش بأكمله .

*ـ رسالة خاصة إلى هند أحماس :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ

ـ فرنسا كلها في كفة وأنتِ في الكفة الأخرى وحيدة ؛ ومع ذلك رجحت كفتك .. هند أحماس أنتِ مستورة وفرنسا الليبرالية عارية .. هند أحماس .. كتب الله ليغلبن هو ورسله ومن سار على نهجهم فلا تبتأسي .. هند أحماس .. سيأتي يوم يرونه بعيداً ونراه قريباً سترتدين فيه نقابك وتسيرين به في طول فرنسا وعرضها لا تخشين إلا الله .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) صحيفة النور ـ العدد : 19 ــ 29 ـ 2 ـ 1433 هـ .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
01-27-2012, 07:55 AM
مُسلمة تصفع العلمانية على وجهها(*)
ـ}هند أحماس تتحدى وتصر على ارتداء نقابها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ

ـ منذ أن كان للإسلام والمسلمين الكلمة العليا في ذلك العهد المشرق المبارك كان المسلمون في مجدهم وعزهم يتعايشون مع أبناء الأديان الأخرى وكان تصريف أمور وشئون الأقلية غير المسلمة يتم عن طريق رؤسائهم المدنيين فيجدون حقوقهم لدى المسئولين المسلمين مستقرة مشروعة ثم دارت الأيام فصار جزء من المسلمين يمثلون أقليات تعيش في وسط غير إسلامي إلا أننا هنا نرى صورة أخرى للتعامل مع الأقليات نتج عنها إشكاليات لكل مهاجر مسلم إلى جانب الذين اعتنقوا الإسلام في البلدان غير الإسلامية ، وعلى سبيل المثال القارة الأوربية .
ـ ولنرجع إلى الوراء قليلا منذ أن كان لدخول المسلمين الأندلس تأثير بالغ على الأوربيين أنفسهم وأدى تأثيرهم هذا لنقلهم إلى عصور النهضة والتقدم و[الديمقراطية] التي تم الوصول إليها ادعاءً في القرن العشرين .
ـ واليوم يشكل المسلمون في أوربة وجوداً حقيقياً ذا فاعلية على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ، ورغم عدم وجود إحصاء رسمي يبين حجم الأقلية المسلمة في دول أوربة فإن بعض المصادر الإسلامية تقدر عدد المسلمين هناك بــ52مليوناً من أصل 705 ملايين نسمة هم عدد سكان القارة الأوربية ويعيش في فرنسا وحدها 6 ملايين مسلم .
ـ ورغم هذا كله تطالعنا الصحف العالمية بأن هند أحماس الفرنسية المسلمة تواجه حكماً بالسجن لمدة عامين بسبب ارتدائها النقاب ، وذلك بعد رفضها حكماً لقاض في باريس يقضي بخضوعها لدورة مواطنة للتدريب على حقوقها وواجباتها المدنية بوصفها مواطنة فرنسية ، كما نشرت هذه الصحف بأن هند ألقي القبض عليها مرتدية النقاب خارج قصر الإليزيه ويبدو أنها ارتكبت جرماً عظيماً ليحكم القاضي بخضوعها لدورة تعلمها أصول المواطنة ، كما لا يسمح بدخولها لقاعة المحكمة لسماع أقوالها بعد أن رفضت خلع النقاب ، فيتحدث محاميها قائلاً بأن القاضي يوشك أن يوجه إليها عقوبة بالسجن لمدة عامين مع غرامة مالية قدرها 27 ألف جنية استرليني ،وهنا تخرج هند عن صمتها معلنة أنه لا مكان لديها لخلع النقاب وأن هذا القاضي هو من يحتاج حقاً لدورة للتدريب على المواطنة ، وتذكر أنها ليست السابقة الأولى للقضاء الفرنسي العلماني الذي يدعي قدسية الحريات الدينية فقد رفضت في السابق دفع مبلغ مائة جنية استرليني لارتدائها النقاب في مناسبة أخرى ، كما أشارت إلى أنها ستنقل قضيتها إلى محكمة حقوق الإنسان الأوربية .
ـ فهل ستنصف محكمة حقوق الإنسان الأوربية هند أحماس ؟
ـ لا أعتقد ولا يعتقد كثير من مسلمي فرنسا الذين يعانون الاضطهاد بدءًا من حظر النقاب ومروراً بحظر صلاة الجمعة من الشوارع وربما تحمل الأيام مزيداً من السخط الفرنسي على مسلميها (**).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) محمد رشاد .
(**)صحيفة الرحمة ـ ع :11 ــ
ــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
02-03-2012, 07:44 AM
مقدمة في التسامح الليبرالي (*)
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ برز مفهوم التسامح بوصفه جزءاً من المفاهيم التي سعت الولايات المتحدة الأمريكية نحو فرضها على الأمم والشعوب ، وقد ارتبط التسامح بقيم الليبرالية والديمقراطية والعلمنة ، وأصبحت المناداة بالتسامح مطلباً يتناغم وينسجم بالكلية مع مطالب الليبرالية الأخرى ، وأصبح الحديث عن الآخر وحقوقه جزءاً لا يتجزأ من نشر ثقافة " التعددية"و"التحرر"من القيم العليا"والحرية الدينية" وتلقف الفكرة كتاب وباحثون حاولوا توطين التسامح عن طريق ربطه بقيم الإسلام العليا،فأصبح التسامح إسلامياً كما الليبرالية الإسلامية والديمقراطية الإسلامية والتعددية كذلك، ولربما تصبح اللادينية (العَلْمانية) بعد حين ذات صبغة إسلامية عند أولئك المنساقين خلف ثقافة الغرب ومفاهيمه عن الحياة .
ـ ومن هذا المنطلق تؤكد [الدراسات] أن التسامح الليبرالي يقوم على قواعد أساسية تشكل منظومة فكرية متكاملة يحتاج قيامها إلى توافر شروط أساسية ينتفي التسامح بغيابها أو فقد أحدها حيث لا يعود التسامح تسامحاً معبراً عن قيمة ليبرالية محددة . وتتمثل هذه الشروط
في :
أولاً : العلمانية ( اللادينية ) .
ثانياً : النسبية .
ثالثاً : التعددية والديمقراطية .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
(*) نقد التسامح الليبرالي . ـ أ.د. محمد بن أحمد مفتي .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
02-04-2012, 08:45 AM
عربستان
ـــــــــــــ

ـ حزب النهضة التونسي يتقدم في الانتخابات !
ـ حزب العدالة والتنمية المغربي يحقق نتائج غير مسبوقة ويتولى أمينه العام رئاسة الوزراء !
ـ حزبي الحرية والعدالة والنور يكتسحان الانتخابات المصرية ويتجاوزان جميع الأحزاب الليبرالية العريقة !
*ـ يا الله ! هل ستتحول البلاد العربية إلى عربستان جديدة تُحكم بعقلية القرون الوسطى،ونسقط في بحر التخلف ؟

ـ هكذا هو المشهد العربي كما يرسمه الإعلام الليبرالي ، حالة من الفزع والقلق أفقدت الليبراليين توازنهم الفكري والأخلاقي ؛ فالأحزاب العَلمانية التي كانت تبشر بالديمقراطية وتدعوا إلى الاحتكام على صناديق الاقتراع ، ها هي ذي تدعو إلى حماية الديمقراطية من الإسلاميين لأن الشعوب العربية ليست ناضجة بدرجة كافية ، ولا تستطيع أن تحدد خياراتها بوعي !

ـ لقد كشفت الانتخابات العربية عن معركة ثقافية وفكرية تلبس لبوس السياسة ، اصطفت فيها الأحزاب الليبرالية واليسارية والأقباط ـ النصارى ـ في صف واحد لمواجهة ( الإسلام الظلامي ) ، واللافت للنظر أن السفارة الأمريكية في القاهرة تجاوزت الأعراف الدبلوماسية ودعت صراحة من تسميهم بأصدقاء أمريكا لمواجهة تداعيات تصدُّر الإسلاميين للمشهد السياسي ! (*)

ـ وليس لهذا تفسير إلا قول المولى ـ جلَّ وعلا ـ :
ـ{وَإِخوَانُهُم يَمُدُّونَهُم فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقصِرُونَ }[الأعراف:202]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) ـ م: البيان اللندنية ـ ع: 294 ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
02-05-2012, 08:30 AM
أمثلة من مناحات بعض الليبراليين في مصر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ

ـ كتب أحدهم في جريدة الأخبار : ( ينتظر الأدب والفنَّ وروح مصر وحضارة مصر وتاريخ مصر وآثار مصر فترةُ ظلام لا يعرف إلا الله مداها ) .
ـ وكتب آخر في الجمهورية المصرية : ( إذا تركنا الأمور مائعة فسيصبح الوطن ريشة في مهب الريح ؛ سنرى مهازل ومساخر ، سنرى حكومات تتساقط كورق الخريف من أجل فيلم رأى البرلمان أنه إباحي ، ومن أجل لوحة تشكيلية رأى أنها بورنو ، ومن أجل كتاب أو رواية قليلة الأدب ، ومن أجل نقاب أو حجاب أو حفل راقص ، وقرارات بإلغاء اتفاقيات وطرد سفراء . لقد كانوا يقيمون الدنيا ويقعدونها من ذلك كله وهم خارج البرلمان وخارج المنظومة السياسية كلها ؛ فماذا سيفعلون وهم أغلبية برلمانية ؟ بالتأكيد سيُقعدون الوطن ولا يقيمونه أبداً ) .
ـ ويزداد الفزع خصوصاً من السلفيين ؛ فأحد مفكري مصر يكتب في موقع قنطرة الألماني قائلاً : ( خصيصة أخرى في الشأن المصري هي البزوغ اللافت لقوى التيار السلفي ، هذه القوى التي لا تحترم التعدُّد أو أبسط قواعد السياسة من تقبُّلٍ للآخر ، والتي هي نتاج للتربية الأمنية لعصر مبارك ؛ حيث درَّبها على استهداف خصومه ، وستدخل البرلمان بعاصفة من الأفكار القمعية والاستعبادية ، وهي حالياً تلقى التدليل من المجلس العسكري وكلِّ المسيسين ، وهم كما عبروا جهاراً نهاراً سيحرقون الأخضر واليابس لو لم يحققوا رؤاهم الظلامية ضد المجتمع ، هؤلاء هم الخطر الأكبر بين قوى الإسلام السياسي ) .
* ـ إن تتبُّع هذه المناحات التي تضج بها وسائل الإعلام العربية ستجعلنا نقف أمام ظاهرة صوتية مكلومة لا تجيد إلا فنون التحريض والإقصاء .
ـ إن البلاد العربية مقبلة على مرحلة إستراتيجية لها أثر عميق في تغيير البنية السياسية والفكرية التي جعلت من بعض دولنا دولاً فاشلة تتراجع إلى ذيل القائمة . وقد آن الأوان أن يدرك الإسلاميون أن معركتهم ليست معركة انتخابية ، بل إنَّ مسؤوليتهم الحقيقية إنما هي تجديد الهوية واستنقاذ البلاد من التخلف والتردِّي ، ثم إعادة البناء والانطلاق نحو النمو والازدهار الفكري والحضاري والتقني والاقتصادي (*).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــ
(*) م : البيان اللندنية ـ صفر 1433هـ ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

عبدالناصر محمود
02-08-2012, 08:16 AM
الليبرالية نواتها وثمارها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ مِن المسلَّمات أن الفكر الليبرالي فكرٌ مولَّدٌ من مجموعة غرائز ونزوات ، وأكثر بل جُل الأفكار منبعها غريزي ، والأفكار التي لا تعتمد على أصل غريزي لا تستقر ولا تدوم غالباً ، فيبقى العمل بها قليلاً ثم يتلاشى ، وأما الغريزي فمكان الخطأ فيه هو أن أصل القول أو الفعل غريزة ثابتة في الفطرة ، ولكن تم وضعه في غير موضعه كالشذوذ اللواط والزنا والسحاق ، أو الزيادة عن الحد المأذون به شرعاً مما يتوافق مع أصل الغريزة ولا يُلغيها كالزواج بأكثر من أربع ، أو إبداله بغيره كإبدال الأكل من لحوم الأنعام والطيور والأسماك بلحم الخنزير والكلاب والميتة ، وإبدال سائر معادن الأواني بآنية الذهب والفضة والأكل فيها ، فأصلها فطري لذا يجد السامع البسيط لها ما يتوافق مع أصل غريزته فينقاد لها لتتميم المفقود من تلك الغريزة الخاصة به ، والتي ربما تختلف عن غريزة غيره ، وكلما كانت الأفكار أقرب للفطرة كانت أكثر اتباعاً وأسهل في ورود القناعة بها والعمل بمقتضاها ، وقد يكون الشيء الواحد مركَّبًا من عدة غرائز فطرية فيكون التأثر بحسب قوة التركيب وصحته مع مقدار صحة العقل المتلقي لها (*).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
(*) العقلية اللِّيبرالية ـ عبد العزيز مرزوق الطريفي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
02-10-2012, 08:15 AM
*** أعداء الهوية في الداخل ***
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن تشوية الهوية وإضعافها عمل إجرامي تآمري, يرقى ـ بل ينحط ـ
إلى مستوى الخيانة العظمى لأمة التوحيد, قال الشيخ جاد الحق علي
جاد الحق شيخ الأزهر السابق ـ رحمه الله تعالى ـ : ( إن البحث عن
هوية أخرى للأمة الإسلامية خيانة كبرى, وجناية عظمى ).

وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير منار الأرض, فكيف
بمن يُغَيِّر هوية أمة, ويُضلها عن طريق النجاة ؟

إن التاريخ المعاصر حافل بنماذج بشعة من ممسوخي الهوية, الذين
كانوا " يُخْربون هويتهم بأيديهم " فمنهم على سبيل المثال لا الحصر,
و إلا فما زالت الشجرة الخبيثة تُخْرج نَكَداً :

1 ـ مصطفى كمال أتاتورك : الذي مسخ هوية تركيا الإسلامية بالقهر,
والذي قال: ( كثيراً ما وددت لو كان في وسعي أن أقذف بجميع
الأديان في البحر) وهو الذي ألغى الخلافة, وعطل الشريعة, وألغى
نص الدستور على أن الإسلام هو الدين الرسمي للبلاد, وألغى المحاكم
الشرعية, والمدارس الدينية, والأوقاف, وألغى الأذان العربي وحوله إلى
التركية, وألغى الحروف العربية واستبدلها باللاتينية, وكان يقول :
(انتصرت على العدو, وفتحت البلاد, هل أستطيع أن أنتصر على
الشعب؟).
2 ـ أغا أوغلي أحمد:أحد غلاة الكمالين الأتراك ـ القائل:
( إننا عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الغربيين حتى الالتهابات التي
في رئيهم, والنجاسات التي في أمعائهم).

3ـ أحمد لطفي السيد:خصم العروبة والوَحدة الإسلامية, وصاحب شعار:
(مصر للمصريين), والنعرة الفرعونية, ويكفي في بيان عدائه للهوية
الإسلامية أنه كان يصف نص الدستور على أن الدين الرسمي للدولة
هو الإسلام بأنه "النص المشئوم"!

4 ــ طه حسين : عميد التغريب, وداعية التبعية المطلقة للغرب حتى في
مفاسده وشروره, والقائل: ( لو وقف الدين الإسلامي بيننا وبين
فرعونيتنا لنبذناه).
وطالب "عميد التغريب": (بأن نسير سيرة الأوربيين, ونسلك طريقهم
لنكون لهم أنداداً, ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها, حلوها
ومرها, وما يُحب منها وما يُكره, وما يُحمد وما يُعاب ) اهـ .
فلا عجب أن قال المستشرق ماسينيون: (لو قرأنا كلام طه حسين لقلنا :
[هذه بضاعتنا رُدَّت إلينا] ).

والقائمة طويلة ستجد فيها : سلامة موسى, لويس عوض,جرجي زيدان,
وفرج فودة, وحسين أحمد أمين, وزكي نجيب محمود, وغيرهم ــــــــ
لا كثَّر الله سوادهم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــ{ الهوية الإسلامية: د/ محمد بن أحمد إسماعيل المُقدَم ـــــــــــــ
حفظه الله ــــــــــــــــــــــــ}ــــ
***********************

عبدو خليفة
02-17-2012, 11:31 PM
كانت لي مداخلة في هذا الموضوع القيم تضمنت بعض ما يعانيه الإنسان في الغرب من الاضطراب والشقاء خصوصا في العلاقات الاجتماعية بسبب أنظمته العلمانية، ومما يؤسف له حقا ان هذا الاضطراب في العلاقات الاجتماعية وفوضوية الجنس لم يعد محصورا في العالم الغربي بل انتقل إلى بلاد الإسلام التي تدين أنظمتها بالعلمانية كالمغرب مثلا، بين يدي الآن تقرير قامت به جمعية ( إنصاف ) ونشرته جريدة المساء المغربية في عددها 1629 المؤارخ 16ـ2ـ 2012 يحتوي على حقائق صادمة عن أطفال يحملون إسم ( xبن x) وهو ما يعني بدون، يولدون بالآلاف سنويا وعددهم قارب المليون في مدة أقل من عقد من الزمان، حيث يولد في المغرب سنويا ما يقرب 80 الف طفل غير شرعي، مجهولة هويتهم أو متخلى عنهم، يتم العثور عليهم مختنقين داخل أكياس بلاستيكية مرمية وسط الأزبال، ثم يدفنون في مقابر جماعية بدون اسم، ومن عثر عليه حيا يكتب له أن ينشأ بين أحضان الشوارع وكنف الأزقة، ومما ينبغي الإشارة إليه أن هذا الجيش العرمرم من المولودين غير الشرعيين إنما جاء في الفترة التي حمل النظام فيها على علماء الإسلام بذريعة ما يسمى محاربة الإرهاب فمنهم من قضى في السجن عقد، ومنهم من قضى نحبه ومنهم من ترك بشرط أن يتكلم فقط عما هو موجود في السماء ولا يشر إلى ما يجري على الأرض، لذلك كانت الأنظمة العلمانية أكبر خطر يهدد المسلمين، لأنها تحاول بكل وسيلة أن تحول بين سلوك الناس ودينهم لأن عقيدتها فصل الدين عن الحياة .

عبدالناصر محمود
02-19-2012, 08:37 AM
سياسة العقل مع الأفكار
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ العقل يَقطَع بأن ما كان أصله الانفلات يؤصل له الكبح والتقييد ، لا أن يُفسَح له الطريق وتُعبَّد له كل السبل ليمضي ؛ لأنه ليس بحاجة إلى ذلك ، فهو أحرص منك على هذا لأنه مفطور عليه ، كالسيل الجارف ليس بحاجة إلى إزالة الموانع من أمامه ، وإنما هو بحاجة إلى ضبطه وتوجيهه ليُنتفَع به ، هذه سياسة فطرية جرت عليها السنن الكونية ، والشرائع السماوية ، وهي ما تعاملت به شرائع السماء مع العقل ، وقَلَبته وعَكَسته العلمانية وثمارها كالليبرالية فظهرت كثير من آثار أخطأ العقل إلى حدِّ شارك فيه الإنسانُ البهيمةَ؛ لأنه خُلِق منفلتاً ومهَّدت له السبلَ ليكون أكثر انفلاتاً .
ـ وهذا أصل اضطربت في فهمه الليبرالية ، واختلط على الليبراليين الفرق بين كون الأصل في العقل والإنسان الحرية والانعتاق في ذاته، وبين سياسة التعامل معه ، فهل الأصل في التعامل مع العقل التقييد بضوابط أم الترك والتخيير أم التذليل والتسويغ له ما يُريد ، والتسويغ زيادة على الترك والتخيير ، والليبرالية تنتقل بين الثاني والثالث ، تارة هنا وتارة هناك ، وهذا تحصيل حاصل .
ـ والقاعدة الكونية أن ما أصله الثبات يُضبَط نقله ، وما أصله الانفلات يُضبط تثبيته ، فالزروع والثمار والبيوت والمعادن يُضبط نقلُها حسَب المصلحة لا أن يؤصل ثبوتها ؛ لأن أصلها الثبوت ، وما أصله الانفلات يُضبَط تثبيته كالسيل والرياح وكثير من الكائنات الحية ، ومثلها العقل ، أصل تركيبته من جهة الثبات ولانفلات شيء والتعامل معه شيءٌ آخر .
ـ كما تفسد أحوال الناس ومعيشتهم في الاضطراب في قلب هذه القاعدة ، كذلك تفسد أفكارهم وعقائدهم وأخلاقهم في قلب قاعدة العقل والتعامل معه .
ـ وقد انشغل الفكر الليبرالي في تعبيد الطريق أمام العقل ليعمل ما شاء ويعتقد ما يُريد ، بدلاً من تسييسه والانشغال بضبطه حسب ما يُريده الله ، وحسب ما يَظهر للإنسان من مصالح ومساوئ الأعمال والأقوال وآثارهما بما لا يُبطل حكم الله(*) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
(*) العقلية اللَّيبرالية ـ عبد العزيز مرزوق الطريفي .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
02-20-2012, 08:49 AM
الفكر الليبرالي
ــــــــــــــ

ـ الفكر الليبرالي فكرٌ عائم يعتمد على حق الفرد الواحد في اختيار ما يُريد ؛ لأنه هو الخالق لأفعاله ، ولهذا فهو لا يُقر بوجود مقدَّس مشترك معيَّن منضبط ، لا رب ولا كتاب ولا نبي ولا غير ذلك ، سواء كان مفكراً أو غيره ، ولا دستور لا يحتمل التغيير متى ما احتيج إلى تغييره ، ولا يمكن ضبط هذا الفكر ضبطاً دقيقاً حتى لدى الفرد الواحد إلا في لحظة واحدة ؛ لأنه ربما بعد تلك اللحظة يتحول عن كل معتقداته ، وله الحق في ذلك ، فيتغير معه ضبط الفكر أُصولاً وفروعاً (*).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) العقلية اللِّيبرالية ـ عبد العزيز بن مرزوق الطريفي .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
02-21-2012, 09:00 AM
2 أصول الليبرالية
ـــــــــــــــــــــــــ

ـ الفكر الليبرالي يقرر أن الإنسان هو الذي يُحدِث أفعاله ويختارها ابتداءً ، من غير أن تكون مقدَّرة عليه قبل ذلك ، أي سابقة في علم الله ، ويرفض الليبراليون تفسير أفعال الأفراد تفسيراً سببيًّا ، ويُعلِّلون ذلك بأنه لو صح التفسير الحتمي للأفعال لانعدمت مسئولية الفرد عن أفعاله ، والعجب أنهم مع إيمانهم بـ ( قانون السببية ) الذي يضبط الطبيعة إلا أنهم يستثنون الإنسان منه ، والمتأثرون بالفكر الليبرالي من الشرقيين لا يتحدثون عن هذا الأمر كثيراً مع اقتناعهم به لموافقته اعتقاد القدَرية المعتزلة الذين ينفون القدر ، وينفون علم الله بالحادثات المستقبلية من الإنسان إلا عند حدوثها ، والحق الذي يشهد به القرآن والسنة وتُجمِع الأمة عليه أن أفعال العباد مِن خَلق الله وإيجاده ، وهي من العباد فعلاً وكسباً ، وهم الفاعلون لها ، وهذا لا ينفي تقدير الله وعلمه بها ، قال تعالى : { واللهُ خلقكُمْ ومَا تَعْمَلُون }، فالله أضاف العمل إليهم ، ولأن عمل العبد حاصل بإرادة الله وتقديره وقدرته كان خالقاً له ، ومن قال : إن الإنسان يخلق أفعاله من دون الخالق سبحانه فقد جعل في الكون خالقين ، وهي عقيدة المجوس(*).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ
(*) العقلية اللِّيبرالية ـ عبد العزيز بن مرزوق الطريفي ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ

Eng.Jordan
02-21-2012, 10:39 AM
حفظك الله أخي عبد الناصر ...لو لم يكن في هذا الموقع سوى هذه الفائدة التنويرية المرجوة لكفتنا سبب بقاءه ودعمه

طبت وطابت أيامك

وبارك الله بك ولك

عبدالناصر محمود
02-22-2012, 08:52 AM
الليبرالية الخديجة
ــــــــــــــــــــــ

ـ الليبرالية الشرقية ليبرالية خديجة ، غير مكتملة ، وذلك لاختلاف الدين الإسلامي الذي تواجهه باسم العقل عن غيره ، فخالق المادة ومُنزِل الدين المتكفل بحفظه واحدٌ ، فنتاج المادة العقلي الصحيح لا يتعارض مع الوحي الصحيح الصريح ، وكثيرٌ من المسلمين ممن رجع إلى معرفة الإسلام بعد تدثره بالليبرالية ، واستعماله ذات الآلات والمصطلحات والمعاني التي واجه بها الغربيون دينهم ، وجد نفسه أمام مواجهة تختلف وتتباين عن غيرها ، فبدأ بالتنازل عن بعض ممارسته لوضوح الحِكَم والعلل الشرعية في كثيرٍ من أحكام الله لعباده ، وكان اختلاف كثير من السياسات الشرقية عن غيرها له أثر في اختلال نظام الفكر الليبرالي ، فهي ترفض تطبيق ما يمس حُكمها وثرواتها ، وتقبل ما عدا ذلك ، كقبولها التحرر في حياة الناس وسلوكياتهم ؛ إرضاءً للغرب المتسلط بفرض هذا الفكر ولو بشطر ما يُريدون ، إثباتاً للولاء الاجتماعي ولو بنقض الدين وأُصوله وفروعه ، ليغضَّ الغرب الطرف عن النظام السياسي ، حتى بلغت حريات الأفراد في بعض البلدان الإسلامية حدًّا يفوق الغرب ، ومحاربة الإسلام المواجه لها بجميع أنواع القمع والقهر ، فأصبحت الليبرالية الشرقية بوجه ذي صفحتين ؛ صفحة مشوهة وصفحة صحيحة ، وأصبح كثيرٌ من السالكين لهذه الأفكار يعيش اصطراباً بين ما يقتنع به وبين السواقي الضيقة التي سمح للعقل أن يسبح فيها ، وكل بلد من البلدان تختلف قبولاً للفكر عن الآخر ، إلا أنهم يكادون يتفقون على قبوله على سبيل التدرج في أحوال الناس الاجتماعية(*).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ
(*) العقلية الليبرالية ـ عبد العزيز بن مرزوق الطريفي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
02-25-2012, 08:11 AM
الليبرالية بدون رتوش !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ كتب : محمد سعد الأزهري :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ شهد موقع "تويتر" الاجتماعي هجوماً على نائب حزب النور السلفي الدكتور يونس مخيون لمطالبته بحجب المواقع الإباحية في الإنترنت . واعتبر "المغردون" أنه يوجد في مصر ما يكفي من المشاكل الاجتماعية ذات الأولوية لإيجاد حلول لها أكثر من حرية الإنترنت !! لم يكف رواد موقع "تويتر" لأكثر من 24 ساعة عن انتقاد طلب الإحاطة العاجل الذي تقدم به النائب السلفي داعياً فيه إلى حجب المواقع الإباحية في مصر .

ـ وكان مخيون قد قدم طلبه في جلسة المجلس التي عقدت يوم الاثنين 20 ـ 2 ـ 2012م مطالباً بتفعيل الحكم القضائي الصادر في هذا الأمر عام 2009 م والذي نص على أن الدستور المصري قد كفل حرية التعبير في مدلوله العام إلا أنه قيد ببعض القيود للحافظ على الطابع الأصيل للأسرة التي هي أساس المجتمع ، والتي قوامها الدين والأخلاق والوطنية والآداب العامة .

ـ وكانت التعليقات تسير في إطار من السذاجة والسطحية التي تُنبئ عن الانفصال الكبير بين التيار الليبرالي والشعب المصري المسلم ، حيث قال أحدهم : إن حل مشاكل الشباب الاجتماعية ، كمشكلة البطالة ، هي الطريقة المثلى لجعل الشباب يُعرضون عن تلك المواقع !!
ـ وقال آخر : المنع ده هيؤدي لمصائب .. اللي بيتفرج هيعاكس واللي بيعاكس هيحترش واللي بيتحرش هيغتصب والبنات هتخاف تمشي في الشارع لوحدها .. اتقوا الله !!

ـ بل تمخض الكاتب الصحفي بلال فضل ـ مؤلف بلطية العايمة ـ فولد فأراً حيث قال : إلى كل النواب السلفيين دعاة منع المواقع الإباحية نؤيدكم ونتضامن معكم وندعمكم من أجل إنعاش الاقتصاد الوطني . الإمضاء تجار السيديهات الجنسية !!

ـ وعلى هذا المنوال يمكن القول : إلى كل دعاة منع المخدرات نؤيدكم ونتضامن معكم وندعمكم ونشكركم لحسن تعاونكم معنا من أجل إنعاش الاقتصاد الوطني . الإمضاء : تجار المخدرات بالجملة!!

ـ بل وعندما يقوم أحد النواب المحترمين بمناقشة وزير الداخلية حول أوكار الرذيلة المنتشرة في بعض الأماكن ، سنرى الليبراليين والعلمانيين يخرجون علينا بتصريحات من نوعية : أن حل مشاكل المرأة الاجتماعية ، كمشكلة البطالة ، هي الطريقة المثلى لجعل النساء يُعرضن عن تلك الأوكار !! ويبدو أننا سنتمتع بمثل هذه الردود السطحية والساذجة ! خصوصاً عندما يتبنى التيار الإسلامي تطهير البلاد من دنس الرذيلة أو تطهيرها من التبعية للغرب ؛ لأن الليبرالية الحقة لا تعرف طهراً ولا استقلالاً ، فهي تهيئ للشذوذ الطريق وتسمي العلاقات المحرمة حرية شخصية ، وتجعل من الربا والقمار والتجارة الجنسية تجارة مشروعة ! وتسمي شرب الخمر ممارسات روحية ! أمّا الفاجعة الكبرى فإنها تتلخص في تصورهم للتبعية الغربية بأنها : التطور الطبيعي للحاجة الساقعة !!

ـ الليبرالية أيها الأعزاء لا تعرف شيئا يسمى الخوف من الله ، ولا ما يُعرف بوخز الضمير ، لكنها تعرف توحشا رأسمالياً ليس له أدنى علاقة بما يحبه الله ويرضاه ، وتعرف قهراً سياسياً ينتهب مقدرات الشعوب ومخزون الأمم تحت غطاء الديمقراطية ومجلس الأمن والأمم المتحدة ووكالة الطاقة الذرية !!

ـ الليبرالية هي الغلاف الخارجي للقهر والاستبداد ، وهي الحاضن الأساس لكل بلد يرضخ تحت حكم الحديد والنار ، فمن الذي كان يدعم الأنظمة الاستبدادية في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن ؟
ومن الذي يقف قلبا وقالبا مع النظامين الأفغاني والعراقي الحاليين ؟
ـ من الذي تسبب في دمار الجيش العراقي ، والجامعات العراقية ، والشرطة العراقية ، وجميع الكفاءات العراقية ؟!
ـ هو النظام الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية والذي ينبهر به محبو القتل الرحيم ! لا فرق بين الاعتراض على منع المواقع الإباحية ، وبين منع المخدرات وبين منع شرب الخمر ، وبين منع أوكار الرذيلة ؛ فكلها تقع تحت عنوان قرآني واحد ألا وهو:
{ أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } !!!
ــ إنها الليبرالية بدون رتوش !!(*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــ
(*) ـ صحيفة الفتح ـ 2ـ4ـ1433هـ /24ـ2ـ2012م.
ــــــــ ع : 18 ـــــــ
ـــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
02-27-2012, 08:30 AM
الليبرالية قبل قرنين
ــــــــــــــــــــــــ

ـ لو عرف منظروها أنها ستنتهي باستساغة الشذوذ الجنسي وتشريعه وأن الرجل يتزوج الرجل في محفل عام بوثائق قانونية ، فيضاف الرجل في جواز سفر الآخر كزوج ! وكذا المرأة مع المرأة! واستساغة التعري بحيث يُغطَّي القُبُل وحلمة الثدي فقط ... لم تقم دعوة لهذا الفكر ، فهم أدركوا من أين يبتدئ الفكر بهم ولكن لم يُدركوا نهايته وحدَّه ، ولم يُدركوا حقيقة العقل أنه يجمح إلى الأمام دائماً ليفك قيده ، وليس من تركيبة العقل الرجوع إلى الوراء ، والشيطان يحدو به ويُسليه حتى ينتهي إلى ما لا يمكن أن ينتهي إليه بشرٌ صحيح الفطرة .(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) العقلية اللِّيبرالية ـ عبد العزيز بن مرزوق الطريفي .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
02-28-2012, 08:52 AM
تحرير المرأة في مصر(*)
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ بدأ تحرير المرأة في مصر بتأصيل قواعد الليبرالية ، والمطالبة تبعاً لذلك بنزع حجاب المرأة والذي هو النقاب فقط ، وبعد مرور مائة عام احتفلت زوجة رئيس مصر بمرور قرن على ذلك ، وقُدمت مطالبات وأوراق تطالب بتحرير المرأة من قوامة الرجل ، وبحقها في الزواج من أربعة أزواج ، وبإلغاء حق الزوج في الطلاق ، وبمنع اختصاص المرأة بالعدة ، والمتابع يستيقن أن قاسم أمين الذي ناكف الشريعة وبدأ بالمطالبة بنزع النقاب تحت مبدأ (( الحرية ))
(( وتحرير المرأة )) لم يدُر في ذهنه أن الذين يسيرون على مبادئه وأُصوله سينتهي بهم الأمر بعد مائة عام بأن يطالبوا بهذه الكفريات القطعية ، ولكن هذا طريق ليس لأحد أن يسلك أوله ولا يدري أين ينتهي به ؛ لأنه في أمور الدنيا سفه وبلادة ، فكيف في أمر الدين ؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) العقلية اللِّيبرالية ـ عبد العزيز بن مرزوق الطريفي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
02-29-2012, 09:10 AM
التوطين بالإعلام
ــــــــــــــــــــــ

ـ لاهتمام العقلية الليبرالية بالنظر والتحليل العقلي المادي ، وأثر مشاهدات العقل على الأمور الغائبة عنه ، تعرف المنافذ الموصلة إلى تغيير المفاهيم ، ولو بالتزييف والتضخيم أو التحقير ، أو انتقاء أخطاء حقيقية من عقيدة متسعة وفكر فسيح وعرضها في سياقات واحدة ، وإشغال السامعين بها .
ـ وكذلك الإكثار من الترويج للفكر المرغوب بالاستحسان العقلي واستغلال النتائج الحسية فقط ، من غير اعتبار أي حكم خارجٍ عنه .
ـ وأصحاب الفكر المادي لا يرون شيئاً ممنوعًا في إزالة أي فكر وعقيدة غير مادية ، لعدم الإيمان التام بالضمير والفطرة ، وإنما الحق القطعي هو الوصول للنتائج العقلية الخالصة ، وغيرها تخلف وظلام ، فيحاربونها بالتدليس والكذب والتنديد والسخرية والاستهزاء وإظهار عيوب المخالفين ، والتنديد بها في وسائل الإعلام ، فيجمعون شذوذات الأفراد من عقائد أمة تملأ الأرض التي لا يقول بها إلا واحدٌ منهم ويسوقونها جميعاً مساق التسليم المذهبي المجمَع عليه ، لرسم صورة شاذة للجميع ، وهي أقوال أفراد معينين ، وبهذه الطريقة تستطيع أن تجعل من أي فكر على وجه الأرض فكراً غالياً أو منسلخًا وتصفه بأي وصف قبيح أو حسن بالتلفيق للمسائل المنفردة بصورة الجماعة . (*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ
(*) العقلية اللِّيبرالية ـ
ـــ عبد العزيز بن مرزوق الطريفي ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ

عبدالناصر محمود
03-02-2012, 07:44 AM
بقاء الليبرالية
ـــــــــــــــــــ

ـ هذا الفكر ما كان ليستقر أو يبقى لولا أنه يجعل فكر الفرد وقناعته خاصين به ، لا يُلزم بهما غيره ، وهذا سبب بقائها ؛ لأن الأفكار الخاطئة تنتهي بتصادمها بما هو أقوى منها ، والخاطئة التي لا تتصادم تبقى أكثر من التي هي أقل خطأ وتتصارع م غيرها .

ـ والفكر الليبرالي يلغي الوصول إلى الصراع معه بمحاربة وسائله ، فيمنع من تخوين الفرد في تصرفاته الخاصة ، وتضليله وتخطئته وتفسيقه ، فضلاً عن تكفيره ، وهذه أدوات إصلاح الفكر وتقييمه .

ـ والسلوك الذي لا يتعارض مع غيره بالنقد والتصحيح سلوك حيواني بهيمي ، وسيدوم ويبقى ما لم يتعارض مع غيره ، فالبهائم وسلوكياتها تعيش على نفس السلوك والتصرف على الدوام ، فسلوك البهائم في زمن آدم ـ عليه السلام ـ هو نفس سلوكها اليوم ولن يتغير؛ لأنها غير مفطورة على التصحيح فيما بينها كما في البشر ، بل مجبولة على القناعة بالتصرف الفردي ، مع إمكان تصحيحها ، فإذا دخلها النقد والتعليم في سلوكها تغيَّرت ، فالسباع كالكلب والهرة وكذلك الطيور وغيرها ربما تصل إلى مشاركة الجنس البشري في بعض التصرفات بسبب التعليم والنقد لها ، ولو تُركَت عاشت كبقية البهائم إلى ما شاء الله على فطرتها البهيمية ، لا يعنيها إلا سلوك فردها .

ـ وهذا الأمر يُحقق لكل واحد عقيدته وهواه تامًّا كما يُريد ، فيشغله عن غيره ، لهذا العقل الليبرالي منصرفٌ عن الدين ومعرفة الوطن وحقه ، وكثيرٌ من الغربيين لا يعرفون أكثر من محيط الذات ، بل كثيرٌ منهم لا يَعرِف اسم حكام بلاده ، ولا يعنيه ، ولا يُعرَف لديهم ما أقره الإسلام من حفظ النسب ومعرفته وصلة الرحم ، والإحسان إلى الجار وذي القربى ، وهذا نتاج تمرد النفس والهوى على الفطرة باسم العقل .(*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) العقلية اللِّيبرالية ـ عبد العزيز بن مرزوق الطريفي .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
03-03-2012, 08:21 AM
ما تكرر تقرر .. فأفيقوا أيها السادة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ كتب : محمد سعد الأزهري :ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ هذا هو ملخص ما قام به الإعلام الليبرالي الشرقي والغربي خلال العقود الماضية ، حتى إنهم يصدقون أنفسهم من كثرة الأكاذيب التي يرددونها ليل نهار ؛ لأنهم لا يرددون غيرها !!
ـ من ذلك مثلاً أنهم يكررون مصطلح التشدد ثم يربطون هذا المصطلح في ذهن السامع بالذين يحرمون ما حرم الله ورسوله !!

ـ وينتقون بعض المحرمات التي تتعلق بالحياة اليومية لغالب الناس ، والتي من كثرة وجودها وتكرارها في المجتمع أصبحت شيئاً موروثاً، من ذلك مثلاً تحريم الموسيقى والطاولة والدمينو والغناء وشرب الشيشة والسجائر ومصافحة المرأة والذهاب للمصايف التي تعج بكثير من المخالفات الشرعية .. إلخ
ـ ثم يقولون للناس هؤلاء هم المتشددون لأنهم يحرمون كل شيء نفعله !!
ـ فيرتبط في ذهن عامة الناس أن التشدد مقترن بالتحريم وأن الوسطية مقترنة بالتحليل من باب أن " الدين يسر ".
ـ فخطتهم الماكرة هي وضع هذه المحرمات في مساق واحد ، وتكرير ذلك على مسامع الناس من خلال الصحافة والقنوات الفضائية وغيرها من الوسائل الإعلامية ، بل والتعليمية ، مما يكّون عند المستمع والمشاهد النفور من هذا التيار .
ـ ومن ذلك أيضاً ما يتم أتباعه مع المرأة المسلمة في الإعلام ؛ حيث ينفرونها عن دينها من خلال ذكر المحرمات في مساق واحد ، وأن هؤلاء المتشددين يريدون جارية منزوعة الحقوق !!
ـ ثم يسردون المحرمات كحرمة النمص ، والاختلاط مع الرجال ، والتبرج والسفور ، والسفر بلا محرم ، والخضوع بالقول ، والتعطر حال خروجها إلى الشارع ..إلخ .
ـ فتصاب المرأة التي ترتكب أغلب هذه المحرمات بالفزع ؛ حيث تشعر بأنها لا ترتكب إلا المحرمات !
ـ ومن ثم تتصور المرأة أن التشدد قد وصل إلى النخاع في المجتمع !

ـ الإعلام الليبرالي يكرر هذه الصور النمطية في جميع مناحي الحياة، ولقد أتحفنا هذا الإعلام زمانا طويلاً بالكلام ليل نهار عن الديمقراطية الغربية ، وكيف أنها استطاعت أن تصل بدخل الفرد السنوي إلى عشرات الآلاف من الدولارات واليوروهات ، مع التأمين الصحي الشامل ، وتبادل السلطة ، وحرية الرأي والفكر ، وسيادة القانون على الجميع دون استثناءات .. إلخ .
ـ ومن ثم تكرار هذا الجانب في كل البرامج والصحف والكتب مما أدى إلى صناعة ذهنية معجبة بالنظام الغربي الديمقراطي !!
ـ ولكن أين الوجه القذر للنظام الغربي في هذا الإعلام الموجه ؟
ـ بالطبع لن تجد له أثراً ؛ حيث الجنة الغربية التي لا يوجد فيها إلا كل ما هو حديث ومبهر وبرّاق !
ـ فالغرب الديمقراطي هو الذي دعم كل الأنظمة المستبدة في العالم عامة والإسلامي خاصة .
ـ وهو الذي استباح ثروات الأمم المختلفة وعلى رأسها بلاد المسلمين ومناجم الذهب والألماس وسائر المعادن في إفريقيا ، وهو الذي سرق العقول النابهة من جنوب أسيا .
ـ الغرب الديمقراطي هو الذي نشر الفجور والشذوذ ولعري والخلاعة عن طريق الإعلام الهوليودي البغيض ، وعن طريق مؤتمرات السكان التي تفرض على الدول الفقيرة والنامية إباحة زواج المثليين والعلاقات خارج الزوجية ، وسائر أنواع القرف الغربي الديمقراطي !
ـ أين الحديث عن هدم الأسرة في الغرب ، وشرب الخمر واتخاذ الخليلات ؟!
ـ أين الحديث عن حرية السخرية من الإله والأنبياء والملائكة في الغرب ؟!
ـ أين وأين وأين ؟؟!
ـ الخلاصة : لابد من الوقوف بقوة أمام كل المؤامرات التي تحاول نزع الهوية من القلوب ، ومعرفة طريقة القوم في تبشيع ما يحبه الله ويرضاه ، وتذليل العقبات أمام ما يبغضه الله ، وبيان أن الغرب يريد منا أن نكون خدماً لا سادة .
ـ فأفيقوا أيها السادة .(*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــ
(*) صحيفة الفتح ـ 9/4/1433هـ ـ 2/3/2012م ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
03-05-2012, 08:16 AM
من أساليب أهل الباطل
ــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ الجدل أحد أساليب أهل الباطل لترويج باطلهم وإشغال أهل الحق، وهو أحد أسلحتهم لختل الخصوم ، وقد يرضون منه بمجرد الدخول في الجدال والعراك الفكري الذي يثيرونه باستمرار ، ويشغلون الآخر بقضاياه الكرَّة تلو الكرة يرمون له الحبائل ويزيدون في تمديدها حتى يطوقونه بها ثم يحصرونه في مناطق ضيقة وحتى لو تنبَّه لكمينهم ؛ فكل الخيارات لديه بعد ذلك تصبُّ في صالحهم .
ـ ولا يقال : إن الجدل كله باطل ؛ ولكنه كالدواء يؤخذ عند الحاجة وعلى قدرها ، فإذا لم نجد وسيلة لقمع الباطل إلا الجدل ووجدنا مؤهَّلاً متمرساً فلا مانع من ذلك .(*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
(*) ـ د. محمد الفقيه الغامدي ـ
ــــــــــــ م:البيان ـ ع: 289 ـــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ

عبدالناصر محمود
03-10-2012, 08:10 AM
العلمانية والعقيدة
ــــــــــــــــــــــ

ـ العلمانية إن قبلت الإسلام نظرياً أو كلامياً ، ترفض ما تستلزمه العقيدة من معتنقيها ، وما توجبه على أبنائها إيجاباً حتميًا بمقتضى الإيمان ، وذلك بين واضح في أمرين أساسيين :

أولهما :
ــــــــــ
ـ رفضها اتخاذ العقيدة أساساً للانتماء والولاء ، فهي لا تقيم للرابطة الدينية وزنًا بل تقدم عليها رابطة الدم والعنصر ورابطة التراب والطين وأي رابطة أخرى .
ـ وهذا مناقض تمامًا لتوجيه القرآن الذي يقيم الأخوة على أساس الإيمان والعقيدة (( إنما المؤمنون إخوة ))[الحجرات:10] .
(( فأصبحتم بنعمته إخواناً ))[آل عمران: 103].
ـ ويجعل ولاء المؤمن قبل كل شيء لله ورسوله وجماعة المؤمنين .
(( إنما وليُكم اللهُ ورسُولُهُ والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومَن يتول اللهَ ورَسُولَهُ والذين آمنوا فإنَّ حِزبَ اللهِ هُمُ الغَالبُونَ ))[المائدة:55 ، 56 ] . ويلغي كل رابطة مهما يكن قربها وقوتها إذا تعارضت مع رابطة الإيمان حتى رابطة الأبوة والبنوة والأخوة يقول تعالى (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكُفرَ على الإيمان وَمَن يَتولهُم مِّنكُم فأولئكَ هُمُ الظَّالمُون َ ))[التوبة:23].
(( لا تجد قوماً يُؤمنون باللهِ واليومِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادَّ اللهَ وَرَسُولهُ وَلوْ كانُوا آباءهُمْ أوْ أبناءهُمْ أوْ إخْوَانَهُمْ أوْ عَشِيرَتَهُمْ أوْلئكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِم الإيمانَ وأيَّدهُم بِرُوحٍ مَّنْهُ ))[المجادلة:22].
ـ ويضرب القرآن مثلاً بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام الذي برئ من أبيه حين تبين له أنه عدو لله تعالى (( قدْ كانتْ لكمْ أُسوةٌ حَسنةٌ فِي إبْرَاهِيمَ والذين مَعَهُ إذْ قَالوا لقومهم إنَّا بُراءَ منكُمْ ومما تَعْبُدُونَ من دُون اللهِ كَفرْنا بكُمْ وبَدَا بَيْننا وَبَيْنكُمُ العَدَاوةُ والبَغْضَاء أبَدًا حتى تُؤمنُوا باللهِ وَحْدَهُ ))[الممتحنة:4].
ـ وكذلك قال تعالى لنوح عليه السلام عن ابنه من صلبه لما تمرد على ربه (( قال يا نُوحُ إنَّه ليس مِنْ أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالحٍ )) [هود:46].

والأمر الثاني :
ــــــــــــــــــــ
ـ أن العلمانية ترفض ما توجبه العقيدة الإسلامية على أبنائها ، من النزول على حكم الله ورسوله ، والتسليم دون تردد أو حرج .
ـ وهذا موجب الإيمان ومقتضى الالتزام بعقد الإسلام ، وهو ما نطق به القرآن في بيان محكم صريح لا لبس فيه ولا تشابه يقول تعالى :
(( وما كان لمُؤمِن ولا مُؤمنة إذا قضى اللهُ وَرَسُولُهُ أمْرًا أن يَكُونَ لهم الخيرةُ من أمرهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَل ضَلالاً مُّبيناً))[الأحزاب:36].
وقال تعالى (( فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكموك فيما شَجَرَ بينهم ثُم لا يَجدُوا في أنفسهم حَرَجًا مَّمَّا قَضَيْتَ ويُسلمُوا تَسْلِيمًا ))[النساء:65]

ـ فالعقيدة الإسلامية تفرض على المسلم أن يكيف حياته وفقاً للأحكام التي تجسدها ، وأن يتجلى أثرها في سلوكه وعلاقاته كلها ، سواء كان حاكما أو محكوماً ، والعلمانية تريد من العقيدة أن حبيسة الضمير ، لا تخوض معترك الحياة ، ولا تؤثر في أهدافها ومناهجها، فإن سمح لها بالظهور فليكن بين جدران المسجد ، ولا تخرج عنها ، على أن يكون المسجد نفسه تحت سلطانها .

ـ وبهذا ترى المسلم الذي يعيش تحت سلطان العلمانية يعاني من التناقض بين العقيدة التي يؤمن بها ، والواقع الذي يفرض عليه ، فعقيدته تشرق وواقعه يغرب ، عقيدته تحرم والعلمانية تبيح ، عقيدته تلزم والعلمانية تعارض ، وهكذا لا تعايش بين الإسلام الحقيقي والعلمانية الحقيقية ، فهنا كالضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى ، أو ككفتي الميزان ، لا ترجح إحداهما إلا بمقدار ما تخف الأخرى !! (*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) د. أحمد فريد ـ
ــــــ صحيفة الفتح ـ 16 ـ 4 ـ 1433هـ / 9 ـ 3 ـ 2012م .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
03-11-2012, 08:06 AM
بداهات
ـــــــــــ

ـ لعله من قبيل تكرار البداهات أن نقول : ليس هناك حرية مطلقة لا بالنسبة للفرد ولا بالنسبة للمجتمع ؛ لأنه لا وجود لكائن إنساني غير خاضع لحتميات بيولوجية ومجتمعية ، كما أنه لا إمكانية لتصور قيام مجتمع يجسّد مقولة الحرية بمدلولها الإطلاقي ، أي بلا قيد ولا إشراط ولا حتميات .
ـ فالحرية بمعناها المطلق ليست سوى فوضى أو يوتوبيا حالمة .
ـ والحياة المجتمعية بما هي حياة أفراد وجماعات متعالقين بروابط ، ومتخالفين في الأذواق والأفكار والمصالح ، لا بدّ لكي توجد وتستمر من أن تتأسّس على قواعد وأعراف ونظم ومؤسسات ينضبط لها الفعل الفردي ويمتثل(*).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) نقد الليبرالية ـ د. الطيب بو عزة ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

عبدالناصر محمود
03-16-2012, 02:22 PM
في دائرة الضوء
ــــــــــــــــــــــ

ـ في العلمانية تتفتت وحدة المؤسسات ، لتصبح كل مؤسسة تسعى لتحقيق كفاءتها الذاتية الامبريقية في غياب أي قيم مطلقة .
ـ وكان الاقتصاد والسياسة أول قطاعين يستقلان ؛ حيث جعل ((ميكيافيلي)) من الأمير خالقاً ، و ((هوبز)) جعل من وحش الدولة إلهاً علمانياً (( يقدس العلم والنشيد الوطني والأرض ، والأمة فوق الجميع )) .
ـ ثم تنسلخ الفلسفة ؛ حيث تظهر الفلسفة المادية ، ثم علمنة الأحلام ؛ حيث تدور على الأرض وحدها ، ثم الأخلاق والبراجماتية ، ثم الأسرة ؛ حيث تتفتت وتظهر حقوق الإنسان الرجل والمرأة والطفل والحيوان وتختفي حقوق أخرى مهمة مثل حقوق الأسرة ، والإنسان تظهر فيه معدلات المنفعة .
ـ تنتقل العلمنة إلى الأدب ؛ حيث يصبح مؤسسة مستقلة بلا مرجعية حيث الأدب للأدب ، والانغماس في البنية الهندسية للأدب وموت المؤلف .
ـ ويعلمن الجنس ، فيصبح هناك جنس للإنجاب ، وآخر للحب ، وثالث للمتعة ، وهكذا ...
ـ فالمعرفة العلمانية ليست معرفة المحبين للتواصل مع الطبيعة وإنما تهدف للسيطرة إنها معرفة إمبريالية .(*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) العلمانية من منظور معرفي ـ عبد العزيز بن محمد التميمي .
ــــــــ البيان ـ ع:152 ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
03-17-2012, 08:05 AM
فكرة العلمانية
ــــــــــــــــــ

ـ من اللافت للنظر أن فكرة العلمانية التي تريد بسط مفاهيم النسبية على الجميع حتى الدين المقدس والمطلق بطبعه لا تفكر أبداً في أن تكون هي نفسها نسبية أو بنت عصرها ؛ لأنها جعلت المنهج التجريبي ـ وهو اسم يدل على أنه ليس مطلقاً ـ إِِلهاً مقدساً يُعبد!(*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) مصطلحات ومفاهيم ـ د. محمد يحيى ـ
ـــ البيان ـ ع: 128 ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ

عبدالناصر محمود
03-21-2012, 08:01 AM
النيوليبرالية العربية
ـــــــــــــــــــــــــــ

ـ ملحظ يستوقفنا في المتن النيوليبرالي العربي هو أنه يفصح عن نظرة لا تخلو من انبهار وتوقير لليبرالية ، فهي عنده ليست مجرد فكرة أو مذهب ، بل ((مطلق ثقافي)) يعلو على كل المذاهب والرؤى، ((مطلق)) يستوعب بداخله كل خبرات الإنسان ومعارفه التي حصلها خلال تاريخه المديد ، فكأن الليبرالية بذلك هي الخلاصة النهائية للتجربة الإنسانية ، ومن ثم لا مجال لبحث مغاير عن أفق بديل يخرج عن سياقها ، أو يغايرها في الرؤية إلى العالم وقيم انتظام العيش ؛ فكل خير بلغته البشرية احتوته الليبرالية وزادت عليه !

ـ إنها التتويج النهائي لمسيرة الوعي والفعل البشريين ! (*).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) ـ نقد الليبرالية ـ د. الطيب بو عزة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ

عبدالناصر محمود
03-23-2012, 07:32 AM
ـ كان خصوم الأنبياء يُشغلون المسامع بالكلام المجمل المزخرف في بيان حق صدق قولهم ، وبالقدح المجمل أكثر من المفصل في حق مخالفيهم ، فيتهمون الرسل ب***** والكذب والجنون والسَّفَه دون تدقيق في حقائق ما يدعون إليه ووزنه بالميزان السالم من الشائبة .
ـ ومن انشغل بالظواهر لم يستطع أن يفصل في الأمور التي تدل القرائن على كذبها ، وليس لديه دليل مادي في ذلك محسوس .

ـ وكثيراً ما يتناول العقل الليبرالي الظواهر المادية بالتحليل ويجتهد في ذلك ، ولكن عند تناوله الظواهر غير المادية كالنصوص الإلهية يتناولها بضعف شديد ؛ لأنه غير مكترِثٍ بتناولها إلا لإقناع الخصم؛ لأنها لا تعنيه في ثبات أفكاره أو تغييرها ، وقد تكون نفسه هي خَصمَه فيتصارع مع البقية الباقية من إيمانه الفطري في قلبه ، فهو يُريد الطمأنينة من صراع نفسه وصراع النفوس الأُخرى معها فيأخذ في انتقاء ما يريد من النصوص الشرعية الموهمة المشبهة لأنها تؤيد هواه الفكري ، ويتغافل عن نصوص أخرى بيِّنة مُحكَمة مُفصَّلة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) العقلية اللَّيبرالية ـ عبد العزيز بن مرزوق الطريفي ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
03-25-2012, 07:31 AM
العلمانية والشريعة
ــــــــــــــــــــــــ

ـ الجانب الذي تقف العلمانية ضده من تعاليم الإسلام بصراحة وقوة هو الشريعة ، ـ أعني ـ الجانب التشريعي ، أو القانوني في الإسلام .
ـ وقد يتساهل بعض العلمانيين فيدعون للإسلام التشريع المتعلق بالأسرة ، أو ما يسمى " الأحوال الشخصية " من الزواج والطلاق والميراث ونحوها ، على اعتبار أن هذه متعلقة بالحرية الدينية أو الشخصية للإنسان ، وهم حين يصنعون ذلك يعتبرونه منّة على الإسلام .
ـ فالعلمانية الأصلية لا تسمح للإسلام بأي مساحة في التشريع ، ولو كان ذلك في الأحوال الشخصية فالدين مكانه عندهم الضمير أو المسجد فحسب .
ـ وقد رأينا علمانية أتاتورك وهي أم العلمانيات في البلاد الإسلامية ، تطرد التشريع الإسلامي في كل المجالات ، حتى في الأحوال الشخصية ، لهذا حرمت الطلاق ، وتعدد الزوجات . وسوت بين الأبناء في الميراث ، مخالفة بذلك قطعيات الشريعة ، وما علم من الدين بالضرورة . (*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) د. أحمد فريد ـ صحيفة الفتح ــ غرة جمادى الأولى ـ
ــــــ 23 مارس 2012 م ـــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
03-26-2012, 06:55 AM
2 العلمانية والشريعة
ــــــــــــــــــــــــــــ

ـ ترى العلمانية أن التشريع للمجتمع من حقها هي ، وليس من حق الإسلام أن يحكم ويشرع ويحلل ويحرم ، أي أنها تغتصب حق التشريع المطلق من الله الخالق ، وتعطيه للإنسان المخلوق .
ـ والعلمانية بهذا تجعل الإنسان نداً لله الذي خلقه ، بل هي تعلي كلمة الإنسان على كلمة الله جل جلاله ، فهي تمنحه من السلطة والاختصاص ما تسلبه من الله سبحانه ؛ وبهذا يصبح الإنسان ، ربّاً يحكم بما يريد ويأمر بما يشاء .(*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
(*) م: د. أحمد فريد ـ صحيفة الفتح ـ ع:22 ــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
03-27-2012, 07:05 AM
3 العلمانية والشريعة
ـــــــــــــــــــــــــــــ

ـ وقد تعترف العلمانية لله في هذا الكون بالخلق ، ولا تعترف له بالأمر ، بينما الإسلام يقوم على أن لله الخلق والأمر جميعاً (( ألا لَهُ الخَلقُ والأمرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ ))[الأعراف:54].
ـ وإذا تسامحت العلمانية واعترفت لله بحق التشريع ، فإننا نجدها تعطي الإنسان حق النسخ لما شرع الله بدعاوى باطلة ما أنزل الله بها من سلطان ، فهي تحل ما حرم الله وتحرم ما أحل الله ، وتسقط ما فرض الله ، وتعطل ما شرع الله .
ـ إنها في قرارة نفسها لا تقدر الله حق قدره ، حين تستبعد أن يحيط الله تعالى شأنه بما يحدث للبشر برغم تغيير الزمان وتبدل المكان وتطور الإنسان ، وأن يشرع لهم من الأحكام ويضع لهم من القواعد ما يصلح لهم ، ويصلحهم ، ويرقى بهم أفراداً وجماعات ، وإن مضى عليه أربعة عشر قرناً من الزمان .(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
(*) د. أحمد فريد ـ صحيفة الفتح ـ ع: 22 ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ

عبدالناصر محمود
03-28-2012, 07:33 AM
4 العلمانية والشريعة
ـــــــــــــــــــــــــ

ـ الشريعة الإسلامية هي العدو الأول للعلمانيين في البلاد الإسلامية ، لأنها تنقل الإسلام من عالم النظريات والمثاليات إلى دنيا الواقع والتنفيذ ، وهي التي تهيئ للمجتمع سياجاً من القوانين يحميه من عدوان العادين ، وهي تردع ن لم يرتدع بوازع الإيمان ، كما قال الخليفة الثالث : إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن .
ـ إن العلمانية تقبل القانون الوضعي الذي ليس له في أرضنا تاريخ ولا جذور ولا قبول عام ، وترفض الشريعة التي تدين بربانيتها وعدالتها وكمالها وخلودها أغلبية الأمة ، وتحس بالإثم والقلق إذا أعرضت عن أحكامها ، وترى أنها مهددة بعقاب الله في الدنيا والآخرة .(*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
(*) د. أحمد فريد ـ صحيفة الفتح ـ ع:22ـ .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
03-31-2012, 07:53 AM
1 آثار العلمانية
ــــــــــــــــــــ

ـ للعلمانية آثار مدمرة خطيرة على مستويات الحياة كافة :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ـ السياسية:

ـ استخدام المبدأ الميكافيللي (( الغاية تبرر الوسيلة )) من قبل الحكام مما جرد السياسة من الأخلاق وأبعد عنها الدين ، فأصبح استخدام كل وسيلة حلالا كانت أو حراماً أمراً عادياً ؛ بل لم يكن سياسياً بارعاً من لم يفعل ذلك .
ـ استغلال الناس للوصول إلى الحكم عن طريق الديمقراطية المزعومة ، ثم تسليط السلطة على نفي الناس وظلمهم .
ـ إبعاد الناس عن الحياة واستثناء النهج الإسلامي ذي التوجه الرباني من الوصول للحكم ، بل محاربته والتنكيل بأنصاره ، واتهامهم بالتطرف والإرهاب .
ـ نشأة التيارات المغالية التي كانت ردة فعل للأنظمة العلمانية بظلمها وفسادها .
ـ ولاء الأنظمة السياسية في بلاد المسلمين لدول الكفر ولاءً كاملاً على حساب الإسلام والمسلمين .(*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
(*) د. أحمد فريد ـ صحيفة الفتح ـ ع: 23 ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
04-01-2012, 07:07 AM
2ـ آثار العلمانية
ــــــــــــــــــ

ـ الاقتصاد :
ــــــــــــــــ

ـ ترويج سلع العدو في بلاد المسلمين بما يقوي اقتصاده ، ويضف المسلمين .
ـ أصبحت الثروة دولة بين عدد محدود من الأغنياء الذين لا تستفيد منهم بلاد المسلمين كثيراً .
ـ أصبح المسلمون عالة على غيرهم ، معتمدين على عدوهم في كل شيء .(*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ
(*) د. أحمد فريد ـ ص:الفتح ـ ع:23 ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ

عبدالناصر محمود
04-02-2012, 06:56 AM
3 آثار العلمانية
ـــــــــــــــــــ

الاجتماع والأخلاق :
ـــــــــــــــــــــــــ

ـ تحرير المرأة وتحللها من كل القيود التي تخصها وتحفظ كرامتها.
ـ تفكك الأسر ، وضياع أفرادها .
ـ انتشار جرائم الأطفال وفسادهم .
ـ انتشار جرائم الخيانات الزوجية وكثرة أبناء الزنا .
ـ الترويج للشذوذ الجنسي .
ـ ضعف الروابط بين الأقارب والأرحام بسبب التركيز على الجانب المصلحي في الحياة ، والعلاقات بين الناس .
ـ انتشار ثقافة التحلل ، والتفسخ ، والشهوة ، مما أدى إلى كثرة الفساد الأخلاقي وانتشار الأمراض الفتاكة .(*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ
(*) د. أحمد فريد ـ ص:الفتح ـ ع: 23 ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ

عبدالناصر محمود
04-03-2012, 06:50 AM
4 آثار العلمانية
ــــــــــــــــــــــ

ـ التربية والثقافة :
ــــــــــــــــــــــــ

ـ تفسير القرآن تفسراً ضيقا ، وتحديداً قاصراً .
ـ التفريق بين نظام تعليم رسمي حكومي ، ونظام تعليم أهلي ديني مع الاهتمام بالأول وإهمال الأخير .
ـ إهمال اللغة العربية والتربية الإسلامية مع إظهار الاهتمام بغيرهما من المواد العلمية والعصرية .
ـ بث السموم والطعن في المقررات والمناهج الدراسية ضد الإسلام مع الاهتمام بالثقافة الأوربية .
ـ انتشار ترجمات الكتب الغربية في بلاد المسلمين ؛ بل كذلك الكتب الغربية بلغاتها الأصلية تحت اسم الثقافة ودراسة الأدب ... إلخ .
ـ عودة كثير من أبناء المسلمين الذين درسوا وتربوا على مائدة الغرب ليساهموا في نشر ثقافته وفكره .
ـ الفصل بين ما هو ديني وما هو غير ديني في الصحف والمجلات مثل : مجلة دينية ، صفحة دينية ، برنامج ديني ...إلخ.
ـ انتشار الاختلاط في المؤسسات التعليمية ، حتى أصبح أصلا ، ومن ينادِ بفصل الجنسية يصبح شاذاً .
ـ حصر مفهوم الثقافة في أدب اللهو والمجون والطرب والغناء .(*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
(*) ـ د. أحمد فريد ـ ص : الفتح ـ ع: 23 ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
04-08-2012, 06:54 AM
العداء العلماني للإسلام
ــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ يقول الأستاذ : حامد بن عبد الله العلمي ، تحت عنوان :
" حقيقة العلمانيين العرب " ما ملخصه : " مما يحير المرء في شأن معشر العلمانيين : جماعات الشغب الثقافي والانفلات الأخلاقي في العالم العربي : إن مشاغباتهم تأتي دائما في مغامرات من اللغو لا طائل تحته ، ويحاولون أن يصنعوا من أنفسهم أبطالا للحرية من بطولات وهمية ليس من ورائها اختراع نافع ، ولا نقد بناء ، ولا كلمة حق أمام سلطان جائر ، ولا موقف شجاع ينصر فيه المظلوم من الظلم ، فمن أين يصيرون أبطالا ؟ لا أدري ! (*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
(*) عداء العلمانيين للإسلام ـ د. أحمد فريد
ــــــــ صحيفة الفتح ـ ع: 24 ــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ

عبدالناصر محمود
04-09-2012, 06:47 AM
2 العداء العلماني للإسلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ يقول الأستاذ/ إبراهيم بو صندل ما ملخصه :
لا أدري ما هو السر في كثرة الكتابات التي تمجد العلمانية والليبرالية مؤخراً ، فقد لاحظنا أن بعض أنصار العلمانية والليبرالية وكأنهم اكتفوا من المشاركة في العملية الإصلاحية بمهاجمة المتدينين ، واستعراض العضلات ، واستخدام أقسى الألفاظ في إثارة الرأي العام ضدهم ، والتشكيك في إسلامهم ( متأسلمون ) ومرجعياتهم
( موروثات الماضي ) وزعمهم ( الطعن في توجيه التبرعات ) واتجاهاتهم ونواياهم بل لم يترك العلمانيون جزئية صغيرة أو كبيرة للإسلاميين إلا أظهروها على أنها من مثالبهم ، ونلاحظ أيضاً أن العلمانيين باتوا أكثر جرأة وأوضح لهجة من ذي قبل ، فهم يصرحون اليوم بما كانوا يسرون ويطالبون بما كانوا به يحلمون ، وقد بلغت الجرأة بهم أنه يطعنون في نظام الحكم الإسلامي الذي أثبت صلاحيته في كل زمان ومكان طبق فيه تطبيقا إيجابياً؛ بكل صراحة وعلانية ، وهو أمر خطير . (*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ
(*) عداء العلمانيين للإسلام ـ د. أحمد فريد ـ
ـ صحيفة : الفتح ـ ع: 24 ــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
05-19-2012, 06:10 AM
تهافت الليبرالية
ـــــــــــــــــــ

*ـ لما فشل الغرب الكافر ومن يدور في فلكه من المستغربين ، في زرع العلمانية النبتة الخبيثة في أرض الإسلام ، أتوا بنبتة أخرى أخبث وأضل سبيلا من العلمانية وهي : " الليبرالية " بمعناها اللامع البراق من المناداة بالحرية المطلقة للفرد : الحرية الفكرية والسياسية والاقتصادية ، وحقيقتها المرة المنتنة ، وهي التمرد على الأديان والأعراف والتقاليد والقيم .
*ـ ومن أخصر تعريفاتها "منع المانع" أي أن الإنسان لا يمنعه من الحرية وطلب اللذة أي مانع من دين أو خلق أو عرف .
*ـ ويظن البعض أنهم قد أتوا إلى بلاد المسلمين بأكسير الحياة ، ومنبع السعادة ، وأسباب النهضة وهي في حقيقتها تمرد على الله عز وجل ، وعلى شريعته ، وتمرد على الأخلاق الفاضلة والقيم النبيلة ، وأنانية وشح وبخل وظلم .
*ـ وإذا عجز الغرب عن تعريفها تعريفا كاملاً جامعا مانعا ، فقد عرفها الإسلام التعريف اللائق بها قبل أربعة عشر قرنا من الزمان،
قال تعالى { أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ وَأضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْْدِيهِ مِن بَعْدِ اللهِ أفَلا تَذَكَّرُونَ }[الجاثية : 23 ].
*ـ فمهما زخرفوا من القول ، ومهما حاولوا تجميل صورة الليبرالية بالأصباغ والمساحيق وعمليات التجميل ، فلا تعدو الليبرالية وصف الله عز وجل بأنها عبودية العبد لهواه ولشهوته ولنفسه .
*ـ وهذه الأفكار الغربية : العلمانية ، الليبرالية ، الماركسية ، الديمقراطية ، وغيرها من المصطلحات الحديثة إنما هي محاولات من أربابها للاستغناء عن هدي الله ، والتعويض عن ذلك بالأفكار الممسوخة من نتاج العقل البشري ، وليته العقل المسلم المستنير بل هي عقول الكفرة الفجرة ، فكلها أفكار غربية كافرة ، وإن راجت وانتشرت في بلاهم فلا يمكن أن تروج في بلاد المسلمين ، ليس كما
يزعم البعض لوجود الأصوليين والمتطرفين على زعمهم ، بل لقوة الإسلام وهيمنته على نفوس المسلمين ، وحبهم لإسلامهم ، ورضاهم بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً .
*ـ وقد يتوهم الليبراليون وهم يتصدرون الإعلام من التلفزة والإذاعة والجرائد والمجلات منذ عقود طويلة ، أنهم تمكنوا من عقول المسلمين وقلوبهم ، ولكن الانتخابات البرلمانية في تونس والمغرب ومصر وهلم جرا تثبت أن الإسلام هو المسيطر على القلوب والجوارح ، وأن المسلمين مهما تعرضوا لحملات التشوية والتضليل فحب الإسلام يعشش في قلوبهم { وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ }[النساء:125].(*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ
(*) جريدة الفتح ـ ع:30 ـ د: أحمد فريد ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ

عبدالناصر محمود
06-09-2012, 05:47 AM
نشأة الليبرالية
ــــــــــــــــــــ

ـ " لا تختلف ظروف نشأة الليبرالية كثيراً عن الظروف التي انجبت العلمانية " فالليبرالية كمذهب سياسي نشأت في أوربا النصرانية رداً على ثلاثية سلطات السياسي (الملك) والاقتصادي(الإقطاع) والثقافي الديني (الكنيسة) ، فقد ألفت هذه القوى الثلاث ، ونهبت خيرات البلاد ، وضيقت على العباد ، وتساءل بعض لماذا نحتاج للسلطة والحاكم ؟ ، لم نجن من ورائهم إلا المشاكل ، فبرزت فكرة مجتمع بلا دولة ، يحيا فيه الناس أحراراً دون قيود أو وصاية من أحد ، ولكن المفكرين السياسيين اعتبروا وجود كيان حاكم (الدولة) ضرورياً ؛ لأن الحرية بلا قيود ستؤدي إلى فوضى ، ووجود الدولة ضرورة كي تنتظم الأمور .
ـ وهذا ما دعا الفلاسفة أمثال جون كوك وجان جاك روسو وغيرهما لوضع نظرية "العقد الاجتماعي" وهي ببساطة تفترض وجود "عقد" بين الحاكم والمحكوم ، وأن رضا المحكوم "الشعب" بالحاكم "السلطة" ومرجعيتها (القانون) هو أساس هذه العلاقة ، وحيث إن "حرية الفرد" هي محور الليبرالية فقد اقتصر دور الحاكم "السلطة" على تلبية وضمان و***** الحرية الفردية ولكن بما لا يتعارض مع الصالح العام .
ـ وهو ما يعرف في الفكر الليبرالي بـ "دولة الحد الأدنى" الحد الأدنى من التدخل حيث إن الليبرالية نشأت رفضاً لسلطة الدولة .
ـ إذن دور الحاكم في الليبرالية هو ضمان حق الفرد في الحرية والاختيار بما لا يتعارض مع الصالح العام أو النظام العام .
*ـ ويقول الدكتور عبد العزيز كامل :
" بدأ الفكر الليبرالي في مرحلته المبكرة داعياً إلى حق التمرد ضد الحكومات التي تقيد الحريات الشخصية ، ولهذا أوحت الأفكار الليبرالية بالثورة الإنجليزية 1688م ، والأمريكية 1775م ، والفرنسية 1789م ، وأدت هذه الثورات إلى قيام حكومات تعتمد على دساتير تقدس حق الإنسان في الحرية الشخصية بأوسع دوائرها دون التزام تجاه شيء إلا القوانين المصاغة لحماية الحريات الشخصية " .(*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
(*) د/ أحمد فريد ـ صحيفة الفتح ـ ع: 33ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ

عبدالناصر محمود
09-15-2012, 08:18 AM
كيف دخلت الليبرالية بلادنا ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ كان مجيء الحملة الفرنسية لمصر سبباً لانتباه المصريين إلى الفارق العلمي والمادي بينهم وبين الأوربيين ، فقد رافق حملة نابليون عدد من العلماء في تخصصات مختلفة ومطبعة، حيث أنشأوا الدواوين ، وكونوا مجمعاً علمياً .

ـ ومع ما أحدثه الفرنسيون في مصر إلا أنهم لم يكونوا الأثر الكبير فيها ، إذ لم يتفاعل معهم الشعب المصري ، إذ نظر إليهم أغلب الشعب على أنهم أعداء كفار غزاة ، فقاومهم مقاومة شديدة ، رغم شدة بطش وعنف الفرنسيين في مواجهة أعمال المقاومة والثورة من قبل الشعب المصري ، وهذا بدوره لم يعط الفرنسيين الاستقرار للتأثير أو أحداث تغيير في المجتمع المصري ، هذا بالإضافة إلى قصر المدة التي أقام فيها الفرنسيون في البلاد .

ـ ثم لما تولى محمد علي حكم مصر عمد إلى الاستفادة من الخبرات العلمية الأوربية ، خاصة فرنسا لبناء دولة حديثة ، فأرسل البعثات العلمية إلى أوربة لدراسة الفنون العسكرية ، وتعلم الهندسة وبناء السفن ، واستمرت هذه السياسة في أبنائه من بعده طوال القرن التاسع عشر ، وقد أسند محمد علي لهؤلاء المبعوثين بعد عودتهم تولي شئون البلاد في المجالات المختلفة : في الجيش والتعليم والأعمال الهندسية والطب ؛ فكان لهم دورهم الكبير في غرس الأفكار والمبادئ الأوربية في ربوع البلاد والأجيال التي تأثرت بهم .

ـ وقد أولى محمد علي حركة الترجمة للكتب الأوربية عناية خاصة فتوسعت حركة الترجمة نتيجة هذه الجهود ، فكانت حركة الترجمة من أكبر الأبواب لدخول الفكر الأوربي إلى مصر ، بما فيها من مبادئ وأفكار ليبرالية ، وزاد من تأثير حركة الترجمة ظهور الطباعة في مصر وتطورها ، حيث أسهمت في زيادة انتشار وتوسع النشاط الثقافي .

ـ كما لعبت الصحافة دوراً بارزاً في التعريف بالفكر الأوربي، إلى جانب (الكتب المترجمة) ؛ فبعد صدور
(الوقائع المصرية) عام 1828م صدر عدد كبير من الصحف والمجلات خلال القرن التاسع عشر ، أسهم الكثير منها في نقل الأفكار الأوربية ، والتعريف بالثقافة الغربية ونشرها والترويج لها في أوساط المتعلمين بمصر ، فصدرت صحيفة (وادي النيل) عام 1866م ، و(نزهة الأفكار) عام 1869م ، وصحيفة (الوطن) النصرانية عام 1877م ، وصحيفة (مصر) النصرانية ـ أيضاً ـ عام 1895م ، وصدرت جريدة (الأهرام) عام 1876م، و(المقطم) عام 1889م ، وتعد جريدة (المقتطف) التي أصدرها يعقوب صروف وفارس نمر في القاهرة عام 1885م رائدة نشر الثقافة الأوربية ، كما كانت مجلة (الهلال) والتي صدرت عام 1892م لصاحبها جورجي زيدان ذات اهتمامات اجتماعية وفلسفية وأدبية ذات نزعة ليبرالية واضحة .

ـ ومع دخول القرن العشرين الميلادي ظهرت مجلة (الجامعة العثمانية) والتي أصدرها فرج أنطوان في الفترة من 1899م إلى 1905م ، وركزت على نشر الفكر الفرنسي ، والأيديولوجيات العلمانية والليبرالية .

ـ ثم ظهرت بعدها جريدة (الجريدة) عام 1907م ، فكانت الحاملة للدعوة للفكر الليبرالي ، حيث ترأس تحريرها أحمد لطفي السيد الذي عرف بفكره الليبرالي ، وكانت الجريدة لسان حزب الأمة المعروف بتوجهاته الليبرالية ، ثم تلتها في الاتجاه نفسه جريدة (السفور) عام1915م ، ثم جريدة (السياسة) عام 1922م ، وجريدة (السياسة الأسبوعية) عام 1926م . (*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
(*) ـ د/ أحمد فريد ـ صحيفة الفتح ـ ع: 45 ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
10-18-2012, 07:40 PM
الليبراليون ودعوى تخلف المسلمين بسبب إسلامهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ

*ـ يدعي الليبراليون أن تطبيق الشريعة في حياة الناس من أسباب تخلف الأمة الإسلامية ، وقتل الإبداع ، وحرية التفكير ، مستشهدين على ذلك بما يحدث في أوربا من تقدم علمي بعد سقوط كهنوت الكنيسة ، ومتصنعين لصراع يطبلون له كل يوم بين العلم الشرعي والعلوم المادية ، موهمين الناس أنه لا تقدم في العلوم المادية إلا بتقليص العلوم الشرعية ، مدعين أن العقل يجب أن يكون وصيًا على الدين يأخذ منه ما يوافقه ويفهمه ويترك ما سوى ذلك ، محتجين بأن الدين همش أهمية العقل .
ويبطل كيدهم بالتالي :
1ـ إن الإسلام جاء شاملاً لكل مناحي الحياة رحمة للعالمين ، مرشداً إياهم إلى كل ما يصلح حياتهم ، ومبيناً لهم ما يضرهم، مشجعاً على طلب العلم النافع أيا كان نوعه .

2ـ إن من الظلم أن يُشبه علماء الإسلام المعتبرين بكهنوت الكنيسة ، فعلماء الإسلام يستندون في قولهم الشرعي إلى دليل صريح أو إجماع أو قياس صحيح ، وذلك بعد أن يصل العالم إلى درجة من العلم يحق له الاجتهاد والاستنباط ، وليس لعالم أيا كان أن يدعي شيئاً دون أن يوضح الدليل عليه، بعكس ما يفعل أصحاب الكنيسة ، يقولون بالقول ولا يستطيع أحد أن يطلب منهم الدليل ، بل على الجميع الانصياع والطاعة مستغلين بذلك مصالحهم بأخذ أموال الناس ، وتضييع حقوقهم بالباطل .
فهل هؤلاء مثل أولئك ؟ إن هذا لبهتان عظيم .

3ـ إن من الضرورات الخمس في الدين الإسلامي المحافظة على العقل ، وتحريم كل ما يعرضه للفساد والانحراف ، ونص على أن من شروط التكليف للعبد أن يكون عاقلاً ، ليدرك ما يقول وما يفعل .
ولن يجد العقل تكريمًا ولا مكانة ولا حفظاً مثل ما يجد في ظل تطبيق شرع الله الحكيم ، وهناك فرق بين تكريم العقل وإعماله لصالح الفرد والمجتمع وبين تقديسه وعبادته .

4ـ لم ي*** الليبراليون للعالم الإسلامي طرقاً نافعة ورؤية واضحة تدعم دعواهم بأن الحرية المطلقة هي من أوصل الغرب إلى التقدم العلمي المادي ، بل جاءوا يطالبون بفتح دور للسينما ، وفتحوا قنوات تنشر الانحلال الأخلاقي والعقدي ، وساهموا في تشتت الأسرة المسلمة من خلال زرع الفتنة بين أفرادها بحجة أن لكل فرد فعل ما يشاء ، وليس لأحد ولاية أو وصاية على أحد .
فهل هذا مشروع الليبراليين لإخراج الأمة الإسلامية من التخلف عن ركب الحضارة ؟
وهل هذه المعطيات هي التي ساهمت في وصول الغرب إلى ما وصل إليه من تقدم علمي مادي ؟

5ـ يدعو الليبراليون إلى حرية الاستنباط من الأدلة الشرعية لكل فرد أيا كان ، وفي ذلك فتح لباب الاجتهاد لكل من هب ودب دون ضوابط وشروط .

6ـ إن من يحارب الإبداع والتفكير والتقدم العلمي التقني في العالم الإسلامي هم مخلفات الاستعمار ، وطغاة الحكام الذين أوصدوا كل باب يدعو لاستقلالية الدول الإسلامية ، والدلائل على ذلك شاهدة عبر التاريخ منذ أن بسط المستعمر نفوذه العسكري على غالبية العالم الإسلامي ، وعندما عاد المحتل ترك وراءه من يرعى مصالحه ويخدم توجهاته ، وكل المنصفين والعقلاء يعلمون بأنه متى كان للمسلمين استقلالهم الكامل ، كان التقدم والتميز حليفهم ، وهذا ما لا يريده أعداؤهم .

7ـ من أراد أن يقيس قوة المسلمين وقدرتهم وتفوقهم ، لا يقيسه في وقت حرمت فيه البلاد من شريعة رب العباد ، وتسلط عليهم أعداؤهم بالاستعمار العسكري ثم الفكري ، ولكن المنصف الذي يريد أن يعطي صورة صادقة صحيحة للإسلام يقرأ التاريخ ، ويستقرئ أحوال الأمة عندما كانت خاضعة لكتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم ، وينظر إلى عصور الإسلام الأولى بل وإلى عهد قريب إبان الخلافة العثمانية وفي القرون الوسطى ، بينما كانت أوربا الكافرة تتخبط في الظلمات ظلمات الجهل والقهر والاستبداد كان التقدم العلمي والتفوق الإسلامي في كل ميادين الحياة ، وكانت أوربا ترسل أبناءها لأخذ مشاعل من نور تضيء به حياتها ، ولا أبالغ إذا قلت إن النهضة الأوربية كانت على حساب النهضة الإسلامية ، وسوف يرى العالم بأسره الأمة الإسلامية إذا عادت إلى شريعة الله عز وجل كيف يعود إليها عزها ونهضتها وشرفها .(*)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) د . أحمد فريد ـ صحيفة الفتح : ع : 49 ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ

مطر وقمح
10-18-2012, 09:29 PM
اختيار موفق
شكراً اخي

ابراهيم محمود
10-28-2012, 07:01 PM
http://www.shatharat.net/vb/mwaextraedit4/extra/86.gif

عبدالناصر محمود
12-14-2012, 06:41 PM
من وسائل مواجهة الليبرالية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ـ إعلان العبودية لله عز وجل ، وأنك عبد مملوك لله عز وجل . توحده ولا تعبد غيره ، وترجوه وتتوكل عليه ، وفوق هذا تحبه عز وجل .
{ قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأنَا أوَّلُ المُسْلِمِينَ }
[ الأنعام : 162 ، 163 ]
ـ والليبراليون يدعون في زعمهم إلى الحرية ، وفي الحقيقة إنما هم يدعون إلى التمرد على العبودية التي فرضها الله عز وجل على خلقه . (*)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) د/ أحمد فريد ـ
ـ صحيفة الفتح ـ ع:60 ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
12-15-2012, 06:27 PM
من وسائل مواجهة الليبرالية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ـ التفقه في الدين على ضوء القرآن والسنة فهما المصدران الأساسيان للشريعة.
ـ وهما أشد ما يخيف العلمانيين ؛ ولذلك يحاولون إبعاد الناس عنهما تارة بتأويل النصوص ، وتارة بترجيح العقل عليهما ، وتارة بتنفير الناس عن حملة القرآن والسنة وإظهارهم في أقبح صورة .

ـ وينبغي لنا تقدير حملة هذا الدين من العلماء ، قال رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم : " يا أيها الناس ، إني تركت فيكم ما أن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً : كتاب الله وسنتي .(*)
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) د/ أحمد فريد ـ
ـــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
12-17-2012, 05:12 PM
من وسائل مواجهة الليبرالية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ـ الدعوة إلى الله وإلى الاعتصام بالكتاب والسنة ، وحث الناس على الخير ، حتى تغلق منافذ الليبراليين على المجتمع. وتهدم آمال الليبراليين في إغراق المجتمع في بحر الرذيلة والانحلال الخلقي .

*ـ مع العلم بأن الوقوع في الشهوات المحرمة هو الخطوة الأولى للوقوع في الشبهات ؛ قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: (( إن العبدَ إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه ، فإن تاب منها صقل قلبه ، فإن زاد زادت ، فذلك قول الله تعالى : { كلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكسِبُونَ }[المطففين : 14] )) . (*)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) د/ أحمد فريد ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
12-19-2012, 05:34 PM
من وسائل مواجهة الليبرالية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهي الفريضة التي يكرهها الليبراليون أشد الكراهية .

ـ عن أبي سعيد الخدري رضيَ اللهُ عنه قال : سمعت رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يقول : (( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان )) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
12-20-2012, 05:38 PM
من وسائل مواجهة الليبرالية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ـ تحذير الناس من العلمانية والليبرالية وتوضيح خطرهما ، وكشف مخططاتهم والتشهير بهم : نظما ونثرا ، وكشف شبهاتهم والرد عليها ، وتفنيد أقوالهم لمن كان لديه العلم الكافي ، ونشر تلك الردود على أوسع نطاق . (*)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) د/ أحمد فريد ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
12-22-2012, 05:37 PM
من وسائل مواجهة الليبرالية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ـ نشر التأريخ الإسلامي ، والتعريف بشخصياته العظيمة ، ونشر أمجاد أمتنا العريقة ، والوقوف في وجه الليبراليين الذين يريدون تحقير وتشويه ماضينا على حساب تمجيد الغرب .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
12-23-2012, 06:44 PM
من وسائل مواجهة الليبرالية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ـ الاعتزاز بالنفس والشموخ ورفض الذل وكسر القيود التي يريد العلمانيون أن يقيدوننا بها : ( قيود التبعية والقنوط ، وتحقير العالم الإسلامي عامة والعربي خاصة ، ونشر الإحباط والقنوط من فرج الله عز وجل ) .
ـ وهذه الهزيمة النفسية هي أشد خطراً من الهزيمة العسكرية، ولذلك ينبغي أن نؤمن بنصر الله عز وجل لنبيه ونتواصى على ذلك فيما بيننا .(*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) د/ أحمد فريد ـ
صحيفة الفتح :ع: 60 ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
12-24-2012, 05:56 PM
التأثيرات الكارثية للعلمانية على أوربة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ

*ـ يعرف القس الألماني ـ عالم الاجتماع ـ (( جوتفرايد كونزلن )) ـ أستاذ اللاهوت الإنجيلي والأخلاقيات الاجتماعية بجامعة القوات المسلحة بميونخ يعرف العلمانية بأنها :
((الفصل التام والنهائي بين المعتقدات الدينية والحقوق المدنية .. وسيادة مبدأ : دين بلا سياسة وسياسة بلا دين)).

*ـ ويتحدث عن التأثيرات الكارثية التي صنعتها العلمانية بالإنسان الأوربي ، وذلك عندما :
ـ ((حولت معتقدات النصرانية إلى مفاهيم دنيوية)) .
ـ ((وقدمت الحداثة باعتبارها دينًا دنيويًا ـ قام على العقل والعلم ـ بدلا من الدين الإلهي)) .
ـ ((ففقدت النصرانية أهميتها فقدانًا كاملاً ، وزالت أهمية الدين كسلطة عامة تضفي الشرعية على القانون والنظام والسياسة والتربية والتعليم .. بل وأسلوب الحياة الخاص للسواد الأعظم من الناس)).

*ـ ثم تحدث هذا اللاهوتي ـ عالم الاجتماع ـ عن حال الحداثة ـ الدين الطبيعي ـ الذي أصاب النصرانية بالإعياء .. وكيف أن هذه الحداثة :
ـ ((قد عجزت الإجابة على أسئلة الإنسان التي كان يجيب عنها الدين)).
ـ ((ففقد الإنسان ـ في الغرب العلماني ـ النجم الذي كان يهديه .. نجم الدين .. ونجم الحداثة معاً)).
ـ (( فأصبحت القناعات مفتقرة إلى اليقين .. بعد ضاعت طمأنينة الإيمان الديني)).
ـ ((الأمر الذي أفرز إنساناً ذا بُعد واحد ـ لا يدري شيئاً عن ما وراء الحياة الدنيا)).
ـ (( وأصبح الخبراء بلا روح .. والعلماء بلا قلوب)). (*)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) مجلة الأزهر :
ـ صفر 1434هـ ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
03-25-2013, 07:57 AM
جيش التغريب
ـــــــــــــــــــــ

جيش التغريب الذي يقوم بأكبر معركة في تاريخه المعاصر ضد المنظومة الإسلامية تمكن مع بالغ الأسف من توظيف العديد من الشخصيات والشباب الذي لا يؤمنون بالمشروع التغريبي كمنصات قصف ضد المؤسسات الشرعية والتيار الإسلامي...

مشكلة هذه النخب والشباب أنهم لم يدركوا ( حقيقة المعركة)

بينما كانت المعركة ( تجفبف منابع الاحتساب ) ظن هؤلاء أنها عملية ( إصلاح العمل الاحتسابي)...

بينما كانت المعركة ( تقويض نفوذ العلماء العاملين) ظن هؤلاء أنها عملية ( نقد خطاب العلماء العاملين)

بينما كانت المعركة ( تجريد المرأة من عفافها وحجابها ) تحت ضغط الحاجة المعيشية ظن هؤلاء أنه ( خلاف فقهي حول الضوابط الشرعية لعمل المرأة )

هؤلاء هم ( جند الإصلاح الذين ضلت مدافعهم الطريق) !!!!(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ
(*) وليد الهويريني ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
03-26-2013, 06:41 PM
المسارات الصحيحة في مناظرة الليبرالية ـ د.سعد فياض
================================

يرتكز الليبراليون ـ في مصر ـ على عدة أساليب لتعويض الفارق بين قوة المنهج الإسلامي وإشكاليات المنهج الليبرالي ، وخاصة إشكالية الانبتات عن الأمة ، منها :

- عرض المقارنات بين النظرية "الليبرالية" والتطبيق "عند الإسلاميين" بحيث يعرض شعاراته ثم يبرر البعد عن المنهج الإسلامي بإشكاليات التطبيق، وهو بهذا يقوم بتفريغ المنهج الإسلامي من مضمونه وجوهره ويحصره في بعض الأخطاء التطبيقية..

- التأكيد على قبوله الإسلام كدين ، وأن رفضه هو للفهم المتطرف للإسلاميين ، وهي محاولة لإخفاء حقيقة العداء ضد المنهج الإسلامي نفسه ، وتحييز الإسلاميين كأنهم وافد وكأن المناهج الغربية هي الأصيلة!!

- الإستعلاء وهو ركن أساسي في أي مناظرة إذ المقصود منها إعلاء المنهج أمام العوام ، فيتجه من أول المظاهرة للإستعلاء بالعلم أو سعة الاطلاع و الثقافة أو الفهم وسعة الأفق ، وقد يصاحب ذلك محاولة لإحراج أو تصغير الإسلامي...

ولذلك فهناك مسارات كلية لا بد أن يهتم الأخ المناظر في تسيير المناظرة فيها، منها :

أولاً: حصر المناقشة في مستوى واحد إما تنظيري منهجي أو تطبيقي واقعي ،
ثانياً: الانتباه إلى أن أخطاء التطبيق الليبرالي مضطردة ومقبولة بلا معارضة بل ومشرَّعة أحياناً ـ كقوانين واتفاقيات مكافحة الإرهاب التي تتجاوز أصول القانون ـ ، ومن أمثلة ذلك مذابح الثورة الفرنسية بلا محاكمات ،وإبادة الهنود الحمر لتأسيس الولايات المتحدة ،والتواطؤ على ذبح مسلمي البوسنة والسكوت عنه ، وتبرير المذابح تحت بند الإرهاب خارج أي شكل قانوني ، ورفض الغرب الاعتذار عن محاكم التفتيش ، تمرير مذابح نابليون بزعم إدخال الطباعة وغيرها مصر والإشادة باستعماره، فكلها تؤكد اضطراد الخلل وترسخه وقبوله عند منظري المنهج.

بخلاف أخطاء التطبيق في التاريخ الإسلامي التي تتسم بكونها أخطاء فردية ؛أي يرفضها المنهج ويتحرك علماء المنهج ضدها وتقوم حركات تصحيح ضدها..
ثالثاً: كذلك أخطاء التطبيق قد تكون من قبيل الإلزام بلازم المنهج كانتشار الزنا والفساد وتفكك المجتمع فلا يوجد مجتمع ليبرالي إلا متفكك ..
رابعاً: الانتباه إلى لوازم النقد حتى لا ندعمها بدون قصد مثل الاستدلال بأخطاء التطبيق للاستدلال بها أنه منهج سامق لا يمكن للبشر تطبيقه ، وهي محاولة لتفريغ للمنهج ، بينما هذه الأخطاء دليل على كمال المنهج وقوته لأنه المنهج الوحيد الذي يحتوي آليات للتعامل مع أخطاء التطبيق ، وهو منهج يحتوي على مفهوم التجديد وهو مفهوم فريد ووعد رباني يمثل مزية فيه عن غيره من المناهج الأرضية ، فهذا أولى من الانجرار في تبرير أو تفسير أو نفي الأخطاء فنخرج من إرساء المنهج إلى الدفاع عن الأشخاص "وقد يكون مهما ولكنه ليس الأصل" ...

وهذا كله يجعله أخطاء التطبيق عامل أساسي في إظهار رونق المنهج وروعته ومناسبته لواقع البشر..

خامساً: قلب التحييز: فبدلا من قبول وضع المدافع والسعي في إثبات أنك لا تنطلق من فهمك ، طالبه بطرح الأسماء المقبولة عنده وإلزامه بفهمهم فحتى محمد عبده ـ مثلا ـ لم يتنزل إلى حضيض ليبراليي اليوم ، وهذا المنحى يجعله في النهاية متحيز خارج دائرة الأمة وعلمائها محصوراً في دائرة المثقفين والأدباء كطه حسين وغيره

سادساً: اظهار التناقض ، مثل ديكتاتورية نشر الحرية وزعم تمثيله لثقافة الأمة بينما يطالبها باتخاذ الغرب قبلة ، والتأكيد عن انفصاله عن الأمة لأن هذه هي أصل المعركة ، من يمثل الأمة؟ .

سابعاً:وهو الأهم الاستعلاء بالحق ، فليس السبيل لكسر استعلائه بمماراته في إثبات سعة القراءة والإطلاع لأن هذا استعلاء شخصي ، ولا بالتجريح وقول السوء لأن هذا مخالف لمقصود المناظرة وهو الدعوة إلى الحق للوصول إلى إعلاء كلمة الحق وهذا يكون بكثرة إيراد الآيات والأحاديث والانطلاق منها والتحاكم إليها، وفي غالب المناظرات تجد الليبرالي يصيبه كرب شديد واضطراب هائل بمجرد تلاوة آيات كتاب الله في أي قضية ، ولقد قال تعالى: {وجاهدهم به جهادا كبيرا}..

هذا والله أعلى وأعلم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
04-28-2013, 08:16 AM
ماذا تعني العلمانية على حقيقتها؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المتأمِّل لواقع الأمة اليوم يرى كمًّا كبيرًا من الأعداء المتربِّصين بدعوة الإسلام، والتي أَذِن الله تعالى لها بالعودة من جديدٍ، فأهل الكُفر - خاصَّة من اليهود والنصارى - أعداءٌ لَها، والعلمانيُّون واللِّيبراليون والمنافقون كذلك، وكل هؤلاء المتربِّصين لا يريدون للإسلام دولة، ولا عودةً إلى حاكميَّة الحياة كلِّها للأمة الإسلامية، بل ويكيدون المكايد لها في الليل والنهار، كما قال تعالى: "وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" [البقرة: 217].
والمتأمِّل بنظرةٍ ثاقبة إلى تأريخ الواقع المعاصر في العالَمِ الإسلاميِّ والعربي، يرى بِوُضوحٍ أنَّ جلَّ "الحكومات" و"الأنظمة" و"الأحزاب" التي تَحْكم شعوبَه إنَّما هي أنظمة مُوالِيَةٌ للغَرْب والعلمانيَّة، وهي تستمدُّ قوَّتَها في إنشاء القوانين والدساتير - وكما يقولون "التشريعيَّة"، أو "الشرعية" - من أصولِ العلمانيَّة الغربية، وليس من منهج الإسلام وشريعته.
وإذا نظَرْنا إلى "العلمانيَّة" على حقيقتها، نَجِد أنَّها مذهبٌ غرْبِيٌّ طارئٌ على العالَم الغرْبِي، مذهبٌ خارج على منهج الكنَسِيَّة والعبادة، منهجٌ لا يَدِين لله تعالى بِسُلطان على البشريَّة، ولا يُعْطي لله حقًّا أن يُمدَّ لَها منهجًا ربَّانيًّا يُضِيء لَها الطريق في هذه الحياة الدُّنيا، مذهبٌ لا يُعبِّد النَّاس لَرِبِّهم وخالقِهم، ولا يجعل لله تعالى دِينًا يَحْكمهم ويهديهم.
ويقول صاحب كتاب "العلمانية في الحياة الإسلامية المعاصرة":
"لفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة (Secularism) في الإنجليزية، أو (secularity)، والترجمة الصحيحة للكلمة هي (اللادينية) أو (الدنيوية) لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى أخص هو ما لا صلة له بالدين، أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد".
ويقول أيضًا في الكشف عن مدلولها:
"ويقول معجم أكسفورد شرحاً لكلمة (secular):
1- دنيوي، أو مادي، ليس دينيا ولا روحياً: مثل التربية اللادينية، الفن أو الموسيقى اللادينية، السلطة اللادينية، الحكومة المناقضة للكنيسة.
2- الرأي الذي يقول: إنه لا ينبغي أن يكون الدين أساساً للأخلاق والتربية".
ويقول أيضًا في بيان كامل لحقيقة العلمانية:
"ويقول "المعجم الدولي الثالث الجديد " مادة: (Secularism).
"اتجاه في الحياة أو في أي شأن خاص يقوم على مبدأ أن الدين أو الاعتبارات الدينية يجب ألاَّ تتدخل في الحكومة، أو استبعاد هذه الاعتبارات استبعاداً مقصوداً، فهي تعني مثلاً السياسة اللادينية البحتة في الحكومة .
وهي نظام اجتماعي في الأخلاق مؤسس على فكرة وجوب قيام القيم السلوكية والخلقية على اعتبارات الحياة المعاصرة والتضامن الاجتماعي دون النظر إلى الدين".
ويقول المستشرق أربري في كتابه "الدين في الشرق الأوسط" عن الكلمة نفسها:
"إن المادية العلمية والإنسانية والمذهب الطبيعي والوضعية كلها أشكال للادينية، واللادينية صفة مميزة لـأوروبا وأمريكا ، ومع أن مظاهرها موجودة في الشرق الأوسط، فإنها لم تتخذ أي صيغة فلسفية أو أدبية محددة، والنموذج الرئيسي لها هو فصل الدين على الدولة في الجمهورية التركية.
والتعبير الشائع في الكتب الإسلامية المعاصرة هو "فصل الدين عن الدولة" وهو في الحقيقة لا يعطي المدلول الكامل للعلمانية الذي ينطبق على الأفراد وعلى السلوك الذي قد لا يكون له صلة بالدولة، ولو قيل: إنها فصل الدين عن الحياة لكان أصوب، ولذلك فإن المدلول الصحيح للعلمانية إقامة الحياة على غير الدين، سواء بالنسبة للأمة أو للفرد، ثم تختلف الدول أو الأفراد في موقفها من الدين بمفهومه الضيق المحدود، فبعضها تسمح به، كالمجتمعات الديمقراطية الليبرالية، وتسمي منهجها (العلمانية المعتدلة -Non Religious) أي: أنها مجتمعات لا دينية ولكنها غير معادية للدين وذلك مقابل ما يسمى (العلمانية المتطرفة-antireligious)، أي: المضادة للدين، ويعنون بها المجتمعات الشيوعية وما شاكلها.
وبديهي أنه بالنسبة للإسلام لا فرق بين المسميين، فكل ما ليس دينياً من المبادئ والتطبيقات فهو في حقيقته مضاد للدين، فالإسلام واللادينية نقيضان لا يجتمعان ولا واسطة بينهما"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
{ ملتقى أهل الحديث }
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
04-28-2013, 08:18 AM
من مباديء الفكر العلماني في بلاد المسلمين:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
1- فَصْل الدِّين عن الحياة:
إنَّ العلمانية تَعْني: فَصْل الدِّين عن الحياة، فَصْل المخلوق عن منهج خالقه ومعبوده، فلا دَخْلَ للدِّين في شؤُون الإنسان، لا في مأكله وملبسه، ولا في اقتصادِه وحُكْمِه وسياسته، فلا يقول الدِّين للإنسان: هذا حلالٌ، وهذا حرام، ولا يقول أيضًا: هذا شِرْك، وهذا إيمان، إنَّ العلمانية في إيجاز هي اللاَّدين، وكما قال قائلهم: "دَعْ ما لِقَيصر لقيصر، وما للهِ لله".
2- الطَّعن في الشريعة الإسلامية:
وإنَّ العلمانية تَعْني: الطَّعن في الشريعة الإسلامية، وأنها شريعة بالِيَة ذاتُ طقوس وشعائر لا تُمارَس إلاَّ في دور العبادة.
3- إحياء الوثنيَّات القديمة البائدة:
وإن العلمانية تعني: إحياء الوثنيَّات القديمة، كالفِرْعونيَّة وغيرها، وإشغال الأجيال بتعظيم هذا التُّراث البائد، ودَعْم المُؤَسَّسات ودُور الثَّقافة؛ لإحياء الجاهلية من جديد على صفحة التاريخ البشَرِي.
4- الوقوف أمام تَحْكيم الشريعة الإسلامية:
وإن العلمانية تعني: الوقوف أمام تَحْكيم الشريعة الإسلامية؛ لأنَّها عندهم ليست مَنْهج حياة، وهذا عَصْر الحُرِّية وزمانُها، فلْيَعبد مَن شاء ما شاء.
5- مُحاربة القِيَم والأخلاق الفاضلة:
وإن العلمانية تعني: مُحاربة القِيَم والأخلاق والحضارة الإسلامية؛ لأنَّها تَعْمل على هَدْم العلاقة بين الخالق والمخلوق، وبين العبد والمعبود، فلا رقابة لله عليه ولا سُلْطان، ولا ثوابَ ولا عقاب، ولا جنَّة ولا نار، فالمرأة في العلمانيَّة حُرَّة في جسَدِها تهَبُه مَن شاءَتْ، وتتحرَّك بإرادتها متى وكيف شاءت، فلا دين يَحْكُمها، ولا زوج يَأْمُرها، ولا أب يؤدِّبها، ولا قرآن يَهْديها.
6- نَشْر الشُّذوذ الجنسي والإباحيَّة في بلادِ المسْلمِين:
وإن العلمانية تعني: العمل على نَشْر الشُّذوذ الجنسي والإباحيَّة، من الزنا واللواط والسحاق في مجتمعات المسلمين وبلادهم بلا خجل أو وجَل.
7- إحياء الجاهلية بكل صورها:
وإن العلمانية تعني: "الجاهلية" بكل ألوانها وصورها، وكل توابع الفساد فيها، كما أنها تعني الكُفْر بالآخرة؛ إذْ لا ثواب ولا عقاب، ومِن ثَمَّ لا حساب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{ ملتقى أهل الحديث }
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
04-28-2013, 08:19 AM
حصاد العلمَانِية الْمُرُّ في بلادِ المسْلمِين:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ


هذا بعضُ من فيضٍ مما تعنيه العلمانية الكافرة على حقيقتها، ونحن نسأل: ماذا قدَّمَت العلمانية للبلاد الإسلامية؟ وماذا أنتجَتْ من ثمار؟
إنَّ وجود العلمانية وقوانينها الوضعية في حكم بلاد الإسلام أدَّى بالأمَّة إلى الفرار، ولكن إلى مستَنْقَع الفاحشة والعُرْي والزِّنا، والفرار إلى الخنا والإباحيَّة، والإسفاف بالأخلاق والتميُّع بالقِيَم، فماذا حصدت الأمة من وراء ذلك؟
ما حصدت إلاَّ ضياع الأعراض، وانتهاك الحرُمات، وفساد الأخلاق وانحلالها، وانتشار الفواحش والعُرْي علَنًا، وتمرُّد الأجيال، وانتشار الأوبئة والأمراض الخبيثة؛ كالزُّهري والسَّيَلان المنَوِي، وأخطرها مرض الإيدز المُدمِّر، والذي لا يزال الطِّبُّ الحديث عاجزًا عن معرفة طُرُق الشِّفاء منه.
وفَرَّت الأُمَّة كذلك إلى التعامل الرِّبَويِّ وإعلان الفوائد المحرَّمة، والإسهام في البورصات العالمية والاستثمارية، فما حصدَتْ إلاَّ انتشار الفقر والبطالة بين الأجيال المتلاحقة، وما حصدت إلاَّ انتشار الفساد الاقتصادي، والسرقة المُعْلَنة في مقدَّرات الأُمَّة وثرواتها وممتلكاتها.
وفرَّت الأمَّة أيضًا إلى تحكيم القوانين الوضعيَّة المستوردة، فما حصدت إلاَّ ضياع نعمة الأمن والأمان، وظهور الحرام بكلِّ صُوَره وأشكاله، من أَخْذِ الرِّشوة، والسرقة، وشهادة الزور، وأكل الرِّبا، وأكل أموال الناس بالباطل.
وما حصدت إلاَّ استعباد الأُمَم الكافرة لها، وتحكُّمها فيها، وإدارة شؤونها وحياتها ومقدَّراتها، والعبث بِأَمْنِها وأخلاقها وعقيدتها، حتى صارت الأُمَّة قَصْعة مستباحة لكلِّ أحد، وغنيمة مُشْبِعة، ولعبة مسلِّية بأيدي العابثين.
هذه بعض الثِّمار المُرَّة للعلمانية المعاصِرَة في العالم الإسلامي، فضلاً عن آثارها وجراحها في العالَم الغَرْبي والأوربِّي نفسه، والتي لا طريق للخلاص منها إلاَّ بمنهج الله تعالى وشريعته.
يقول الدكتور عماد الدين خليل:
"في ظلال المجتمع العلماني يتمزق الإنسان بناء على تمزق مصيره، وتزدوج شخصيته اعتماداً على الثنائية التي اصطنعها بين المادة والروح، والجدران التي أقامها بين تجربتي الحس والوجدان، والجفاء الذي باعد به زيفاً بين عالمي الحضور والغياب، بين ما هو قريب ومرئي وما هو بعيد لا تراه العيون، والتصور الذي يصدر عنه ذلك الإنسان لا يوائم بحال بين العلاقات المعقدة المتشابكة التي تحكم الكون والعالم والحياة.
بل هو تصور يفصل بالقسر والعناد بين هذه العلاقات جميعها، يمزقها تمزيقاً، ويعمل فيها تقطيعاً وتشويهاً، فتغدو طاقات الكون والإنسان والحياة وما بينها جميعاً من وشائج وارتباطات -تغدو في حس العلماني وتصوره فوضى يسودها الانفصال والصداء والجفاء.. الدين يتناقض مع العلم، والفلسفة العقلية ترفض التشبث الطبيعي بالواقع الملموس والمذاهب الطبيعية لا تلزم نفسها بقيم خلقية أو إنسانية.
وهكذا سلسلة من المصادمات التي لا تقتصر آثارها السيئة على العالم الخارجي فحسب، بل في أعماق الإنسان وتجربته الذاتية كذلك.."(2).
ويقول الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق - رحمه الله تعالى -:"إنَّ البحث عن هويَّة أخرى للأمة الإسلاميَّة خيانةٌ كبْرى، وجناية عظمى".
إن هؤلاء حقًّا يسيرون على درب التِّيه والضلال، والخيانة للدِّين والأوطان، كما أنَّهم يخطون حذو القُذَّة بالقذَّة خلف من سبقَهم ممن تآمروا على الهويَّة الإسلامية من قبل، ومن هنا شنُّوا عدة حملات خبيثة ماكرة في جلِّ وسائل الإعلام على "الاتجاهات الإسلامية" وسخَّروا أبواقهم الماكرة للعبث بالدستور، وإذْ بنا نرى الحرب الخبيثة سرًّا وجهارًا من المنافقين وغيرهم، وقد سنُّوا سيوف الحرب، وأوقدوا نارها، ودقُّوا طبولَها، في وسائل الإعلام؛ المرئيَّة، والمقروءة، والمسموعة على حدٍّ سواء.
ومن ثَمَّ أخذوا يلتقطون بعض العبارات والتصريحات والمواقف، من بعض شيوخ الدَّعوة والحقِّ؛ ليلعبوا بها على وتر العواطف والكلام، والنَّيل من منهج الحقِّ وأهله ودُعاته، خاصَّة الاتِّجاه السَّلفي.
ذلك أن هؤلاء المنافقين من العلمانيِّين والليبراليين ومَن شابه طريقَهم وأهدافهم، لا يريدون - مهما كلَّفهم الأمر، وبذلوا من أموال - أن تظلَّ مصر ولا حتَّى الدول الأخرى، محافِظةً على هويَّتِها الإسلامية والعربيَّة، وتلك سُنَّة جارية؛ لأنَّ في ذلك نفعًا وتحقيقًا لغاياتهم ومآربِهم الخبيثة، ولدوام تواصُلِهم مع الغرب الكافر، والشرق الملحِد دون قيدٍ أو شرط.
رابعًا: الفرار العلماني من عبودية الله وحده:
إن العلمانيين العرب لا يريدون أن يروا شريعة الرحمن المنزلة في حياة المسلمين، ولا يريدون أن يروا الحكم الإسلامي المنزل من الله وحده، والمحفوظ من كل نقص أو خلل، أن يحكم الناس بالعدل ويسوسهم.
ولا يريدون أن يروا الاقتصاد المالي للأمة فيه الحلال والحرام، ولا هذا ربا ولا هذا بيع، ولا *** الزكوات والصدقات من أهلها الأغنياء لإشبعاء الفقراء والمحتاجين، وكفالة البؤساء والمحرومين.
ولا يريدون أن يروا بنات ونساء المسلمين عفيفات طاهرات، محتشمات محتجبات، إنما يريدون نسائنا عاهرات فاجرات، عاريات دنسات، يلبسن ما يريدون، ويتمتعون بها في كل مكان كما يشاءون.
ولا يريدون مجتمعًا قوي البنية والحضارة، عظيم الخلق والسجايا، إنما يريدون مجتمع الزنا والسحاق واللوط والفواحش والمنكرات، بلا قيد أو رقيب، فالخمر حلال، والزنا مباح، والعهر لا حرج فيه، والسرقة فن، والغش ذكاء، والاحتيال فطنة، وسب الدين حرية، وقتل أهل الإسلام تطهير من العنصرية.
هكذا باختصار يريد العلمانيون وأذنابهم لبلاد الإسلام والعروبة، والسؤال: أحقًا هؤلاء يؤمنون بالله حق الإيمان إن كانوا مسلمين؟!
أحقًا يؤمنون بالقرآن أنه شرع المسلمين!
أحقًا يتبعون رسول الله محمدًا – صلى الله عليه وسلم -!
أحقًا يؤمنون بالآخرة والجنة ونعيمها، والنار وعذابها!
إن كانوا كذلك فلمَ يحاربون شريعتهم وعقيدتهم وبلادهم؟!
إن كانوا كذلك فلمَ لا يحكمون هم شريعتهم وعقيدتهم في أنفسهم وبلادهم؟!
وقد أنزل سبحانه آيات بينات زاهرات: "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ" [المائدة: 48-50].
ولا خيار لهم بعد الإسلام وشرعته، بعد أن قال لهم ربهم سبحانه: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا" [الأحزاب:36].
وإن لم يكونوا كذلك، فلمَ لا يعلنون أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر للعالمين؟! أم أنه النفاق والتدليس على هذه الأمة.
أم أنه الفرار من عبوديتهم لربهم وحده، والفرار من شرعه وأمره وحكمه!
نعم إنه الفرار من عبودية الله وحده والتحاكم إليه، إلى عبودية الأهواء والشهوات كيفما يشاءون.
إن الله توعد مثل هؤلاء، وحذر الأمة أن تتبع أمثال هؤلاء أشد التحذير فقال تعالى: "وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا" [الكهف:29،28].
كما أنه يجب على كلِّ مسلم الإذعان لله ورسوله، والاعتقاد بوجوب التزام الكتاب والسنة، ووجوب متابعة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما قال - تعالى -: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
إن الإسلام في البداية والنهاية هو التسليم للكتاب والسنة، والكتاب والسنة فيهما بيان كل شيء ممَّا يحتاجه المكلَّف؛ قال - تعالى - عن القرآن: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89].
وقال - سبحانه وتعالى -: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} [يوسف: 11]، وقال - تعالى -: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} [النحل: 44]، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
_________________

{ ملتقى أهل الحديث }
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
10-30-2013, 08:34 AM
الليبرالية عندما تفقد الخلق
---------------------



http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3540.jpg




ليس للأخلاق حيز كبير في الفكر الليبرالي الذي يعتمد على النفعية المطلقة ومحاولة الوصول للأهداف بأي وسيلة متاحة حتى لو تعارضت مع كل القيم الأخلاقية , فما الأخلاق عندهم إلا وسيلة مؤقتة ينتهي مفعول التنادي بضرورتها وبأهميتها بمجرد الوصول للهدف ولا يمكن اعتبارها لديهم أنها غاية وهدف في حد ذاتها .
فعلى مستوى التنظير وجهت انتقادات عديدة للفكرة الليبرالية , لكن كان أهمها هو النقد الأخلاقي لليبرالية فيقول المؤرخ الليبرالي موريس فلامان في كتابه "تاريخ الليبرالية"، للرد على النقد الأخلاقي الموجه لمذهبه معترفا بأن هذا النقد من أكثر الانتقادات تداولا حول الفلسفة الليبرالية فيحاول إقناع القراء بوجود ما يسميه بالأخلاق العملية لليبرالية ويضع لها محددات ثلاثة وهي"
1- التأكيد على فعل الادخار.
2-احترام العقود المكتوبة وغيرها (كاحترام الكلمة)
3- المسئولية ".
فإذا كانت هناك معايير أخلاقية مزعومة بحسب ما يقوله منظرو الليبرالية فأين ما نراه من تصادمها مع الواقع الأخلاقي لمجتمعاتها التي تعيش فيها بتصريحات ممن يدعون انتماءهم لها؟
فترى الليبراليين في كل مكان يوجدون فيه يصادمون أفكار ومعتقدات وأخلاقيات هذه المجتمعات, فنراهم وهم مثلا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية يتبنون أفكار ويطالبون بأخلاقيات ويمارسون سلوكيات لا تتفق أبدا مع البيئات والثقافات والقيم المجتمعية والمبادئ الدينية التي يعيش عليها المجتمع.
فلم نسمع منهم ولا عنهم إلا كل مستنكر ومستقبح في الأقوال والأفعال والسلوكيات ودائما ما يحاولون زلزلة زعزعة ثوابت المجتمعات التي يعيشون فيها ويحاولون الطعن في قيمها وتشكيك الناس فيها بمواجهة مستترة مرات ثم بمواجهة صريحة بعد ذلك , وما قضية قيادة المرأة للسيارة في المملكة منا ببعيد حيث وجهوا سهامهم لخروج المرأة وما كان همهم المرأة ولا حقوقها ولكن كل همهم إخراج النساء للشوارع والطرقات لتبدأ مرحلة جديدة نحو التغريب والعلمانية.
وفي مصر حيث ترتع العلمانية ومروجوها دون مقاومة نهائية الآن بعد الرئيس محمد مرسي عندما أصبح المتحدث عن الإسلام وقيمه إرهابيا مستباح الدم والمال والعرض , فاختفى طواعية أو كرها المدافعون عن القيم الإسلامية وتعالت أصوات العلمانيين فيها وباتوا الآن يتحكمون في قيم المجتمع ويوجهونه لنعت كل ما هو إسلامي بالإرهاب.
وفي حادث أخير قررت الإدارة المصرية التعاقد مع شركة أمريكية وهي شركة "جلوفر بارك جروب" لتقدم خدمات للإدارة الحالية في مجالات العلاقات العامة أو الترويج السياسي داخل الولايات المتحدة وأمام دوائر صنع القرار فيها.
ولم تكن هذه الشركة التي يدعى أنها أمريكية إلا شركة صهيونية يترأسها ضابط سابق في الموساد الإسرائيلي كما تضم بين مجلس إدارتها أعضاء ينتمون للوبي الإسرائيلي (إيباك) .
وهذا التصرف الغريب لت**** شركة صهيونية تروج للإدارة المصرية في الداخل الأمريكي حصد الكثير من الاستهجانات داخل الأوساط المصرية ولم يلق قبولا حتى من أكثر المؤيدين للإدارة المصرية الحالية الذي تسبب لهم هذا التصرف نوعا من الحرج السياسي البالغ.
لكن الليبراليين المعروفين بميكافيليتهم لم يعتبروا في هذا التصرف خطأ أو خطرا , بل اثنوا عليه وأيدوه كما يؤيدون كل قرار أو عكسه لمجرد مصالحهم فقط .
ففي لقاء تليفزيوني مع صحفي مصري على قناة الجزيرة يسأله المذيع عن رأيه في هذا التعاقد فيبرره بان هناك سلام مع الدولة العبرية ويقول ما المانع من إنشاء مثل هذا التعاقد معهم , ثم يردف حديثه بجملة صاعقة حيث يقول أنه " مستعد للتحالف مع الشيطان للقضاء على الإخوان".
ورده هذا يعبر عن الفكر الميكافيللي الشديد الوضوح ليكشف الوجه الصحيح لليبرالية حيث لا قيم ولا أخلاق ولا ضمير , بل كل منهم مستعد لفعل أخس الأفعال وتبني أردأ المواقف وأشدها وضاعة من أجل أن يحقق غاية له.
خدع الكثيرون في الليبرالية وظنوها دعوة لتحرير الإنسان من عبودية الإنسان كما زعموا ولكنها أسفرت عن وجهها القبيح وستسفر دوما عن هذا الوجه المهترئ حيث لا قيمة ولا قانون ولا ضمير وإنهم بالفعل متحالفون مع الشيطان من اجل تحقيق أهدافهم.
----------------------------------------------------------

عبدالناصر محمود
11-06-2013, 07:43 AM
تونس بين مشروعية الحكم وفساد الليبرالية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ

2 / 1 / 1435 هــ
6 / 11 / 2013 مــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(زياد عطية)
ـــــــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/710523102013114626.jpg

تمر تونس بأزمة سياسية حادة مفصلها الرئيسي إصرار المعارضة الليبرالية بالتعاون مع بقايا نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي على إسقاط حكومة الائتلاف الحاكم التي تقودها حركة النهضة الإسلامية،ومنذ أن بدأت الاغتيالات التي استهدفت اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهمي أخذت المعارضة بزيادة ضغطها على الحكومة مطالبة بحل المجلس التأسيسي وحل الحكومة وتشكيل حكومة إنقاذ وطني، كل هذا جعل الحكومة التونسية تنتهج سياسة اعتقالات عشوائية في كل جهات البلاد شملت أبناء التيار السلفي الذين اتهموا بالمشاركة في عمليات استهدفت الجيش التونسي والاغتيالات التي استهدفت المعارضين.

وفي هذا الشأن تؤكد حركة النهضة على لسان القيادي المعروف محمد نجيب الغربي على تمسكها بالحكومة الحالية التي يقودها على العريض،مضيفا بأن الحل الأنسب هو توسيع دائرة الحكومة وإعطاء مساحة أكبر للحوار وتدعيم الوزارات بأسماء جديدة مناضلة تكسب ثقة الشعب.

وقال الغربي: إنه لا يمكن الرجوع إلى الوراء مجددا، لأن تغيير الحكومة برمتها سيؤثر على المسار الديمقراطي".وبين القيادي في النهضة أن مطالب المعارضة التي تتمحور حول تشكيل حكومة الإنقاذ الوطني لا تنم إلا عن ضيق مصالح أصحابها الطامعين إلى السلطة على حساب الشعب،تابع قائلا" حركة النهضة لا تزال مصرة على الشرعية الانتخابية ومتمسكة بحقها في الحكومة الحالية ".

بدورها تريد المعارضة الليبرالية واليسارية إلغاء شرعية الحكومة الحالية من خلال رفضها للمصالحة وتمترسها حول مطالبها بحل الحكومة والمجلس التأسيسي، وتستغل في ذلك نفوذها على الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يعتبر أكبر نقابة مهنية في تونس ويضم في عضويته مئات الآلاف من التونسيين فمنذ فوز الإسلاميين في الانتخابات انحاز الاتحاد إلى صف المعارضة.

ويعلق المحلل في الشؤون السياسية صلاح الدين الجورشي حول الوضع الراهن قائلاً: الحوار كونه بادرة طيبة من قبل الاتحاد الذي يعد أكبر منظمة نقابية على الإطلاق والتي تسعى إلى تقريب وجهات النظر بين جميع الأطراف ويرى الجورشي أيضا كون النهضة تسعى إلى مواصلة الحكم وعدم التنازل على السلطة وعدم الانسياق وراء مطالب المعارضة و هو ما من شأنه أن يعطل الحوار والمسار الحالي للنقاش ويزيد في عرقلة التفاهم بين الجميع، وأكد صلاح الدين الجورشي في أكثر من مرة على أن الوضع في تونس لم يعد يحتمل أكثر مما هي عليه ولابد من تكوين حكومة تكنوقراط جديدة بشخصيات مستقلة تقودها شخصية وطنية معروفة ومتفق عليها تقوم بسن الدستور وتكوين الهيئة الخاصة بالانتخابات المقبلة والتحديد الموعد النهائي والفيصل للموعد والعرس الانتخابي، وفي ختام الحديث بين كون الوسيلة الوحيد التي تخرج البلاد من المأزق هي التفاهم والحوار المبني على مصلحة البلاد فوق كل الاعتبارات.
-----------------------------------------------------

عبدالناصر محمود
11-16-2013, 09:45 AM
العلمانية، المفهوم والمظاهر والأسباب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ

12 / 1 / 1435 هــ
16 / 11 / 2013 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3195.jpg




الكتاب: العلمانية، المفهوم والمظاهر والأسباب

المؤلف: مصطفى باحو

الناشر: جريدة السبيل . سلا . المغرب

الطبعة: الأولى 2011م

عدد الصفحات: 172 صفحة

ــــــــــــ

بعد سقوط الشيوعية تحول الإسلام إلى عدو استراتيجي للغرب باعتراف نصر حامد أبي زيد ومحمد أركون، فالغرب لم يجد سلاحا أمضى من سلاح العلمانية لإزاحة الإسلام وزعزعته من المجتمعات الإسلامية والحد من هيمنته على الحياة العامة للمسلمين، وتحجيم دوره وتهميشه داخل جدران المساجد والزوايا، وتحويله في النهاية إلى نوع من الفولكلور أو التراث الشعبي، فجُندت وحشدت جحافل من العلمانيين العرب للقيام بدور الطليعة الأولى والنيابة عن الغرب في نشر المشروع الحضاري الغربي.

وفيما يخص الكتاب الذي بين أيدينا فيأتي في طليعة سلسلة متتابعة لنفس المؤلف حول العلمانية، والكتاب الذي بين أيدينا جاء بمثابة المقدمة العامة لها، فكان تمهيدا لبحوثها وتأسيسا لمواضعها، ولهذا تمحورت موضوعاته حول مفهوم العلمانية وأسبابها ومظاهرها وتاريخها وتطورها وآثارها وغير ذلك من القضايا المتصلة بها، وبحسب مقدمة المؤلف سيتبع هذا الكتاب سلسلة تضم أبحاثا عديدة نَجَز بعضها، وبعضها في الطريق إلى الإنجاز، منها:

1. الإسلام في نظر العلمانيين.

2. موقف القرآن من العلمانية.

3. موقف السنة من العلمانية.

4. ماذا تريد العلمانية؟.

5. ماذا يعني تطبيق الشريعة؟

6. العلمانية والمذهب المالكي.

والعلمانية بحسب رأي المؤلف ليست فصل الدين عن الدولة فقط كما يروج عدد من العلمانيين تسترا وتزييفا، بل هي فلسفة عامة للوجود، لها رؤية للكون وللإنسان، تعتبر فيه الإنسان مركزا رئيسا ووحيدا لهذا الكون، ولا مكان فيها للماورائيات والغيبيات والأساطير الدينية، والتي تتحول إلى شيء فردي وشخصي شأنه شأن الأكل والشرب واللباس.

الأمر الذي تبدو فيه قضية السياسة مجرد جزئية في المشروع العلماني، الذي يقوم أساسا على تهميش المقدس كحد أدنى، أو إلغائه وإنكاره تماما كحد أقصى. إن شئت الدقة فقل: إن الدين في ظل ذلك المشروع: إما محال إلى التقاعد، وإما مفصول من الخدمة.

حقيقة العلمانية:

بعد عرضه للمعني اللغوي للعلمانية بين الكاتب أن السياق التاريخي والثقافي والاجتماعي الذي نشأت فيه العلمانية يؤكد على عدم ربط المصطلح بالعلم، وإنما بالعالم المحسوس المادي المقابل للعالم الغيبي الميتافيزيقي الذي ما قامت العلمانية إلا لتجاوزه.

وقد خلص الباحث بعد عرضة لأكثر من تعريف للعلمانية بأن الأسس التي تقوم عليها تتلخص في الآتي:

1 - الرؤية المادية، وإنكار كل ما وراء المادة.

2 - تنحية الغيب والميتافيزيقا.

3 - نزع القداسة عن المقدس.

4 - العقلانية المطلقة.

5 - النسبية المطلقة.

6 - فصل الدين عن الحياة، وإلغاؤه تماما من المنظومة المعرفية أو السلوكية.

من هنا يتضح أن العلمانية مذهب إلحادي. ولهذا فدائرة المعارف البريطانية لما ذكرت الإلحاد قسمته إلى قسمين:

1 - إلحاد نظري.

2 - وإلحاد عملي. وذكرت الفلسفة العلمانية ضمن الإلحاد العملي.

مظاهر العلمانية:

بين الكاتب أن العلمانية فلسفة للوجود بكل مكوناته وتنوعاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية وغيرها، وليست محصورة في فصل الدين عن السياسة.

فالعلمنة السياسية ليست إلا جزءا لا يتجزأ من علمنة حقول أخرى كثيرة تراهن على إدخالها حركة العلمنة، بما في ذلك حقول الاقتصاد والثقافة العامة والتشريع إلى جانب مجالات التعبير الجمالي والفني، فالرهان العلماني يتجاوز في نهاية المطاف الجانب الحصري الذي يخص علاقة الدولة بالجهاز الديني ليطال مجالات أوسع وأشمل.

ولهذا خص الكاتب هذه النقطة بالحديث عن مظاهر العلمانية في المجالات المختلفة فتحدث عن العلمانية في السياسة والاقتصاد والمواطنة والتربية والأخلاق والاجتماع والإعلام والرياضة والفن و القانون والتعليم.

أسباب العلمانية:

وقصد الكاتب بالأسباب الشروط التاريخية التي تسببت في إفرازها ووجودها في العالم الغربي أولا، وفي نسختها الكربونية العربية، من أجل فهم منطقي ومعمق لحقيقتها ومدلولها المفاهيمي، ومن ثم موقف الإسلام منها.

بين الكاتب أن المتفق عليه بين جل الباحثين بما فيهم كثير من العلمانيين أن العلمانية إفراز ثقافي فلسفي في ظل شروط تاريخية واجتماعية ودينية غربية مخالفة للسياق الذي وجدت-أو بالأحرى- أُوجدت فيه في العالم العربي.

فالعلمانية ظاهرة غربية محضة تاريخا وموطنا وأسبابا، لها شروط سياسية ودينية واجتماعية ولدتها وساهمت في تشكيلها وبررت وجودها، وجعلت من أوروبا حاضنا رسميا لها.

بل الأكثر من هذا فالمسيحية بحد ذاتها لإقرارها بترك ما لقيصر لقيصر وما لله لله هي العامل المركزي الذي ساهم في بروز العلمانية. فمن رحم المسيحية المحرفة مذهبا وتاريخا خرجت العلمانية.

وقد أجمل الكاتب أسباب العلمانية في النقاط الآتية:

السبب الأول: الطغيان الكنسي.

السبب الثاني: الصراع بين الكنيسة والعلم.

السبب الثالث: طبيعة الدين المسيحي.

السبب الرابع: الفصل بين الدين والدولة.

السبب الخامس: الحروب الدينية.

أما عن أسباب انتقال العلمانية إلى العالم الإسلامي، فقد لخصها المؤلف في الآتي:

السبب الأول: الاستعمار.

السبب الثاني: الصحافة الموالية للاستعمار.

السبب الثالث: التخلف والتفكك المجتمعي العام.

السبب الرابع: علماء السوء.

السبب الخامس: الماسونية.

السبب السادس: التنصير.

الحكومة الدينية:

تحت هذا العنوان أشار الكاتب إلى أنه ليس في الإسلام «رجال الدين» بالمعنى الطبقي الاجتماعي أي: طبقة معينة لها مميزات خاصة وامتيازات معينة، ولها الحق وحدها في معرفة الحقيقة المطلقة، وأنها تحكم بتفويض إلهي.

وبين كذلك أن الحكومة الدينية المسيحية أو الحكومة الإلهية أو الحكومة الثيوقراطية التي نشأت في الغرب تتميز بعدة خصائص، منها:

- أفرادها من الكهنة ورجال الدين.

- رجال الدين هم وحدهم لهم الحق في التحدث باسم الله.

- هم يحكمون بتفويض من الله، وبالحق الإلهي الذي يخول لهم التصرف في أرزاق الناس وتشريعاتهم ومصائرهم.

- لا يجوز لأحد مهما بلغ من العلم أن يخالف آراء رجال الدين لأنهم يمتلكون وحدهم الحق المطلق، ولو في العلوم التجريبية والفلكية والطبية.

وأما في الإسلام فالحاكم مدني، ولا يدعي أنه يحكم بتفويض إلهي، أو أنه يحكم باسم الله بمعنى النيابة عنه.

وعليه فرَّق الكاتب بين الدولة الدينية والدولة الإسلامية فبين أن الدولة الإسلامية تكون ذات مرجعية إسلامية أي منضبطة بضوابط الشريعة، والحاكم فيها يخطئ ويصيب، ولا يتحدث أحد باسم الله ونيابة عنه إلا الأنبياء.

والقول بحاكمية الشريعة لا يعني الحكومة الدينية كما توهم بعض الكتاب، لأن الحاكمية لا تعني أن يباشر حكام بأعيانهم سلطانا من الله على الناس كما كان في أوروبا، بل تعني أن تكون شريعة الإسلام هي مصدر التشريع، وأن الحكم للخليفة الذي بايعته الأمة وفق مبدأ الشورى.

العلمانيون العرب والغرب، الغزل المتبادل:

في هذه الجزئية أشار الكاتب إلى حرص الغرب على الدفع بمشروعه نحو المنطقة الإسلامية بغية مزيد من السيطرة والتحكم فيها. فبين أنه مع خروج جيوشه الاستعمارية عنها أبقى نخبا مغربة يرعاها برعايته ويكفلها بدعمه ويشملها بعطائه، وفي المقابل تسابقت النخب في إظهار أصناف الطاعة والولاء للمشروع الغربي، تارة بالإشادة بالمشروع العلماني، وتارة بتوجيه ضربات موجعة للمشروع الإسلامي، استكمالا لما بدأه السادة، وتنفيذا للمخططات الغربية. وقد تنافس العلمانيون في هذا تنافسا محتدما محموما.

مغالطات علمانية:

ختم الكاتب حديثه عن العلمانية بسرد عدد من المغالطات التي وقع فيها هذا الفكر المزيف، فقد ادعت العلمانية أنها صيرورة تاريخية لا مفر منها، وأنها أرقى ما وصل إليه العقل البشري. وبالتالي فهي حقيقة مطلقة، تنبني على أصول فلسفية وعقلية واحدة، وتقوم على أرض ديمقراطية صلبة.

ولرد هذه الأباطيل والترهات ناقش الكاتب واقع العلمانية في النقاط الآتية:

1- العلمانية وامتلاك الحقيقة المطلقة.

2- هل ترتكز العلمانية على أسس فلسفية وعقلية قطعية؟

3- هل العلمانية والديمقراطية توأمان لا ينفصلان؟

4- ما بعد الحداثة.

5- مغالطات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
11-25-2013, 08:19 AM
العلمانية في مصر (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

21 / 1 / 1435 هــ
25 / 11 / 2013 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(د. محمد هشام راغب)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كيف تسللت؟ إلى اين وصلت؟ من هم شيوخها ورموزها؟ .. وكيف نوقف تمددها؟



الصراع القائم في مصر خلال المائة سنة الأخيرة، صراع بين الإسلام والعلمانية، بين الفكرة الإسلامية والفكرة العلمانية، بين منهج الإسلام للحياة ونظام الحياة العلماني، بين بسط الإسلام شرعه وطريقته على كل شعب الحياة وبين عزل الدين تماما عن الحياة. قد يأخذ هذا الصراع أحيانا صورا سياسية أو اجتماعية أو ثقافية، ولكنها أجزاء صغيرة من الصورة الكبيرة الكاملة لطبيعة هذا الصراع.

لم تعرف مصر العلمانية حتى أواخر القرن التاسع عشر، ثم تسللت بنعومة وقوة نحو مراكز التأثير بدءا بالصحافة الوافدة من الشام، وأدوات الحكم تحت مظلة الاحتلال الإنجليزي، وحتى تمكنت من مفاصل الدولة المصرية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين فدانت لها كل منابر التأثير الثقافي والتعليمي والإعلامي والفني تقريبا، بل ووصلت إلى عمق مؤسسة الأزهر الشريف حتى مشيخته بزعامة الشيخ مصطفى عبد الرازق. كيف تمكنت العلمانية من النخب المصرية بهذه السرعة وبهذه القوة ؟ .. وإلى أين وصلت في وقتنا الراهن؟ .. ومن هم شيوخها ورموزها؟ .. ثم: كيف نواجه هذا المد العلماني الذي يهدد الهوية المصرية، ومن ورائها الدول العربية والإسلامية بالضرورة نظرا لمكانة مصر المؤثرة في قلب العالمين العربي والإسلامي؟



هذه الدراسة تتناول هذه القضية المصيرية عبر استعراض عشرة من رموز العلمانية في المائة سنة الأخيرة. ليس المقصود هؤلاء الأشخاص بأعينهم، ولا يعنينا هذا، بل إن القارئ سيرى أن معظم هذه الرموز لم يكونوا يوما عملاء لجهات مصرية أو غير مصرية، بل كانوا مخلصين لفكرتهم وعقيدتهم العلمانية بعزل الدين عن الحياة، وقصره على العلاقة الفردية الخاصة بين كل إنسان وربه الذي يختاره لنفسه، وكان أكثرهم وطنيين اعتقدوا أنهم بهذه العلمانية سينهضون بمصر على خطى أوربا وأمريكا. وسنرى بعضهم له ملكات ومواهب إنسانية عظيمة, ومنهم شخصيات لا تنقصها اللياقة والطرافة، ولكننا هنا نعرض لهذه الأفكار العلمانية المدمرة التي تخرب على المصريين دنياهم وتفسد عليهم دينهم.

إن هؤلاء الرموز وتلاميذهم ومدارسهم، لهم تأثير بالغ على النخب الحاكمة النافذة من أهل السياسة والمال، كما أصبح لهم تأثير لا يستهان به على عموم الناس. إن صراعا هائلا ونشطا لم يتوقف أبدا بين الإسلام والعلمانية، وسنرصد بعض صوره وتجلياته حتى في أدق وأحرج الأوقات التي مرت بمصر، حتى كأننا بين صراع سياسي واجتماعي وثقافي ظاهر، ومن ورائه يستتر صراع فكري مرير وعاصف.

إن هذه الدراسة لا تهدف فقط لتوعية الرأي العام بحقيقة الصراع القائم وخطورته على هوية الأمة ودينها، وإنما تهدف أيضا للتحذير من سقوط مزيد من الشباب ذوي الطاقات والملكات العالية أن يصبحوا وقودا لهذه الحركة العلمانية من غير قصد وبحسن نية. إن استعراض سيرة هذه الرموز العشرة من شيوخ العلمانية سيكشف الأسباب والدوافع التي هوت بهم في هذا الطريق، والشبهات الفكرية التي كبلتهم، وظروف النشأة والبيئة التي غذت بمرارة وقوة العقيدة العلمانية في نفوسهم.



الفصل الأول



توفيق الحكيم .. صانع الأقنعة



كنا في صبانا ندرس بابا كاملا في مادة التاريخ عن الحملة الفرنسية على مصر. وكان يدهشني دائما لغة الانبهار والتقدير التي يتكلم بها المدرس عن تلك الحملة التي جاءتنا من "عاصمة النور" وأدخلتنا عصر النهضة بعد قرون من التخلف. لم يسغ لعقلي الصغير وقتها أن ينبهر إنسان بقوة جاءت لاحتلال بلاده، خاصة وأننا كنا ندرس مقاومة الشعب المصري وإعدام بعض رموزه قبل وبعد ثورتي القاهرة الأولى والثانية. تجرأت يوما وسألت أستاذي:

- ألم تكن الحملة الفرنسية حملة احتلال لمصر؟

- بلى.

- ألا يعتبر الاستعمار مجرما في حق الشعوب التي يحتلها؟

- يا بني ألم تفهم كيف عرفنا الطباعة بسبب الفرنسيين وكيف كانت هذه بداية نهضة كبيرة للنشر والترجمة؟. ألم تفهم أن اكتشاف حجر رشيد كان كشفا علميا رائعا عرفنا به تاريخنا الفرعوني العظيم؟. ألم تفهم أن عشرات العلماء الفرنسيين قد أجروا بحوثا علمية متقدمة جدا في مصر ووضعوا عصارة علمهم في كتاب "وصف مصر"؟... ثم ألم أشرح لكم كيف وضع الفرنسيون نظاما دقيقا للإدارة بإنشاء "الديوان" لحكم مصر فتعلمنا منهم النظم الحديثة في الإدارة والسياسة؟. ألا يعتبر كلامك إنكارا للجميل على أقل تقدير؟. .. فهمت ؟!

لم أقتنع بكلام أستاذي، ولكني جبنت عن الرد فآثرت الصمت. كانت لوحتان زيتيتان في كتاب التاريخ تؤلماني كلما تذكرتهما، لوحة لدخول خيول نابليون لجامع الأزهر الشريف، والأخرى لمعركة إمبابة والمصريون صرعى على الأرض بأسلحتهم البدائية البسيطة بينما الجنود الفرنسيون يختالون ببنادقهم على خيولهم والعلم الفرنسي يرفرف وراءهم وفوهات المدافع منصوبة في الطرف البعيد من اللوحة. لم ينسجم كلام أستاذي مع مشاعر الذلة التي كانت تعبث بنفسي الصغيرة.

بعد ذلك بسنوات قليلة – في مرحلة الدراسة الثانوية - كنت نهما في قراءة الروايات والمسرحيات الأدبية ودواوين الشعر القديم والحديث. كان توفيق الحكيم في البداية هو نجمي المفضل لبساطة أسلوبه وطرافته وسهولة حواراته وجاذبيتها وحلاوة خياله وسحره. قرأت كتب الحكيم كلها وأتيت على بعضها أكثر من مرة. لم يكن لي هدف محدد من القراءة أكثر من الاطلاع والثقافة العامة، وكانت دار الكتب في شبرا بالقاهرة معينا على هذا بالاستعارة المجانية من رصيدها الزاخر.

بدأت بعض الإشارات تقلقني في كتب الحكيم، كان أولها شعور غالبني أثناء قراءة "يوميات نائب في الأرياف"، أن الرجل كان يصف أعماق الريف المصري بلسان المتفرج عليه، لا بقلم المعايش له. قلت لنفسي وقتها "لو كتب أوروبي هذا الكتاب لما اختلف أسلوبه كثيرا.. وربما جاءت عواطفه مطابقة تماما".

عادت إليَّ الذاكرة المؤلمة لدروس الحملة الفرنسية وأنا أقرأ عشق الحكيم لباريس وعبقها وذوقها متنقلا بين حي مونبارناس ومونمارتر، يصف كثيرا كيف يتوق إلى فنجان شاي بفنادق باريس العريقة، ويسهر في مسارحها التاريخية ليلا ويتجول طويلا في المتاجر العتيقة بالباليه رويال نهارا، باحثا عن "البيريه" الذي يلبسه على رأسه،. لم أفهم وقتها إصرار الرجل على لبس البيريه، وقرأت له تبريرا سخيفا قال فيه (لبس البيريه لا يجعلني مضطرا أن أخلعها لأحيي الناس أو ألقي التحية علي صديق أو زميل.. وهذا شيء مهم، لأنه عندما يرتدي الشخص "برنيطة" فلابد أن يخلعها ليلقي السلام علي زميل أو صديق وعندما يضطر إلي وضع "البرنيطة" علي رأسه من جديد فهو معرض لزكام..).

تعجبت أن يكون البديل للبيريه هو البرنيطة !.

كانت جريدة الأهرام تنشر أحيانا صورا لمقتطفات من صحف فرنسية فيها ثناء على أدب توفيق الحكيم وفكره. كانت الصور من صحافة "عاصمة النور" عن كاتب مصري تشعر الكثيرين بالفخر، لكن ثمة غصة كانت بحلقي كلما جاء ذكر فرنسا.



لم أشأ أن أستغرق في اجترار آلام الذكرى البعيدة لدرس الحملة الفرنسية والتي تعوق استمتاعي بطرافة وجمال أدب الحكيم ونظرائه من أمثال طه حسين ويحيى حقي والمازني ومحمد حسين هيكل، فقررت أن أرجع لأطالع "الحقيقة" حول تلك الحملة المشئومة. لم أجد أمامي أفضل من "تاريخ الجبرتي" الذي كتبه المؤرخ المصري الشهير وقد عاصر بنفسه أحداث تلك الحملة فرصدها بدقة في كتابه (عجائب الآثار في التراجم والأخبار). وكذلك طالعت الجزء الخاص بالحملة الفرنسية من كتاب (قصة الحضارة) للمؤرخ الأمريكي الشهير "ول ديورانت" بتعريب إدارة النشاط الثقافي لجامعة الدول العربية (طبعة 1949). أزعجني في البداية أسلوب الجبرتي "القديم"، ولم نكن قد طالعنا بعد أي كتاب من كتب التراث الإسلامي، وكان انطباعنا العام عن تلك الكتب "الصفراء" أن اسلوبها عتيق ومُمِل ومفرداتها مهجورة وفكرها ضعيف، هكذا تكوَّن عندنا انطباع دون أن نقرأ منها كتابا واحدا، وكان هذا الانطباع من الآثار الجانبية الأولى للثقافة المطروحة من رموز عصر "التنوير".

بعد قليل من مطالعة تاريخ الجبرتي، وجدت عبارته ممتعة، وأسلوبه راقيا رائقا وأحكامه دقيقة ومزاجه متوازنا وكتابته تكاد أن تكون بماء واحد. ولفت نظري إنصاف الرجل بدءا بتنديده بظلم واستبداد حكام مصر المماليك وتخلفهم وضعفهم وإهمالهم في تحصين الثغور والحدود، وكذلك ثناؤه على صنعة الفرنسيين وحسن إدارتهم ودقة تنظيمهم.



يتبع ...



د. محمد هشام راغب

----------------------------------------

عبدالناصر محمود
11-27-2013, 09:22 AM
الليبرالية الجديدة .. القناع الجديد للنفوذ الأمريكي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ

23 / 1 / 1435 هــ
27 / 11 / 2013 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(شيماء نعمان)
ــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3646.jpg


لم تكن يومًا الليبرالية اتجاهًا فكريًا واحدًا بل تعددت اتجاهاتها في صور شتى ما بين الليبرالية الكلاسيكية والاجتماعية إلى الليبرالية المحافظة والليبرالية السياسية الاقتصادية والثقافية وصولاً إلى الليبرالية الأمريكية الحديثة والتي ربما تمثل أهم سمات الوقت المعاصر. وعلى الرغم من أن مصطلح الليبرالية نفسه مصطلح عريض يتسم بالغموض وطالما كان محل جدل واسع بين منظريه إلا أن المبدأ الأساسي الذي يمكن القول بأنه القاسم المشترك بين التيارات الليبرالية الكلاسيكية والحديثة هي فكرة الحرية الفردية والمفتوحة.

والحقيقة أن هذا المبدأ الليبرالي الصميم كان له الأثر الأكبر فيما آلت إليه الليبرالية من غموض وتضارب في الأفكار بعدما حدث نزاع بين الاتجاهات الليبرالية المختلفة في تكييف معنى الحرية التي قصدها كل اتجاه على كافة المستويات.

ولعله من الأهمية بمكان أن نلتفت الى الظروف التي ظهرت فيها الليبرالية من أجل فهم جيد لاتجاهاتها؛ فقد نشأت الليبرالية كرد فعل على تسلط وظلم الكنيسة وكهنتها في عصور أوروبا المظلمة لتصبح هي بركان الفكر الثائر الذي عصف بقلعة القداسة الكنسية وسطوة الإقطاع ثم تطورت بعد ذلك في عصر التنوير في القرن 18 لتتطور فيما بعد بصورة معينة في كل بلد على حدة.

الليبرالية وتضارب المفاهيم

يمكن تعريف الليبرالية على أنها مذهب فكري يرتكز على الحرية الفردية ويعتقد أن الوظيفة الأساسية للدولة هي حماية حريات المواطنين. إلا أن تاريخ هذا الفكر يثبت أن تعريف كالسابق ربما ليس كافيًا لفهم الاتجاهات المختلفة لليبرالية؛ ولننظر- على سبيل المثال- إلى مفهوم الليبرالية الكلاسيكية؛ فهي نوع من الليبرالية تقوم على فكرة الحقوق المطلقة لكل فرد بما فيها حرية التعبير وحرية الأديان. أما الليبرالية الاجتماعية فهي اتجاه آخر يشدد على العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق بين الجميع بصرف النظر عن الجنس أو العرق أو الطبقة الاجتماعية. أما إذا انتقلنا إلى ما يسمى بالليبرالية النفعية فإنها تولي اهتمامًا خاصًا بما اسموه الفعل الأخلاقي أي أن الفعل الذي يوفر أكبر ارتياح لأكبر شريحة من الناس هو دائمًا الفعل الأصح أخلاقيًا حتى وإن لم يكن كذلك! ناهيك عن الليبرالية الأمريكية الجديدة والتي أصبحت الأكثر شعبية خلال القرن الماضي ولا تزال حتى الآن.

مابين الليبرالية الأوروبية والأمريكية

ومن أجل رؤية أعمق لتفسير الاتجاه الليبرالي؛ كان لابد من التمييز بين الليبرالية الأوروبية والليبرالية الأمريكية نظرًا لأهمية كلاهما وكذلك للفروق الجذرية بين المفهومين. فقد كان من السائد التعامل مع المذهب الليبرالي كمذهب غربي فحسب؛ إلا أن الواقع الأوروبي والأمريكي يتعارض مع ذلك المعتقد. ولنبدأ بالليبرالية الأوروبية:

الليبرالية في أوروبا هي حركة سياسية تدعم تقليدا واسعا من الحريات الفردية وحكومة محددة المهام خاضعة للمسائلة دستوريًا وديموقراطيًا.وهذا يتضمن عادة مبدأ مفاده أنه ينبغي على الحكومة أن تعمل على التخفيف من حدة الفقر وغيره من المشكلات الاجتماعية ولكن دون تغييرات راديكالية في الهيكل المجتمعي. أما إذا تطرقنا إلى الليبراليين الأوروبيين فسنقف على حقيقة أنهم منقسمون فيما يتعلق بمسألة مستوى التدخل الرسمي والحكومي في مجال الاقتصاد؛ إلا أنهم بشكل عام يفضلون نوعًا من التدخل المحدود للغاية.

ويرى "هانز سلومب" أن معظم الأحزاب الليبرالية الأوروبية اليوم تلتزم بنهج الليبرالية المحافظة؛ فيما عدا أقلية تتمسك بمباديء الليبرالية الاجتماعية؛ ومن أشهر هذه الأمثلة حزب الليبراليين الديموقراطيين البريطاني.

أما إذا اقتربنا من مصطلح الليبرالية في الولايات المتحدة فسنجد أن الليبرالية الأمريكية هي فلسفة سياسية متشعبة ترتكز على الحقوق الأساسية للفرد في المجتمع. ومع ذلك فإنه منذ حقبة الثلاثينات تقريبًا يشير مصطلح الليبرالية في الولايات المتحدة إلى الليبرالية الأمريكية الحديثة والتي تربط الليبرالية الاجتماعية بدعم العدالة الاجتماعية والاقتصاد المختلط. كما ينافح الليبراليون الأمريكيون عن عدة قضايا يفردون لها اهتمامًا خاصًا مثل حق الإجهاض للمرأة وحقوق الأمريكيين الأفارقة في التصويت الانتخابي وكذلك زواج المثليين.

وسنعرض فيما يلي لعدد من نقاط الاختلاف بين هذين الاتجاهين لليبرالية:

يقول المؤرخ الأمريكي "آرثر شليزنجر" أن: "الليبرالية في الاستعمال الأمريكي لا يربطها الكثير من القواسم المشتركة مع نفس الكلمة المستخدمة في سياسة أي بلد أوروبي؛ ربما فيما عدا بريطانيا". فعادة ما يعني مصطلح الليبرالية في أوروبا ما يطلق عليه في بعض الأحيان الليبرالية الكلاسيكية، والالتزام بحكومة محدودة الصلاحيات واقتصاد عدم التدخل، وهو ما يتوافق بصورة أكبر مع التعريف الأمريكي لـ "الليبرتارية" الذي يفضل البعض تسميته بـ (مذهب مؤيدي مبادئ الحرية). وقد أرجع "لويس هاتز" في كتابه الشهير (التقليد الليبرالي في أمريكا) اختلاف الليبرالية في الولايات المتحدة عن أي بلد آخر في العالم إلى أن أمريكا لم يكن لديها يومًا أرستقراطية موروثة متأصلة ومن ثم فقد تجنبت أسوأ ما في الحرب الطبقية التي اجتاحت أوروبا.

ولعل من أكثر ما جعل تطور خط السير الليبرالي في أمريكا يتباعد عن الاتجاه الأوروبي لليبرالية في أوروبا هو أن الدول الأوروبية تمسكت بسيطرة قوية على النشاط الاقتصادي بعكس الحكومة الأمريكية غير المتدخلة نسبيًا.

وقد ظلت الليبرالية الأمريكية تضع عينها على المجتمع الأمريكي في معظم تواجدها، كما ضم كلا الحزبين الأمريكيين الرئيسيين الجمهوري والديموقراطي شخصيات تحسب على الاتجاه الليبرالي خلال معظم فترات القرن العشرين؛ إلا أنه بحلول نهاية القرن كان الحزب الجمهوري قد اعتنق التيار الاجتماعي وصارت الليبرالية مرادفًا لجناح اليسار في الشأن الاجتماعي والاقتصادي على حد سواء.

ويمكن القول أن السياسيين المعروفين بليبراليتهم كانوا من الناحية الاقتصادية غير ليبراليين بالمعنى الأوروبي للكلمة.

الجدير بالذكر أن هذا المصطلح صار يستخدم حاليًا بشكل أساسي كتعبير عن الازدراء فيما يفضل سياسيو ونشطاء تيار اليسار مصطلح "التقدميين" بدلاً منه.

ولم يكن التطور من نصيب الليبرالية الأمريكية فقط، إلا أن الليبرالية الأوروبية نفسها قد لحقت بعجلة التغييرات، حيث أوضح "ناثانيل ويليامز" أنه مع صعود حركة العمال المدعومة سياسيًا والحركة الاشتراكية، انفصلت الليبرالية الأوروبية بدرجة كبرى عن جناح اليسار. وأصبحت الحرية التجارية كما لو كانت في صراع مع التطلعات الاشتراكية؛ ومن ثم صار الليبراليون ممثلين عن مصالح الطبقة المتوسطة. وقد حقق الحزب الليبرالي في العديد من البلدان نفوذًا كبيرًا في مطلع القرن العشرين.بالرغم من ذلك وجدوا أنفسهم ليسوا إلا في منتصف الطريق بين حزبي العمل والمحافظين اللذين يحظيان باستقطاب متنامي. غير أنه مع سقوط الشيوعية الأوروبية واعتدال قوى العمال؛ فإن الأحزاب الليبرالية اقتصاديًا واجتماعيًا أصبحت تتمتع في الوقت الراهن بنوع من البعث المحدود.

الليبرالية الجديدة

وإذا كنا قد ألقينا الضوء فيما سبق على هيكل الليبرالية الأمريكية، فإنه لابد من الإشارة إلى التطور الجذري الذي لحق بها ليس فقط كنوع من الليبرالية البراجماتية بل كتعديل أساسي في الفكر الليبرالي الأمريكي ليظهر نوع جديد من الليبرالية تسمى بـ "الليبرالية الجديدة" أو كما يسميها "جون مينارد كينز" الليبرالية الاشتراكية. وهي تمثل أحدث أطوار الفكر الليبرالي والتي تبنتها الدول الصناعية الكبرى والمنظمات الدولية كمنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي؛ لتبدأ آثاره في الظهور حتى على الدول التي تعتنق مذاهب اقتصادية مغايرة، حيث لم يعد الاقتصاد السياسي الكلاسيكي هو الصورة الملائمة للقطب الأمريكي الذي يسعى لتبرير التوسع الرأسمالي.

وبشكل أو آخر، يمكن اعتبار الليبرالية الجديدة عودة إلى فلسفة الليبرالية الكلاسيكية وإن كانت تذهب إلى أبعد منها في كون هدفها النهائي هو خلق عالم يسيطر فيه السوق الحر على العمل السياسي. وهو ما أكده باحثون في جامعة أسلو بالنرويج اذ ذهبوا إلى أن الليبرالية الجديدة يمكن اعتبارها الأيديولوجية السائدة التي تشكل عالمنا اليوم وأننا نعيش في عصر الليبرالية الجديدة أو الحديثة أو Neoliberalism .

وينزع دعاة الليبرالية الجديدة إلى القول بأنه يتحتم على الدولة أن تلعب دورًا فاعلاً في الاقتصاد ولا تتبع نظام الحكومة غير المتدخلة بحيث أن يتصاغر دور الافراد .

ومثل تلك الرؤى "المعاصرة" يمكن أن نربطها بمنظري القرن التاسع عشر مثل "بنيامين كونستانت" و"جون ستيوارت ميل"؛ وكذلك بمنظري العصر الحديث أمثال "ويليام بيفريدج" و"جون راؤل" اللذين تحدثا عن أيديولوجيات مماثلة. كما يمكن اعتبار أن الليبرالية الجديدة هي جيل من الليبرالية الأكثر راديكالية؛ وهي تشبه في ذلك ظاهرة "المحافظون الجدد" والذين لا يمثلون إحياء للمذهب "المحافظ التقليدي" بل اتجاهًا جديدًا متفردًا ذي مجموعة من الأفكار السياسية المتصلبة؛ وهو ما يظهر جليًا في الحزب الجمهوري بالولايات المتحدة الأمريكية، بينما عادة ما ترتبط الأيديولوجية الليبرالية الأمريكية المعاصرة بالحزب الديموقراطي؛ الأمر الذي يمثل حاليًا احتدامًا كبيرًا بين دعاة التيار المحافظ والتيار الليبرالي الأمريكي حتى باتت كلمة "ليبرالي" تمثل نوعًا من الاستهزاء أو الازدراء بين السياسيين الأمريكيين.

الليبرالية الأمريكية الجديدة والعالم الإسلامي

الحقيقة التي تطل برأسها في شتى البحوث والكتابات الأمريكية أن بحثا حثيثا يحصل بين المفكرين الأمريكيين لانشاء رؤية ليبرالية جديدة تستطيع التعامل مع مستجدات العالم الجديد بعد فشل واضح للقوانين الليبرالية النظرية في العقدين الأخيرين .

لقد تحدثت دوائر بحثية غربية واسعة عن تراجع كبير في الفكر الليبرالي المزروع في الدول الإسلامية برغم كل هذه الجهود والأموال المنفقة لنشره , ويبدو أن الفكر الليبرالي الجديد التي تحاول أمريكا تصديره الآن هو فكر التدخل بالقوة سواء من الحكومات التابعة لها في بلاد الإسلام أو من مراكز القوى المختلفة .

إذن فنحن باختصار أمام نوع من الليبرالية جديد يستند على شتى مبادئها القديمة مضافا لها استخدام لاستراتيجية القوة في تنفيذ المبادىء الليبرالية التي اصطدمت مع قيم المجتمع الإسلامي ومبادئه ... فهل تنجح النسخة الجديدة من الليبرالية فيما فشلت فيه سابقتها ؟!

------------------------------------------
{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
11-28-2013, 08:24 AM
العلمانية في مصر
ــــــــــــــــــــــــــ

24 / 1 / 1435 هــ
28 / 11 / 2013 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(د. محمد هشام راغب)
---------------

توفيق الحكيم .. صانع الأقنعة

- رأى توفيق الحكيم في طفولته الأسياد والعبيد .. ومع ذلك اختار أن يكون من العبيد الجنتلمان !

- العلامة محمود شاكر انتبه لخطورة "القاهرة الجديدة" التي أريد للمثقفين فيها أن يتبختروا في شوارعها خدما فارهين للسادة الأحرار الأوروبيين أبناء " الحرية والإخاء والمساواة".


... ولقد ذكر توفيق الحكيم لمحات من نشأته في مصر تعكس كراهية مفترضة لظلم الغرب وإذلاله للشعوب التي استعمرها، ولكنها تعكس أيضا بذور النشأة العلمانية. إن العبارات التي وصف بها تلك النشأة تتفق تماما مع نشأته لأب قاض وأم متفاخرة لأنها من أصل تركي وكانت تقيم العوائق بين توفيق الحكيم وأهله من الفلاحين فكانت تعزله عنهم وعن أترابه من الأطفال وتمنعهم من الوصول إليه، ولعل ذلك ما جعله يستدير إلى عالمه العقلي الداخلي (كما جاء في دراسة د. إسماعيل أدهم ود.إبراهيم ناجي عن توفيق الحكيم، والتي وافق الحكيم على نشرها). يقول الحكيم على لسان بطل روايته (نفسه):" نُشِّئ محسن على الكراهية.. كراهية الإنجليز.. أنه لن ينسى قط صورة أبيه الشاحبة حين دخل البيت – ذات مساء- مضطرباً، متأثراً...كان محسن يسمع المستشار من فتحة الباب يخاطب زوجه، ويقول : إما التخلي عن الوظيفة.. وإما التخلي عن ضميري كقاض.. إن أكل العيش أصبح مهدداً..كانت أم محسن عملية، متيقظة، فأحست بانتفاضة.. كانت طبيعتها متغيرة، متناقضة.. فهي شجاعة، ومع ذلك تراها خائفة.. وهي رحيمة وقاسية.. قوية وضعيفة.. وهي تحب العظمة إلى أبعد الحدود، ولكن العظمة التي لا تكلف صاحبها شيئاً كثيراً، والتي لا تتطلب التضحية، ولا التي تهدد الحياة، ولا حتى الأرزاق..


كانت تفهم معنى الكلمات الرنانة مثل: الضمير – الحكمة – الشجاعة...وحالما علمت أن ضمير زوجها القاضي، كان ألعوبة، لم تتردد في أن ترتفع بأفكارها .. ناسية في هذه اللحظة ما يترتب على فقدان المركز، فأعلنت رأيها لزوجها قائلة: إن ضمير القاضي وشرفه قبل كل شيء...لقد كانت تعلم كل ما يدور حول هذا الموضوع... والناس يتكلمون عن قضية في الاستئناف... والهمس يدور في كل مكان.. "إن القضية مؤامرة من مؤامرات الإنجليز" ضد مدير أحد أقاليم الدلتا الذي اتهموه بالكبرياء...وكان المدير ابناً لإحدى الأسر الغنية في الوجه القبلي، تلقى علومه في "أكسفورد"، وعاش مدة كبيرة في إنجلترا، وكان يحبها مثل ما يحب بلاده، بل كان يحب كل ما هو إنجليزي..


وجاء إلى بلده، فكان يرسل ملابسه مرتين في الشهر إلى إنجلترا لغسلها وكيّها... ثم عين يوماً مديراً لإحدى محافظات الوجه البحري.وهناك اكتشف لأول مرة وجه الانجليزي الحقيقي..لم يكن ذلك الجنتلمان الذي عرفه في إنجلترا "رجلاً محبوباً وشريفاً". لقد أصبح كائناً آخر، ذا خلق يتعارض مع مثيله الإنجليزي في بلاده.. إنه الحاكم الذي يفرض سلطانه، ويصدر أوامره على أكبر الشخصيات المصرية... إنه لأمر عادي أن يستقبل المدير – وهو موظف كبير- أي موظف إنجليزي صغير يمر بالمحافظة... وكان هذا المدير – صديق الإنجليز- غير جاهل هذا التقليد المهين، ولكن الشيء الذي كان يجهله أن ذاك الإنجليزي المحتل لا يقر صداقته للمصري... إن قاموسه لا يحوي غير كلمتي "سيد وعبد"...إن المدير، كان قد قرر الاستقالة، ولما علم الإنجليز بذلك لفقوا له تهمة.. فاتهموه ظلماً بأنه عذب بعض المتهمين في قضية للحصول على اعترافات منهم، وهذا عمل غير مشروع في قوانين الإنسانية، والقوانين المدنية!!...لقد كانت عمليات ظاهرها الرحمة، وباطنها الانتقام من شخص أرادوا إذلاله.. فباسم الإنسانية يهاجمون أعداءهم ويحاكمونهم... هذه كانت طريقة الإنجليز التي يتقنونها...".


وقد لاحظت أن توفيق الحكيم في أول معايشة له مع الغرب، أدرك الانحطاط الأخلاقي الذي يعيشونه، وعبر عنه وقتها في "عصفور من الشرق" أيضا في عدة مناسبات يجمع بينها تكرار وصفه للغربيين بأنهم عبيد في منظومة حضارتهم، وهذه أمثلة لتلك الأوصاف:
• الوقت عسير يا عزيزتي، والمصانع لا تريد أن تمنح أمثالنا القوت ، لأن لديها حاجتها من العمال.. من أولئك العمال المساكين الذين تسخرهم طول اليوم من أجل لقمة كالعبيد!..

• يا لها من وحشية!.. إن هذا لم يعد يسمى عملاً، إنما هو الاسترقاق... الرق لم يذهب من الوجود... لقد اتخذ شكلاً آخر يناسب القرن العشرين... ها هي ذي جيوش من العبيد يسخرها أفراد معدودون من السادة الرأسماليين!..

• لم يعد هنالك بيت واأسفاه! ولم تعد هنالك أسرة... الرجل والمرأة في المصنع طوال النهار!.. يا له من زمن عجيب!...

• قلت لكم هذا عصر العبيد قد عاد من جديد!..

• وانتبه محسن لهذه العبارة، فلمعت عيناه ببريق غريب، ثم لم يلبث أن استأذن من الحاضرين في الصعود إلى حجرته، فأذنوا له باسمين، فصعد وجلس إلى مكتبه في الظلام، وهو يهمس: نعم، لن يذهب الرق من الوجود.. لكل عصر رقه وعبيده!...


كانت ذكريات الحكيم عن نشأته كفيلة وحدها بأن ترده عن عشقه الأعمى لباريس وأهلها، كان يكفيه أن يتذكر ما كتبه عن ذلك المدير الضحية (وهناك اكتشف لأول مرة وجه الانجليزي الحقيقي..)، كما كانت انطباعاته الأولى في زهرة شبابه قوية وواضحة، لكنه لسبب غامض لم يفعل. إن أي محاولة لتفسير هذا التناقض الشديد لابد أن تقودنا إلى احتمالات ثلاثة:- إما أن الرجل كان يعبث بعقولنا فيعرض الآراء المتناقضة والمفاهيم المتضاربة وهو منعزل عنها لا يؤمن بأي منها .. وهذا بعيد.- أو أنه كان يخفي بهذه الأفكار عشقه الحقيقي للغرب ويبعد بهذه التقريرات التهمة عن نفسه ويحجب بتلك الهجمات المفتعلة القبلة التي يمم وجهه شطرها .. قِبلة الغرب، وهذا أقرب. - أو أنه قدر صعوبة – أو استحالة – ان يساهم في تحويل بلاده ونهضتها، فاختار أن يبقى من العبيد الجنتلمان الهائمين في أودية أوروبا.


وعودة إلى الحملة الفرنسية التي أثارت هذه الأفكار، وتأمل معي وقارن موقف الحكيم بموقف العلامة الأديب محمود محمد شاكر الذي يقول معلقا وملخصا رؤيته للحملة الفرنسية، فيقول:
"إن هجمة نابليون على مصر هي من أجل إجهاض ما كان يمكن أن يكون من نهضة لهذه الأمة .. وئدت اليقظة أو كادت، وخربت ديارها أو كادت، واستؤصلت شأفة أبنائها أو كادت، واقتطعت أسبابها بالسطو أو كادت،

والحمد لله على نعماء (الحملة الفرنسية) التي كان سفاحها نابليون ( المتحضر) ينوي أن ينشىء لبقايا السيف والتدبير من أبناء القاهرة العتيقة المهدمة (قاهرة جديدة) يستمتعون فيها بجمالها وفنونها، ومسارحها وملاهيها، وقصورها ومتنزهاتها، ويتبخترون في شوارعها خدما فارهين للسادة الأحرار أبناء " الحرية والإخاء والمساواة".


يتبع ...

د. محمد هشام راغب

----------------------------------

عبدالناصر محمود
12-03-2013, 08:58 AM
العلمانية في مصر
ـــــــــــــــــــــــــ

29 / 1 / 1435 هــ
3 / 12 / 2013 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(د. محمد هشام راغب)
-----------------


توفيق الحكيم .. صانع الأقنعة



بدأ الحكيم مقاله المشئوم عن "حياد مصر" بقوله:

" لن تعرف مصر لها راحة، ولن يتم لها استقرار . ولن يشبع فيها جائع الا عن طريق واحد: يكفل لها بذل مالها لإطعام الجائعين والمحتاجين ، وتكريس جهدها للتقدم بالمتخلفين، وتوجيه عنايتها الى الارتقاء بالروح والعقل فى مناخ الحرية والأمن والطمأنينة.. وهذا لن يكون أبدا مادامت الأموال والجهود تضيع بعيدا عن مطالب الشعب، بدافع من مشكلات خارجية ودولية تغذيها الأطماع الداخلية والشخصية .. ما هو الطريق إذن الى واحة الراحة والاستقرار وطعام المعدة والروح والعقل ؟ ..ان هذه الواحة المورقة المزدهرة اسمها " الحياد ".

نعم ... إن مستقبل مصر الحقيقى هو في حياد مثل حياد سويسرا والنمسا .. هذا الحياد الذي أنقذهما من المنازعات والتيارات التي ألقت بكثير من الدول في خضم بحار مضطربة من السياسات المتعارضة .. وقد اعترف العالم لسويسرا والنمسا بهذا الحياد، مع أن مبررات حيادهما أقل فائدة بكثير للعالم من حياد مصر".

وأنهى الحكيم مقاله بهذه العبارة الركيكة:

" فرأيي الذى أومن به وسأظل أدعو اليه، هو هذا الحياد لمصر .. هذا الحياد الضرورى لها والمفيد لأشقائها العرب .. حياد مصر الذى يجعل منها الصدر الحنون للجميع .. فلا تشعر مصر أنها فى حالة رهن دائم، وأن مصيرها ومستقبلها وكيانها مرهون فى "بنك رهونات" النزاعات والمشكلات التى تعرقل جهودها فى إطعام شعبها وفى التقدم النافع لها ولأشقائها .. إنى أعرف الصعوبات القائمة فى هذا الطريق .. فمن الأفراد والجماعات والدول من يريد زج مصر فى المعترك، ليستخدمها لمنفعته أو لمصلحة طرف ضد طرف .. ولكن المخلص الحقيقى لمصر .. والناظر النزيه بعين الفائدة إلى منطقتنا وإلى الإنسانية سيرى الحق كله فى هذا الرأي .. وإني أعرضه اليوم لينظر فيه الشرفاء المخلصون فى كل مكان .. ولن أكف عن العمل من أجله، وسأكون مع كل فرد أو حزب أو هيئة تجعله من شأنها واهتمامها وبرنامجها ..".



وفي الحقيقة إن هذه الرؤية لم تكن جديدة على توفيق الحكيم، بل عبر عنها بوضوح وقناعة أشد قبل ذلك بأربعين عاما، فقد كتب رسالة إلى الدكتور طه حسين في مجلة الرسالة بدأها بفوله:

"يا دكتور

يعنيك طبعاً أن تعلم كيف يرى الجيل الجديد عملك وعمل أصحابك، إن رسالتي إليك ليست حكماً يصدره الجيل الجديد، إنما هي تفسير لذلك العمل، لك أن تقره ولك أن تنكره. لا ريب إن العقلية المصرية قد تغيرت اليوم تحت عصاك *****ية، كيف تغيرت؟ هذا هو موضوع الكلام، إن شئون الفكر في مصر حتى قبل ظهور جيلك كانت قاصرة على المحاكاة والتقليد، محاكاة التفكير العربي وتقليده، كنا في شبه إغماء، لا شعور لنا بالذات، لا نرى أنفسنا ولكن نرى العرب الغابرين، لا نحس بوجودنا ولكن نحس بوجودهم هم..".



ثم مضى في رسالته الطويلة وقال في ثناياها:

" ومن المستحيل أن نرى في الحضارة العربية كلها أي ميل لشؤون الروح والفكر بالمعنى الذي تفهمه مصر والهند من كلمتي الروح والفكر. إن العرب أمة عجيبة، تحقق حلمها في هذه الحياة، فتتشبث به تشبث المحروم، وأبت إلا أن تروي ظمأها من الحياة وأن تعب من لذتها عباً قبل أن يزول الحلم وتعود إلى شقاوة الصحراء، وقد كان. إن موضع الحضارة العربية من (سانفونية) البشر كموضع الـ (سكِيْرتزو) من سانفونية بيتهوفن: نغم سريع مفرح لذيذ!!

لا ريب عندي أن مصر والعرب طرفا نقيض: مصر هي الروح، هي السكون، هي الاستقرار، هي البناء، والعرب هي المادة، هي السرعة، هي الظعن، هي الزخرف!" اهـ.

إن هذه المقتطفات القصيرة هي جزء من رسالة طويلة كلها تدندن حول هذا المعنى وحول ضرورة إبعاد العقلية المصرية عن فكر العرب وتراثهم وحضارتهم. إن نفرة توفيق الحكيم – أو قل احتقاره – للحضارة العربية لا يحتاج لدليل أوضح من كلماته السابقة، ونحن نعلم أن الحضارة العربية هي في حقيقتها الحضارة الإسلامية لا غير. والرجل يراها حضارة جائعة للمادة محرومة لشئون الروح وهي مفارقة عجيبة أن يصف "مفكر" الحضارة الإسلامية بهذا الوصف الجائر. من الصعب معرفة السبب في "إخفاء" توفيق الحكيم لمعتقده هذا كل تلك السنوات، إلا أن يكون المناخ السياسي في مصر قد حال دون ذلك، ثم واتته الفرصة بعد توقيع السادات معاهدة كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني، وقطيعة العرب لمصر بعدها، فرآها الحكيم فرصة لإحياء فكرته القديمة التي ألح بها على الدكتور طه حسين قبل أربعين عاما.



وقد انضم اليه في ذلك الجنون من النخبة "المستنيرة"، كتيبة من "الفراعين الجدد" مثل:حسين فوزى ولويس عوض ووحيد رأفت يؤكدون ما قاله ، ويتحدثون عن الغزو العربى الإسلامى لمصر ، وعن مصر الفرعونية وحضارة 5000 سنة ..الخ. لقد حاول الحكيم وفرقته العلمانية تمرير هذا الفكر المنحرف ضد عروبة مصر من منظور علماني، فقط لاقتران التعريب بالإسلام والفتح الاسلامى. ولقد تداول كثير من الأدباء حينئذ مقولات بأن توفيق الخكيم حاول أن يقدم قرابين تقربه للترشح لجائزة نوبل قبل موته بهذه الأفكار السياسية الرامية لتغيير هوية مصر.

لقد بدا وقتها أن انحدار الرجل ما له من قرار، لكنه لم يتوقف عند هذا وأبى إلا أن يختم حياته بما هو أفظع، فنشر أربعة مقالات في الأهرام بعنوان "حديث مع وإلى الله" فيها من التجديف والتخليط والانحرافات العقدية وعدم تقدير الله تعالى حق قدره.



يتبع ...

د. محمد هشام راغب

---------------------------

عبدالناصر محمود
12-11-2013, 08:41 AM
العلمانية في مصر
ــــــــــــــــــــــــ
8 / 2 / 1435 هــ
11 / 12 / 2013 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(د. محمد هشام راغب)
-----------------

سلامة موسى: عدو نفسه وعدو الحق
-----------------------


في 28 إبريل عام 2010 نشرت جريدة الأهرام مقالا للدكتور سعيد اللاوندي يناشد فيه مكتبة الأسرة (ورئيستها وقتئذ سوزان مبارك) إعادة نشر السيرة الذاتية لسلامة موسى احتفاء بقامة من قامات مصر الشامخات وإحياء لمعارك سلامة موسى مع الجامدين وانصار القديم والكارهين ـ بالضرورة ـ للآفاق الجديدة في الفكر والحياة، وقد قدم المناشدة بقوله " لقد ملأ هذا الكتاب الدنيا وشغل الناس في زمانه فلا يوجد كاتب أو مشتغل بالأدب والثقافة في القرن العشرين إلا وقرأه وعلق عليه واعتبره بوابته نحو الفكر وعشق الحياة الجديدة‏".



تأملت تلك المناشدة بحزن بالغ وألم شديد وسألت نفسي: من وراء هذه الفكرة الشيطانية الذي يريد نفخ الروح من جديد في فكر متطرف عدو لكل ما هو إسلامي؟. كانت مصر في ذلك الوقت تعيث فيها قوى الفساد، فالأفق السياسي مسدود تماما، الحكومة وقد أوقفت رقابة القضاء على الانتخابات العامة الوشيكة تعد عدتها وتعلن صراحة بأن الإخوان المسلمين لن يكرروا نجاحهم السابق في انتخابات 2005، وكان بعض رموز البرامج الحوارية (التوك شو) يجاهرون بأن نواب الإخوان يمضون وقتها شهورهم الأخيرة في البرلمان الذي لن يرونه بعد ذلك. كان الأزهر وشيخه يشنون حملة إعلامية على النقاب ويصدرون فتاوى، تبعتها قرارات إدارية بمنع أي طالبة منتقبة من حضور امتحانات آخر العام الوشيكة.

كانت دول حوض النيل قد وقعت اتفاقية لموارد مياه النيل في غياب مصر، وقد كتب بعض الأمريكيين وقتها يتساءل: لماذا لا تسعى مصر لتحلية مياه البحر وتنهي المشاكل العالقة ؟!، وكل هذا وسط صمت حكومي مريب. كانت غزة غارقة في الظلام وإسرائيل تضغط لإذلال الفلسطينيين، ومصر تمنع بعض القوافل الغربية من إدخال المساعدات الطبية برا عن طريق العريش. كانت الصورة قاتمة جدا ومحبطة للغاية، فإذا بأصوات تطالب بإحياء تراث مظلم حاقد على هوية مصر وأهلها، وتروج له.



والعجيب أنه تمت الاستجابة لهذه الدعوة، واستغرق الأمر وقتا فصدر كتاب "تربية سلامة موسى" في آخر أغسطس 2012 بعد الثورة وبعد الانتخابات وبعد أن اصبح د. محمد مرسي رئيسا لمصر. اصدرت الهيئة العامة للكتاب تلك السيرة الذاتية ضمن إصدارات مكتبة الأسرة. ثمة دوائر ثقافية خبيثة كانت تعمل بنشاط محموم لتقويض الثورة المصرية، وتتبوأ منابر وآليات ثقافية وفكرية وتعمل وكأن ثورة لم تحدث. لا أعرف هوية تلك الخلايا الثقافية النائمة التي تسعى سعيًا حثيثا للتحكم في العقل المصري وإعادة أسره لمنظومة النظام البائد.

سلامة موسى (1887 – 1958) كان من أخطر وأخبث النخب الثقافية التي حاولت هدم هوية مصر العربية الإسلامية، وجاهر بذلك عبر نشاط كثيف في الكتابة والنشر امتد لقرابة الخمسين عاما بدءا بكتابه (مقدمة السوبرمان) عام 1910 وحتى قبيل وفاته. ولم يكتب سلامة موسى مقالا ولا كتابا ولا تعليقا ولا دراسة، إلا وقد ركز فيها على أربعة قضايا رئيسية:

أولا: الإلحاد وإنكار الأديان السماوية

ثانيا: التوجه للغرب قلبا وقالبا

ثالثا: الدعوة إلى القطيعة المعرفية الكاملة مع التراث العربي والحضارة الإسلامية

رابعا: المرأة



سنتناول بعض آثاره المدمرة في هذه القضايا الأربع بشيئ من التفصيل لتتكشف لنا بعض ملامح الشبكة التي تسعى لتشويه ومسخ الهوية المصرية.



يتبع ...

د. محمد هشام راغب

--------------------------------------

عبدالناصر محمود
12-14-2013, 05:49 PM
الليبراليون يتداوون بـ"قنديل أم هاشم"!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
11 أغسطس 2011م

كتبه/ غريب أبو الحسن
--------------

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد دأب العلمانيون على اصطناع معركة وهمية بيْن الإسلام وبين العلم، مستحضرين معركة حقيقية دارت بيْن "الكنيسة والعلم" راح ضحيتها العديد مِن العلماء حرقـًا، أو تحت حد المقصلة؛ لا لشيء إلا أن أحدهم قد يكون قال: "إن الأرض كروية"!
يقوم العلمانيون بافتعال هذه المعركة بين "الإسلام والعلم"؛ ولأنهم لو فتشوا في التاريخ الإسلامي لن يظفروا بحرق عالِم، ولا بحز رقبته -كما في تاريخ الكنيسة-، بل سيجدوا كل الدعم والاهتمام مِن الدولة الإسلامية بعلمائها في شتى أنواع المعرفة؛ فلهذا السبب حرص العلمانيون على اختصار المشهد الإسلامي الواسع وحصره في "الصوفية"، بل وحصره في "شطحات الصوفية"!
ومِن هذه القصص والمعارك المفتعلة.. تلك القصة الشهيرة: "قنديل أم هاشم" التي كتبها "يحيى حقي"، وملخصها كما في "ويكيبيديا": "إسماعيل طالب، يعيش في حي "السيدة زينب" مع أمه وأبيه، ثم يسافر لاستكمال دراسة الطب في إنجلترا، حيث يحتك بالحضارة الأوروبية وهناك يتعرف على فتاة إنجليزية تعلمه كيف تكون الحياة؟ ثم يعود إسماعيل.. ويعمل طبيبًا للعيون، ويفتح عيادة في نفس الحي -السيدة زينب-، ويكتشف أن سبب زيادة مدة المرض عند مرضاه هو استخدامهم قطرات من "زيت قنديل المسجد"، وعندما يكتشف أيضًا أن خطيبته تعالج بنفس الأسلوب يحطم قنديل المسجد، وينفض عنه مرضاه وأهله؛ لاعتقادهم أنه يهاجم ويتحدى معتقداتهم الدينية".
هكذا كانت خطة العلمانيين؛ لتنفير الناس مِن الإسلام.
إيهام الناس أن "الإسلام هو الصوفية"، ثم التركيز على "خرافات الصوفية"، وما بها من دجل وشعوذة، وتكون المحصلة النهائية: "أن الإسلام يعادي العلم"!
ولكن يدور الزمان دورته، وتقع مصر تحت حكم "جبري دكتاتوري" يسعي لوأد الكفاءات، وقتل الطاقات، فإما أن تدور في فلكه مسبحًا بحمده؛ وإلا كان نصيبك الإقصاء والإبعاد والاضطهاد.
وابتلي الناس جميعًا -علمانيون، وإسلاميون-؛ فاختار العلمانيون رغد العيش في كنف النظام وتولوا أرفع المناصب في نظام يصفونه بالدكتاتورية، بل كانوا سدنة النظام، وحماته المخلصون!
اختار العلمانيون "قاعات المؤتمرات المكيفة"، و"فنادق الخمس نجوم".. الأمر الذي جعل "وزير الثقافة السابق" يتباهي أنه أدخل جميع المثقفين الحظيرة!
اختاروا هذا المسلك على حساب منهجهم الذي ينتحلونه؛ فانفصلوا عن الناس، وانفصل الناس عنهم، وانعزلوا عن الناس، وانعزل الناس عنهم.
واختار "الإسلاميون" الثبات على منهجهم، ودفعوا ثمن ذلك غاليًا مِن حريتهم وأمنهم.. اختار "الإسلاميون" الثبات على منهجهم، ودعوة الناس إليه دون وعد بثواب دنيوي، بل الوعد بالثواب الأخروي، أما في الدنيا فكان معلومًا أن كل مَن يلتزم ذلك المنهج يلاقي شتى أنواع الاضطهاد.
اختار "الإسلاميون" البقاء وسط الناس يعانون مما يعاني منه الناس، بل اختاروا مع معاناتهم أن يخففوا عن الناس معاناتهم!
قام "الإسلاميون" بما يستطيعون من فروض الكفايات مِن جمع الصدقات وتوزيعها على الفقراء، وتعليم جاهلهم، وفض المنازعات، والسعي في الصلح بينهم.
أما "الليبراليون" فلما تغيرت ظروف البلاد بعض الشيء، تحول جزء منهم إلى "معارضة ظلت معارضة تدور في فلك النظام"، ومِن خلال الفنادق، ووسائل الإعلام.
ثم جاءت "ثورة يناير"؛ التي كشفت الغطاء عن الجميع، ووضعت الجميع أمام مرآة يرى فيها نفسه، ويراه كذلك الآخرين.
رحل "النظام".. وترك أيتامه حائرون.. ينظرون للمستقبل بعين الوجل والقلق.
لن نتحدث عن تحول الكثير من العلمانيين إلى ثوار، وكانوا بالأمس القريب حربًا على هؤلاء الثوار!
ولن نتحدث عن تعجب العلمانيين من أين أتى السلفيون؟! فلو كانوا يعرفون الشعب المصري حق المعرفة لم تكن أعينهم لتخطئ السلفيين؛ فيصدر هذا السؤال الساذج: "من أين خرج السلفيون"؟!
لن نتحدث عن رفع شعار: "دماء الشهداء"؛ لحشد الناس، ثم تحويل هذا الشعار: "للدستور أولاً"، ثم لمجلس رئاسي مدني، ثم اعتصام؛ لابتزاز الحكومة، والمجلس العسكري!
ولكن جاء رد فعل "الليبراليين" على "مليونية الإسلاميين" غاية في العجب والطرافة! كان وقع "المليونية المهيبة" على العلمانيين صادمًا جدًا، ومزعجًا جدًا..
ومرة أخري يتنكر العلمانيون لمنهجهم، ولكن هذه المرة بصورة أكثر فجاجة.. فقد طالعتنا وسائل الإعلام عن "مليونية" يتحد فيها "الليبراليون مع الصوفيين"؛ للرد على "الإسلاميين"!
أدرك "الليبراليون" أنهم غير قادرين على حشد الناس؛ لأن الناس لا تعرفهم إلا مِن خلال "البوق الإعلامي" الذي كان "يُسبح بحمد النظام السابق صباح مساء".. ثم هو هو وبنفس الأشخاص "الآن يلعن النظام السابق صباح مساء"!
راح العلمانيون يتسولون المَدد مِن الصوفية.. يتسولون المدد من جوار "قنديل أم هاشم"! فلا أدري: هل اقتنع "إسماعيل" أن "زيت قنديل أم هاشم" دواء ناجع، ثم عمد إلى شهادة الدكتوراه؛ فمزقها بعد أن ثبت عدم جدواها؟!
أم أن العلم الحديث أثبت أن "زيت قنديل أم هاشم" شفاء مِن كل داء؟!
معاشر المحترمين.. إن ما حدث سقطة مدوية.. "للمنهج الليبرالي"!
-----------------------------------------

عبدالناصر محمود
12-17-2013, 08:54 AM
العلمانية في مصر
ــــــــــــــــــــــــــ

14 / 2 / 1435 هــ
17 / 12 / 2013 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(د. محمد هشام راغب)
---------------

سلامة موسى: عدو نفسه وعدو الحق

ومع كل هجوم سلامة موسى على اللغة العربية وكراهيته لها، إلا انه حاول جاهدا أن يتم ضمه لمجمع اللغة العربية!. ولا نستطيع أن نفسر هذا التناقض إلا بأمرين:- إما أنه أراد أن يكيد للغة العربية من داخل المؤسسة الأهم في الحفاظ عليها- أو أراد أي شرف ومكانة ومنصب ولو كانت ضد مبادئه التي يعلنها، وهذا داب كثير من العلمانيين.


وقد كتب الأستاذ عباس خضر وقتها تعليقا طريفا على ذلك الطلب الغريب فقال:"مجمع سلامة موسى للغة العامية:في مجمع فؤاد الأول للغة العربية الآن، كرسيان خلوا بوفاة الدكتور محمد شرف بك والمستشرق الألماني الدكتور فيشر، وقد فتح باب الترشيح لهما، فتقدم عضوان من أعضاء المجمع، هما سعادة عبد الحميد بدوي باشا والدكتور إبراهيم بيومي مدكور، بترشيح سعادة واصف غالي باشا ليملأ أحد ذينك الكرسيين. وحدث قبل ذلك أن كتب الأستاذ سلامة موسى إلى بعض أعضاء المجمع يطلب ترشيحه للعضوية، ويقول إن سعادة واصف غالي باشا يزكيه.وتدل تلك الرسالة التي كتبها الأستاذ سلامة إلى عدد من أعضاء المجمع، على أنه غير واقف على حقيقة ما يتبع في انتخاب الأعضاء، فإن تزكية أحد من غير الأعضاء ليست سبباً إلى الترشيح للعضوية، وإنما يجب أن يرشحه عضوان ويقدما مسوغات الترشيح من إنتاج المرشح ومؤلفاته.ولنفرض أن اثنين من الأعضاء أرادا أن يرشحا الأستاذ سلامة موسى، فماذا عساهما أن يقدما للمجمع من مسوغات هذا الترشيح؟ إنهما لابد يقعان في حرج شديد بالغ الشدة ما كان أغناهما عن أن يتورطا فيه، فالأستاذ سلامة دائب - منذ أمسك القلم - على مهاجمة اللغة العربية والأدب العربي والثقافة العربية على العموم، والمجمع مهمته الأولى المحافظة على سلامة اللغة العربية، وهو يعمل على تنمية الثقافة العربية، ويشجع الباحثين في الأدب العربي، بل إن هذا الأدب الذي لا يعجب الأستاذ سلامة هو معين اللغة التي يتسمى المجمع باسمها ويقوم عليها.ماذا يقدم العضوان اللذان يجازفان بترشيح الأستاذ سلامة؟ هذا كتاب يأخذ عنوانه النظر لقربه من موضوع الترشيح، وهو (البلاغة العصرية واللغة العربية) وهو كسائر مؤلفات الأستاذ سلامة يحتوي (أفكاراً حرة) مما يقذف به هذا (المفكر الحر) كما يقول الذين يشيعون عنه هذه الشائعة.يهجم الأستاذ سلامة في كتابه هذا على اللغة العربية ويعيب أدبها ويدعو إلى اللغة العامية، ويعتز بها ويريد أن يؤلف بها عن غير خالد بن الوليد وحسان بن ثابت، لأن الكتابة عنهما وعن أمثالهما - في رأي المفكر الحر المزعوم - من أسباب تأخرنا!... لا يا شيخ!


ويقول بعد قليل من تلك الفقرات إن ارتباط اللغة بالتقاليد والعقائد هو سبب التبلد والجمود في اللغة، وإن الدعوة إلى غير ذلك هي إحدى الغايات التي قصدها من تأليف الكتاب، وهو يدعو في مواضع مختلفة من الكتاب مرة إلى دفن اللغة العربية، ومرة إلى إلغاء الإعراب والمترادفات فيها، ومرة يرى أننا بحاجة إلى لغة المجتمع لا إلى لغة القرآن، ويقرن ذلك أحياناً بحرية المرأة والتقدم الصناعي! إلى آخر ذلك الخلط العجيب الذي يتفنن به من يشيعون عن الأستاذ سلامة أنه مفكر حر. وتلك عينه من أفكاره الحرة!نرجع إلى مجمع اللغة العربية وترشيح الأستاذ سلامة موسى لعضويته، لنتساءل: هل تتفق تلك الأفكار الحرة وهذه العضوية؟ أنا لا أنكر على الأستاذ سلامة أن يكون عضواً في مجمع، ولكن أي مجمع؟ هو بلا شك مجمع للغة العامية، بل أنا أرشحه لرياسة هذا المجمع العامي، وهذه مسوغاته. وليس هذا فقط فالرجل جدير بالتخليد، ولذلك يجب أن يسمى المجمع باسمه فيقال (مجمع سلامة موسى للغة العامية).


بعد الاقتباس الذي تقدم من ضيق سلامة موسى لعدم استيعاب اللغة العربية لاختلاط الرجال بالنساء على الشواطئ، بعد هذا لا يحتاج الأمر كثيرا لتبين فكرة الرجل عن المرأة، ولكن لنزيد الأمر وضوحا نعرض هنا لبعض آرائه التفصيلية بحججها الواهية، وأفكاره التي استهدفت تدمير كيان الأسرة المصرية من جذوره.

يتبع ...

د. محمد هشام راغب

-----------------------------------

عبدالناصر محمود
12-26-2013, 01:04 PM
العلمانية في مصر
ــــــــــــــــــــــــ

23 / 2 / 1435 هــ
26 / 12 / 2013 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(د. محمد هشام راغب)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سلامة موسى: عدو نفسه وعدو الحق

شن سلامة موسى حربا شعواء على حجاب المرأة المصرية، وعفافها وارتباطها بأسرتها، ولم يترك مناسبة، ولا مقالا، ولا كتابا إلا وجعل المرأة محورا مهما فيه. وحين تقرأ الآن كلامه بعد أكثر من ثمانين سنة من كتابته، سترى أن سموم هذا الرجل قد سرت في عقول "النخبة" المثقفة، وسيطرت على أعمال أكثر الأدباء والفنانين.
بعد الاقتباس الذي تقدم من ضيق سلامة موسى لعدم استيعاب اللغة العربية لاختلاط الرجال بالنساء على الشواطئ، بعد هذا لا يحتاج الأمر كثيرا لنبين فكرة الرجل عن المرأة، ولكن لنزيد الأمر وضوحا نعرض هنا لبعض آرائه التفصيلية بحججها الواهية. يبدأ سلامة موسى بالأمور الشكلية الظاهرية فيقول "ثم انظر إلى ما ورثنا من المجتمع العربي القديم بشأن المرأة فقد ألغى هذا المجتمع المرأة من الحياة الاجتماعية إلغاء يكاد يكون تاماً، أما نحن فقد رددنا الاعتبار للمرأة المصرية؛ ولكن ما زلنا نستعمل الكلمات القديمة فنقول (أم فلان) أو (حرم فلان) ولا نذكر الاسم، مع أن الاسم جزء من الشخصية وإهماله هو سبة للمرأة.. وإهمالنا لاسم المرأة هو تراث لغوي قديم يحمل إلينا عقيدة اجتماعية يجب أن نكافحها". وكلام سلامة موسى ليس له نصيب من الصحة، فالإسلام كرم المرأة ورفع من شأنها ومنحها كامل حقوقها غير منقوصة، وجعل لها ذمة مالية مستقلة، ولها حق اختيار زوجها وحق طلب تطليقها منه، وحقها في التعليم وجعل على زوجها نفقة الأسرة كلها حتى لو كانت زوجته غنية، بينما فرنسا إلى زمن قريب كانت تعتبر المرأة ناقصة الأهلية، وتمنح لزوجها حق التصرف في مالها ولا تستطيع المرأة التقاضي إلا بإذن زوجها، وكانت أوروبا وقت ظهور الإسلام تتجادل في حقيقة المرأة أإنسان هي أم شيطان. وأما حكاية الاسم وقولهم (أم فلان) فلا شيء فيه بل هو تكريم لها واعتراف بفضلها في رسالتها العظيمة في تنشئة الأولاد. ثم إن الكنية عرف يشمل الرجال والنساء جميعا، فنقول (ابو فلان) ولا يمنع هذا من التسمية بدون الكنية، وفي الأحاديث النبوية تنادى أمهات المؤمنين بأسمائهن كثيرا، ففيها (قالت عائشة، وقالت حفص بنت عمر وزينب بنت جحش...). وبالإضافة لذلك فإن الغرب الذي يعشقه سلامة موسى يُفقد المرأة اسمها تماما بعد الزواج وتعطى اسم زوجها، فيقولوا مسز فلان أو مدام فلان. لكنه الغلو والضغينة التي جعلته يتحامل في أي شيء.


ولسلامة موسى كتاب جمع فيه آراءه في قضية تحرير المراة بعنوان (المرأة ليست لعبة الرجل)، ودعونا نأخذ أمثلة نناقشها:أول ما يلفت النظر في مقدمة الكتاب أن سلامة موسى لا يعرف دورا للمرأة في تربية الأولاد، مع أنها مهمة يتوقف عليها صلاح المجتمع كله، فالأم مدرسة. لكن الرجل يبدأ كتابه بإلهاء المرأة والتمويه عليها لتفويت ذلك الدور العظيم فيقول "الرجل لا يتخصص للزواج. وكذلك المرأة يجب ألا تتخصص للزواج. ذلك لأن حياتنا، نحن الرجال والنساء، أغلى من هذا وأرحب من أن يحتويها هذا التخصص. وليس من حق أحد في الدنيا أن يقول للمرأة: عيشي في البيت طيلة عمرك، لا تختلطي بالمجتمع ولا تؤدي عمل المحامي أو الطبيب أو الصانع أو الكيماوي أو الفيلسوف. وإنما اقصري كل قوتك وكل وقتك على الطبخ والكنس وولادة الأطفال". فيتعمد إغفال الدور التربوي الجليل، ولا يرى أثرا لالتفات المرأة لتربية أولادها (طبعا لأنها لابد أن تتساوى مع الرجل في كل شيئ، فلماذا تلقى عليها مسئولية الأولاد بينما الرجل يستمتع بمعارك الحياة خارج البيت)، والمرة الوحيدة التي تعرض فيها لمسئولية التربية تخلص منها ليتربى الأولاد بين ايدي الخادمات والمربيات فينشئوا بعاهات نفسية وصحية عديدة. يقول موسى "يجب على المرأة المتعلمة أن تعمل خارج البيت وتؤدي خدمة اجتماعية لوطنها. وذلك بأن تستغل جميع الفرص والوسائل الجديدة التي تجعل أداء الواجبات المنزلية سهلًا يستغرق الدقائق بدلًا من الساعات. كما تجعل تربية الأطفال فنية في أيدي المربيات في المحضن أولًا إلى سن الرابعة، ثم في الروضة ثانيًا إلى سن السادسة أو السابعة".


ثم يولي سلامة موسى اهتماما تاما بتشجيع اختلاط المرأة بالرجال، وأنه لا سبيل للتقدم إلا بهذا ويهدد بأن غياب الاختلاط التام بين الرجال والنساء يورث الشذوذ، وكأن الرجل لم ير بعينيه ماذا فعل السفور والاختلاط في الغرب، هل أوقف الشهوات المستعرة؟ أم هل أوقف الشذوذ؟. وقد مات سلامة موسى قبل أن يدرك الغرب وقد سن القوانين التي تسمح بزواج المثلين، زواج الرجل بالرجل وزواج المرأة بالمرأة، ولم يمنع الاختلاط عندهم من هذا الجنون بل زاده سعيرا وانتشارا. وقد نثر سلامة موسى هذه المسألة في كل فصول الكتاب ودندن عليها بشتى الحيل والأساليب، يقول في فقرة منها:"يجب، أيتها المرأة المصرية أن تزاملي الرجل في العمل، ولا تعملي وحدك. بل يجب أن تبدأي الزمالة من الطفولة، تتعلمين وأنت صبية مع الصبايا، وأنت فتاة مع الشبان. ثم تزاملي الرجل في المكتب والمتجر والمصنع.نحن الرجال والنساء يجب ألا ينفصل أحد جنسينا عن الآخر. لأننا عندما ننفصل نقع في شذوذات جنسية بشعة. بل نقع أيضًا في شذوذات ذهنية وعاطفية. فلا نحسن التفكير، ولا نستطيع معالجة أي موضوع إنساني بذكاء فضلًا عن عبقرية. إن الفصل بين الجنسين، وقصر نشاطك الذهني والجسمي على البيت، قد ملأ هذا المجتمع المصري بآثام وشرور كادت تحيل أفراده أو بعض أفراده إلى حيوانات. هذا الفصل هو علة الشذوذ الجنسي الذي يجعل من الرجل حيوانًا، قبيحًا، زريًا، مريضًا، يحيى في هذه الدنيا حياة سرية يفترس الصبيان ويفسدهم ويحرفهم عن رجولتهم القادمة. ولا علاج لهذه العاهة إلا بالاختلاط بين الجنسين، حتى يتجه الاشتهاء الجنسي وجهته الطبيعية ولا ينحرف، بحيث يحب الرجل المرأة ولا يحب الغلام … يجب أن يعرف الرجل المرأة، ويجب أن تعرف المرأة الرجل. وأي سبيل لهذه المعرفة سوى الاختلاط؟ هل يعرفانها من الكتب؟ إن الانفصال يجعل كلًا من الشاب والفتاة يشطح في خيالات بعيدة عن الحقائق... وفن الحب يحتاج إلى أن تبقى صورة المرأة ماثلة في ذهن الرجل وصورة الرجل ماثلة في ذهن المرأة منذ المهد إلى اللحد، وأيما انفصال بينهما قد يحدث شذوذًا. وقد لا يبرأ هذا الشذوذ طيلة العمر".


وهي كما ترى علل واهية يكذبها الواقع وتكذبها تجارب الغرب الذي اتخذها موسى نموذجا ونبراسا، ولا ننكر أن هذه الأفكار الضالة قد وجدت طريقها لتلامذة سلامة موسى ومتعهدي نشر فكره الخبيث، وترى تلك العبارات المشينة منتشرة في أدبيات النخب المثقفة في سيتينيات وسبعينيات القرن العشرين.


أما حملته على الحجاب والزواج والطلاق وتعدد الزوجات فبائسة للغاية، وتعكس أمراضا نفسية سيطرت على فكر الرجل فطفحت بها أفكاره وكتاباته.

يتبع ...

د. محمد هشـام راغب

-------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-23-2014, 09:10 AM
مغامرات الليبراليين ببلاد الحرمين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ

(د. يزيد حمزاوي)
ــــــــــــــــــــــــــــ

22 / 3 / 1435 هــ
23 / 1 / 2014 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3862.jpg


قبل أسبوع من الزمن استمعتُ لمُداخلة هاتفيَّة لأحد الليبراليين السعوديين على إحدى الفضائيات المحسوبة على القنوات الإسلامية، يقول هذا المسكين: "يجب استبعادُ الإيمان عن الحياة العامة، فالإيمان عمل قلبي فحسب"، ولقد صُعِقتُ لجُرأة هذا التصريح، فأنا مثلاً - القاطن في المغرب الإسلامي - البعيد عن السعودية، ما كنتُ أتخيَّل أنه في استطاعة شخصٍ أن يتلفَّظ بهذا الكلام الأرعن، وهو يعيش على أرض الحَرَمين، وحتى لو كان مقيمًا في الرياض أو جدة، فالسعودية بالنسبة لنا - نحن المسلمين البعيدين عنها جغرافيًّا - هي كلها أرض مباركة شرَّفها ربُّ العالمين بأفضل نبيٍّ، وأعظم دينٍ، وأقْدس ترابٍ.

فكيف يأتي اليوم مَن يدَّعي الانتساب إلى أبناء هذه الأرض الطاهرة، فيروم تنجيسها بفكرٍ بالٍ ساقطٍ، منقول حرفيًّا عمَّن سبقوه في العالم العربي؟! وكيف يمكن لمثله أن يقولَ هذا الهُراء الخطير والخبيث، وهو يشارك في برنامج معروض على فضائيَّة إسلامية، دون أن يأبه لمشاعر مشاهدي تلك القناة، ولا "للإسلاميين" القائمين عليها؟

ثم إذا كان هؤلاء الليبراليون يتجرَّؤون - بلا وَجَل أو خَجل - على الإفصاح بهذه الأفكار الهدَّامة على الفضائيات الإسلامية، فما هو إذًا سقف الحرية - إن كان لها سقفٌ - في التعبير الذي يُفصحون عنه فيما بينهم في اجتماعاتهم المغلقة؟!

وإذا كان هؤلاء الليبراليون يزعمون أن الإيمان عملٌ قلبي، يربط الإنسان في علاقة شخصيَّة بخالقه، وإذا بدؤوا فعليًّا يتحركون في الميدان؛ لسحْبه من الحياة العامة للدولة، وإذا شرَع حقيقةً مُنَظِّرو رِفاق السوء الليبراليين بإلغاء الشريعة الإسلامية من المجتمع السعودي، فليت شعري! ماذا سيبقى لبلاد الحرَمين - إنْ نجَحَت هذه الفئة الباغية - من فضْلٍ وشرفٍ وقَدَاسة في قلوب المسلمين جميعًا؟!

ولننظر في أطروحات هؤلاء الليبراليين أو الحَدَاثيين السعوديين - كما يسمون أنفسَهم، أو العلمانيين كما يُسميهم الفكر الإسلامي المعاصر - هل جاؤوا بفكرٍ جديد، أو رأْي حديث، أو بإبداع عقلي أو عملي؟ لا شيء من ذلك، فكما قيل: "لا جديد تحت الشمس"، هم مجرَّد نُسخ رديئة لطه حسين، أو محمود أبو رية، أو إحسان عبدالقدوس، أو فرح أنطون، أو أدونيس، أو نزار قباني...، ولَمَّا أقول نُسخًا رديئة، فأنا أعني ما أقول؛ لأن شيوخ الليبراليين السعوديين الذين علَّموهم سحرَ العلمانية على الأقل، خلَّفوا تراثًا أدبيًّا من النثر والشعر، بغضِّ النظر عن توجُّهه وقيمته، أما الحَدَاثيون السعوديون الجُدد، فما هي حَدَاثتهم؟ وما هو جديدُهم؟ اللهم إلاَّ حب الشُّهرة، وخالِف لتُعْرَف.

ولقد تعمَّدت متابعة مداخلات ومشاركات لثُلَّة قليلة منهم - وربما لا تُمثلهم جميعًا - على بعض الفضائيَّات، فدُهِشتُ لجهْل بعضٍ منهم حتى بقواعد اللغة العربية، بل والله إنَّ بعضهم - دون ذِكْر الأسماء - يحتاج إلى إعادة تأهيل حتى في اللغة العاميَّة، ومع ذلك لا يستحيي من لَمْز السادة العلماء.

كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْمًا لِيُوهِنَهَا ..........فَلَمْ يَضِرْهَا وَأَوْهَى قَرْنَهُ الوَعِلُ

كنتُ قد تتبَّعت بعض وساوسهم؛ لأطَّلِع على ما ينقمون عليه في السعودية، فألفيتُهم ساخطين على كلِّ المبادئ، لا شيء يعجبهم، فهم يرفضون الفصل بين الجنسين في العمل والدراسة، الحجاب، النقاب، تعدُّد الزوجات، الحدود والتعزيرات، القضاء الشرعي...، يريدون الحدَّ من نفوذ طلبة العلم والدُّعاة، ينتقدون هيئة العلماء والإفتاء، يتحاملون بشدة على مؤسسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يمدحون أنفسهم بإعلان البراءة من الفكر الوهَّابي والسلفي، ويصفونه بصفات التشدُّد والغُلو والتخلُّف؛ ليَظهروا بأنهم أبطال الاعتدال، ودُعاة التحرُّر من الماضي.

أدري أنهم غير مقتنعين بكلِّ حَدَاثتهم وليبراليَّتهم وعلمانيَّتهم؛ لأنهم عايَنوا بأعينهم كيف فَشِل شيوخهم في تأسيس مجتمع عربي علماني واحد؛ "ديمقراطي وليبرالي، وحَدَاثي وتقدُّمي.."، فكما قال المسيح - عليه الصلاة والسلام -: "من ثمارهم تعرفونهم"، فها هي التجارب العلمانية العربية شاخصةً أمام الأبصار؛ شرقًا وغربًا ووسطًا، ارتبطت العلمانية فيها بديكتاتوريَّات عَمِلت كلَّ ما بوسعها لعَلمنة الحياة، فاستعصتْ عليها الشعوب؛ لأنها شعوب مسلمة تريد حياة أخرى لا تَفصلها عن دينها وشريعتها وربِّها، وترنو إلى حياة تربطها بحياة الآخِرة.

فما هي الحياة التي بشَّرنا بها العلمانيون في عالَمنا العربي، ونحياها اليوم بكلِّ مرارة؟ إنها حياة الجرائم البشعة التي لا تجد حدودًا وتعزيرات تردع مُرتكبيها، إنها حياة اللصوصيَّة، والرشوة، وانتهاك الحقوق، إنها حياة المحسوبيَّة والفساد المالي والأخلاقي، إنها حياة الملاهي الليلية والرقص الشرقي، والخمور المتدفقة على النهود والأفخاذ...، إنها حياة ثلاثة آلاف أُمٍّ عَزَبة في مدينة صغيرة، فضلاً عن العواصم الكبرى، إنها حياة معاكسات الفتيات وحتى العجائز، وقلة الأدب والخيانة الزوجية، وشواطئ التعرِّي...، إنها حياة التخلُّف المُمَنْهج، والفوضى المنظَّمة، والتبعية المقنَّنة، إنها حياة العمالة للعدوِّ، والتواطؤ على الشعوب!

ومَن يحرس كلَّ ذلك ويحميه؟ إنها ليبراليَّة الشرطة والاستخبارات والسجون، التي لا تتورَّع حتى عن قمْع المخالفين الذين انتخبوا "ليبراليًّا"!

أمَّا في التعليم، فقد أراد الليبراليون جامعات مختلطة؛ ليرفعوا مستويات التحصيل الدراسي، فإذا بالجامعات عندنا يُرفع فيها اللباس، وينخفض فيها التحصيل، أرادوا بالاختلاط تفجير الطاقات العقليَّة والذكاء بفعْل المنافسة بين الجنسين، فإذا بالتفجير الوحيد الذي حَدَث هو تفجير طاقات غرائز المراهقة، أمَّا الذكاء، فدعْ أبناء وبنات المدارس والجامعات المختلطة يحدثونك عن السلوكيَّات الذكية للتعرُّف على الجنس الآخر، وتفريغ النزوات فيه!

ورُبَّ قارئٍ يقول: إنك تُبالغ، فأقول: لا والله، إني شاهِد على العصر، عصر العلمانية العربية القبيحة، فأنا منذ رُبع قرن في عدَّة جامعات عربية؛ طالبًا ثم أستاذًا، ولا أدلَّ على ما أقول من مستويات التعليم العلماني العربي، فأين الإنتاج العلمي العربي؟ ما هو نصيبه من الابتكارات وبراءات الاختراع؟ أين المقالات العلمية المحكمة التي أثرَت المعرفة الإنسانية؟ كم عدد جوائز نوبل في الفيزياء والكيمياء، والطب والاقتصاد التي حصَل عليها دُعاة الخلْط والتخليط والاختلاط؟ لقد خدَعونا فمنحونا جوائز نوبل للسلام مقابل الانبطاح، وأخرى في الأدب "الجاهلي" لعلماني "جاهلي" معاصر من المدرسة المشؤومة، وهو نجيب محفوظ، نظير مهمَّته القذرة التي كُلِّف بأدائها بإتقان.

قال أحدهم من الرياض - فيما معناه -: "لا نريد ليبراليَّة منقولة بحذافيرها من الغرب، لكن نسعى لتأسيس ليبرالية تتواءم مع ثوابتنا الوطنية"!

وقد استحسنَ مقدِّم البرنامج - الذي كان يُنصت إليه - هذا القول، وما درَى هذا المذيع الساذج أنها من حِيَل وخدع الليبراليين، وهي شنشنة قديمة، يروجونها عندما تشتدُّ عليهم ضغوط أهل السُّنة والجماعة، كما أنَّ ذلك الزعم هو في رأْيهم أفضلُ وسيلة لجلْب المزيد من المسلمين إلى أفكارهم المَرَضيَّة، التي يحسبونها فكرًا مستنيرًا.

وكما قلت، فهذا أسلوب قديم، وهو ما كان يَعِد به غيرهم من العلمانيين في العالم العربي، ثم لَمَّا أَمِنوا، خرجوا إلى العيبِ جهارًا نهارًا.

فمثلاً في مصر أُمِّ العلمانية العربية منذ زمن بعيد، صدَّع بعض العلمانيين رؤوسَ الناس بقصة الثوابت، والثوابت، والثوابت...، فتَمَسْكنوا حتى تَمكَّنوا، وعندها خرَج أحدهم؛ ليبلِّغ الناس بشعار الليبرالية العلمانية في كل زمان ومكان، وهو: "أن الثابتَ الوحيد هو التغيُّر".

وهذه ليبرالية جزائرية قبل سنين طويلة، كانت تَدَّعي احترام الثوابت، وتزعم أنَّ معركتها الوحيدة مع الإسلاميين هي لربْح المزيد من حقوق المرأة، خصوصًا في قوانين الأحوال الشخصية، لكن بعد التعدُّدية السياسية، واعتماد الدولة للحزب السياسي الذي تنتمي إليه، قرأتُ لها كلامًا تقول فيه: "الصلاة والصيام وحتى الحج من عوائق التنمية"!

وهذا علماني أُردني كان محاضرًا في الجامعات، ويدَّعي أمام الجميع احترامَ الثوابت، لكنَّه في اجتماع مع مجموعة من طالباته في دروس الماجستير، دعاهنَّ إلى رفْض العادات والتقاليد الاجتماعيَّة، وضرورة التمرُّد على كلِّ الثوابت، ولَمَّا استغربَت الطالبات من جُرْأَته، قال لهنَّ: "دون التمرُّد لا يمكن تغيير شيء في المجتمع، ثم أرْدَف قائلاً: حتى الأنبياء كانوا متمرِّدين، ولو لَم يتمرَّد محمد على ثوابت الجاهليين، لَمَا غيَّر شيئًا منها".

فالدعوة إلى ليبراليَّة وطنيَّة منضبطة بالثوابت، هو تكتيك مرحلي تفرضه البيئة السعودية الحاليَّة، هذا إذا تحدَّثنا عن هذا النوع من الليبراليين؛ لأن الواقع يكشف لنا أنَّ بعضهم قد تجاوز هذا التكتيك بشكلٍ خطير منذ مدَّة بعيدة، وقد ردَّ أحد هؤلاء - عندما حاوَل بعض الأدباء المسلمين أن يوجدوا ما أسموه "حَدَاثة إسلامية" - بقوله: "الحَدَاثة لا علاقة لها بالدين، تؤخَذ كلها كما هي، أو تُتْرَك كلها".

وسيقولون: ما لنا ولهذه النماذج التي تمثِّل بها، فهي ديكتاتوريَّات استبداديَّة غارقة في الفوْضى، لا نقبلها، وهي علمانيَّات منفلتة، لا نرضاها!

فنقول: ليس موضع النِّزاع بيننا إنْ كانت نماذجكم الميدانيَّة ديمقراطية أو ديكتاتوريَّة، منضبطة أو منفلتة، ترضونها أو لا ترضونها، فالمهم أنَّها من غرْسكم، وسببُه أنَّ بعض شيوخ العلمانية الذين سبقوكم في العالَم العربي لَم يأْبهوا لنتائج دعوتهم، وإنما راهَنوا على إقصاء الإسلام؛ لأن إبعاد هذا الأخير من المجتمع والسياسة والحياة - في ظنِّهم وحساباتهم - كان وحْدَه كفيلاً بأن يؤسِّس الدولة المدنية المتقدِّمة، والعادلة والمستنيرة، لكن لا شيء من تلك الظنون والحسابات تحقَّق!

ولا يزالون يتبجَّحون، فحتى بعد حصادهم المرِّ، الذي يُريدون التنصُّل منه اليوم، فإنَّ بعضهم بلسان الحال والقال يصرخ: "نريدها علمانيَّة عمياء عَوراء، لكن ليستْ أصوليَّة سلفيَّة، لتكن ديكتاتوريَّة استبداديَّة، لا حُكمًا ثيوقراطيًّا، نريدها ليبراليَّة من نوع النَّطِيحة والمتردِّية وما أكَل السَّبُع، ولا يكون في بنود دستورها "دين الدولة الإسلام"!

وإذا أحسنَّا الظنَّ بالليبراليين السعوديين، فليتفضَّلوا مشكورين ليدلونا - من الواقع العربي وحتى الغربي - على نموذج الليبرالية الذي يهدفون لتحقيقه في بلاد الحَرَمين؛ لنراه ونُعاينه، وندرسه بموضوعيَّة، وبعد الاقتناع به نضعُ أيدينا في أيديهم، لا نريد نماذج نظريَّة لدول افتراضيَّة، نريد الملموس المحسوس، فأنتم تزعمون أنَّكم أصحاب المدرسة الواقعيَّة التي لا تؤمن بعوالِم المُثُل الخياليَّة، نريد نموذجًا نتعزَّى ونتبرَّك به؛ انتظارًا أن تتكلَّل جهودكم بتحقيقه، ودون ذلك خَرْطُ القَتَاد، فقد علَّمتنا وعود العلمانيين الذين سبقوكم ألاَّ نشتريَ السَّمك في البحر بعد الآن؛ لذا فإننا لن نقبلَ مغامراتكم الليبراليَّة مستقبلاً، ولن ننتظرَكم حتى تنكبونا في بلاد الحَرَمين بعد ما فَجَعتم العالم العربي بالنكبات المتتالية.

وإذا ما عُدنا لأولئك الذين يريدون خِداعنا بليبراليَّة تحترم الثوابت، فليخبرونا عن أيِّ ثوابت يتحدَّثون؟ وما هي مرجعيَّة تلك الثوابت؟ ومن المخوَّل من السعوديين بأنْ يحدِّدها ويَضبط معالِمها ودقائِقها؟

لنكن صريحين إلى أبعد الحدود، الليبراليَّة التي تنشدونها هي تأسيس دولة مستنيرة، وتقدُّمية مدنية، وليست دينيَّة، دستورها المساواة والمواطنة، واحترام الحريَّات الأساسية كافَّة.

لن تكون هيئة كبار العلماء والمشايخ مَن سيُحَدد ويَضبط الثوابت في دولتكم الليبراليَّة المرتَقَبة، فكتاباتكم وتصريحاتكم حتى الآن ترسم لنا صورة سلبيَّة وقاتمة عن العلماء والمشايخ، فهم متزمِّتون، متطرِّفون، أصوليون، رجعيون، متعصِّبون، ظلاميون، سلفيون، متقوقعون، ذُكوريون، إقصائيون، إلى آخرها من كلمات النقْص والتحقير الموجودة في قاموسكم، وهو منهج وأسلوب يسعى إلى شيطنة "Diabolisation" - كما يسميها الفرنسيون - علماء ومشايخ السعوديَّة.

وعلى كلِّ حال، فالشيطان يُطِلُّ برأسه، فهو غير بعيد عن فتنة الليبراليَّة، من حيث إنه هو من يديرها في عمومها وتفاصيلها، ومِن ثَمَّ في منهجها وأسلوبها، ولقد تبادَر إلى ذهني حديث المصطفى الصحيح الذي رواه مسلم، والترمذي، وأحمد، عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن الشيطان قد أيِسَ أن يعبدَه المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم)).

قال النووي: "التحريش: هو الإغراء، والمراد هنا أن يذكرَ ما يقتضي عتابه".
---------------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-30-2014, 09:05 AM
تفكيك العلمانية في الدين والديمقراطية*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ

29 / 3 / 1435 هــ
30 / 1 / 2014 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3328.jpg


الكتاب: تفكيك العلمانية في الدين والديمقراطية

تأليف: الدكتور رفيق عبد السلام

الناشر: دار المجتهد للنشر والتوزيع

طبعة تونس الأولى 2011م

عدد الصفحات: 239 صفحة

ــــــــــ

سبق لهذا الكتاب أن صدر قبل ثلاث سنوات في بيروت، وهو في الأصل أطروحة دكتوراه قدمها الكاتب في الجامعة البريطانية سنة 2003م تحت إشراف البروفسور جون كين الذي يعد واحدا من ألمع الكتاب الغربيين في مجال الفكر السياسي، ثم صدرت له طبعة محلية ثانية في المملكة العربية السعودية بعدما أوصد الرقيب أبواب التوزيع أمام الطبعة الأولى اللبنانية. والطبعة التي بين أيدينا الآن هي آخر طبعات هذا الكتاب، وهي الطبعة الأولى بالنسبة لتونس.

وقد راعى الكاتب في الطبعة العربية إعادة صياغة بعض مباحثها بما يستجيب لحاجة القارئ العربي بد الاعتماد على الترجمة وما يصاحبها عادة من ضعف البيان ومجافاة الأسلوب العربي المبين، فأدخل بعض التعديلات على النص الإنجليزي، وتوسع في بعض المواضع، كما أضاف فصولا رأى فيها إضافة، وحذف أخرى لم يرى فيها كبير فائدة -على حد ما جاء في مقدمة الكاتب لهذا الكتاب-.

وفي هذا الكتاب يتناول الكاتب قضايا العلمانية والإسلام والديمقراطية، وهي من دون شك قضايا كانت وما زالت تشغل حيزا واسعا من دائرة الاهتمام الفكري والسياسي، وتغطي مساحة شاسعة من رقعة التداول الإعلامي بين مختلف الدوائر الغربية والعربية -الإسلامية على السواء.

فمسألة العلمانية وما يرتبط بها من مفاهيم كالحداثة والديمقراطية ثم ما تلا ذلك من مفاهيم "جديدة" كالعولمة، وما بعد الحداثة، وما شابه ذلك، هي من أهم ما يوجه الوعي السياسي العربي والإسلامي من تحديات، وليس من المبالغة في الزعم أن أغلب ما تتداوله ألسنة النخبة العربية والإسلامية، ومعظم ما تخطه أقلامها، لا يخرج عن دائرة هذه القضايا -المفاتيح وما تفرضه من مساءلات وبحث.

والكتاب قسمه مؤلفه إلى ثلاثة أبواب، تناول في الباب الأول مبحث العلمانية، وقد سلك في ذلك مسلكين متكاملين:

أولهما: معالجة العلمانية من الزاوية النظرية، وذلك بالتنقيب عن دلالتها اللغوية والفكرية بالغة التشعب، من خلال الرجوع إلى أهم مصادرها، وألمع منظريها في العصر الحديث، وقد توقف المؤلف بعض الشيء عند عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، لما تتسم به قراءته للعلمانية والحداثة من طرافة وعمق، ولما له من تأثير ملموس في قطاعات واسعة من الباحثين والأكاديميين، بل ومن السياسيين والإعلاميين الغربيين على حد سواء.

والثاني: تناول العلمانية باعتبارها ظاهرة تاريخية اجتماعية في إطار ما بات يعرف اليوم بلغة الاجتماع والسياسة بالعلمنة، تمييزاً لها عن العلمانية خطاباً ونظرية ومنظومة قيم.

وفي هذا السياق شدد المؤلف على تنوع تجارب العلمنة، سواء في مواطنها الأصلية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، أو في الفضاءين العربي والإسلامي، وخلص المؤلف من خلال هذا الطرح إلى القول بتعدد العلمانيات وتنوعها، وأنه ليس ثمة علمانية واحدة تنتظم جميع هذه التجارب، كما خلص إلى نفي ما يشاع عن العلمانية من أنها قرينة التسامح والانفتاح، وبين خلافا لذلك أن الكثير من تجارب العلمنة، سواء في الغرب أو في الشرق، لم تخل من وجوه عنفية مرعبة، ومظاهر تسلطية مفزعة.

كما تبين من خلال طرح المؤلف أن العلمانية على النحو الذي هي عليه اليوم في بعض البلاد العربية والإسلامية تبدو عاجزة عن معالجة التسويات الاجتماعية، وبناء السلم المدني المفقود، ومن علامات ذلك أن العلمانية في هذه المنطقة العربية والإسلامية لم تكن مرتبطة، في أي وقت من الأوقات بحيادية الدولة إزاء المجال الديني، أو استقلالية الحق العمومي عن التدخل الشطط للدولة بقدر ما ***ت معها أقداراً غير قليلة من التسلط السياسي والقهر الاجتماعي.

أما الباب الثاني فقد خصصه الكاتب لدراسة العلاقة الرابطة بين الإسلام والعلمانية، وكما نبه الكاتب في صدر كتابه، لم يكن مطلبه فيه تقصي مواطن التعارض أو التوافق بين الإسلام والعلمانية، على نحو ما هو غالب في الأدبيات العربية والغربية، وإنما بيان الطابع المركب للإسلام والعلمانية على السواء، فضلا عن جلاء الخاصية المعقدة لهذه العلاقة، سواء عند تناولنا العلمانية في بعدها النظري والنصي، أو في بعدها التاريخي الاجتماعي.

أما ما هو رائج بين عدد واسع من أهل الفكر والإعلام والصحافة من وجود إسلام موحد وصلب يقف في مواجهة علمانية متجانسة وموحدة، فإنه لا يصمد كثيراً أمام البحث العلمي والتنقيب التاريخي الجادين، فلا الإسلام حالة نمطية مغلقة على نفسها، ولا العلمانية حالة مكتملة وموحدة، ولا العلاقة بينهما على ضرب واحد وصورة واحدة.

أما الباب الثالث فخصصه المؤلف للحديث عن الديمقراطية، وقد دعا المؤلف إلى الحديث عنها –على حد قوله- كثرة ما أصبح يكتب عنها من قبل النخب، ويتردد حولها على ألسنة العامة، إذ أمسى من الوضوح بمكان أن الشعار الديمقراطي قد حل محل شعار تصدير المدنية والحضارة في تحريك الجيوش والأساطيل وتسويغ غزو الأوطان والإطاحة بالحكومات.

وفي هذا الباب عارض المؤلف أكثر ما كتب عن هذا الموضوع، ولاسيما في ساحتنا العربية والإسلامية، حيث لا تخلو الكتابات عن الديمقراطية من آفتي الأدلجة والاختزال، كأن يشاع أن الديمقراطية منظومة متكاملة متراصة البنيان، أو أنها ثقافة شاملة لا تنفصل فيها "القيم" عن الوسائل والإجراءات؛ أما ما ذهب إليه الكاتب فهو خلاف ذلك حيث بين الكاتب أن الديمقراطية ما هي إلا آلات إجرائية وظيفية قد تصلح لعلاج معضلة الاستبداد والتسلط السياسي، وليست عقيدة صارمة منازعة للعقائد والأديان، ولا هي حل سحري يتجاوز سنن العمران وقوانين الاجتماع السياسي، وأن ما يسمى بالثقافة الديمقراطية والقيم الديمقراطية والروح الديمقراطية ليس من التحقيق العلمي في شيء.

وختاماً ننصح القراء الكرام بالنظر في هذا الكتاب الذي تلمس فيه مؤلفه أهم وأبرز خصائص العلمانية سيما العلمانية العربية، فالكتاب يتناول هذه المسألة بشكل موضوعي وفق منهج علمي جاد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
02-04-2014, 09:08 AM
العلمانية أم الديكتاتورية أيهما أولى بالمواجهة؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ

(ياسر عبد رب الرسول)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

4 / 4 / 1435 هــ
4 / 2 / 2014 م
ــــــــــــــــــــــــــــــ

http://www.fath-news.com/images/news/3420140129_002001.jpg

يخوض المسلمون معركتين في عصرنا:
ضد العالمانية (تنحية الشرع)، وضد الديكتاتورية (الحكم بالجبر).

وعند تعارض الأولويات ففي أي صراع نركز؟
من خلال استقراء حال (جمهور) أهل السنة على مر العصور، فإن الذي يُقدّم في المواجهة كما كان السلف يفعلون وكما فعل جمهور أهل العلم قديما وحديثا،

هو: محاربة تنحية الشريعة (العالمانية أو ما شابهها مما يتعلق بالدين)، وإن تم الإقرار أحيانا (واقعا) ببعض صور الديكتاتورية والتعامل معها وبها (مثل الأنظمة الملكية أو البيعة) لأجل كسب خطوات في المعركة الأهم ضد تنحية الشريعة من نظام الأمة العام.

- معركة الإمام أحمد.. كانت ضد بدعة الاعتزال، ورغم وجود الحكم الجبري من بني العباس، إلا أنه لم يخلع يدا من طاعة (في معروف)، ولم يثر قضية كبرى حول (جبرهم)..
- شيخ الإسلام ابن تيمية.. كانت معركته مع كل أهل البدع.. رماهم عن قوس واحدة.. ومع أنه جاهد التتار بسيفه، ولكنه لم يصرف هذا السيف أبدا للاستنزاف في قتال (الجاشنكير).. وإنما عندما أتى (الناصر بن قلاوون) وتغلب على الجاشنكير بلا تخطيط أو تمهيد من شيخ الإسلام لتلك المعركة (الجاشنكير -ضد- بن قلاوون) تعامل شيخ الإسلام مع المنتصر في النهاية ليرسي دعائم الشرع في الدولة الجديدة.

- الإمام محمد بن عبدالوهاب.. اعتنى بمحاربة الشرك والبدع.. ولم يركز المجهر على تجاوزات آل سعود (هي دقيقة بالنسبة لما يحدث الآن من أحفادهم) وعالجها بأرفق ما يكون.. وفي آخر حياته اعتزل المشهد السياسي تماما..
- الشيح أحمد شاكر والشيخ محمد رشيد رضا.. كانت قضيتهم الهوية والشريعة.. وتعاملوا مع حكومات عصرهم الملكية، ولم يصرفوا جهودهم لحرب الديكتاتورية، وإنما لحرب العالمانية والبدع.

- الأئمة ابن باز وابن عثيمين والألباني.. عاشوا للسنة وبث منهج السلف وإماتة البدع والتصفية والتربية..

أنت القتيل بأي من أحببته *** فاختر لنفسك في الهوى من تصطفى

أولئك آبائي فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المجامع

وهذا لا يعني تعطيل شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قضية الديكتاتورية، بل تطبيقات الأئمة تعج بالإنكار على المظالم سرا وعلا، ولكن بأي درجة وبأي كيفية كان إنكارهم في المجمل؟ وهل صرفوا وحولوا كل الطاقات والجهود لهذه القضية؟

إذن، ليس الأمر كما تبث بعض الجماعات ذلك الفكر الدخيل الغريب عن تطبيق أهل الإسلام على مر العصور في مجملهم، من تقديم المعركة مع الديكتاتورية على المعركة مع العالمانية!
حتى وصل الحال ببعضهم - نعوذ بالله - أن أعلن رفضه للدستور المصري حتى لو وضع فيه القرآن والبخاري ومسلم لأنه لم يأت بإرادة شعبية - على حد زعمه -!

وبغض النظر عن مغالطته التي دحضتها أعداد المشاركين وملايينهم، ولكن هل من الإسلام أن نرفض القرآن والسنة إذا لم يأتيا بطريقة معينة في الذهن؟!

ماذا كان سيقول هذا الجاهل لو أدرك عصر (عمرو بن العاص رضي الله عنه) عندما فتح مصر وحكمها بشرع الله؟؟ هل كان سيكون في صف الكافرين المحادين لشرع الله؟

أي نكد هذا؟ نعوذ بالله من البعد عن القرآن وأهل القرآن.
----------------------------------------

عبدالناصر محمود
04-10-2014, 07:50 AM
اليمين الفرنسي المتطرف، وجه قبيح للعلمانية..*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ

10 / 6 / 1435 هــ
10 / 4 / 2014 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_4128.jpg

يحلو الحديث عن الحرية والديمقراطية، والمناداة بحقوق الأقليات، وأن على الدولة الحفاظ على كافة حقوقهم الدينية والعلمية والسياسية والاجتماعية...الخ، وأن على مجتمع الأغلبية احتواء الأقلية، والبعد عن اضطهادهم، وفرض أية أمور عليهم، من شأنها أن تنتقص من حرياتهم، أو تضيق عليهم... يحلو كل هذا الحديث وغيره طالما كان الأمر مرتبطا بغير المسلمين..
فقد تقوم الدنيا ولا تقعد من أجل الدفاع عن فرد (غير مسلم) اعتُدِى عليه من قبل المسلمين، بل قد تقوم الدنيا ولا تقعد للدفاع عن حيوان أو صنم، وفي أحداث تحطيم تماثيل بوذا في أفغانستان على يد حكومة طالبان أوضح شاهد على هذا العبث، الذي يتحرك لأجل حجر، ولا يتحرك لأجل آلاف المسلمين الذين يقتلون- الآن- ليل نهار على يد جماعات التبشير الأسود، والبوذيين واليهود وغيرهم من القتلة.
ففي فرنسا راعية الحريات – زعمًا- نرى كل يوم تضييقًا جديدًا، أو تشريعًا جديدًا، للحد من حرية المسلمين، ومنعهم من حقوقهم الدينية والسياسية، وفي أحزاب اليمين المتطرف أوضح مثال على هذه الهجمة الشرسة، التي تؤيدها الحكومة الفرنسية بشكل آخر، وإن بدا أقل حدة.
حيث ذكرت مارين لوبان- رئيسة حزب الجبهة الوطنية الفرنسية اليميني- أن حزبها سيمنع تقديم وجبات مخصصة للطلبة المسلمين تتوافق مع تعاليم دينهم، وذلك في المدن التي فاز فيها الحزب في الانتخابات البلدية الأخيرة، رافضة إدخال الدين في الشأن العام!!
وفي حديث إذاعي لها، قالت لوبان: إن حزبها سيفرض لحم الخنزير على مطاعم المدارس في مناطق البلديات الخاضعة لرئاسة حزبها، كما سيتم رفض أي مطلب ديني متعلق بقوائم الطعام، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية.
واعتبرت زعيمة الحزب الذي ينتمي إلى أقصى اليمين أن هذا الإجراء سيكفل الحفاظ على علمانية الدولة التي تواجه تحديات خطيرة، على حد قولها.
فهل رأيتَ دولة في الدنيا تفرض نوعًا معينًا من الأكل على مواطنيها، وهل للدول دخل في نوع الطعام الذي يتناوله الإنسان، أو شكل ملبسه، أو طريقته التي اختار الظهور بها؟ وما دخل علمانية الدولة بهذا الأمر؟ بل ما نراه أن العلمانية- بحسب منظورهم هم- تفرض عليهم إعطاء المسلمين حريتهم الكاملة، ليختاروا شكل الحياة التي يريدونها، لا ما يريد اليمين المتطرف.
لقد طار الغرب بالعلمانية، وهلل لليبرالية، لكنه استفاق على حقيقة مفادها: أن المسلمين هم المستفيد الأكبر من الحرية، سيما في دول الغرب- إن كانت العلمانية، أو كانت الليبرالية، تعني الحرية كما يقولون- لكن الدارس لفلسفات الغرب يدرك أن ما يقوله الغرب عن العلمانية والليبرالية والحرية كذب محض، وأن الأمر تحكمه المنفعة، فالعلمانية هي المنفعة، وما دونها رجعية وتخلف وإرهاب وتطرف؛ بحسب الفهم الغربي.
فهل وجدتَ بلدًا إسلاميًا يعامل أقلية دينية أو عرقية بمثل هذه المعاملة؟ للأسف الشديد، لن ترى مثل هذه الممارسات إلا في أكثر الدول إدعاءً للحرية والمساواة، فها هي فرنسا التي يُضرب بها المثل في الحريات تعتدي على أبسط حقوق الإنسان، ويومًا بعد يوم تثبت للفرنسيين قبل غيرهم، أنهم من أكثر الشعوب إهدارًا لحقوق الإنسان وكرامته وإنسانيته.

_________________________________________________
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
08-21-2014, 08:01 AM
الليبرالية في نسختها العربية
ــــــــــــــ

(رأفت صلاح الدين)
ــــــــــ

25 / 10 / 1435 هــ
21 / 8 / 2014 م
ـــــــــــــ
الليبرالية في نسختها العربية

إن سنة الله لا تتبدل ولا تتغير ولا تحابي أحدًا، فما بني على باطل فهو باطل، والله عز وجل هو خالق الإنسان، وهو أدرى بما يصلحه وما ينفعه في دنياه وآخرته، والإنسان مهما ازداد في العلوم والمعارف، ومهما اخترع من قوانين وآليات لإصلاح حال البشر - فجهده قاصر، وسعيه مبتور؛ لأن ما يجهله في هذا الكون أكثر مما يعرفه، وما يغيب عنه أوسع مما يدركه.

بين عشية وضحاها حدث ما لم يكن متوقعًا؛ حيث بدأت سحب الربيع العربي المحملة بسحب الخير تمطر أمنًا وعزًّا على بلادها، ويمسك الإسلاميون زمام الحكم فيها بعد عقود من الاضطهاد والاعتقال والتشريد، وفي نفس الوقت أوشكت حباتُ عقدِ أعتى أيديولوجية على وجه الأرض في الانفراط حبة حبة.

ولعل ذلك يدفعنا دفعًا إلى سبر أغوار الليبرالية في نسختها العربية ومعرفة حقيقتها وآلياتها؛ لنعرف كيف سقط المارد، وكيف هوت تلك الأسطورة التي لن يكون لها على الأقل تلك الهيبة والهيمنة والاحترام والتقديس لدى منظريها قبل شانئيها؟ وهذا يعتبر أعظم مكسب للإسلام والمسلمين[1].

تعريف الليبرالية:
------------

هي مذهب رأسمالي ينادي بالحرية المطلقة في السياسة والاقتصاد وكل مناحي الحياة، وينادي بالقبول بأفكار الغير وأفعاله، حتى ولو كانت متعارضة مع أفكار المذهب وأفعاله، وقد اختلفت وتعددت التعريفات لليبرالية؛ وذلك بسبب أنهم لم يتفقوا على آلية محددة لتطبيقها في الواقع.

فالليبرالية: (LIBERALISME) كلمة لاتينية، اشتقت من كلمة LIBER، التي تعني الحر، وغير المقيد بقيود، وغير الملتزم بأي التزام، والليبرالية: الحرية المطلقة، غير المقيدة بقيود.

جاء في الموسوعة الميسرة: "الليبرالية: مذهب رأسمالي ينادي بالحرية المطلقة في الميدانين الاقتصادي والسياسي".

أي معناها: التحرر التام من كل أنواع الإكراه الخارجي دولة، جماعة، فردًا، ثم التصرف وَفْق ما يمليه قانون النفس ورغباتها، والانطلاقة والانفلات نحو الحريات بكل صورها مادية، سياسية، نفسية، ميتافيزيقية (عقدية).

كما جاء في موسوعة لالاند الفلسفية (LIBERALISME): المعنى الفلسفي الحق للحرية هو الانفلات المطلق، لا بغياب النزوع، بل بالترفع فوق كل نزوع وكل طبيعة (ج.لاشلييه).

ويذكر في الموسوعة الفلسفية العربية: الليبرالية في الفكر السياسي الغربي نشأت وتطورت في القرن السابع عشر، وأن لفظتي "ليبرالي" و"ليبرالية" لم تكونا متداولتين قبل بداية القرن التاسع عشر، وأن كثيرًا من الأفكار الليبرالية موجودة في فلسفة "جون لوك" السياسية؛ فهو أول وأهم الفلاسفة الليبراليين.

وبحسب هذه المفاهيم والمعادلات والنتائج يمكن أن نصل إلى تحديد أدق لحقيقة الليبرالية بأنها تعني: الاستقلالية التامة للفرد، بالانكفاء على النفس، والتحرر من سلطة الغير، ثم الانفتاح على قوانين النفس والانفلات معها.

فتعريفات الليبرالية تُجمع على أنها انكفاء على النفس، مع انفتاح على الهوى؛ بحيث لا يكون الإنسان تابعًا إلا لنفسه، ولا أسيرًا إلا لهواه[2].

نشأة الليبرالية:
كثر استعمال الكلمة في أوربا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وهما قرنا الصراع بين الكنيسة (السلطة الكهنوتية)، والعلوم المادية والمكتشفات العلمية.

فالحرية التي أرادها القوم هي الحرية من تسلط الكنيسة على الأفكار والمكتشفات؛ فقد كانت الكنيسة تطارد علماء المادة ومكتشفي خصائصها، فحين أتى جاليليو بنظرية كروية الأرض بالأدلة والبراهين المادية، قامت قيامة الكنيسة وقتلَتْه، فكان العلماء وعامة الناس مضطهدين في أفكارهم وفي ممتلكاتهم.

وكان هذا الاضطهاد مبنيًّا على انحراف عقدي، من أن عيسى أحد الأقانيم الثلاثة للإله، وأنه صاحب الصلاحية المطلقة في الكون، وأنه وهب تلك الصلاحيات إلى الكنيسة؛ فهي وريثة المسيح، ولها ما كان لعيسى من القداسة والسلطان[3].

فالغرب أراد التحرر من الكنيسة التي ظلمتهم في كل مناحي الحياة.

فبدأ الفكر الليبرالي في مرحلته المبكرة داعيًا إلى حق التمرد ضد الحكومات التي تقيد الحريات؛ ولهذا أوحت الأفكار الليبرالية بالثورة الإنجليزية عام 1688م، والأمريكية عام 1775م، والفرنسية عام 1789م، وأدت هذه الثورات إلى قيام حكومات تعتمد على دساتير تقدس حق الإنسان في الحرية الشخصية بأوسع دوائرها، دون التزام تجاه شيء، إلا القوانين المصاغة أصلاً لحماية الحريات الشخصية[4].

من هنا ظهرت الليبرالية الغربية التي تعني حقَّ الفرد في الحياة كما يريد، دون التقيد بأي قيد أو شرط، ويعبرون عن ذلك بقولهم: (دعه يفعل ما يشاء، ويمر من حيث يريد)، ولا شك أن هذه المطالبة جاءت للتحرر من قيود الكنيسة، التي حرفت الإنجيل، وأخرجته من وحي إلهي إلى كلام بشري.

ولقد قامت حركة التنوير الأوروبية وَفْق تسلسل مرحلي تلقائي؛ بدءًا من العلمانية ثم الليبرالية وأخيرًا الديمقراطية، بحيث لا يمكن عزل أي مرحلة منها عن الأخرى، أو تجاوز اللاحقة منها السابقة، فكانت بداية النهضة الأوروبية مع حركة العلمنة التي تعني تحرر العقل العلمي من سلطان الكنيسة الجائر، وإعفاءَه من الالتزام بالولاء لما يتناقض مع أولى بديهياته، ونادت بإطلاق حرية العقل في التجريب والملاحظة بعيدًا عن المسلَّمات الأولية المتناقضة في النصوص الدينية، ولم يكُنْ ذلك يعني التملص من الإيمان الديني عند معظم العلمانيين، بل كانت حركتهم موجهة نحو تخليص العقل من سلطان الكنيسة؛ لعدم إمكان الجمع بينهما، ومن ثم عزل الإيمان الغيبي (الميتافيزيقا) عن الواقع التجريبي المحسوس.

بناءً على التسلسل المرحلي السابق ذكره، فإن الليبرالية الاقتصادية والأيديولوجية لم تنشأ في الغرب إلا بعد شيوع العلمنة، وتخليص العلم من سلطان الكهنوت، وهكذا فقد كان من الطبيعي أن تثور العقلية العلمانية على أيديولوجيا التسليم بالمطلق، ومنح العلم صفة النسبية، وتزامن ذلك مع تطلع الفرد للتحرر الاقتصادي من نير الإقطاع، وتحالف البورجوازية الناشئة مع الطبقة الكادحة التي أصبحت أكثر وعيًا وثقافة، مما أدى إلى تقلص سلطات الإقطاعيين، ومنح الطبقات الدنيا حرية العمل والتملك.

إثر ذلك التغيير العقلي والاجتماعي في المجتمع الأوروبي نشأ النظام الديمقراطي كتطور تلقائي ليحلَّ بديلاً عن نظام التوريث الإقطاعي الملكي، وما كان ذلك ليحدث لولا تغلغل الفكر العلماني الليبرالي في المجتمع، الذي أشاع مبادئ الحرية الفردية وحق تقرير المصير، مما أدى إلى تدخل الأفراد في انتخاب السلطة الحاكمة، ومن ثم نشوء النظام الديمقراطي القائم على الاقتراع ورأي الأغلبية[5].

الليبرالية في بلادنا العربية والإسلامية:
تعتبر الحملة الفرنسية على مصر بداية تاريخ الليبرالية فيها، بل وفي بلاد الإسلام؛ حيث بدأ الأمر بهزيمة عسكرية، أعقبها هزيمة نفسية خطيرة جرَّاء ما شاهده المصريون من مدنية وحضارة، تعمد الفرنسيون إظهارها أثناء الحملة.

وظهرت الليبرالية في كثير من الصور، منها السياسية والتشريعية، حتى الأخلاقية منها عن طريق سلوك الفرنسيات المرافقات للحملة، سواء في ملبسهنَّ ومسلكهنَّ.

ولم تكد تخرج الحملة الفرنسية من مصر حتى أثرت تأثيرًا نفسيًّا سلبيًّا في نفوس الكثير من المصريين، أعقبه ميل للخضوع والخنوع والتقليد.

ولم تمضِ إلا سنوات قليلة حتى ظهرت الطلائع الليبرالية في أمة الإسلام، أمثال: رفاعة الطهطاوي، وخير الدين التونسي، ثم أعقبهم: جمال الدين الأفغاني وتلاميذه الذين تربوا على أيديهم.

ثم كانت فترة الاستعمار الإنجليزي التي استمر وتعمق فيها المد الليبرالي، وتحت إشراف ذلك المستعمر، وضع الليبراليون أيديهم على كل منافذ التأثير، وقد تعاقبت على حكم مصر حكومات تنتمي إلى أحزاب سياسية، وكان أكثرها يحمل المبادئ الليبرالية في السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع؛ كحزب الوفد الضليع في علمانيته، الذي أسسه سعد زغلول، والذي تفرعت منه أو انشقت عنه أحزاب علمانية، تؤمن كلها بالمبادئ الليبرالية على اختلاف بينها في الوسائل، وفي المدة من (أكتوبر 1922م) وحتى قيام ثورة (يوليو 1952م)؛ أي فيما يقرب من ثلاثين عامًا، قامت في مصر إحدى وأربعون وزارة، كان الوفديُّون الليبراليون أو المنشقون عن الوفديين (السعديين) يتناوبون فيها مع غيرهم من العلمانيين على كراسي رئاسة الوزراء، ولم يكن التنافس بين هذه الأحزاب في الغالب إلا بقدر إثبات قدرتها على إحداث التغيير في بيئة المجتمع المصري وفق معايير الغرب، فماذا كانت الحصيلة؟

• وضع دستور علماني لمصر عام (1923م) على يد حزب الأحرار الدستوريين المتعاطفين مع الإنجليز، وهو الدستور الذي ظل معمولاً به مدة المد الليبرالي، والذي نص صراحة على أن التشريع حق خالص للبرلمان، وهو ما يعني تنحية الشريعة، وظل ذلك تقليدًا متبعًا بعد ذلك.

• في ظل الأحزاب الليبرالية، جرى (تأليف) أحكام مبدلة وضعية بدلاً من الأحكام الشرعية على يد (عبدالرزاق السنهوري) وفريقه، وهي الأحكام والقوانين المحادة للشريعة والمتناقضة مع أحكامها ومقاصدها، والتي أصبحت مصدرًا تستمد منه معظم الدول العربية فيما بعدُ قوانينها، وقد أحلَّت تلك القوانين كثيرًا من المحرمات، وألغت مرجعية الشريعة بشكل عملي.

• انطلقت مؤامرة (لبرلة) أو (تحرير المرأة) من حجاب العفة والكرامة، على يد قاسم أمين (تنظيرًا)، وهدى شعراوي وصفية زغلول (تطبيقًا)، وانتشرت العدوى بعد ذلك إلى بلدان عربية عديدة، حتى صارت بعض العربيات ينافسن الأوروبيات في (الليبرالية) الاجتماعية والأخلاقية.

• أرسيت قواعد التعامل الربوي لتبنى عليها صروح الاقتصاد، على يد (طلعت حرب) الذي أقام اقتصادًا وطنيًّا حرًّا، وأنشأ بنك مصر، وأقام المؤسسات والشركات ليؤكل الربا أضعافًا مضاعفة.

• أصل بطلان الحكم الإسلامي على يد (علي عبدالرازق) الذي بلغت (الليبرالية الدينية) على يديه أن زعم أن المسلمين أحرار في أن يهجروا تحكيم الشريعة؛ لأن الإسلام دين لا دولة.

• جرت لبرلة أو علمنة مناهج التعليم على يد المستشار القس (دنلوب) المفوض الإنجليزي الذي كلف بوضع المعالم الرئيسة لمناهج التعليم المصرية؛ بحيث يحيد فيها الدين والتاريخ الإسلامي، وتهمش اللغة، وتستلهم المبادئ الغربية.

• أما الصحافة والإعلام فلا تسل عن تعاون الفجار مع الكفار في إنشاء مؤسساتها وإرساء قواعدها على أسس منافية للدين عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا؛ حيث اشتهرت أسماء لأخبث قوى الهدم باسم الكتابة والفن والأدب، ولمعت أسماء كثير من النصارى واليهود الذين قاموا في ظل حماية الحكومات الليبرالية بهدم كل ما طالته أيديهم من قيم وأخلاق ومبادئ، بالتعاون مع حثالة من دروز لبنان، ونُصَيرية سوريا، وأقباط مصر، مع من داروا في فلَكهم من سقَطة القوم[6].

ثم تمضي القافلة حتى نصل إلى ظهور فئة من الليبراليين أطلق عليهم (الليبراليون الجدد) الذين يتسمون بالتطرف في أفكارهم، ومواقفهم السلبية من الإسلام، وولائهم للسياسة الأمريكية والإسرائيلية.

من أبرز سماتهم أيضًا: تناقضهم المخيف مع أبسط مفهومات الليبرالية، وهي الحرية والتعددية والاحتفال بالتنوع، كما أن الظاهرة (الليبرالية) الجديدة ذات طبيعة إقصائية وأحادية وموغلة في جلد الذات، والتبرؤ من تاريخ الأمة وأمجادها، والتشديد على أن الحداثة مرتبطة ارتباطًا جوهريًّا بالتنكر للدِّين، واستلهام التجرِبة الأوروبية في هذا السياق، ومن ثم إعادة تأويل القرآن والسنة ليتمشيا مع مقتضيات الحداثة المنشودة، بحيث يتم تبني المفهوم الغربي والطريقة الغربية والسياسات الغربية، والدفاع عنها وتسويقها بشتى السبل.

مثال آخر أكثر فجاجة.. محمد أركون؟ وهو مفكر جزائري، جلُّ مؤلفاته باللغة الفرنسية، وقد ترجم البعض منها مؤخرًا إلى العربية، وكذلك بعض نصوص محاضراته التي نشرتها بعض المجلات العربية.

عند أركون أهداف واضحة لمن يستقرئ أعماله ويصبر على التزوير والمراوغة واللعب بالكلمات في غير معانيها حتى يحصل على هدفه الكبير من كل مشروعه، وسائلُه نقد الكتَّاب الإسلاميين الذين ليست لهم صلة بالمدارس الغربية في الفكر، ويرى اعتبار المعرفة الإسلامية نموذجًا أسطوريًّا لا بد أن يخضع للدراسة والنقاش، ويرى المجاهرة باعتبار العلوم الإسلامية سياقًا معرفيًّا أسطوريًّا يزعج المسلمين ويهز إيمانهم، ولكن لا بد - كما يرى - من بناء مفاهيم جديدة مستمدة من الاحتياجات الجديدة كما فعل السلف، ويرى أن هناك مناطق عديدة في الفكر الإسلامي لا تُمَسُّ ولا يُفكَّر فيها، مثل: مسألة عثمان رضي الله عنه وقضايا جمع القرآن، والتسليم بصحة أحاديث البخاري، والموافقة على الأصول التي بناها الشافعي، ويرى أنه يضع أساسًا للاجتهاد وعقلانية جديدة.

ويرى أن القرآن عمل أدبي لم يدرس كما يجب إلا من قِبل ندرة، أهمهم عنده: "محمد أحمد خلف الله" عندما كتب عن القصص الفني في القرآن، وقال: إن القصة القرآنية مفتعلة.

كما يرى أن القرآن والكتب السابقة تعاني من سياق واحد، ويضع القرآن مع الأناجـيل في مستوى من الثبوت والدراسة واحد، ويرى أهمية النقد والتجديد.

وهو يرى أن الحديث هو جزء من التراث الذي يجب أن يخضع للدراسة النقدية الصارمة لكل الوثائق والمواد الموروثة، كما يسميها[7].

والأمثلة على جهالات وضلالات الليبراليين كثيرة، فمن بلاد الشام يظهر معنا مثلٌ آخر. امرأة لبنانية، استهوتها حركة تحرير المرأة، فخطَت فيها خطوات كثيرة، ولكن كل هذا التحرير المزعوم الذي حدث في لبنان لم يرضِها (كشف وجه، بل كشف غيره! واختلاط، وسياسة، وغناء، وتمثيل، ورقص... إلخ)؛ لهذا فقد ألَّفت -قبل سنوات - كتابًا بعنوان: (تحرير المرأة في لبنان)، ولكن من قرأ الكتاب عرف الخطوة الأخيرة التي سيوصلها التدرج في التحرير المزعوم لا محالة، ولو من البعض الجريء.

قالت في هذا الكتاب:
الدين هو أول عائق خارجي في سبيل تحرير المرأة، ثم تتجرأ أكثر وتخطو خطوة شيطانية لتقول: المشكلة الأساسية بالنسبة للدين الإسلامي هي مشكلة النصوص؛ أي في كونها منزلة، فهذا مما يجعل تحرير المرأة المسلمة أصعب بكثير من تحرير المرأة المسيحية، وثورة المرأة المسلمة يجب أن تكون أعنف وأقوى من ثورة المرأة المسيحية؛ لأنها ستقوم ضد النصوص، ثم تجهر بخطوتها الأخيرة قائلة: لا تمارس المرأة اللبنانية حقوقها هذه؛ لأنها محرومة من الحق الأساسي؛ أي: حق التحرر الجنسي، والعلائقي، الذي ما زال وقفًا على الرجل، وحقًّا له وحده.. والمجتمع اللبناني الذي يحجب عن المرأة أي حق بإقامة علاقة جنسية خارج الزواج يرغمها إما على الانحراف لإشباع حاجاتها بطرق وأساليب غير طبيعية، وإما أن تلجأ إلى الكبت، أو تلجأ لأساليب الجنس الشاذة؛ كالسحاق[8].

ولعل ما نشاهده هذه الأيام من ليبراليي دول الربيع العربي ونباحهم ليل نهار ضد الإسلام والشريعة الإسلامية، ودعوتهم للدولة المدنية (اللادينية) أمر زائد عن حده، وزاد حنقهم بعد وصول الإسلاميين إلى الحكم في بعض الدول، فكأنما ارتكبت الشعوب خطيئة لا يمحوها إلا حملات الكذب والتشويه غير المسبوقة لكل ما هو إسلامي.

مع زعمهم أنهم دعاة الديمقراطية والتعددية، فإنهم لا يملون من الحديث على عدم أحقية الإسلاميين في الحكم.

مما ينفي مصداقيتهم والتزامهم بمبادئ الليبرالية الغربية، ويجعل الليبرالية العربية حالة فريدة من نوعها، قوامها: رفض هوية الأمة ودِينها وشريعتها.

ويزيد من الأمر غرابة أن موقف الليبرالية العربية المتعنت هو من الدين الإسلامي فقط؛ فمن المشاهد احترامهم الشديد للكنيسة وكهنتها، وزيارتهم المستمرة لها، ولعلنا نلاحظ طائفة من هؤلاء يدافعون باستماتةٍ عن الكنيسة وتصرفاتها حتى شك البعض في كونهم متنصرين.

لكنها الليبرالية العربية التي لا تتخذ عدوًّا إلا الإسلام فقط!
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] بحث: وسقط صنم الليبرالية/ رأفت صلاح الدين/
http://www.saaid.net/book/open.php?cat=89&book=6626
[2] المصدر السابق.
[3] الليبرالية تعريفها وتاريخها، د. خادم حسين إلهي بخش/ موقع صوت الحق.
http://www.soutulhaq.net/Show_archiv.php?mcat=1m&id=45
[4] دعاة اللبرلة! عقول محتلة، أم ولاءات مختلة؟، د. عبدالعزيز كامل، مجلة البيان 219.
[5] الليبراليون العرب، هل هم حقًّا ليبراليون؟ / أحمد دعدوش / مجلة البيان 219.
[6] دعاة اللبرلة! عقول محتلة، أم ولاءات مختلة؟/ مصدر سابق.
[7] محمد أركون ومعالم أفكاره/ د. محمد حامد الأحمري/
http://www.saaid.net/mktarat/almani/43.htm.
[8] دكتورة لبنانية متحررة تكشف آخر أوراق دعاة التغريب!/ سليمان الخراشي/
http://www.saaid.net/Warathah/Alkharashy/mm/44.htm

----------------------------------------

عبدالناصر محمود
08-23-2014, 07:18 AM
غنائم الغرب من الحروب الصليبية
ــــــــــــــــ

27 / 10 / 1435 هــ
23 / 8 / 2014 م
ــــــــــ

(عبدالعزيز كحيل)
ــــــــــ



لا تكتفي الأقليَّة العَلمانية في البلاد الإسلامية بالمطالبة بتَحْيِيد الإسلام، والفصل بين أحكامِه وبين نظام الدولة، كما هو الأمر في البلاد الغربية، وإنَّما تُمْعِن في الطعن الصَّريح تارة والخفي تارة أخرى في مَرجعيته وتَجرُّده من المحاسن، ولا تنسب إليه أيَّ إيجابية، لا في الأخلاق، ولا في التشريع، ولا في النظرة إلى الكون والإنسان والحياة، ويُجَنُّ جنونها، وتتوتَّر أعصاب دعاتها حين يربط دين الله بالعلم، ويقول القائلون: إنَّ الإسلام يقوم في كلِّ مجالاته على المعرفة العميقة والعلم الرَّاسخ، وقد أقام بهما حضارة امتدَّت في الزمان، فدامت ثلاثةَ عَشَرَ قرنًا، واتَّسعت في المكان شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوبًا، وغاصت عمقًا، فشَمِلَت حياةَ الفرد والمجتمع والأمم في العقائد، والأخلاق، والسُّلوك على أصعدة التجارة، والسياسة، والسلم، والحرب، والتربية، والاجتماع، والاقتصاد، والأدب، والفنِّ.

"ما للإسلام والعلم والحضارة؟ إنَّه فقط عَلاقة رُوحية بين الفرد ومُعتقداته الغيبية، بل هو في الحقيقة سبب تأخُّر المسلمين، وما داموا يقحمونه في شؤون السياسة والتنمية والحياة الشخصيَّة، فلن يزيدوا إلاَّ تقهقُرًا"؛ هذه قناعة العَلمانيِّين في بلادنا، لا يكادون يتزحزحون عنها قِيدَ أُنْمُلَة، ويرفضون أنْ نُناقشهم فيها، فلننظرْ في صفحات التاريخ، لعلَّ بعضَهم يتنازل عن كبريائه، ويُذعن للحقِّ، فيعود إلى صفِّ أمَّته التي يَدَّعي الانتصار لها.

نعرف ماذا جَنَت حروب الفرنجة - التي سمَّاها النصارى "الحروب الصَّليبية" - على المسلمين، لكن ماذا جنى منها الغربيُّون بعد تسع حملات متتالية تزعَّمها ملوكهم وقادةُ كنائسهم، وكان تَعْداد الجنود فيها بمئات الألوف؟

هذا ما لا يُكلِّف العَلمانيُّون أنفسَهم عناءَ البحث فيه؛ لأنَّهم مثل كلِّ المقلدين للمتغلِّب والمهزومين روحيًّا، يرتمون في أحضان الأفكار التغريبية الميِّتة والمُميتة، مُنبهرين بها، واقفين عند سطحها، لا يغوصون في أعماقها، ولا يبحثون عن تاريخ نشأتِها؛ لإدراك حقائقها، ومعرفة دقائق مسيرتها، وهذا الجهلُ قاد النخبة المنسلخة من مقوِّمات المجتمع إلى الدُّخول في حرب ضدَّ الإسلام من منطلق كَنَسِي عَفَّى عليه الزمان، ولعلَّ هذا الموقف العدائي الذي لم يتَّعظ بدروس التاريخ يُحتِّم علينا أنْ نرجع ببعض التحليل إلى الحروب الصَّليبية، باعتبار ذلك صفحةً منسيَّة من الصراع الفكري الثقافي العقدي، الذي انتصر فيه الإسلام، وانتصرت فيه الروح العلمية.

هل كانت الحروبُ الصليبية حروبًا استعمارية توسُّعية فحسب، أو هي مُواجهة بين ديانتين مُتجاورتين جغرافيًّا، كما يردِّد بعض الباحثين؟
هذا تفسير في غاية السطحية، بل في منتهى الزيف لمن تتبَّع أبعاد تلك الحروب، فمن خلالها كانت الكنيسة تريد القضاءَ على التحرُّر الفكري بوقف زحف المسلمين الذي من شأنه زَعْزَعَة العقائد النصرانية المصادمة لحقائق العلم والمجافية له، كما كانت تُحرِّض الملوك والإقطاعيِّين على حرب الإسلام؛ لتُضعف قوَّتهم وسيطرتهم؛ لتتعاظم قوَّتها هي، إضافةً إلى شغل الرأي العام عن خلافاتِها الداخلية المحتدمة.

إنَّ الحروب الصليبية كانت حروبًا ضد الأفكار التحرُّرية، ومن أجل تكريس الاستعباد الفكري للنَّصارى، كانت دفاعًا عن الجهل ضِدَّ العلم، الذي كانت أوروبا تخشاه وتبغضه؛ لأنَّها رأت مركزها المبني على الخرافة والاستبداد باسم الدين يتهاوى أمام الإشعاع العلمي المنبعث من بغداد وقرطبة والقاهرة وغيرها من الحواضر الإسلامية، والكنيسة كانت تعلم أنَّ جبروتها لن يصمد أمام المنهج العلمي، الذي يتبنَّاه المسلمون، والذي ما كان ليدع وزنًا لشعارات: "اعتقد ثم استدلَّ"، أو "أغمض عينيك واتَّبعني"... إلخ، وبدل أن تَحتضن النور الوضيء راحت تُحاول وقف زحفه؛ لتحافظ على امتيازاتِها المادية والأدبية في ظلِّ الظلام البهيم.

ولكنَّ المتتبع لحركة الأفكار وأحداث التاريخ يتأكَّد أن فترة الحروب الصليبية كانت إيذانًا بانحطاط الدين النصراني المحرَّف حيث أدَّى الاحتكاك بالمسلمين عقودًا عدَّة إلى استفاقة حقيقية في الصفِّ النصراني، فشجَّع العلماء والباحثين والمفكرين على الثَّورة على الكنيسة المتسلِّطة والانعتاق من قبضتها الحديدية، وهذا حَدَثٌ ضخم قلب كثيرًا من الموازين والحقائق والمسلَّمات والمناهج في أوروبا، وعرف بالمعركة بين العلم والكنيسة، وانتهى بعد تطوُّرات وسجال ومعارك طاحنة إلى انتصار العلم، عندما أثبت زَيْفَ الكتب المقدَّسة التي فرضتها الكنيسة على المجتمع، واعتبار تلك الحِقْبة زمن انطلاق الثورة على الكنيسة ليس رأيًا ذاتيًّا، فقد اعترف بذلك مؤرخون وعلماء كثيرون، وحسبنا شهادة مفكِّر وأديب نصراني مُبغض للإسلام هو "شاطوبريان".

إن النصارى الذين غَزَوْا بلادًا إسلامية، ومكثوا فيها زمنًا طويلاً - لمسوا مدى احتفاء المسلمين بالعلم، واحترامهم للعقل، ومدى تمسُّكهم بالمنهج التجريبي إلى جانب ما كانوا عليه من طيب الأخلاق، وحسن المعاملة، وعلموا أنَّ كل هذا يأمر به الإسلام، في حين تشجِّع الكنيسة الخرافة، وتؤجِّج الأحقادَ، وتعمل على تكاثُر الخطايا والخطَّائين؛ ليزدهر بيعُ صكوك الغفران، فانزاحت حجب التضليل عن أبصار المنصفين، ورجعوا إلى أوروبا غانمين للمنهج العلمي والتحرُّر الفكري، ولعله من المهم التذكير بكلِّ اعتزاز وجُرأة أنَّ حركة تحرير المرأة الأوروبية انطلقت بعد شرارة الحروب الصليبية في اتِّجاه تحسين مركز وظروف كائنٍ كان يُعَدُّ سببَ البلايا ورَمْزَ الشرِّ في نظر النصرانية المحرَّفة، فالمرأة الغربية مَدينة للإسلام في رفع مستواها وتكريمها، خلافًا للأفكار المعلَّبة السائدة، حتَّى عند بني جِلْدتنا من المفتونين بالغرب على غير بصيرة.

هكذا إذًا انهزم الأوروبيُّون عسكريًّا، ولكنَّهم غنموا آلياتِ الحياة الفكرية، وأحسنوا العمل، فبلغوا ما بلغه المسلمون من قبل في عِمارة الأرض، وزادوا عليه، كيف لا، وقد أخذوا من فلسفة الإسلام أهمَّ مسألتين أحدثتا انقلابًا معرفيًّا واجتماعيًّا في أوروبا، هما:
♦ القضاء على فكرة الحكم الإلهي التي كان يستند إليها ملوكُهم، الذين لم يكن للشعوب دخلٌ في تعيينهم أو محاسبتهم، وتبعًا لذلك - أو قبله - القضاء على سطوة الكنيسة وتحكُّمها في السياسة والمال والأفكار.
♦ التحرُّر من فكرة الخوف من الطبيعة التي درجوا عليها بناءً على تعاليم الكهنوت، وذلك أفسح لهم مجالَ معرفةِ الكون وأسراره، والسنن التي تحكمه، ومِنْ ثَمَّ استخراج خيراته على اختلافها.

بهذه الغنائم دخل الغرب التاريخَ حين أحسن استعمالها، فقد تحرَّر من الملك العَضوض من جهة، وخاض غمار استكشاف الكون من جهة ثانية، فانعتق من الاستبداد السياسي والكهنوتي ومدَّ يد البحث العلمي إلى أعماق البحار، وسطح الأرض، وجو الفضاء، وتمكَّن الإنسان من الإبداع في جميع المجالات، وهو لا يخشى أن يحرق حيًّا بتهمة الهرطقة، كما حدث لغير واحد من عباقرة أوروبا في ظل الجبروت الكنسي.

هذه حقائق يَصْدَع بها مؤرِّخون غربيُّون منصفون، لكنَّ النخبة العلمانية العربية تَهْرِفُ بما لا تعرف! وباسم العلم والحَدَاثة والتقدُّم! ولو أنصفت لاختصرت الطريق، وبدلَ أن تأخذ من التلميذ تَعْمِد مُباشرة إلى الأستاذ، لكن هذه مشكلتها: إنَّها لا تعترف بأيِّ فضل للإسلام؛ لأنَّه الطود الشامخ، والعَقَبَة الكَأْدَاء أمام حركة التَّغريب والانسلاخ من مقوِّمات الأصالة، وقد أجَّجت حيويةُ الإسلام أحقادَ الياسوعيِّين الجُدُد، فأعمَتْهم عن إبصار أيٍّ من مَحاسنه، ولو اعترف بها غير المسلمين أنفسهم، وما زلنا نذكر أنَّ شخصيةً بارزة تُمثِّل العرب في أكبر عاصمة أوروبية كان موقفها من قضية الحجاب المشهورة، التي اشتعل أُوَارُها في منتصف الثمانينيَّات من القرن العشرين بفرنسا - أخزى من موقف الفرنسيِّين أنفسهم؛ إذ وصف ذلك المسؤول الحجاب بأبشعِ الأوصاف، واتَّهم من يَرتدينه بالتخلُّف والظلامية والطائفية، وهي مصطلحات تعلَّمها من قاموس النظام العلماني الاستبدادي الجاثم على بلده الأصلي.

غيرَ أنَّ الإسلاميين يتحمَّلون جزءًا كبيرًا من مسؤولية انطماس معالم العقليَّة الإسلامية؛ إذ كان ينبغي المبادرة إلى تكثيف العمل؛ من أجل تجليتها نظريًّا وعمليًّا؛ لإقامة الحُجَّة على خصوم الإسلام، وبيان أنَّ الحرية والروح العلمية والذهنية المبدعة إنَّما هي بضاعتنا أساسًا، ولا يَكفي التغنِّي بالأمجاد، بل يَجب المنازلة في ميدان البَذْل والعطاء العلمي؛ لإسعاد البشرية بَدءًا بالأمة الإسلامية المقهورة، وتلك خير إجابة نُعطيها للغرب المتنكِّر، وللنخبة العاقَّة التي "تأكل غلَّتنا وتسبُّ مِلَّتنا" كما يقول المثل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
08-26-2014, 09:48 AM
أهم خرافات العلمانية
ــــــــــــ

(د. عامر الهوشان)
ـــــــــ

30 / 10 / 1435 هـ
26 / 8 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/4057.jpg

رغم التقدم العلمي والتقني الكبير الذي وصل إليه العالم المعاصر, من خلال ثورات متلاحقة في الاتصالات و المعلومات, ومن خلال غزو الفضاء واختراق المجهول وتسارع وتيرة المخترعات والمبتكرات, إلا أن تصوره عن الكون والإنسان والحياة ما زال قاصرا عن الحقيقة, كما أن كثيرا من الخرافات والأساطير ما تزال تهيمن على كثير من معتقداته وأفكاره, وخاصة فيما يتعلق بالأمور الدينية العقائدية, وإن كان يدعي عكس ذلك في كل مناسبة.

وإذا كان الغرب لا يفتأ يتهم الأديان السماوية زورا وبهتانا -وعلى رأسها الدين الإسلامي الحنيف الذي يعتبر الدين الوحيد الذي لم يطاله شيء من التحريف أو التزييف– باحتوائها على الخرافات, وينسب لها –افتراء- الأساطير والأوهام, فإن العلمانية التي جاء بها الغرب -كبديل حضاري عن الأديان كما يزعم- مليئة بالخرافات التي لا تقل سوءا عن خرافات أهل الجاهلية الأولى, إلا أنها بصورة منمقة تناسب العصر والزمان الحالي.

نعم .. قد يكون هناك بعض الفرق التي تدعي الانتساب إلى الإسلام -وهي منه ومن تعاليمه ومبادئه وثوابته براء– تعتقد وتوقن ببعض الخرافات التي لا أساس لها من الصحة, كتلك التي تعتقد بأن الأموات ينفعون أو يضرون, أو أن أحدا من البشر يطلع على الغيب أو غير ذلك, إلا أن ذلك يعتبر استثاء لا يمكن أن يعمم على جميع المسلمين, ناهيك عن كون هذه المعتقدات الخرافية مخالفة لتعاليم الإسلام الذي حاربها -وما زال- دون هوادة من أجل القضاء عليها.

وإذا كانت الخرافة أنواع وأشكال, فهناك خرافة اجتماعية ثقافية كاعتقاد بعض الناس أن الخرزة الزرقاء تدفع الشر أو أن الغراب ي*** الخراب, أو شخصية كمن تحل به مصيبة في يوم معين فيربط الشؤم بهذا اليوم طوال حياته, فإن ما يهمنا في هذا المقال هي الخرافة الفكرية العقائدية في العلمانية المعاصرة.

تعريف الخرافة

وقبل البدء بأهم خرافات العلمانية لا بد من تعريف الخرافة لغة واصطلاحا, أما في لغة العرب فالخرافة هي الحديث المستملح من الكذب كما قال ابن منظور في كتابه لسان العرب, كما نقل عن ابن الكلبي قوله: خرافة: اسم لرجل من بني عذرة أو جهينة, غاب عن قبيلته زمنا ثم عاد فزعم أن الجن استهوته واختطفته, وأنه رأى أعاجيب جعل يقصها عليهم فأكثر فكذبوه حتى قالوا في الحديث المكذوب (حديث خرافة) وقالوا فيه (أكذب من خرافة).

وفي الاصطلاح هي معتقد لا يعتمد على أساس من الواقع ولا من الدين، مثل الأقوال أو الأفعال أو الأعداد أو الأبراج التي يُظن أنها ت*** السعد أو النحس, أو هي فكرة غير منطقية نشأت لتفسير ظاهرة ما، لم يتمكن الفرد من إيجاد تفسير واضح لها, وتتميز بالرسوخ في أذهان الكثيرين من الناس.

أهم خرافات العلمانية

1- فصل الدين عن الحياة: رغم كونها من أهم أسس العلمانية الغربية, ورغم أنها أضحت من أكثر النظم السياسية انتشارا وتطبيقا في دول العالم –من خلال شعار العلمانية الأبرز "فصل الدين عن السياسة"- إلا أن هذه الفكرة تعتبر بمقياس العلم والواقع خرافة لا وجود لها إلا في أذهان من ابتدعها واخترعها.

أما من ناحية خرافتها علميا, فإن الإنسان يميل إلى اعتناق دين -بغض النظر عن كونه حقا أم باطلا– بطبيعته, كما أن الإنسان متدين بفطرته, وهو كما يقول علماء الاجتماع و"الانثروبولوجيا" حيوان ديني, لا غنى له عن الدين ولا يمكن أن يحيا بدونه, فالتدين فطرة إلهية مركوزة في نفسه ووجدانه, ناهيك عن أن الدراسات الاجتماعية وحقائق التاريخ تؤكد أن التدين أيضا حاجة اجتماعية, وبالتالي فهي تهيمن على حياته وتتحكم في سلوكه وممارساته.

يقول برغستون: "لقد وجدت جماعات إنسانية من غير علوم ولا فنون ولا فلسفات, ولكن لم توجد قط جماعات بدون ديانة" وحين انحرفت الفطرة الإنسانية عن وجهتها الصحيحة, عبدت بعض الجماعات البشرية آلهة من دون الله, فجعل الإغريق لكل ظاهرة كونية إلها, فهناك آلهة الجمال والشمس والريح والظلمة والنور, وكذلك فعل الرومان والمصريون القدماء والهنود, ولم يحيا الإنسان عبر تاريخ وجوده الطويل بلا دين أبدا, ولا شك أن تلك الأديان قد أثرت على سلوكيات الإنسان سلبا أو إيجابا, فأين هي حقيقة مقولة: "فصل الدين عن الحياة"؟؟

وأما خرافتها واقعيا فلأنها في الحقيقة ينطبق على من ابتدعها المثل القائل "كالمستجير من الرمضاء بالنار", فإذا كانت الدول الغربية قد اخترعت العلمانية هربا من الكهنوت الكنسي الذي تسلط على رقابهم سنوات طوال, فإن هذه العلمانية أضحت اليوم كهنوتا جديدا ودينا حديثا, والفرق الوحيد بين ماكانوا عليه وما آلوا إليه, هو جعل المادية والنفعية دينا كبديل عن الأساطير الكنسية التي كانت تحكمهم, فهي في الحقيقة استبدال خرافة بخرافة وأسطورة بأسطورة أخرى.

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: أي دين ذاك الذي فصله الغرب عن حياتهم, وهم بأنفسهم من ابتدع دينا جديدا ليتحكم ليس في حياتهم فحسب, بل في حياة الملايين من البشر في هذا العالم, من خلال حملتهم المسعورة لفرض العلمانية على جميع الدول والشعوب, وخاصة على الدول والشعوب الإسلامية.

إن تحريف اليهود والنصارى لدينهم ولكتاب ربهم هو السبب الرئيس لنشأة الأفكار المنحرفة والعقائد الباطلة في هذا العالم, وإذا كانت العلمانية نتيجة طبيعية لغلو الكنيسة وخروجها عن حقيقة دين عيسى عليه السلام, حيث تحول التوحيد فيها إلى شرك بالله واضح, وأضحت العقائد الدينية بسببها خرافات وأساطير, فإنه سيأتي على العلمانية وقت يثور الناس عليها كما ثاروا على الكنيسة من قبل, لكونها كررت الخطأ ذاته, وإن لم يكن الخطأ بالغلو كما فعلت الكنيسة, وإنما بالتفريط وجعل الهوى والمادة والمنفعة دينا وإلها كما تفعل العلمانية الحديثة.

2- خرافة نفي الحقائق غير المادية: فالمادة والطبيعة والعقل والتجريب والحس والمشاهدة هي أساس كل شيء في هذا الكون عند أتباع العلمانية, وكل ما هو وراء المحسوس والعقل فهو خيال ووهم, والإيمان بالغيب في نظرهم جزء من الخرافات والأساطير التي لا بد من التخلي عنها.

فالدين عند العلمانية صنع بشري محض وإفراز تاريخي اقتضاه التطور البشري, بدأ بأساطير أملاها الخوف من القوى المجهولة, ثم تطور إلى تعدد الآلهة ليصل إلى توحيد الآلهة على يد الأديان التوحيدية, فالأديان مجرد وهم من أوهام الجماهير كما يرى "فرويد", والإنسان هو الإله الحقيقي الوحيد عند "فويرباخ", وأما "نيتشه" فهو الأكثر خرافية حين قال: "إن الله قد مات أو هو في طريقه إلى الموت -والعياذ بالله- فنحن لا نقصد أن العقائد الدينية قد تلاشت من ضمير الشعوب، وإنما نعني أن النظرة العلمية التي وصل إليها الإنسان عن طبيعة الكون والمجتمع والإنسان خالية من ذكر الله تماما".

وإذا تحدثنا عن الجنة والنار والملائكة والجن وغير ذلك من الأمور الغيبية, فجميعها عند العلمانية خرافات وأساطير لا يعترف بها, فالحقيقة عندهم وقف وحكر على ما هو خاضع للمادة والتجربة والحس.

وعلى الرغم من أن نفي الحقائق غير الخاضعة للمادة والحس والعقل هي الخرافة الأكبر والأخطر على البشرية, لكونها ببساطة تنفي الكثير من الحقائق الموجودة في حياة الإنسان عمليا وواقعيا, فالروح موجودة بلا ريب ومع ذلك لا يعرف العلمانيون عنها أي شيء, وهي غير خاضعة للحس والعقل والتجريب, وسر الحياة الكائن في هذه الروح والتي تنعم بسببها المخلوقات بالاستمرار والبقاء موجود أيضا, وعلى رغم من ذلك فإن العقل العلماني لم يفسر لنا شيئا من أسرار هذه الحياة التي نعيشها, ناهيك عن كثير من الظواهر الكونية التي لم يجد الفكر العلماني لها أي تفسير أو توضيح حتى اليوم, فأين هو العقل والحس ليخضع تلك الظواهر إلى مختبره وتجربته.

ولعل أعظم دليل على خرافة نفي الحقائق غير المادية عند العلمانية هو وجود الله تعالى, فجميع ما في الكون يدل على وجود الصانع سبحانه, وكل البدهيات العقلية –التي يتملق أتباع العلمانية بالخضوع له– تدل بما لا يدع مجالا للشك على وجود الله تعالى, ومن المعلوم أن الله جل جلاله لا يمكن أن يخضع للحس والمادة والعقل, لأنه ببساطة هو خالق العقل والمادة والحس سبحانه وتعالى, مما يعني أن نفي الحقائق غير المادية عند العلمانية خرافة وأي خرافة؟!!

لقد عاند كبار رموز العلمانية والإلحاد حقيقة وجود الله تعالى على مر عقود من الزمان خلت, إلا أن تطور العلم الحديث كان يثبت يوما بعد يوم عقم الأفكار العلمانية وصحة الحقائق الإسلامية, فتساقط العلمانيون واحدا تلو الآخر, وتخلوا عن خرافة نفي الحقائق غير المادية في هذا الكون, واعترفوا بوجود الإله سبحانه, وكان آخرهم (سير أنتوني فلو) أستاذ الفلسفة البريطاني الشهير, من خلال كتابه الذي صدر عام 2007م بعنوان: (هناك إله).

3- خرافة أن العلمانية هي الحل: رغم كونها من أكبر خرافات العصر الحديث, إلا أن الغرب استطاع أن يروج لهذا الشعار في معظم دول العالم وشعوبها, كبديل عن حقيقة أن الإسلام هو الحل, مستغلا قوته المادية والآلة الإعلامية الجبارة التي تقلب الحق باطلا والباطل حقا, والتي تسوق الخرافات والأساطير على أنها حقائق علمية وعقلية.

وبعيدا عن الخوض في الأسباب التي أدت لتبني الغرب للعلمانية, والتي من أهمها تسلط الكنيسة التي حاربت العلم والعلماء وانحرفت بالدين النصراني عن حقيقته وجوهره الأصيل كما نزل على عيسى عليه السلام, فإن هروب الغرب من الكهنوت الكنسي إلى الكهنوت المادي الإلحادي كان هروبا من الغلو إلى التفريط ومن الخرافة الدينية الكنسية إلى الخرافة المادية كما سبق.

وإذا كانت البيئة في الدول الغربية قد مهدت لظهور العلمانية وتقبلها هناك, نظرا للتحريف الكبير الذي تعرضت له النصرانية على يد اليهود, فإن بيئة الدول الإسلامية تختلف اختلافا جذريا عن الغرب, فالإسلام محفوظ بحفظ الله ولم يتعرض لأي تبديل أو تشويه أوتحريف, وهو لا يتعارض مع العلم ولم يضطهد العلماء كما فعلت الكنيسة, بل على العكس من ذلك فالعلماء هم أعلى الناس منزلة عند الله تعالى بنص القرآن الكريم: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} المجادلة/11, كما أن العلماء همأكثر الناس خشية لله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} فاطر/28, ناهيك عن الآيات والأحاديث التي تحض على طلب العلم وفرضيته في الإسلام, وابتداء الوحي على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بكلمة "اقرأ", فكيف بعد كل هذا تكون العلمانية هي الحل؟؟

ثم إن الواقع المعاصر يؤكد أن شعار "العلمانية هي الحل" خرافة بكل المقاييس, فبينما ادعت العلمانية أنها إن طبقت واعتقد الناس بها فإنها ستقضي على التعصب الديني المنتشر في العالم, فإنها وبعد إيمان كثير من النخبة في الدول العربية والإسلامية بها, بالإضافة لمحاولة إقناع جميع الناس بقدرة العلمانية على حل هذه المعضلة فيما بينهم, وذلك من خلال تركيز وسائل الإعلام على نجاعتها في الحل, ناهيك عن عقود من التطبيق الكامل لها في معظم دول العالم, فإننا لا نرى التعصب الديني قد تناقص فضلا عن أن يزول وينتهي, بل على العكس من ذلك تماما , فقد ازداد التعصب الديني كما وكيفا في ظل العلمانية, بل وبتحريض ورعاية منها, والأحداث الدامية التي نشهدها في العالم اليوم –وخصوصا العالم العربي والإسلامي- أكبر دليل على هذه الزيادة الملحوظة.

لقد قضت العلمانية على الحياة الروحية تماما, وحولت الإنسان من كائن حي ينبض ب********ة والمحبة والإلتجاء لخالقه ومولاه, إلى كائن مادي أرضي لا صلة له بالسماء, فانتشرت بسببها الأمراض النفسية, وامتلأت عيادات الأطباء النفسانيين, وكثرت حالات الانتحار للخلاص من الحياة المادية الروتينية, فكيف تكون العلمانية هي الحل؟؟

كما أن العلمانية كانت سببا بتفكك الروابط الأسرية والاجتماعية, وكانت العامل الأبرز في إطلاق شهوات الإنسان الغريزية خارج نطاقها وضوابطها الدينية والأخلاقية, فانتشرت الرذيلة وعم الفساد الخلقي, حتى ظهرت الأمراض والأوجاع التي حيرت العلماء وأنهكت البشرية ماديا ومعنويا, فكيف تكون هي الحل وهي في الحقيقة المشكلة والمعضلة؟؟

كثيرة هي الخرافات والأساطير العلمانية, ولا مجال لحصرها واستعراضها في هذا المقال, ويكفي ما ذكر ليستيقظ المخدوع بشعارات العلمانية البراقة من غفوته وسكرته, ويعلم أن العلمانية في الحقيقة وهم وخرافة, ويتيقن المسلم أن دينه هو الحقيقة الوحيدة المتبقية في هذا الكون, فيزداد إيمانا مع إيمانه ويقينا فوق يقينه.
--------------------------------

عبدالناصر محمود
09-03-2014, 07:59 AM
تعريف العلمانية ونشأتها
ــــــــــــ

(علي محمد مقبول الأهدل)
ـــــــــــــ

8 / 11 / 1435 هــ
3 / 9 / 2014 م
ـــــــــــ

http://4.bp.blogspot.com/-PxomyEWY1_I/TdtK0yyV6VI/AAAAAAAAAYo/r4-taTT6ZH4/s1600/%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25B9%25D9%2584%25D9%2585 %25D8%25A7%25D9%2586%25D9%258A%25D8%25A9.jpg


تعريف العلمانية ونشأتها
------------

تعتبر العلمانية كلمة لها أكثر من مدلول، وهي ذات تاريخ طويل، وقد انتقلت مع الزمن من معنى إلى معنى آخر.

وقد حاول مترجموها عن اللغات الغربية إخفاء حقيقتها، حتى لا تصدم الحس العربي وتبقى في نطاق العلم، هو نطاق يرد عنها عادية الاتهام. ويبقى هدفها الحقيقي مختفياً وراء اللفظ المشتق من أقرب الأسماء إلى نفوس العرب والمسلمين[1].

والعلمانية مادة علمية متشعبة؛ وقد بحثت كثيراً وفيها رسائل علمية كثيرة.. ولذلك سوف أتكلم وباختصار شديد عن النقاط الآتية في العلمانية:
أولاً: تعريفه العلمانية.
ثانياً: نشأة العلمانية.
ثالثاً: هل للعلمانية مسوغ في العالم العربي والإسلامي؟
رابعاً: نماذج لبعض صور العلمانية.
خامساً: وسائل العلمانية في تحريف الدين.

أولاً: تعريف العلمانية:
---------------

لفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة (Secularism) في الإنجليزية أو (Secularite) بالفرنسية. وهي كلمة لا صلة لها بلفظ (العلم) على الإطلاق ولا حتى مشتقاته. والعلم في اللغة الإنجليزية والفرنسية معناه (Science) والمذهب العلمي نطلق عليه كلمة (Scientism) والترجمة الصحيحة لكلمة (Secularism) هي "اللادينية" أو "الدنيوية" وتتضح الترجمة الصحيحة من التعريف الذي تورده المعاجم ودوائر المعارف الأجنبية للكلمة، فدائر المعارف البريطانية تقول وفي مادة (Secularism) هي: "حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها".

ويقول معجم إكسفورد "الرأي الذي يقول أنه لا ينبغي أن يكون الدين أساساً للأخلاق والتربية".

والتعبير الشائع في الكتب الإسلامية المعاصرة هو: "فصل الدين عن الدولة"، وهو في الحقيقة لا يعطي المدلول الكامل للعلمانية الذي ينطبق على الأفراد وعلى الذي قد لا يكون له صلة بالدولة، ولو قيل أنها "فصل الدين عن الحياة لكان أصوب" ولذلك فإن المدلول الصحيح للعلمانية هو: "إقامة الحياة على غير الدين سواء بالنسبة للأمة أم للفرد"[2].

ثانياً: نشأة العلمانية:
------------

أما عن النشأة فيمكن تلخيصها في الآتي:

1- الطغيان الكنسي:

فقد نشأت العلمانية في أوروبا إثر صراع مرير بين الكنيسة ورجال الدين فيها وبين الجماهير الأوروبية؛ لأن رجال الدين تحولوا إلى طواغيت ومحترفين سياسيين ومستبدين تحت ستار الدين، وقول الراهب جروم: "إن عيش القسوس ونعيمهم كان يزري بترف الأمراء والأغنياء المترفين. وقد أنحطت أخلاق البابوات انحطاطاً عظيماً، واستحوذ عليهم الجشع وحب المال؛ بل كانوا يبيعون المناصب والوظائف كالسلع، وقد تباع بالمزاد العلني، ويؤجرون أرض الجنة بالوثائق والصكوك، وتذاكر الغفران..." ودخلت الكنيسة -أيضاً- في نزاع طويل وحاد مع الأباطرة والملوك لا على الدين والأخلاق ولكن على السلطة والنفوذ..

2- تحريف النصرانية:

وكانت القاصمة التي بها تم ذلك انفصام النكر بين الدين والحياة وهو الجناية الكبرى التي جنتها الكنيسة الغربية على نفسها وعلى الدين النصراني.. هو احتجاز الكنيسة لنفسها حق فهم الكتاب المقدس وتفسيره، وحظرت على أي عقل من خارج الكهنوت أن يحاول فهمه أو تفسيرة.

وأوجدت الكنيسة بعض المعميات في العقيدة النصرانية لا سبيل لإدراكها أو تصورها أو تصديقها.. ومثال ذلك العشاء الرباني وهي مسألة مستحدثة ما جاء بها الكتاب المقدس، وقصتها:
إن النصارى يأكلون في الفصح خبزاً، ويشربون خمراً، ويسمون ذلك العشاء الرباني؛ وقد زعمت الكنيسة أن ذلك الخبز يستحيل إلى جسد المسيح وذلك الخمر يستحيل إلى دم المسيح المسفوك فمن أكلهما وقد استحالا هذه الاستحالة فقد أدخل المسيح في جسده بلحمه ودمه...

وقد فرضت الكنيسة على الناس قبول هذا الزعم ومنعتهم من مناقشته؛ وإلا عرضوا أنفسهم للطرد والحرمان.

3- الصراع بين الكنيسة والعلم:

والأدهى من ذلك وقوف الكنيسة ضد العلم وهيمنتها على الفكر، وتشكيلها لمحاكم التفتيش وقتل العلماء مثل: كوبر نيكوس الذي ألف كتاب حركات الأجرام السماوية وقد حرمة الكنيسة هذه الكتب، وجردانو الذي صنع التلسكوب فعذب عذاباً شديداً حتى توفي وغيرهم كثير..

وخلاصة القول: إن هذا الدين المحرف هو الذي ثارت عليه أوروبا؛ وهي ملابسات أوروبية تحته وليست إنسانية عالمية، ومتعلقة بنوع معين من الدين لا بحقيقة الدين..

هذه هي قصة العلمانية رد فعل خاطئ لدين محرف وأوضاع خاطئة كذلك، ونبات خرج من تربة خبيثة ونتاج سيئ لظروف غير طبيعية.. ولا شك أنه كان من المفترض على أوروبا التي ابتليت بهذا الدين المحرف أن تبحث عن الدين الصحيح ولا تكون مجتمعاً لا دينيناً..

ثالثاً: هل للعلمانية مسوغ في العالم العربي والإسلامي:

إذا وجدنا مجتمعاً آخر يختلف في ظروفه عن المجتمع الذي تحدثت عنه، ومع ذلك يصر على أن ينتهج اللادينية ويتصور أنها حتم وضرورة فماذا نحكم عليه؟! وكيف يكون ألحكم -أيضاً- إذا كان هذا المجتمع الآخر يملك الدين الصحيح...

فقط نثبت السؤال، ونترك - ولا نقول لكل مسلم - بل لكل عاقل الإجابة عليه[3].
-------------------------------------
[1] سقوط العلمانية، أنور الجندي، (ص:7).
[2] انظر: العلمانية، د. سفر الحوالي، (ص:21)، تهافت العلمانية، د. عماد الدين خليل، (ص:7)، ومذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب، (ص:445).
[3] راجع للتوسع: العلمانية، د. سفر الحوالي، (ص:12) وما بعدها، مذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب، (ص:445)، المستقبل لهذا الدين، سيد قطب، (ص:27) تهافت العلمانية، د. عماد الدين خليل، (ص:7)، لماذا نرفض العلمانية، محمد محمد بدري، (ص:72)، سقوط العلمانية، أنور الجندي، (ص:18).


---------------------------------

عبدالناصر محمود
09-11-2014, 07:50 AM
أن تُنْزَعَ رؤوس من رمال
ــــــــــــــ

(د. محمد علي يوسف)
ـــــــــــ

16 / 11 / 1435 هــ
11 / 9 / 2014 م
ــــــــــــ

http://albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/16.jpg


لم تكن الثورة الفرنسية في بداياتها تعرف ذلك الشعار المشهور عنها اليوم، الذي ينسب لميرابو خطيب تلك الثورة، إذ يقول:
«اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس».
تلك الثورة لم تكن في الأصل ثورة على الكنيسة كمؤسسة أو على المسيحية كدين، لكنها كانت ثورة على ممارسات سلطوية متشابكة بين الكنيسة والإقطاع والسلطة الملكية الحاكمة؛ ممارسات أدت إلى تردٍّ اقتصادي واجتماعي شديد، فكان المطلب الرئيس لها الذي يدركه الفلاح الفقير الذي كان وقود تلك الثورة، هو الخبز والخبز أولاً، كما أشار إلى ذلك سير. هـربرت جورج ويلز في كتابه “معالم تاريخ الإنسانية”.
لذلك؛ احتاج تلاميذ فولتير وروسو وموليير إلى أن يقوموا بمرحلة وسيطة تتيح لهم غرس تلك الأفكار المتمردة والمعقّدة في عقول أولئك البسطاء، من خلال حملات توجيه بسيطة وسهلة الفهم، لكنها تغرس في العقل الجمعي الفرنسي صورة مشوهة لرجال الدين.
قاد خطباء الثورة والممثلون في مسارحهم المتنقلة، تلك الحملة لسنوات أحصاها بعض المؤرخين بعشر سنوات، وقال بعضهم الآخر أضعاف تلك المدة؛ أظهروا فيها رجال الدين بأسوأ وأحط صورة يمكن تخيلها، وحرصوا على أن يبدو الممثلون الذين يقومون بأدوارهم بصورة مقززة منفرة، بل فاحشة، حتى ذكرت بعض الروايات التاريخية أنه مرت على رجال الدين في فرنسا فترات لم يتمكّنوا فيها من ارتداء زيهم المميز والخروج به؛ خشية السخرية والامتهان والاستهزاء، التي كانت ثماراً طبيعية لتلك الجهود الموجهة والمساعي الحثيثة.
بذلك، زالت أولاً قداسة (ما أنزل الله بها من سلطان)، ثم زال الاحترام والقبول ثانياً، ثم زالت المرجعية بالكلية بعد ذلك.
من هنا، صارت الثورة الفرنسية ثورة علمانية شرسة عازلة للدين نفسه وليس فقط لرجاله أو لفكرة الكهنوتية وصكوك الغفران وغيرها من المسائل التي أحسن علمانيو فرنسا استغلالها وصنعوا من خلالها وعبر ذلك المنحنى الفكري المتصاعد هزة عقدية زلزالية كانت بمنزلة شرارة سرت بعدها العلمانية في ربوع أوروبا والعالم سريان النار في الهشيم.
ومما لا شك فيه أن الأحداث المفصلية الكبرى تتبعها اهتزازات شاملة في البنى الفكرية والأيديولوجية والقيمية الخاصة بهذه الشعوب التي مرت بتلك الظروف الاستثنائية.
هذا الأمر متكرر في جل الأمم التي حدثت فيها مثل تلك المنحنيات الحادة في مسارها السياسي والاجتماعي.
وسواء كانت تلك المنحنيات في شكل ثورات شعبية أو حروب شاملة أو أهلية أو احتلال أو تحرر من احتلال؛ فإن المآل الفكري يتشابه ويشترك في معامل أساس، ألا وهو التغيير؛ التغيير الحاد والجذري والشامل.
الشعوب في تلك الظروف الاستثنائية تميل بشكل واضح للتغيير في كل شيء تقريباً، وهذا التغيير أحياناً يكون بشكل جمعي موجه أو بشكل عشوائي أو تختلط فيه العشوائية بالتوجيه.
والحقيقة أن المقلّب لصفحات التاريخ يجد قاعدة مهمة ماثلة أمام عينيه، مفادها أن ليس ثمة أمة يمكن أن يقال عنها إنها بمعزل عن التغير والتحول والتبدل.
فكم من الأمم تغيّرت عقائدها وأفكارها مراراً وليس مرة واحدة، خصوصاً بعد الأحداث الجسام كالثورات والحروب؟
وهل عرفت روسيا الشيوعية قبل ما يسمى الثورة البلشفية؟
وهل كانت فرنسا ليبرالية أو عرفت علمانية شرسة تعلن شنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس قبل الثورة الفرنسية؟
وهل تشبه تركيا أتاتورك وما بعده تركيا الخلافة العثمانية، أو تبدو إيران الشاه قريبة أيديولوجياً أو ظاهرياً من إيران الخميني وولاية الفقيه؟!
وهل كانت مصر قبل الحقبة الفاطمية وحكم العبيديين مثل مصر بعدهم؟!
بل هل مصر الخمسينيات والستينيات تشبه مصر في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين من حيث التمسك بالدين وشعائره وسمته وثوابته؟!
إن نظرة سريعة على أدبيات النصف الثاني من القرن الميلادي العشرين ومنتجاته الفكرية والثقافية والفنية؛ تظهر لنا بجلاء تغيّراً جذرياً في البنية الدينية للأمة المصرية في ذلك الوقت.
ولست بصدد التناول التفصيلي والتحليل التفكيكي لتلك المرحلة ومظاهر الانتكاس الديني فيها، على الأقل ظاهراً؛ فإنها معروفة ومسجلة، لكنها قد لا تظهر إلا عند المقارنة بالحقبة المحافظة التي سبقتها في أوائل ذلك القرن أو الذي سبقه.
وإن المتأمل في الواقع الإسلامي اليوم يلحظ بسهولة ويسر أن هزة شبيهة وربما أعمق وأخطر تتعرّض لها الحالة الدينية المعاصرة، على الأقل ظاهراً، وأن الاتصال بين الظاهر والباطن أمر لا يجحده بصير؛ ففي الجسد مضغة بصلاحها يصلح وبفسادها يفسد، والكتاب قد يظهر شيء من حاله عبر عنوانه.
إن من ينكرون اليوم أن هناك مشكلة حقيقية في التزام الناس بتعاليم الدين وتكاليفه وإقبالهم على شعائره وقبولهم دعوته؛ هم في رأيي يمارسون نوعاً من دس الرؤوس في الرمال، ويتجاهلون ظواهر إعلامية وثقافية وحياتية يومية تصرخ فيهم أن انزعوا رؤوسكم من رمالها وانتبهوا.. فثمة مشكلة.
ولولا أنني لست من محبّي الخوض في التفاصيل المحزنة والمشاهد الموجعة، على الأقل من باب “لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم”؛ لذكرت عشرات الشواهد التي تعضّد ما ذهبت إليه من أن هناك مشكلة حقيقية تصل أحياناً إلى أسوار العقيدة نفسها، لكنني أنأى بالقارئ الكريم عن أن تتلوث عيناه ويتأذى قلبه بها، أو أن تهون المعصية في نظر بعض الخلق بسبب كثرة شيوعها، و”إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة”.
لذلك؛ أعنى في تلك السطور برصد العوامل التي أدت وتؤدي إلى تلك الهزة الدينية والانتكاسة الالتزامية المعاصرة، وتلك هي أولى خطوات الحل، “ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء”.
والعوامل التي تتضافر لزلزلة معتقدات الناس وثوابتهم وخلخلة تماسكهم العقدي وتمسّكهم العملي؛ كثيرة، من ضمنها بلا شك: تجفيف منابع التلقي الديني، خصوصاً من خلال الدعوة العامة والوعظ المطلق الذي رغم رتابته وعدم تجديد آلياته يتم تقييده وحصره، وأيضاً: ارتباط الأعمال الدعوية في أذهان المتلقين بالصراعات المعاصرة وافتراضهم المسبق أنها ليست دعوة خالصة لكنها لأجل غايات سياسية أو حزبية، كل ذلك جنباً إلى جنب مع إسراف في مصادر التلقي المضاد وإطلاق يد الآخرين في المقابل ليعبثوا بأدواتهم من شهوات جاذبة أو شبهات لامعة تلقى بكل حرية.
لكنني هنا أريد أن أقف وقفة مع العامل الأكثر تأثيراً في نظري، الذي يتم هدمه وإحلال غيره محله بإصرار؛ إنه عامل القدوة.. تلك التي تنهار في النفوس تدريجياً.
ولست أعني بالانهيار هنا انهيار الاستحقاق، فإن القدوات ومن يستحقون أن ينظر إليهم الناس بعين التقدير موجودون دائماً بفضل الله، ولا يزال الخير في الأمة حتى تقوم الساعة؛ لكنني أعني هنا انهيار تلك القدوات في نظر الناس، وذلك إما بتشويه متعمد مكذوب، أو للأسف بأخطاء حقيقية وقع ويقع فيها بعض الناس بسفه غير مسبوق وعدم تحمّل مسؤولية المكانة وقيمة الاقتداء بهم، ما أثر في كل من يحمل السمت نفسه بالتبعية.
كثير ممن هم في مقام القدوة يهوّنون على أنفسهم خطورة هذا العامل بترديد تلك القاعدة العظيمة المنسوبة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: “لا يعرف الحق بالرجال”.. وهي كقاعدة لا غبار عليها، لكن كم من الناس يدركها ويطبقها؟! وكم من الخلق يتعامل على أساسها ولا يفتن بضدها؟!
الحقيقة الواقعية والمشاهدة أن أكثر الناس يتأثرون وربما يفتنون بأفعال المتدينين وأخلاقهم، وينظرون دوماً إلى صنيعهم، ولقد راعى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر واعتبره فقال: “إن منكم لمنفرين”.
ولو كانت القاعدة مطردة تسري على كل الخلائق، فلماذا أقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بأن هناك من ينفر عن الدين بسبب أهل الدين من المنفرين؟
نعم، هي ليست حجة مبررة لأفعال وتفريط النافر، لكنها حجة على المُنَفِّر والمستهين بتلك القيمة، قيمة أنه قدوة.
والمتغافل عن كون مقام الرجل الصالح في نفس الإنسان البسيط - حتى لو كان هذا الإنسان عاصياً - مقاماً كبيراً ومهماً ينبغي أن يصان وأنه إن سقط في نفس الإنسان كانت النتيجة لا تحمد عقباها؛ هو أحد من يصرّون على مزيد من دس الرؤوس في الرمال.
لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أُوصيكَ أن تَستَحي مَنَ اللهِ تعالى كما تَستَحي مِن الرَّجلِ الصَّالِحِ مِن قومِكَ”.
تأمل حرصه على رعاية تلك القيمة في نفوس الناس وإقرار أن هناك حياءً من الرجل الصالح، ثم تخيل لو انهار ذلك الصالح وسقط في أعينهم.
إذا كان هذا الرجل الصالح المتديّن فيه كذا وكذا من سيئ النعوت وقبيح الخصال، فماذا أفعل أنا وأنا الضعيف المسكين الذي لم يدَّعِ يوماً أنه متدين أو شيخ؟!
هؤلاء ثلة من المنافقين يظهرون الصلاح بينما قلوبهم تمتلئ بالفساد والباطل، أما أنا فصاحب قلب نظيف، إذاً فأنا أفضل أو على الأقل مثلهم.
كذلك لسان حال كثير ممن يستمرئون الخطأ تبعاً لأخطاء المتديّنين أو انهيار صورتهم، وإن العامل النفسي أمر لا يجب تجاهله أو إغفاله.
المفرط غير القادر على إصلاح حاله أو الإقلاع عن معصيته، البديل لديه أحياناً أن يكون الناس كلهم مثله، بل حبذا لو كانوا أسوأ؛ لذلك يريد الذين يتّبعون الشهوات أن يميل الصالحون ميلاً عظيماً لكي تكتمل الحجة وتهون المعصية بحجة.
هؤلاء المتدينون في نظره أفاقون، ومنافقون، وتجار دين، وطلاب دنيا ومنصب وجاه، بينما هو بحاله ومعاصيه لم يفعل شيئاً من هذا، فهو في نظر نفسه قد ارتاح، ولم تعد هناك حاجة إذاً للتغيير والتوبة، وهذا هو محل الخطر، وذاك ما يسعى إليه البعض بكل قوة، وتساعدهم فرص ذهبية يعطيهم إياها بعض المتديّنين بعدم تحمّلهم تلك المسؤولية وعدم الانتباه لتلك القيمة، قيمة القدوة، وأن صلاح الصالحين حجة في الأرض على الفاسدين، ويقولها رب العالمين حين يصرخ أصحاب الجحيم: {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ} [المؤمنون: 106]، فيجيبهم ويقيم عليهم الحجة بفعل الصالحين: {إنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ صلى الله عليه وسلم901صلى الله عليه وسلم) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ 110 إنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} [المؤمنون: 109-111].
حين يغفل أهل الصلاح عن ذلك ويتهاونون في قضية الحرص على عدم فتنة الناس بزلاتهم؛ تعظم تلك الزلات ويسلط عليها الضوء للغاية، ومن ثم تنهار القدوة، ويخبو في القلب ذلك المثل الذي كان يشكل جذوة من ضياء يتمنى جزء خفي من نفس العاصي وفطرته أن يعم القلب والبدن.
وبانهيار تلك القدوة وخبو تلك الجذوة من ضياء التأسي والاستحياء من صالحي القوم؛ تتحول الهزة المجتمعية أو السياسية إلى هزة دينية وتردٍّ التزامي وأخلاقي، وتزل قدم بعد ثبوتها، ويذوق المجتمع بمتديّنيه وغير متديّنيه السوء بما صدوا عن سبيل الله.
من هنا تتضاعف مسؤولية القدوات وأهل الديانة وأصحاب السمت، ويصير من الضروري أن يتم الالتفات إلى خطورة دعوة الحال بالتوازي مع دعوة اللسان والمقال، وقبل ذلك كله أن يتم الانتباه للحال والمآل.. وأن تُنزع رؤوس من رمال.
--------------------------------------------------

عبدالناصر محمود
09-23-2014, 08:20 AM
دور الصوفية في انتشار العلمانية في العالم الإسلامي
ـــــــــــــــــــــــــ

(يحيي البوليني)
ــــــــــ

28 / 11 / 1435 هــ
23 / 9 / 2014 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8586.jpg

لم تكن العلمانية كحركة فكرية لتظهر في العالم الإسلامي في عصور ازدهاره حيث كان الإسلام يحكم جميع نواحي الحياة، وكان المسلمون يحملون مشاعل الهداية وينشرون العلم لكل أرجاء الأرض, فكانت الحالة العلمية والعملية للمسلمين لا تسمح إطلاقا بنمو بذور تلك الفكرة الخبيثة والتي ظهرت أول ما ظهرت في القارة الأوروبية كرد فعل على التسلط الكهنوتي فيما يسمى بعصور الظلام العلمية والفكرية.

إذا كانت العلمانية التي تعني فصل الدين عن كل مناحي الحياة, فان أهم أسباب ظهورها مواجهة سلطان قساوسة الكنيسة في أوروبا بعد تغولهم وتدخلهم في كل شئ، ووقوفهم حجر عثرة أمام العلم وأهله، لتخرج العلمانية لتحبس الدين داخل مبنى الكنيسة فقط، تحت الشعار المنسوب للنصرانية "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله".

وحينما نقلت إلى ديار الإسلام واجهت هذه الفكرة معارضة شديدة على مستوى الفكر الإسلامي؛ لغربتها كل الغرابة عن الواقع الإسلامي، فاحتاجت إلى أعوان يساندونها من المسلمين، ولم يجدوا أفضل من يساندها من الطرف الإسلامي من الذين يطبقونها فعليا – بوجه آخر - تحت مسمى الطرق الصوفية.

ومن الطبيعي أن العامل المباشر لظهور الفكرة في العالم الإسلامي هو المرحلة التاريخية للاحتلال الغربي لديار الإسلام تحت اسم "الاستعمار"، إلا أنه وجد أرضا ممهدة له بوجود انحرافات ضخمة في الفكر الإسلامي السائد الذي تزعمه الصوفية حينئذ، مع وجود انحرافات أخرى كثيرة على مستوى العقيدة والعبادة واختلال في البناء الذاتي للمسلم من حيث الأفكار والتصورات والسلوك, فلما قدم المستعمرون وجدوا الطرق ممهدة تماما لنشر فكرتهم العلمانية، واستطاعوا استقطاب الكثيرين إليهم لتبدأ مرحلة انتشار وتمدد للفكرة العلمانية التي يعاني منها المجتمع الإسلامي لليوم.

فالطرق والفرق الصوفية تنزع الإسلام من كل جوانب الحياة لتحصره هو أيضا في الزوايا والتكايا والخلوات وتجعل منه دينا كهنوتيا يمارس فقط للزاد الروحي بعيدا تماما عن أي تطبيق له على الواقع, فالتقت الأفكار والمصالح لتدعم الصوفية – بعمد أو بجهل وغباء – الفكرة العلمانية في بلاد العالم الإسلامي, ولتحصل الفرق الصوفية على ثناء العلمانيين والليبراليين بوصفهم أصحاب الفهم الإسلامي المستنير، ولنجد الثناء المتبادل بينهما على حساب الإسلام والمسلمين.

وعلى الرغم من كون الصوفية قد تشابهوا كثيرا مع رجال الكنيسة في العصور التي سمتها أوروبا بعصور الظلام إلا أن العلمانيين لم يصطدموا معهم, فالشيخ الصوفي يبسط نفوذه القوي على أتباعه باسم الدين، فاخترع الصوفية مقالة تضمن ولاء الأتباع لهم وهي "من لم يكن له شيخ، فشيخه الشيطان"، واخترعوا كذلك الاعتراف للشيخ الذي يجب وان يعلم كل سر وجهر في حياة المريد حتى خطرات نفسه، ويجب على المريد أن يعلم شيخه بخطاياه حتى يتحملها عنه، وهو ما يماثل صكوك الغفران عند النصارى, وبهذا وجد العلمانيون في زعماء الطرق الصوفية والمنتسبين لهم ضالتهم في النفاذ للأمة الإسلامية، لأنهم يحققون لهم عدة ميزات تخدم فكرتهم وتساهم في انتشارها, ومنها:

- نشر الجهل والخرافات والبدع في العالم الإسلامي.
-------------------------------

نظرا للتقسيم الذي ابتدعته الصوفية للدين وجعله ما بين شريعة للعوام وحقيقة للخواص، ادعى الصوفية أن العلوم الشرعية الإسلامية لا يكلف بها إلا العوام فقط, ويقصدون بهم كل المسلمين من غير السائرين في طريق الصوفية من عارفين ومريدين, فازداد جهل الناس في دينهم, فيذكر شيخ الإسلام ابن تيمية قول بعض من غلاتهم في الصد عن العلم وإعمال العقول, فينقل عنهم: "من أراد التحقيق فليترك العقل والشرع"[1]، ولهذا يعقب فيقول "كلما كان الشيخ أحمق وأجهل، كان بالله أعرف، وعندهم أعظم"[2].

ويرصد الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله أثر الصوفية في هدم وتمزيق الأمة الإسلامية بنشرهم للخرافات والبدع فيقول: "وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس سجفاً من الخرافات وقشور الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عديد الأدعياء الجهلاء، وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور، وغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار يشرب الخمر والأفيون (والحشيشية)، في كل مكان، وانتشرت الرذائل وهتكت ستر الحرمات من غير خشية ولا استحياء" [3]

- ترك ميادين العلم الشرعي والدنيوي.
-------------------------

حارب الكثير من الصوفية العلم الشرعي وقطعوا الناس عن المعين الأساسي للعلم الشرعي وهو القران الكريم، فحرفوا تفسيره بعدة تأويلات باطنية إشارية ليس لها من القرآن نصيب، ليتم عزل الناس عن قراءة القرآن وتدبره، بادعائهم أن له ظاهرا عاما للعوام وباطنا خاصا لسادة الصوفية لا يعلمه غيرهم؛ ليكون الاتصال بالقرآن الكريم نفسه منقطعا إلا عن طريقهم.

ومن بعض تفسيراتهم الباطنية الإشارية كما يزعمون في وقله تعالى "فاخلع نعليك" يفسرها الشيخ عبد الغني النابلسي "أي صورتك الظاهرة والباطنة يعني جسمك وروحك فلا تنظر إليها لأنها نعلاك" [4], وقالوا عن آية "وإن يأتوكم أسارى" أي غرقى في الذنوب, "والجار ذي القربى" أي القلب، "والجار الجنب" أي النفس, ورغم أن سهلا ابن عبد الله التستري قال: "احفظوا السواد على البياض (يعني العلم) فما أحد ترك الظاهر إلا تزندق" [5]؛ إلا أنه هو نفسه فسر "ولا تقربا هذه الشجرة" بقوله: (لم يرد معنى الأكل في الحقيقة وإنما أراد أن لا تهتم بشيء غيري), فقال الشاطبي تعليقا على قوله: "وهذا الذي ادعاه في الآية خلاف ما ذكره الناس" [6].

ومن محاربتهم لتلاوة القرآن وتعلم علم الحديث ما ذكره الغزالي "أنه رغب مرة في قراءة القرآن فمنعه شيخه الصوفي من ذلك قائلاً " السبيل أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية" [7], ونقل عن الداراني قوله "إذا طلب الرجل الحديث أو تزوج أو سافر في طلب المعاش فقد ركن إلي الدنيا لأن الزهد عندنا ترك كل شئ يشغلك عن الله عز وجل" [8], فجعلت الصوفية تلاوة القرآن وطلب علم الحديث من مشاغل الدنيا ومن الركون إليها, ويعلق ابن الجوزي علي ذلك قائلاً: "عزيز أن يصدر هذا الكلام من فقيه، فإنه لا يخفي قبحه فإنه طر لبساط الشريعة التي حثت علي تلاوة القرآن وطلب العلم" [9] .

فإذا كان هذا الاحتكار لفهم وتفسير القرآن الكريم وتجهيل وصد الناس قد فعلوه بكتاب الله سبحانه فكيف بما فعلوه فيما سواه من كتب العلم من السنة الشريفة وكتب الفقه وغيرها من العلوم الإسلامية؟

وبالجملة فإن الصوفية يعتبرون أن ترك علم الحقيقة والاتجاه إلى علم الشريعة انحطاط في همة المريد -كما يلقبون كل من يلحق بهم- وجعلوه عائقا لمن يناله عن بلوغه طريقهم, فيذكر القشيري أن الدقي سئل عن سوء أدب الفقراء مع الله فقال: "انحطاطهم من الحقيقة إلى العلم" [10], وذكر الغزالي في الإحياء عن الجنيد أنه قال: "أحب للمريد ألا يشغل قلبه بثلاث و إلا تغيرت حاله: التكسب، طلب الحديث، التزوج" [11], وروى أيضا عن أبي سليمان الداراني قوله: إذا طلب الرجل الحديث، أو تزوج، أو سافر في طلب المعاش فقد ركن إلى الدنيا" [12], واثنى ابن عجيبة في فتوحاته الإلهية على قولهما وذكر أنه متفق على قبوله عند الصوفية" [13].

وفي الوقت الذي أهمل فيه القرآن الكريم والسنة الشريفة المطهرة وكتب العلم الشرعي الصحيح ألزم الناس بقراءة أوراد ليس لها أدنى سند شرعي، إلا أهواء الشيوخ والأولياء وكان بعضها بلغة غير عربية أو غير مفهومة إمعانا في تضليل الناس.

- تضييع العبادات والتلاعب بالدين.
----------------------

كما ضيع الصوفية العلم الشرعي ساهموا في تضييع العبادات عند الناس, فصار الدين لعبة يتلاعب بها شيوخهم, فيمكن أن يكون الإنسان وليا صالحا – عند الصوفية – وهو تارك للصلاة لا يصلي جمعا ولا جماعات, ويمكن أن يكون مرتكبا للمنكرات كلها شاربا للخمر زانيا ومرتكبا لكافة أنواع الفواحش ولا يقدح ذلك في ولايته, فيذكر الشعراني في طبقات الصوفية مواصفات وأفعال لمن يدعي أنهم أولياء لا يظهر منها أي اثر للإسلام فضلا عن الولاية فيحكي عن "الشيخ محمد العدل الذي يظل سنة كاملة لا يحضر فيها جمعة ولا جماعة، والشيخ الشربيني الذي لم يكن يحضر الصلوات أبدا, ولما طلب منه جماعة من الفقهاء أن يذهب معهم لصلاة الجمعة اعتذر وقال: (ما لي عادة بذلك), فلما أنكروا عليه قال: "نذهب اليوم لأجلكم", والشيخ شريف المجذوب الذي كان يفطر في نهار رمضان"[14], وغيرهم الكثير جدا من حكايات زندقة وكفر من يدعي أنهم أولياء لله.

بل صار عندهم البله والمجانين والمجاذيب أولياء أيضا لله سبحانه رغم أنهم كفاقدين للعقل ليس عليهم أي تكليف لا يصح منه إيمان ولا عبادة فكيف باعتبارهم أولياء؟, وامتلأت كتب الطبقات والتراجم لديهم بذكر هؤلاء المجانين بهلول المجنون وأبي علي المعتوه وابن القصاب المجنون والشبلي الذي دخل المارستان مرتين وعمر المجذوب وإبراهيم العريان وغيرهم ما لا يستعصي على الحصر"[15].

وضيع الصوفية أيضا العلم الدنيوي الذي يقيم الحضارات ويرفع شأن الأمم, فبعد أن كان المسلمون يعلمون الأمم العلم صور لهم الصوفية أن للكون من يديره وينظمه ويقوم على شأنه وهم أقطاب وأوتاد الصوفيين, فما عليهم إن أرادوا أن ينتصروا على عدوهم سوى اللجوء للولي الحي أو لقبر ولي مدفون.

فعند الرفاعية الصوفية قراءة الفاتحة300 مرة تكفيهم شر عدوهم، أما إهلاكه وقتله فلا يتطلب منهم سوى قراءتها 1000مرة "[16], وعندهم حزب يسمى بحزب السيف القاطع الذي يدعون أن من يداوم عليه لا يخذل ولا يهان ويكون بعين الله وظل رسوله, وهو خلط وتلاعب بترتيب آيات الله تعالى كما يفعل *****ة. ومثاله: "وتقطعت بهم الأسباب جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب وجعلنا له نورا يمشي به في الناس، فلما رأينه أكبرنه قالوا تالله لقد آثرك الله علينا إن الله اصطفاه عليكم شاكرا لأنعمه". وبين كل مجموعة من الآيات يكتبون: "أعداؤنا لن يصلوا إلينا بالنفس ولا بالواسطة، لا قدرة لهم على إيصال السوء إلينا بحال من الأحوال"[17].

وصدق السذج من المسلمين ذلك فاستمعوا لشاعر صوفي يناديهم في فتنة التتار وهجومهم الكاسح على الأمة الإسلامية ويقول:

"يا خائفين من التتر

عوذوا بقبر أبي عمر

ينجيكموا من الضرر" [18]

فلاذوا بقبر أبي عمر فما أغنى عنهم شيئا وقتل كل من في بغداد من المسلمين, وذكر الشعراني في الطبقات أن الصوفية لما هجم الصليبيون على ثغر دمياط في الوقعة المشهورة كان الصوفية يعكفون على قراءة رسالة القشيري!!.

- الكسل والقعود وترك العمل والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

كان لانتشار عقيدتي الإرجاء والجبر من خلال الصوفية تأثير كبير في ظهور روح السلبية والاستسلام التام في صفوف المسلمين إذ تشابك هذا الانحراف الإرجائي مع مفهومي العبادة والقضاء والقدر عند الصوفية، فتحول مفهوم الزهد الإيجابي الذي حث عليه الإسلام وكان عليه الزهاد الأوائل إلى سلوك سلبي انسحابي يأخذ صورة التفرغ للعبادة في مكان منعزل (مسجد أو زاوية أو خلوة أو ربما كهف في جبل)، في حين اتهم من يتجه إلى معالجة شؤون الدنيا بالدين على انه مقصر ومفرط في عبادته.

وبالتالي تركت فرضيتا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترك أيضا الجهاد في سبيل الله ضد القوى الاستعمارية الأجنبية التي احتلت بلاد المسلمين، بل كان لهم دور خبيث في إعانة الاستعمار ومساعدته في الاستيلاء على بلاد المسلمين, فصوفية مصر ادخلوا نابليون بونابرت حلقة من حلقات الذكر وألبسوه جبة المشيخة ورحبوا به على أنه قدر الله، وذُكر أنه حمل المسبحة وسمى نفسه الدرويش عبد الله نابليون, وتيجانية المغرب كانوا في خدمة الفرنسيين وساهموا مساهمة فاعلة في ترسيخ أقدامهم في شمال أفريقيا وغربها, وختمية السودان مهدوا الطريق لدخول الإنجليز وثبطوا الناس عن مقاومة المحتل وساهموا في القضاء على الثورة المهدية.

وكما أفقدت الصوفية الأمة روح الجهاد، فقتلت فيهم روح الحياة الكريمة ومقاومة المستبد وتقويم الحاكم بصورتها الشرعية, فدفعت الناس إلى الهروب إلى الزوايا والتكايا والخلوات منكرة عليهم أي تدخل في إصلاح بأمر بمعروف غائب أو نهي عن منكر قائم.

كما ترك السعي على المعايش – على سبيل التدين بذلك - بعد أن أشيعت هذه الروح الكسولة في الأمة حتى قال احدهم: "فلو ترك الشخص العمل وهو قادر عليه غير معتمد على السؤال من شخص معين أو على الشحاذة، بل كان غير متعرض لذلك، واثقاً بربه أنه يسوق إليه رزقه فلا إثم عليه" [19] , وبذلك جعلوا النوم والخمول في الزوايا وترك العمل من التوكل، وصدق وصف أبي بكر الطرطوشي التصوف حين وصفه بأنه مذهب البطالة.

وبإشاعة هذه الروح في الأمة الإسلامية فقدت الأمة قوتها، ولم تستطع التخلص من أوهام الصوفية لقرون طويلة؛ نظرا للإرهاب الفكري الذي يضغطون به على الناس، إذ يمنعون متبعيهم من السؤال تحت قول "من قال لشيخ لِمَ لم يفلح" ويهددون العلماء بتسويق الخرافات للعامة في القصص الخيالية التي يخترعونها، مثل الحكاية التي ساقها النبهاني في جامع كرامات الأولياء فقال: "قال المناوي: قال لي فقيه عصره شيخنا الرملي: إن بعض المنكرين رأى أن القيامة قد قامت، ونُصِبَتْ أوانٍ في غاية الكِبَر، وأُغْلِيَ فيها ماء يتطاير منه الشرر، وجيء بجماعةٍ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فصُلِقوا فيه حتى تَهَرَّى اللحم والعظم، فقال: ما هؤلاء؟ قال: "الذين ينكرون على ابن عربي وابن الفارض" [20], وتعج كتب الصوفية بمثل هذه الخرافات التي يتهددون بها كل من يقترب من عروش سلاطينهم.

ويلخص أبو الحسن الندوي حال المسلمين التي أوصلهم إليها الصوفية في القرون الأخيرة حيث أصبحت لهم القيادة والريادة العلمية في العالم الإسلامي فيقول: "لا بد أن نشير إلى أن ذلك الوسط والعهد (القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين), كان التصوف فيهما قد تغلغل في أحشاء المجتمع الإسلامي، وامتزج بلحمه ودمه، حتى أصبح التصوف له طبيعةً وذوقاً، وسمةً وشعاراً , بل كانت العامة لا تعبأ بعالم أو مرب أو مصلح، ولا تقيم له وزناً، ولا تعتقد فيه الخير والصلاح، ولا تنتفع بمواعظه وكتاباته، ما لم يكن له إلمام بالتصوف والسلوك، ويكون قد صحب بعض المشايخ المعروفين، وانخرط في سلك بعض الطرق السائدة المقبولة في الناس" [21].

فهل كان العلمانيون يحلمون بفرصة أفضل من هذه لنشر فكرتهم الخبيثة في ديار المسلمين؟ تلك الفرصة التي منحها لهم الصوفية عن عمد أو جهل.

ولهذا لوحظ انكباب المستشرقين ومن ورائهم علمانيي العرب على التنقيب عن تراث هؤلاء المنحرفين الزائغين أصحاب فكرة الحلول والاتحاد ووحدة الوجود من الصوفية الأوائل, فيقول د.ناصر الحنيني: "المتأمل في تاريخ هؤلاء الليبراليين يلحظ بجلاء أن انكبابهم على تراث المنحرفين الزائغين من أمثال الصوفية الزنادقة والفلاسفة الملاحدة ـ مع ضعف العلم والبصيرة ـ كان هو نقطة التحول الرهيبة في حياتهم الفكرية مثلما كان هو الشرارة النارية الأولى في تغير نسيجهم الثقافي، حيث يفعل ذلك التراث فعله الفظيع في النفس الإنسانية إذ يغرز فيها حب التفلت والتحرر من أي قيود أو ضوابط شرعية كما أنه يعمق فيها منهج الشك في كل شيء حتى في قطعيات الدين وثوابته الراسخة " [22].

ويلاحظ قطعا أن الحكومات قد تختلف والأنظمة السياسية قد تتصارع ويعقب بعضها بعضا وأن الدول قد تتحارب ولكنهم لا ينحرفون عن فكرة دعم الصوفية في بلدانهم, فهم مسلمون نموذجيون بالنسبة لهم, فلا يهتم الصوفية بشرق أو بغرب, ولا بعدو أو صديق ولا بسياسة ولا بحكم, وكل همهم منصب فقط في ممارسة طقوسهم وبدعهم وخرافاتهم وإقامة موائدهم وموالدهم وقراءة أورادهم ومدائحهم واحتفالات رقصهم وجمع أموال صناديق نذورهم.

وغير خاف ما ذكره الجبرتي عن اهتمام نابليون بونابرت باقامة حفل الصوفية بالمولد النبوي الشريف فقال "سأل صاري العسكر عن المولد النبوي ولماذا لم يعملوه كعادتهم فاعتذر الشيخ البكري بتوقف الأحوال وتعطل الأمور وعدم المصروف فلم يقبل وقال (لابد من ذلك ) واعطى الشيخ البكري ثلاثمائة ريال فرانسة يستعين بها فعلقوا حبالا وقناديل واجتمع الفرنسيس يوم المولد ولعبوا ودقوا طبولهم واحرقوا حراقة في الليل وسواريخ تصعد في الهواء ونفوطا".

وعلق الجبرتي على سبب اهتمام نابليون بالمولد فقال – وهو المؤرخ المعاصر له –: " ورخص الفرنساوية ذلك للناس لما رأوا فيه من الخروج عن الشرائع واجتماع النساء واتباع الشهوات والتلاهي وفعل المحرمات"[23].

وتبعه في ذلك كل قائد محتل للبلاد, فداوم على ذلك المندوب السامي البريطاني، فكما يقول الدكتور عمر فروخ: (يجب ألا نستغرب إذا رأينا المستعمرين يغدقون الجاه والمال على الصوفية, فرب مفوض سام لم يكن يرضى أن يستقبل ذوي القيمة الحقيقة من وجوه البلاد، ثم تراه يسعى إلى زيارة حلقه من حلقات الذكر ويقضي هنالك زيارة سياسية تستغرق الساعات، أليس التصوف الذي على هذا الشكل يقتل عنصر المقاومة في الأمم؟) [24]

ومنذ أن قام نابليون بذلك ومن بعده كل مندوب سام بريطاني – وهم من وضعوا بذور العلمانية في مصر والمشرق الإسلامي ومن رعوها حتى أفرخت - من يومها ولا يتخلف قادة الأنظمة في الدول العلمانية حضور احتفالات وطقوس الفرق الصوفية ويباركونها ويشجعونها بالمال وبالإعلام والحماية والأمن.

ساهم الصوفية في تحويل الإسلام إلى النموذج الذي يرضى عنه الغرب فحولوه إلى طقوس وثنية وأهازيج الشعرية وطبول ومزامير وتمايل ورقص, فرضي الغرب عنهم ورضي العلمانيون بهم وصاروا جميعا يدا واحدة على كل من ينكر على الصوفية تضييعهم للدين وتمزيقهم لدولة الإسلام من النواحي السياسية والاقتصادية والفكرية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مجموع الفتاوى 11/243 باب مناقضة ابن عربي للرسل

[2] مجموع الفتاوى 2/174.

[3] الإمام الدهلوي، (ص:34).

[4] بدوي : شطحات الصوفية /195..

[5] تلبيس إبليس / 325.

[6] القاسمي : محاسن التأويل 1/73.

[7] ميزان العمل للغزالي : 31

[8] الإحياء 1/61 و 2/24 و 2/237 و 4/229 .

[9] تلبيس ابليس 323

[10] الرسالة القشيرية 126.

[11] الإحياء 4: 239.

[12] إحياء علوم الدين 1: 61، 4: 24، 2: 237، 4: 229.

[13] الفتوحات الإلهية 271

[14] طبقات الشعراني 2: 126 و136 و144و150.

[15] كتاب المختار من كلام الأخيار لمحمد علوي 8: 197 وطبقات الشعراني.

[16] الكليّات الأحمدية/89

[17] قلادة الجواهر ص 271

[18] ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم)

[19] بغية الطالب للحبشي 264 , وهو عبد الله الهرري الحبشي, يدعو إلى تصوف يقسّم مصادر المسلمين إلى حقيقة وشريعة وظاهر وباطن ويدّعي أخذ العلوم عن الله بما يسمونه "العلم اللدني" والاجتماع بالخضر وبأرواح المشايخ وأخذ البيعة والعهد عنهم وهم في قبورهم وغير ذلك من عقائد الصوفية الباطلة

[20] "جامع كرامات الأولياء" للنبهاني (2/ 218) ط. دار صادر - بيروت.

[21] الإمام السرهندي حياته وأعماله، (ص:124).

[22] التطرف المسكوت عنه أصول الفكر العصراني لناصر الحنيني - ص 20

[23] تاريخ عجائب الآثار(2/306):

[24] "الألوهية في العقايد الشعبية"ص(36-37).

---------------------------------------

عبدالناصر محمود
09-29-2014, 07:58 AM
هل وصل النموذج العلماني الفرنسي إلى الانسداد*
ــــــــــــــــــــــــــ

5 / 12 / 1435 هــ
29 / 9 / 2014 م
ـــــــــــ

http://nama-center.com/ImagesGallary/photoGallary/magalat/31-3-2014.jpg

برز في الآونة الأخيرة حدثان بارزان في الساحة الفرنسية، يعكسان تحولا كبيرا في النقاش المجتمعي الفرنسي، ويعكسان توترا في النظرة إلى قضايا القيم والأسرة، ويضعان النموذج العلماني الفرنسي في المحك.

الحدث الأول: موقف وزير الداخلية الفرنسي من المظاهرات المطالبة بتغيير قانون الإجهاض وتضييقه على غرار ما وقع في إسبانيا.
فقد صرح وزير الداخلية الفرنسي مانويل فالس في لقاء للفريق الاشتراكي في جمعه الوطني حول وجود خطر ديني يتهدد فرنسا، وضرورة إعلان حرب من أجل تحصين العلمانية في فرنسا، وهو التصريح الذي يثير تساؤلات عميقة.
ينبغي الإشارة أولا، أن هذا الموقف جاء عقب معارضة شديدة لمكونات مجتمعية فرنسية لقوانين تخص المرأة والأسرة، وتحديدا، ما يعرف بقانون "توبيرا" الذي يرخص بزواج الشواذ، والقانون الجديد حول الإجهاض، والذي أثار ردود فعل غاضبة، وصلت حد تنظيم مظاهرة في قلب باريس ضمت 16 ألف متظاهر حسب تقديرات وزارة الداخلية، و40 ألف متظاهر حسب تقديرات المتظاهرين.
بمعنى أن الباعث لهذا التصريح لا علاقة له بشكل من أشكال التطرف الديني المعروفة، مما قد يكون له صلة بنشر الكراهية أو العنصرية، أو العنف أو التحريض أو التمييز، وإنما يتعلق الأمر بوجهة نظر لها مستند من الدين، كما لها أيضا مستند وتأويل من داخل المرجعية الحقوقية، فمناهضة الإجهاض اليوم، في كثير من بلدان العالم، وبشكل خاص الدول العلمانية، لا تتم فقط بخلفية دينية، بل أيضا بخلفية حقوقية، تستند إلى الحق في الحياة، ويتم التعامل معها، كما في الولايات المتحدة الأمريكية بقدر كبير من المرونة، بل مثل هذه القضايا المجتمعية الخلافية، يتم فيها الحسم مجتمعيا، ولا تنتصب العلمانية فيها كسلطة حاسمة ضد توجهات الرأي العام أو جزء عريض منه.
والحقيقة، أن إشهار ورقة العلمانية كمقدس من أجل مصادرة توجهات للرأي العام، تنبئ عن وجود مأزق ما، لا ينبغي تغطيته بإعلان النفير، والزعم بوجود خطر يتهدد العلمانية، وإنما ينبغي طرح أسئلة أخرى مقارنة، تبحث السبب الذي جعل المشكلة تثار في فرنسا بهذه الحدة، ولا تثار في مجتمعات أوربية علمانية بهذا الشكل، ولماذا استطاعت علمانيات أخرى أن تستوعب هذا الخلاف المجتمعي وتجتهد في إيجاد آليات لتصريفه، بينما لم تجد العلمانية في فرنسا إلا سلاح إعلان الحرب.
صحيح أن المشكلة قامت أول ما قامت في إسبانيا، ولم يستطع اشتراكيو إسبانيا أن يتقبلوا القانون الجديد المضيق لحالات الإجهاض، واعتبروا ذلك تراجعا نحو الوراء، لكن في نهاية المطاف، احتكم الناس إلى الآليات الديمقراطية، ومر القانون، وللاشتراكيين الإسبان جولات أخرى، يمكن لهم في الولايات القادمة أن تيسر لهم النجاح في الانتخابات أن يعيدوا النظر في القانون، ويرجعوا مقتضيات قانون 2010 إلى سابق عهدها.
المفارقة في فرنسا، أن الأمر لم يقتصر فقط على إعلان الحرب على التيار المحافظ ، بل وصل إلى درجة الضغط على إسبانيا من أجل سحب القانون، لأنه في اعتقادهم هو الذي أعطى موطئ قدم للمحافظين لكي يعيدوا تنظيم صفوفهم، وينزلوا بتلك القوة إلى الشارع !
السؤال المقارن، والذي يستقرئ التجارب العلمانية على طول أوربا والولايات المتحدة الأمريكية، يخلص إلى أن المأزق يوجد في النموذج العلماني الفرنسي، الموغل في تضييق مساحة حضور الدين في المجال العام، وعدم وجود أي مرونة تأويلية تجنبه حالات الصدام الخطيرة التي ستنشأ تباعا بسبب عدم القدرة على التحكم في سيرورة وتطور المجتمع، إذ كان يمكن، بدل التفكير في العوامل التي تغذي الفكر المحافظ في المجتمع الفرنسي، أن يتم التفكير في بدائل أخرى تجنب فرنسا الوقوع في فخ تنميط المجتمع العلماني، ومحاربة خاصية الاستيعاب العلماني.
في لقاء سابق لوزير شؤون العبادة، ووزير الداخلية الفرنسي، مانويل فالس مع الجاليات المسلمة، صرح بأنه لا تعارض مع الإسلام والعلمانية، وأن العلمانية تحمي وتوفر الإطار للعيش المشترك، لكنه اليوم، لا يفعل بإعلانه الحرب على التيار المحافظ، أكثر من البرهنة على أن العلمانية الفرنسية- على الأقل بالتأويل الذي عبر عنه الإشتراكيون- لم تعد قادرة على استيعاب حتى المسيحيين الفرنسيين، فبالأحرى غيرهم من ديانات أخرى.
المشكلة، واضحة، وهي أن العلمانية الفرنسية، تواجه اليوم، وكما واجهت بالأمس، مأزق تضييقها لمجال حضور الدين في الفضاء العام، وقد مر لها في السابق قانون حظر الحجاب مع كل الحرج الذي وضعت فيه الجمهورية الفرنسية بسبب احتجاجها بمنطق الهوية الفرنسية عوض منطق الحقوق والحريات المؤسسة لمبادئ الجمهورية، لكن، اليوم، يبدو أن القضية تجاوزت الحرب على ما يسمى الرموز الدينية، ووصل إلى قناعات وتوجهات جزء عريض من المجتمع الفرنسي تخص بالتحديد قضية المرأة والأسرة وشكل العائلة التي يريدها الفرنسيون.
التقدير أن الحل البسيط، الذي عبر عنه وزير الداخلية الفرنسي، يدل في جوهره على وجود أزمة في النموذج العلماني الفرنسي، وأنه لم يفعل أكثر من التغطية على ذلك، بافتعال وجود خصم يهدد هذا النموذج، ويستوجب إعلان حرب مقدسة ضده باسم مبادئ الجمهورية وحماية لها، في حين أن الحل كان ينبغي أن يتوجه إلى البحث عن خيارات أخرى لإغناء النموذج العلماني الفرنسي، ومده بأسباب المرونة، وابتكار صيغ لاستيعاب حضور الدين في الفضاء العام من غير الاضطرار إلى خلق شرخ مجتمعي مكونات الشعب الفرنسي.

الحدث الثاني: وهو موجة الغضب التي اجتاحت شرائح واسعة من الشعب الفرنسي ضدا على برنامج تجريب لتدريس مقاربة النوع الاجتماعي في المدارس الفرنسية، والذي تسبب في خروج مظاهرات صاخبة تطالب بحماية الأسرة الطبيعية وحق الأبناء في أن يعيشوا تحت سقف أسرة يظللهم فيها ويدفئهم حنان الأم..
إذ احتدم مرة أخرى النقاش القيمي في فرنسا، وأخذ أبعادا لم تكن متوقعة بهذا الحجم في شوارع فرنسا، إذ تظاهر آلاف الفرنسيين في العاصمة باريس ومدينة ليون ضد حزمة قوانين خاصة بالأسرة أقرتها حكومة الاشتراكيين. فبعد الاحتجاج على قانون زواج المثليين وقانون التبني وقانون الإجهاض، كبرت كرة الثلج، لما أقدمت الحكومة على تدريس نظرية النوع الاجتماعي للأطفال في المؤسسات التعليمية.
اللافت للانتباه، وخلافا لما تبادر للذهن لأول مرة من أن اليمين هو من كان وراء المظاهرة، اجتمعت أطياف مختلفة من المجتمع الفرنسي في مظاهرات حاشدة قدرها منظموها بحوالي 500 ألف متظاهر في باريس و 40 ألف بليون، للاحتجاج على تدريس هذه النظرية للأطفال.
لا يهمنا في هذا المقال طبيعة السجال والاتهامات بين المتظاهرين والحكومة، إنما الذي يهمنا بدرجة أولى هو تواتر المؤشرات التي تشهد على وجود توتر في النسيج المجتمعي الفرنسي سببه بالأساس محاولة السلطة فرض منظومة فكرية ليست محل توافق بين مكونات المجتمع الفرنسي، إلى الدرجة التي بدأ فيها الحديث عن تغيير الطبيعة الأسرية في فرنسا، بحيث صار هناك خوف كبير من المدرسة بسبب الاعتقاد بأنها ستلقن التلاميذ قيما أخرى مخالفة لفطرتهم، تجعلهم لا يميزون بين الذكر والأثنى، ووظائف كل واحد على حدة، بل تجعل الآباء يسلمون الأبناء لمدرسة يعتقدون أنها تجهز على طبيعة الأسرة. وهذا ما جعلهم في حالة "فوبيا" خطيرة دفعتهم للخروج في مظاهرة حاشدة فاقت كل التوقعات.
والحقيقة أن الذي يتأمل مسار الاحتجاج وحجمه ووتيرته وتكيف رد الفعل الحكومي معه، يتبين له أن الحكومة لاسيما في المظاهرة الأخيرة، أخطأت التقدير حين اعتبرت أن معركتها هي مع أقلية يمثلها اليمين الكاثوليكي، وتأكد لها أن الأمر أكبر من مجرد طيف سياسي محدود الحجم في المشهد السياسي، وأن الإصرار على المضي في هذه الطريق يمكن أن يخلق زلزالا عميقا في فرنسا، وهو الأمر الذي جعل الحكومة تسارع إلى نفي وجود أي برنامج تجريبي لتدريس مقاربة النوع الاجتماعي في المدارس.
هذه الملاحظة تقود إلى ملاحظة أخرى، تتعلق بما هو أشمل، أي بالنموذج العلماني الفرنسي، الذي يوجد اليوم على محك واختبار حقيقي، لا ندري إلى أي حد سيستطيع أن يمر منه، وما الصيغة التي سينتجها للخروج من هذا المأزق؟ وهل سيكون الحل سياسيا؟ أي سحب هذه المشاريع وتجميدها بحجة عدم تهيؤ المجتمع الفرنسي لقبولها؟ أم سيتم فتح نقاش فلسفي عميق حول ضيق الاستيعاب في النموذج العلماني الفرنسي وآفاق الاستدراك الممكنة لأعطابه؟
في النموذج العلماني الأمريكي، هناك نقاش محتدم بين مكونات المجتمع، وهناك تمايزات واضحة بين الولايات المختلفة حول زواج المثليين والإجهاض وغيرها، لكن هذا النموذج يفتح المجال لدور فاعل للدين في الفضاء العام، ولا يستبعد التيارات المحافظة من صياغة المشهد العام إن استطاعت أن تعبئه، ولذلك، تلعب الآلية الديمقراطية (التصويت) و (التداول) وظيفة امتصاص التوتر المجتمعي، وما يكون مصادقا عليه في هذه الولاية قد يراجع في الولاية القادمة. أما في فرنسا، فيضيق مجال تدخل الدين في الفضاء العام، ويفاجأ هذا النموذج بمعارضة قوية من التيار المحافظ حينما تعتزم الحكومة الاستقواء بشرعيتها الانتخابية والسلطة للحسم في هذه القضايا المجتمعية الحساسة، مما يعني في المحصلة، أن هذا النموذج لم ينجح في تغييب دور الدين في الفضاء العام، وأنه سيضطر كل حين إلى البحث عن صيغ لتدبير التوتر المجتمعي ما لم يتم إعادة التفكير في توسيع خاصية الاستيعاب في النموذج العلماني.
أما الملاحظة الثالثة، فتتعلق بطبيعة الموضوع الذي يثير التوتر، أي موضوع الأسرة، فهذا الموضوع يؤكد بأن النموذج العلماني عجز لحد الآن أن يقدم تصورا بديلا للتصور الذي يقدمه الدين للأسرة، وأن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي راهنت العلمنة عليها لخلق قاعدة واسعة من المقتنعين بنموذجها القيمي، لم تساعدها في ذلك، بل أججت التوتر وأعطته أبعادا أكثر راديكالية، وهو ما صار يفرض مراجعة العديد من المسلمات الحتمية التي قامت على أساسها الحداثة، وفي مقدمتها الاعتقاد بأن التحولات الاقتصادية والاجتماعية ستؤول إلى تفكيك القيم التقليدية.

نموذج آخر من الولايات المتحدة الأمريكية:
--------------------------

حراك آخر حول مناهضة الإجهاض انطلق، لكن هذه المرة في الولايات المتحدة الأمريكية. فبعد إسبانيا التي أقرت قانونا جديدا يضيق مجال الإجهاض إلى أضيق حد، وبعد المظاهرة الكبيرة التي تحركت في شوارع باريس تطالب بالاحتذاء بالنموذج الإسباني وحماية الأسرة الفرنسية، أقدم التيار الجمهوري المحافظ في أمريكا على تقديم مقترح قانون لمجلس النواب يقضي بعدم تعويض شركات التأمين لعمليات الإجهاض، والذي تم تبنيه الثلاثاء الماضي من قبل مجلس النواب بتصويت 227 مقابل 188 صوتا من المعارضين الديمقراطيين.
ومع أن هذا القانون سيتم عرضه على الغرفة الأخرى للكونغرس، ويمكن أن يجد معارضة قوية من قبل الديمقراطيين، إلا أن مجرد طرح مشروع قانون بهذه الصيغة، يعطي صورة للجدل المجتمعي حول قضية الإجهاض في المجتمع الأمريكي، وحجم الإبداع والاجتهاد في تحويل هذه الأفكار إلى قوانين وسياسات عمومية بين مكونات المجتمع الأمريكي، فبعد أن نجح الجمهوريون في يوينو الماضي في تمرير قرار في جلس النواب بمنع الإجهاض في 20 أسبوع من الحمل، جاء هذا القانون الجديد ليجعل منع استعمال المال العام في عملية الإجهاض، كليا ودائما، وبل وممتدا حتى إلى القطاع الخاص، مع استثناء حالتين اثنتين فقط، تماما كما هو القانون الإسباني، أي حالة تعرض صحة المرأة إلى الخطر، أو حالة الاغتصاب.

هذه الدينامية المجتمعية التي تعرفها المجتمعات في كثير من بلدان العالم، لا سيما منها العلمانية،
تسمح باستنتاج ثلاث دلالات أساسية:
----------------------

(1) الأولى، أن قضية منع الإجهاض أو تقييد السماح به، ليست مقصورة على المجتمعات الإسلامية، وإنما هي ظاهرة عامة في جميع بلدان العالم، وأنها إن كانت اليوم تبدو مرتبطة باليمين المحافظ أو بالتيار المحافظ بسبب دور التوجه الديني في تحديد مفهوم العائلة والأسرة، فيمكن أن تتحول في الآماد المتوسطة والبعيدة إلى ظاهرة حقوقية، ويصير لها أنصار من خارج التيار المحافظ، ممن يناصرون الحق في الحياة، ويدافعون عن الأسرة الطبيعية.

(2) الثانية، أن النموذج العلماني الأمريكي، لا يضيق بوجود تيارات محافظة تجتهد في بلورة أفكارها وتحويلها إلى قوانين وسياسات عمومية، وأنه لا يعمل سلطة العلمانية لمنع تأثير الدين في الفضاء العام، بل بالعكس من ذلك، تتعايش الأطروحات المستندة إلى مرجعيات مختلفة، وتكون كلمة الجسم للآليات الديمقراطية، خلافا للنموذج الفرنسي الذي يستعمل سلطة العلمانية لمصادرة حق مكونات مجتمعية في تبني أفكار مستندة إلى قناعاتهم الدينية بل والحقوقية أيضا.

(3) الثالثة، أنه ليس هناك من إمكانية لاستيعاب التطور المجتمعي والتعاطي مع التعددية الفكرية، إلا بصيغة تجمع بين ضمان حق الآخرين في الاستناد إلى مراجعاتهم في طرح الأفكار والسياسات العمومية التي يقترحونها، وبين الاحتكام إلى الآليات الديمقراطية في الحسم، مع ترسيخ مبدأ التداول على السلطة، بما يعنيه هذا المبدأ من إمكانية مراجعة القوانين، وتجديد النقاش المجتمعي حول كل القضايا المجتمعية الحساسة.

بكلمة، الخلاصة الكبيرة التي يمكن أن نستفيدها من تأمل هذه الدينامية المجتمعية التي انطلقت في العالم حول قضية الإجهاض، هي أن المشكلة ليست في حضور الدين في الفضاء العام، ولا في تأثيره في صناعة قناعات مكونات مهمة في المجتمع، وإنما المشكلة تتمثل في ضيق أفق النماذج السياسية لدى بعض الدول في استيعاب هذه الحقائق السوسيولوجية وتأطيرها بالآليات الديمقراطية التي تفرض على هذه المكونات تحويل هذه الأفكار إلى سياسات عمومية تتمتع بنفس شروط التعامل الديمقراطي التي تتمتع به مشاريع القوانين الأخرى، ويكون التصويت عليها تأييدا أو رفضا مدعاة إلى إعادة تجديد الدينامية السياسية للتيارات المختلفة في المجتمع والبحث عن مصادر قوة جديدة لدعم المواقف والمواقع معا.

هذا هو الدرس البارز الذي ينبغي أن نستفيده، من هذه التجربة، وهو الذي يعطينا يقينا بأن النماذج العلمانية التي تتمتع بقدر محدود من خاصية الاستيعاب مثل النموذج الفرنسي، ستجد نفسها في المدى المتوسط والبعيد عاجزة عن تقديم جواب عن التطور المجتمعي المرتقب، إلا أن تبادر إلى إعادة النظر في أسس نموذجها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{م: نماء للبحوث والدراسات}
ــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
10-11-2014, 09:38 AM
محمد أركون وحصاد الصراع بين الإسلاميين والليبراليين
ـــــــــــــــــــــــــــــ

(د. أحمد إبراهيم خضر)
ــــــــــــ

17 / 12 / 1435 هــ
11 / 10 / 2014 م
ــــــــــــ

https://encrypted-tbn1.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcT0F8n8ga7pEY_fdGrrIAb0mNge7sgKC BXuHcbq6VrMmapxMHQ_

محمد أركون وحصاد الصراع بين الإسلاميين والليبراليين

في كتابه "سؤال الهوية" وجه التنويري الماركسي المتطرف "شريف يونس"، لائحة اتهام لرفاقه التنويرين، وإن كان قد تحفظ في اعتبار ما قاله بأنه لائحة اتهام.

أقرَّ يونسبأن ظاهرة التنوير ظاهرة نشِطت في السنوات الأخيرة، وأنه قد مضى وقت كاف على نشاطها العلني، وعلو صوتها الملموس في المنابر الحكومية وغير الحكومية، طرحت نفسها للناس على أنها "سلطة" و"كمبدأ مقدس"، بادرت باستخدام جميع أسلحة الإرهاب الفكري ضد خصومها؛ لأن المسألة كانت بالنسبة لها "مسألة حرب": سلطة أمام سلطة، ومبدأ مقدس أمام مبدأ آخر مقدس، خصومها يدافعون عن "الله"، وهي تدافع عن الوطن والحرية والديموقراطية، ورغم ذلك فقد حدث لهذه الظاهرة تدهور خطير صحبها منذ بدايتها ذاتها، وترافُقٌ مع عُلو صوتها، جعلها دائمًا في موقع الدفاع.

العلمانية التي نادت بها، كما يرى "يونس" هي علمانية منافقة، ليس من شأنها سوى تأكيد موقفها الدفاعي هذا، دون أمل في الخروج منه، اضطرت دومًا للتراجع المستمر كلما اشتد هجوم خصومها، وإلى جانب ذلك فهي "علمانية مبتورة"، أصبحت قضيتها "قضية نخبة" أو نحلة مضهدة تمارس تقية مكشوفة، تغطي بها على أفكار حكم عليها أصحابها أنفسهم بأنها لا تصلح للتداول العام، وأنها أشبه "بجيتو يهودي" مستقل سياسيًّا وأيديولوجيًّا، ولو فرض امتداد هذا الخط على استقامته، فسيتحول كما يرى "يونس" إلى أصولية جديدة، سرية، تقوم مع انعزالها المتزايد "بتكفير" المجتمع باسم "العقل المجرد والتقدم"، وقد تبحث لنفسها عن هجرة تحتمي بها مما يسميه "يونس" الجاهلية الإسلامية القادمة".

حدد "يونس" لائحة الاتهام لرفاقه التنويرين على النحو التالي:
التنويريون يثبون على الفجوة التي تحدث بين الإسلاميين والسلطة، ويرتمون في أحضان السلطة لتدفع عنهم ما يسميه "بالشيطان الرجيم" ممثلاً في الإسلاميين، يستعدون السلطة عليهم، ويحاولون إقناعها بخطورتهم، ويطالبونها بتحكيم العقل التنويري وبالديموقراطية والحرية في نفس الوقت الذي يصرون فيه على إبعاد الإسلاميين عن وسائل الإعلام، والعمل على الحد من تأثير دعايتهم على الناس، والالتصاق الشديد بالسلطة مقابل غير معلن: إنه التحرك في إطار خطة النظام القائم، وعلى هذا الأساس فإن التنوير الحالي لا يقدم سوى مشروع سياسي وحيد، هو تقوية الدولة القائمة، فهو تابع لها، موالٍ لنظامها، يكيف مبادئه على مقاس احتياجات النظام الذي لا يطلب تنويرًا حقيقيًّا، إنما يطلب فقط صيحات استنكار ضد الإسلاميين.

أدركت السلطة ذاتها كما يرى "يونس" ما يسميه هو نفسه "بهزال التنوير المعاصر"، فعمَدت إلى استدعاء الموتى من كتاب التنويريين القدامى؛ لينوبوا عن التنويرين الأحياء في مواجهة الإسلاميين، فقامت بإعادة طبع كتب التنوير القديمة، لكنها حذفت منها هذه النصوص المثيرة للإسلاميين؛ مما يعني فقْد قدرتها على المواجهة، بالرغم من أن هذه النصوص في حد ذاتها ذات طبيعة مراوغة تمثل مراوغة أصحابها ذاتهم كما يرى يونس.

والمعركة مع الإسلاميين في نظر "يونس" ليست معركة نصوص، وإنما هي معركة سياسية اجتماعية أيديولوجية حية؛ ولهذا فإن الإسلاميين لا يستمدون قوتهم من إعادة طبع الكتب القديمة ككتب ابن كثير مثلاً، وإنما من أعمال مفكرين إسلاميين أحياء، يطرحون إجابات إسلامية لقضايا الواقع المعاصر، وفي إطار هذا الطرح تأتي استعادة أفكار ابن كثير وغيره.

التنوير لا يخشى السلطة أساسًا، وإنما يخشى الجماهير، إنه يرتعب من الجماهير ومن التدين الشعبي التقليدي.

وصف "يونس" هذه الجماهير بأنها "هذا الكيان الجمعي المجهول الغامض، المثير للرعب بمجهوليته ذاتها، والذي يتضخم شبحه مع تزايُد انعزال التنوير جماهيريًّا، وإحجامه عن التوجه الفعال الصريح برسالة محددة ذات قيمة لهذه الجماهير".

التنوير لم ينجح - من فرْط رُعبه من الجماهير - أن يقدم لها شيئًا له قيمة،بل إنه متَّهم بتغريب هذه الجماهير، واستخدام هذا التغريب كأداة للتحديث لصالح الطبقة الحاكمة على حساب الجماهير، ويتساءل "يونس": "ما الذي يقدمه التنوير؟ فكرة الوطن، الوحدة الوطنية؟ المجد القومي؟

إنه لا يوضح لنا وطنَ مَن، ولا مجد مَن، وقصارى ما يطرق في هذا الصدد هو وطن التسامح الديني، وهو محتوى سلبي.

في مقابل ذلك يطرح الإسلاميون فكرة العروبة في إطار رؤيتهم الخاصة، فيتحدثون عن عزة العرب في ظل الإسلام، وقوة الإسلام على قيادة نهضة قومية.

ماذا يطرح التنوير أيضًا؟ الديموقراطية؟ وماذا تفعل الديموقراطية في ظل غياب محتوى ملموس لها؛ أي: في ظل غياب أيديولوجية علمانية صريحة منسقة مدافعة عن حقوق الجماهير في تنظيم نفسها للدفاع عن مصالحها".

والعلمانية المعاصرة عند "يونس" تخشى الديموقراطية خشية الموت، وهي لم تنسَ بعدُ درسَ "الانتخابات الجزائرية" التي وقفت منها موقفًا مُخزيًا، مؤيدًا عمليًّا للانقلاب على حد قوله.

ليس للتنويرين مشروعًا يتقدمون به إلى الجماهير، يربطون به بين مصالحهم والعلمانية، فهم يرفعون راية الوطنية في مواجهة راية الإسلاميين، ويقدمونها على أنها التفسير الصحيح للإسلام، ولكن في صورة وصفها "يونس" بأنها "غريبة لا تقنع أحدًا"، ادَّعوا أن نشاط الإسلاميين ما هو إلا "إرهاب متستر بالدين"، ثم تطوعوا بتعيين أنفسهم فقهاء للإسلام، يقدمون تفسيرًا له يرون أنه صحيح، ولكن في مشهد وصفه "يونس" أيضًا بأنه "مشهد كوميدي عجيب".

"القومية" كبديل يقدمه التنوير، بديل عاجز وغير مكافئ لما يقدمه الإسلاميون، و"القومية" هي في التحليل الأخير مفهوم سياسي يستند إلى طرح ضعيف عن خصوصية الأمة المعنية، وهو في نظر الإسلاميين طرح "متخلف فقير للغاية" إذا قورن بالمبدأ الأممي للإسلام الذي يطرح نفسه كرسالة عالمية،وبالإضافة إلى ذلك فإن مبدأ القومية عاجز عن حمل مشروع اجتماعي واضح يقوم على موقف من التناقضات الداخلية في الأمة، في حين أن الإسلاميين يطرحون عبر مبدأ "حاكمية النص" مشروعات اجتماعية محددة.

وهكذا أثبت الإسلاميون على اختلاف توجُّهاتهم في كل معاركهم مع العلمانيين قدرتهم على تحطيم ما يسميه "يونس" بالمتاريس الورقية؛ سواء باستيعاب مبدأي القومية والتسامح الديني داخل الإطار الإسلامي (جزئيًّا)، أو برفضهما، انطلاقًا من مبدأ "حاكمية النص"، وفي كلتا الحالتين يطرح الإسلاميون موقفهم براحة تامة في إطار محاكمة العلمانية من وجهة نظر تفسيرهم للنص، وإذا لزم الأمر فباستطاعتهم - ببساطة متناهية - رفْع شعارات "الجنسية الإسلامية" في مواجهة مبدأ "القومية"، ونظرية "أهل الذمة" في مواجهة مبدأ "المواطنة"، ودفع التنويرين إلى الدفاع عن إسلامهم، حتى وصل الأمر بالبعض من المفكرين العلمانيين إلى الرد على تهمة التكفير بتكفير مضاد، فاندفعوا لتسمية خصومهم "بالمتأسلمين" في الوقت الذي يجلسون فيه هم على المنصات، يشرحون عبرها فَهمهم الخاص للإسلام، ويظهرون بمظهر "الفقهاء" ليخفوا - بغير نجاح كبير - حقيقة العلماني المهزوم، بنفس عبارات "يونس".

العلمانية المعاصرة تتجنب بالذات الاشتباك مع جوهر الطرح الإسلامي، وهو "حاكمية النص"، وخاصة في كتابات المفكرين الإسلاميين البارزين، اللهم إلا ما يمكن تصيده من عباراتهم مما يراه "يونس" بأنه يصدم الرأي العام؛ كالتكفير، أو الأفكار الوطنية، ويلجؤون بدلاً من ذلك إلى ما يسميه "يونس"باللف والدوران".

العلمانيون عجزوا كما يرى "يونس" عن الدفاع عن علمانيتهم إلا بشكل مُلتوٍ، ومحاولة البحث عن تناقضات في فكر الإسلاميين، وحتى في هذه الحالة لا يَعجِز الإسلاميون عن دحر العلمانيين، ويتحدد مفهوم "الحاكمية" عند "يونس" بمبدأ الطاعة والخضوع للنص أو تأويلاته المحددة، والذي يؤكد نفسه عبر سلسلة أوامر تفصيلية لتنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والأيديولوجية، تطرح نفسها باعتبارها تفسيرًا مطابقًا للنص ذاته.

ويتكامل هذا الطرح كأيديولوجية عبر تجسيده في تفسير التاريخ، والإسلام في كل تفسيراته عند "يونس" دين ودولة، وهو يعني إخضاع الكِيان الاجتماعى لأحكام فقهية، وهذا أمر يلقي اتفاقًا يمتد من الأزهر وحتى ما يسميه يونس "بالتكفير والهجرة"، فالإسلام في المقام الأول مبدأ شامل ينظم كل مناحي الحياة، يمتد من الخوف من المعاصي والعادات والآداب التي لا تنتهي، لتحكم كل تفاصيل الحياة بدءًا من دخول دورة المياه والسلوك داخلها، إلى علاقة الإنسان بربه وامتدادها إلى علاقتها بالبشر،كل هذا يتعيَّن فرضه فرضًا.

ويضيف "يونس": إن مبدأ الحاكمية يقوم على أساس المساواة بين البشر، وعلى أساس راسخ مفاده وجود علاقة تعبُّدية بين الإنسان والله، دور الإنسان فيها أو دور الصفوة عمليًّا هو استطلاع الأوامر الإلهية وتنفيذها حرفيًّا، بغض النظر عن السياق التاريخي والاجتماعي المعاصر، "فالله" في الإسلام، يشار إليه ليس بوصفه خالقًا أو راعيًا فقط، ولكن كسلطة تعلو كل فرد على حدة؛ بحيث لا تقام رابطة بين هذا الفرد وغيره من البشر، أو حتى بالطبيعة إلا عبر الأوامر الإلهية كما يحددها فقهاء الإسلام، ولمواجهة هذا المبدأ الإسلامي لجأ العلمانيون إلى التمسك بمبدأ "مطاطية النصوص"، وهذا من شأنه في نظر "يونس" أن يجرد المطلب العلماني ذاته من أي معنى.

والطرح العلماني في نظر "يونس" إنما يريد التخلص من حاكمية النص عن وعي وإدراك كاملين بمخاطر محتواه، وهو محتوى تشكَّل تاريخيًّا عن طريق الفقه، واتهام "يونس" للتنويرين هنا يكمن في أنهم لجؤوا إلى التمسك بمبدأ "مطاطية النصوص" في الوقت الذي كان عليهم كما يرى "يونس" أن يرفضوا رفضًا صريحًا مبدأ "حاكمية النص"؛ لأنه يمثل في نظره إخلالاً بقيم الحرية والفردية والمواطنة، والنزعة الإنسانية عمومًا.

الطرح العلماني - كما يرى يونس - يحاول قصر نفسه بقدر الإمكان على المستوى السياسي، فيزيد من حدة التشهير السياسي بالإسلاميين؛ ولهذا تنحصر المواجهة في مسألة ما يسميه "يونس" بالإرهاب، وأساسها الفقهي "التكفير" على حد قوله.

أما دفاع التنويرين عن قضايا؛ مثل: حرية المرأة، والعدالة الاجتماعية أو الديموقراطية، أو حقوق الأقليات المسيحية - فهو دفاع لا يواجهون فيه مباشرة الطرح الإسلامي لهذه القضايا، ولا يتعرضون لمسألة الرفض الصريح لسلطة النص أو لمبدأ إسلامية الدولة والمجتمع، وهذا يعني أن التنويرين لا يستبعدون الأساس الأيديولوجي الضروري لمثل هذا الطرح، والإقرار بمرجعيته بشكل غير مباشر، في حين أن الطرح الإسلامي يتميز عن الطرح العلماني كما يرى "يونس" في أنه يضع نفسه مباشرة في مواجهة صريحة مع العلمانية ورموزها، هذا فضلاً عن أن "الإسلاميين الجدد" يطرحون مبدأ حاكمية النص بارتباطه بالثقافة السائدة عند الجمهور، وبوصفه طوق نجاة دنيوي لهذه الجماهير المقهورة.

الممارسة الحالية للعلمانية تَنِمُّ عن قبول ضمني أو صريح لمسألة إسلامية الجماهير - كما أشرنا أعلاه - ترتب على ذلك أن أصبحت العلمانية ذاتها محل شكٍّ؛ سواء من حيث معناها، أو قيمتها؛ لأنه تضمن التسليم بجوهر الطرح الإسلامي الذي يرفع الدين إلى ما يسميه "يونس" بأيديولوجية شاملة، نابعة مباشرة من وعي الجماهير وتراثها، الأمر الذي يستدعي قبول أطروحة بعض العلمانيين القائلة: "إن الإسلام هو الأيديولوجية المؤهلة للدفاع عن حق الجماهير في الحياة، والحد من امتيازات الطبقة العليا التي تتمثل القيم الغربية أو بالأحرى مظاهرها بدرجة أو بأخرى، وتتخذها سدًّا للحفاظ على امتيازاتها وتبريرها.

العلمانية عند "يونس" هي المبدأ الذي ينادي بفصل الدين عن الدولة، والتعليم العام، وتحويل الدين إلى شأن خاص بالفرد، وكفالة حق الأفراد بتغيير عقائدهم كيف شاؤوا، دون اعتبار ذلك إخلالاً بالنظام العام، ورفض ادِّعاءات أتباع أي دين أو مِلة بأن من حقهم فرض تصوُّراتهم الخاصة على المجتمع،وتنطلق العلمانية عند "يونس" من رؤية إنسانية غير دينية للعالم، تحرِّر الفرد من الخضوع لما يسميه "بالقهر" باسم الغيبي والمطلق والمقدس، وتأكيد مسؤولية الإنسان وليس "الله" عن عدله ونظامه الاجتماعى بأوسع معنى للكلمة.

هذه المطالب عند "يونس" هي أسس فكرية لا مجرد مبادئ يصفها بأنها "صحيحة" في حد ذاتها، بل هي شروط ضرورية في نظره للتقدم التاريخي، تحرر البشر مما يسميه بأشكال القهر والوصاية الفكرية، وتُمكنهم من بناء عالمهم بحرية، وفي ظل النظام العلماني لا يجوز للدولة أن تستند إلى مرجعية دينية من أي نوع، ولا يجوز لها أن تَحجُر النقاش الحر حول الأديان والعقائد، وعلى الدولة في نظر "يونس" أن تحمي حق نقد الأديان، والمسألة الجوهرية عند "يونس" هي تحرير الفكر والممارسات السياسية والاجتماعية من الدين أو التقيد بأي مرجعية دينية.

يتَّهم "يونس" التنويرين بأن شاغلهم الأساسي أصبح هو التهرب من هذه المسألة، وأنهم قد فشِلوا تحت وطأة حركة الإسلاميين من الدفاع عن حريتهم المطلقة في التعبير، وجنحوا في مقابل ذلك إلى الدفاع عن صحة إسلامهم؛ مما يعني في نظر "يونس" التسليم الضمني بحق قتل المرتد عن الإسلام، ومِن ثَمَّ انعدام القدرة على الدفاع عن حرية الفكر.

نجح الإسلاميون في دحْر التنويرين بعد أن أدركوا ضَعف موقفهم العلماني، فالتنوير كما يرى "يونس" عاجز عن طرح رؤية أيديولوجية علمانية صريحة في مواجهة الإسلاميين، فهو لا يستطيع مثلاً طرح "قيم جنسية تحرُّرية ترتبط بالمرأة"، وترتعد فرائصه أمام تهمة "الإباحية"، كما يرعب بشدة من تُهمة الإلحاد، ولا يستطيع الدفاع بشجاعة عن قيم التحرر الاجتماعي بوصفها قِيَمًا إيجابية، وهكذا...

ومن هنا حاصر الإسلاميون العلمانيين، ثم اتبعوا معهم تكتيك "تهدئة المواقف" بدلاً من الهجوم، فأطلقوا الوعود بالحفاظ على حد أدنى من الحريات في ظل الحكم الإسلامي المرتقب؛ سواء للعلمانيين، أو الأقليات الدينية.

ويرى "يونس" أن هذا موقف طبيعي من جانب أيديولوجية متكاملة تُجاه بضع أُطروحات واعتراضات جزئية، لا ترمي في نهاية المطاف إلا إلى الدفاع عن فئة محاصرة، لم تتمكَّن من طرح نفسها أصلاً كمنافسٍ كفءٍ، لا أيديولوجيًّا ولا سياسيًّا.

هذه هي لائحة اتهامات "شريف يونس" لرفاقه العلمانيين، لا نضيف إليها إلا ما أقرَّ به بعضهم من أن التنويريين العرب عمومًا مبعثرون، لا يجمعهم إطار تنظيمي عام أو حتى قضية عامة، خواء فكري وثقافي وسياسي، تسيطر عليهم القيم المادية، إنتاجهم الثقافي ليس هدفه "الشهرة" فقط كما يرى "يونس"، وإنما "الربح" كذلك.

أما "شريف بونس" نفسه، فلا يرى أمامه من عدو يجب اجتثاثه من جذوره سوى الإسلام والإسلاميين، وامتدَّ به الحقد إلى لغة القرآن، فقال ما نصه: "لا بد من نشر الثقافة والقضاء على عقلية وصاية المثقف، وهذا يتطلب بصفة أساسية تحرير اللغة المكتوبة من القواعد الموروثة، وإتاحة الفرصة لها للتطور خارج قفص الوصاية الضيق لمجامع اللغة والمصححين اللغويين، ومجمل هذا الجهاز الأيديولوجي الذي يترتب على نشاطه إقامة حوائط هائلة الارتفاع، تحول عمليًّا دون انتشار الثقافة، وتحافظ على طابعها النخبوي، انطلاقًا من الحق الديموقراطي البديهي لكل ناطق أصلي للغة في تغيير مفرداتها، ونحْت غيرها وتغيير معانيها؛ كما يحدث في كل لغة حية".

لم يتعرض "شريف يونس" لقضية هامة، وهي ارتماء التنويرين العرب في أحضان رجال اللاهوت النصارى، وبمعنى أصح اصطياد رجال اللاهوت من النصارى لهم،والمثال الواضح لذلك هو احتضان "روبير كاسبار" و"كلود جيفري" لـ"محمد أركون"، و"الأب جيفري" هو أحد أعضاء مجموعة باريس التي يرأسها الأب "روبير كاسبار"، وهما من رجال اللاهوت المسيحي.

يؤمن "كاسبار" بأهمية الحوار مع الإسلام، وفقًا لِما يدعيه "بالاحترام المتبادل"، وأهمية "البحث التاريخي"، وتعمل مجموعة باريس ضمن جماعة أوسع في البحث الإسلامي - المسيحي.

تضم هذه المجموعة "فرانسوا سميث فلورنتان"، و"جان لامبير"، و"كلود جيفري".

احتضن "كاسبار" المفكر العلماني المعروف "محمد أركون"؛ ليكون عضوًا في مجموعة باريس هذه، أما أهمية "الأب جيفري"، فتكمن في أنه صديق شخصي لأركون، وهذا الأخير يحترم "جيفري" ويُبجله كثيرًا، ويتردد عليه، ويستمع لآرائه، بل يَتوق بشدة إلى معرفة تعليقاته وملاحظاته على أفكاره، وفي كلمات مليئة بالإعجاب المشوب بالاستجداء، يصف "أركون" الأب جيفرب"، فيقول: "تركت قلمي يجري على هواه كما أفعل عادة عندما أتحدث بكل حرية مع "الأب كلود جيفري"، وعنده الجواب عن كل شيء، فهو يستحسن كلامك، أو يُعدل منه، أو يُصححه أو يُكمله، ولكنه نادرًا ما يرفضه، أريد أن أوجه إليه أمنية وطلبًا، أتمنَّى لو يجد الوقت المناسب للرد على كلامي.

"الأب جيفري" كما يصفه "أركون" أحد اللاهوتيين القلائل الذين خطوا خطوة هامة نحو تشكيل ما يسميه "بلاهوت الوحي"، لا يستبعد القرآن وإنما يدمجه داخل رؤية ديناميكية حية".

هذه الكلمات الأخيرة لـ "محمد أركون" تؤكد صدق ما أشار إليه علماء الإسلام من أن "من يرفض أن يكون عبدًا لله، فلا بد أن يكون عبدًا لغيره"، و"ما من عبد يقدم أضحية لله إلا ويقدم العابدون لغير الله أضعافها من أنفسهم وأموالهم وأعراضهم".

ويؤكد اصطياد "كاسبار" وجيفري" لـ"محمد أركون" صدق ما أكده المفكرون الإسلاميون من أن "أهل الكتاب لا يحرصون على شيء قدر حرصهم على إضلال هذه الأمة عن عقيدتها التي هي صخرة النجاة، وخط الدفاع ومصدر القوة الدافعة للأمة المسلمة، وأعداؤه يعرفون هذا جيدًا قديمًا وحديثًا، ويبذلون في سبيل تحويل هذه الأمة عن عقيدتها كل ما في وُسعهم من مكرٍ وحيلة، ومن قوة وعُدَّة، وحين يَعجِزون عن محاربة هذه العقيدة ظاهرين، يدسون لها ماكرين، وحينما يُعييهم أن يحاربوها بأنفسهم وحدهم، يُجندون من المنافقين المتظاهرين بالإسلام، أو ممن ينتسبون إلى الإسلام زُورًا - جنودًا مجندة؛ لتَنخِر لهم في جسم هذه العقيدة من داخل الدار، ولتصد الناس عنها، ولتزين لهم مناهج غير منهجها، وأوضاعًا غير أوضاعها، وقيادة غير قيادتها؛ يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 100]؛ انظر مقالتنا "التنويريون الليبراليون وحائط الحاكمية".

------------------------------------------------------------

عبدالناصر محمود
10-12-2014, 08:03 AM
الليبراليون عدو قديم
ــــــــــ

(د. أحمد إبراهيم خضر)
ــــــــــــ

18 / 12 / 1435 هــ
12 / 10 / 2014 م
ــــــــــــ


http://d.gr-assets.com/books/1393080856l/6673050.jpg

الليبراليون عدو قديم: معاد للشريعة، وللإسلاميِّين، وللأنظمة
قراءة في تقرير قدَّمه الليبراليون للأمريكيِّين

بعيدًا عن اختلاف الموسوعات، والمعاجِم، والقواميس في تعريفِ وتحديدِ المقصود بـ"الليبراليين"، فإنَّ المفكِّرين الإسلاميِّين انتهَوْا إلى تعريف محدَّد وواضح لهذه الفِئة من الناس، يصف هذا التعريف الليبراليِّين بأنهم:
"جيش جرَّار من العملاء، مدَمَّرُ الظاهر والباطن، لا يستطيع أن يدرك حقيقةَ التلف الذي وقع في بنائه وتكوينه، يُعِدُّ نفسه لقيادة هذه الأمَّة، متوهمًا أنه يفكر لها، ويعمل على إصلاحها والنهوض بها، إنَّه جيل يتمثَّل في صورة أساتذة، وفلاسفة، ودكاترة، وباحثين، وأحيانًا كتَّاب، وشعراء، وفنانين، وصحفيِّين، يحملون أسماءً إسلامية.

يقوم هذا الجيش بمهمَّة خَلْخلة العقيدة في النفوس بشتَّى الأساليب، في صورة بحث وعلم، وأدب وفن وصحافة، وتوهين قواعد هذه العقيدة مِن الأساس، والتهوين مِن شأن العقيدة والشريعة على السواء، وتأويلها وتحميلها ما لا تُطيق، والدق المتَّصل على رجعيتها، والدعوة للتفلُّتِ منها، وإبعادها عن مجالات الحياة، وابتداع تصوُّرات، ومُثُل، وقواعد للشُّعور والسلوك، تناقض وتحطِّم أسس العقيدة ذاتها، كما تقوم بتزيين تلك التصوُّرات المبتدعة بقَدْر تشويه أمور العقيدة، كما تقوم بالدعوة إلى إطلاق الشهوات، وسَحْق القاعدة الخُلُقية التي تقوم عليها هذه العقيدة، بالإضافة إلى تشويه التاريخ، وتشويه النصوص".

هناك سِمتان أساسيتان يصِف بهما هذا التعريف حقيقةَ الليبراليِّين:
السمة الأولى: عداؤهم للشريعة وللمنادين بتطبيقها.
والسمة الثانية: عمالتهم لأعداء هذه الشريعة في الغَرْب الذين يصفونها:
بـ"القسوة والوحشية، والعنصرية والبربرية، واستعْباد المرأة، والانتقاص مِن قدْرها، وضرْب الزوجات، وزواج الأطفال، وعدم التسامح مع غير المسلمين، ورفْض حرية العقيدة وحرية التعبير..... ورفْض الشذوذ الجنسي، ورفض أي هجوم على الإسلام، أو حتى الارتداد عنه لِمَن دخَل فيه".

في مايو من عام 2006 كتَبت الدكتورة "هالة مصطفى" رئيسة تحرير Al-Ahrams political quarterly، Democratic Review. مقالاً بعنوان "سياسة تحفيز الديموقراطية الليبرالية في مصر"، نشر هذا المقال في سلسلة White Paper التابعة لِمَا يُعرف بمؤسسة الدِّفاع عن الديموقراطية FDD، ومقرها واشنطن العاصمة، تصَدَّر المقالَ عنوانٌ يقول "أصوات من الشرق الأوسط تُطالب بالديموقراطية والإصلاح".

جاء في تقديم الـ FDD لهذا المقال ما نصُّه: "هناك جَدلٌ نشط في دوائر صنع القرار الأمريكيَّة حولَ الحِكمة، ومدى الفاعلية في العمل على تعزيز الديموقراطية في الشَّرْق الأوسط، كسِلاح طويل المدى في الحرب ضد "الإسلام المتشدِّد"، ونحن نسعى في هذه السِّلسلة إلى أن نطرحَ للنقاش أصوات هؤلاء الذين يمثِّلون الجبهة الأمامية لنشْر الديموقراطية، وغيرهم من النُّشطاء المدنيِّين، والمثقَّفين المنشقِّين، وقادة المعارضة، ترى الدكتورة "هالة مصطفى" في المقال الذي تحت أيدينا أنَّ الولايات المتحدة تركِّز على وجود صِراع بيْن الإسلاميِّين، وبيْن ما يُسمَّى بأنظمة الحُكم التسلطية، وأنَّ الولايات المتحدة اختارتِ الوقوف إلى جانب هذه الأنظمة ضدَّ الإسلاميِّين، هذا الاختيار في نظر "هالة مصطفى" اختيار خاطئ؛ ولهذا فهي ترى أنَّ على السياسة الأمريكية التي تحثُّ على نشْر الديموقراطية أن تبحثَ في التمهيد لطريق ثالِث يعمل على تقوية الليبراليِّين الديموقراطيِّين، وليس التركيز فقط على العملية الديموقراطية.

قدم الليبراليُّون للأمريكيِّين كل ما لديهم من أسباب؛ لكي يقنعوا الأمريكيِّين بالوقوف إلى جانبهم بدلاً من التركيز فقط على تشجيعِ الاتجاه نحوَ الديموقراطية، ولعلَّ أقوى هذه الأسباب هي نظرتُهم إلى العلاقة بين الأنظِمة الحاكمة والإسلاميِّين على أنها منافِسة على الأرضية الإسلاميَّة، وتقاسم السلطة، ومِن ثم تزيد من مخاوفِ الأمريكيِّين، وتدعوهم إلى تمكينهم، ومِن ثم الاعتماد عليهم لا على الأنظمة.

كانت أهم الأسباب التي استند إليها الليبراليُّون العرب في حثِّ الأمريكيِّين على ذلك الآتي:
1- أنَّ الخطوات التي اتخذَها الغرب نحوَ تعزيز الديموقراطية والإصْلاح في دول الشَّرْق الأوسط هي خُطُواتٌ محدودة حقَّقت نتائجَ قليلةَ الفاعلية، وكانت في مجملها مجرَّدَ أشكال تجميليَّة أكثرَ منها خُطوات فعلية، تحقِّق الإصلاح السياسي المنشود.

2- أنَّ أنظمة الحُكم القائمة تشجِّع النظرة القائلة بأنَّ البديل الوحيد لنظام الحُكم القائم هو النظام الإسلامي، وأنَّ مصير البلاد يتوقَّف على الصِّراعِ بين هذين القُطبين، إنَّ هذه النظرةَ القطبية كما يتصوَّر الليبراليُّون لا تفسح مجالاً للقُوى الليبرالية والعلمانية بأنْ تشغل أي موقع يشكِّل أهمية في هذا الصِّراع.

3- هناك بعضُ دول العالم العربي لا تمثِّل مجتمعًا متجانسًا بسبب الانقسامات الطائفية والاثنية، ممَّا يحول بيْنها وبيْن نشْر الديموقراطية، لكنَّ هناك دولاً عربية أخرى تتمتَّع بإرْث ليبرالي – علماني خاص، يجعل منها نموذجًا لدولة علمانية ليبرالية عصرية معتدلة، تُشكِّل أساسًا للعملية الديموقراطية، التي تسعى إليها الولايات المتحدة.

يعتمد هذا الإرث العلماني - الليبرالي على بُروزِ شخصيات أسهمتْ في تحديث هذه البلاد بتأكيدها على أهميةِ القانون والنِّظام، واستقلال القضاء، والتأكيد على الهُويَّة القومية في مواجهة الهُويَّة الدينية والقبلية، وكذلك التأكيدُ على الحرية الفردية، والحريات العامَّة، وحريَّة الصحافة، والتعليم العام، وحقوق المرأة، والتعدديَّة السياسية، والحَركات النقابية.

حقَّقتْ هذه الدول الأخيرة ليس التحديث والليبرالية السياسية فقط، ولكنَّها حقَّقتْ إلى جانب ذلك تقدمًا ثقافيًّا في الفنون، والسينما، والموسيقا، كما تتميَّز هذه البلادُ بأنَّ الكثيرين من قادة هذا التقدُّمِ كانوا ذوي خلفية دِينية، لها مكانتُها في المجتمع، عمِل هؤلاء القادة الدِّينيون على نشْرِ سُبُل التجديد والإصلاح الدِّيني، وساند بعضُهم فِكرة الدولة العلمانية.

4- لم تكن لدَى العسكريِّين الذين وصلوا إلى السُّلطة في بعض هذه البلاد أَجندة سياسية خاصَّة بهم؛ ولهذا أخذوا البلاد بعيدًا عن كل المبادئ الليبرالية، وتبنَّوْا أيديولوجية مضادَّة لها، جمعوا فيها بيْن الإيديولوجيات الاشتراكية، والشعبية، والإسلامية، والقومية العربية؛ وذلك عملاً على تدعيم شرعيَّتهم، ولتأكيد هذه الشرعية حظَرُوا قيام الأحزاب السياسية، وتبنَّوا فكرة الحزب الواحد، الذي تدعمه آلة أمْن قوية، اعتمد تجنيد الصفوة السياسية في هذه البلاد على مبدأِ الولاءِ أكثرَ مِن مبدأ الجدارة، كما اعتمدتِ السياسة الخارجية فيها على محارَبةِ العدوِّ الخارجي ضمانًا لشرعية النِّظام أيضًا، هذا بالإضافة إلى الرِّقابة القوية على الإعلام، بحيث لا يُسمَح بحرية التعبير، أو تعدُّد الآراء.

5- لم يكن دافِع سياسة الانفتاح النسبيَّة التي أخذتْ بها بعضُ دول الشرق الأوسط هو الالتزامَ بالمبادئ الليبرالية، وبذلك لا تُعتبَر موافقتها على تأسيس أحزاب أخرى غير الحِزب الحاكم انفتاحًا حقيقيًّا؛ لأنَّ دورَ هذه الأحزاب في العملية السياسية ليس إلا مجرَّدَ عملية تجميليَّة لوجه النظام.

6- تؤكِّد بعضُ الدساتير في البلاد العربية على أنَّ الإسلام هو المصدرُ الأساس للتشريع، في الوقت الذي تحظُر فيه إنشاءَ أي حزب أو برنامج حزبي علماني، هذا التأكيد وإنْ كان براجماتيًّا، فإنَّه يعني أنَّ النظام لا يعطي اهتمامًا كبيرًا لإصلاحات بنائية عميقة هامَّة، ومِن ثَم يُعتبر هذا الانفتاح استثناءً في سياسة النظام.

7- الصُّعود الثابت للقُوى الإسلامية هو ناتِج طبيعي لركود الحياة السياسية، ووجود تشريعات تُقيِّد تأسيسَ أحزاب سياسية علمانية ليبرالية، هذا الركود وهذا القَيْد يجعل من المسجدِ الممرَّ الوحيد الممكن للتعبير عن الآراء السياسية، ومعارضة النِّظام، مما يعني أنَّ العلاقة بيْن النظام والإسلاميِّين ما هي إلا منافسة على الأرضية الإسلاميَّة إلى حدٍّ كبير، فالنظام وإنْ لم يعترف قانونًا بالإسلاميِّين، فإنَّه يقوم بعمليات أسْلَمة متزايدة في سياسته على حِساب فئات أخرى، منها وضعُه قيودًا على حرية الفِكْر والإبداع، التي تتناقض مع مبادئ الإسلام، كما يُشجِّع النظام الإسلاميِّين على التعبير عن المبادئ الإسلامية في أجهزة الإعلام، ويحظُر على الليبراليِّين ذلك.

كما يسمح النِّظامُ للإسلاميِّين بدخول الانتخابات تحتَ مسميات غير حِزبية، فيحتلُّون - بناءً على ذلك - مقاعدَ في البرلمان، ويُسمح لهم كذلك بالترشيح لانتخابات النِّقابات المهنية، والقصد من ذلك كلِّه بيانُ وجود اتفاق سياسي صامِت بيْن الإسلاميِّين والنِّظام على حساب الليبراليِّين.

8- هذا الصِّراعُ بيْن النظام والإسلاميِّين على الأرضية الإسلامية جعَل مِن الصعب على المحلِّلين والمراقبين تثمينَ القوة الفِعلية للإسلاميِّين، وتقدير حجْمها، طالما أنَّ التنظيمات الإسلامية لا تكشف عن عدد أعضائها، فأصبح مِن الصعْب الوقوفُ على حقيقة الجِهة التي تقف وراء النموِّ المتزايد في اتجاه المجتمع نحوَ الأسلمة، هل هو النِّظام أم التنظيمات الإسلامية.

هناك نموٌّ متزايد للمساجد، هناك زِيادة ملحوظة في أعداد المنتقِبات، هناك حظْر لشُرْب الكحوليَّات في بعض المناطق الشعبية، هناك لجوء للخطاب الدِّيني من قِبل الدولة، لمَن يُنسَب كل هذا: للنِّظام أم للإسلاميِّين، هناك أيضًا عدم فاعلية في التوجُّه نحو الديموقراطية تتمثَّل في نقْص المشاركة السياسية.

هناك أغلبيةٌ صامِتة، لكن من غير المعروف لمَن تنتمي، فإذا قيل: إنَّ الإسلام يمثِّل أقوى القوى السياسية في البلاد، كما يظهر في بعضِ الأحيان، فإنَّ هذا يعني أنَّ المسرح السياسي يكون قد تغيَّر تمامًا لصالحهم.

9- طرَح الليبراليُّون هذا السؤال على الأمريكيِّين: هل تؤدِّي مشاركة الإسلاميِّين في السياسة بالضرورة إلى التقليل مِن الاتجاه نحوَ التشدُّد والدعوة إلى الجهاد؟ أجاب الليبراليُّون: لا، بالتأكيد؛ لقد أثبتت التجارِب في الماضي صحَّةَ هذه الإجابة.

إنه مِن غير المحتمل أن يؤدِّي الاعتراف القانوني بالتنظيمات الإسلامية إلى التقليل مِن الاتجاه نحوَ الإرهاب والعُنف المسلَّح، العكس هو الصحيح، إنَّ هذا الاعترافَ من شأنه أن يقدِّم أرضًا خصبة لنموِّ التنظيمات الإسلامية، سواء أكانتْ عنيفةً أم غير عنيفة.

إنَّه يجب أن يُنظر إلى دخول الإسلاميِّين إلى الحياة السياسية على المدَى الطويل، وليس على المدى القصير، وتمثِّل التجرِبةُ التركية نموذجًا طيبًا هنا، فقد كان تكامُل الإسلاميِّين في الحياة السياسية ممكنًا؛ لأنَّ الدولة التركية دولةٌ حيادية تُجاهَ الدين، الدستور فيها علماني، ويُعتبَر صمام أمْن ضد محاولات حِزب العدالة تحويلَ الدولة إلى دولة أوتوقراطية، هذا بالإضافة إلى حِماية الجيش لعلمانية الدولة وللنِّظام العلماني، الذي أسَّسه أتاتورك.

إنَّ هذا الأمر لا يتوافَرُ لدول العالَم العربي، حيث لا تتصرَّف المؤسَّسة العسكرية كحارسٍ للعلمانية.

10- السَّماح للإسلاميِّين بالتكامل مع الحياة السياسية يتوقَّف على إعادتهم النظرَ في واحد من أهمِّ مبادئهم السياسية، وهو اعتبارهم الشريعةَ المصدرَ الرئيس للتشريع، وعليهم قَبول مبدأ أن تكون الشريعة أحدَ مصادر التشريع، أو مصدرًا أساسيًّا، وليس المصدر الوحيد، وإلا فلن يكونَ الإسلاميُّون قادرين على التعايش مع الجماعات العلمانية والليبرالية.

وقد يُمكن القول بأنَّ الإسلاميِّين - كحركة سياسية - قد يَقْبلون التفاوض حولَ هذا المبدأ الذي يدور حولَ التعديل المقترَح بأن تكون الشريعةُ أحدَ مصادر التشريع في حالةِ ما إذا كان قَبول ذلك موصلاً إلى اعتراف دولي بهم، ومن هنا تكون الخُطوة الأساس التي تمهِّد الطريق لتأسيس نِظام ليبرالي علماني - في نظر الليبراليِّين - هي إجراء تعديل دستوري يقلِّص دورَ الشريعة في النِّظام السياسي. إنَّ مثل هذا التقليص سوف يضمنُ حيادية الدولة، ومِن ثَمَّ يكون الدستور أكثرَ ملائمة للحدِّ مِن أسلمة الدولة والمجتمع، وستكون هناك فرصةٌ للتنوع الفكري والسياسي.

11- يرَى الليبراليُّون أنَّه على النقيض من العلاقة المتبادلة بيْن الأنظمة والإسلاميِّين، ووضوح أنَّ الخلاف بينهما هو على تقاسُمِ السلطة، وليس على الأيديولوجية، فإنَّ سِمة الصِّراع بيْن الأنظمة والليبراليِّين هو أنه صراع أيديولوجي عميق؛ بمعنى: أنَّ الصِّراع بيْن الأنظمة والليبراليِّين هو أكثرُ ضراوةً من الصِّراع بين الأنظمة والإسلاميين، فالأنظمة تتحالَف براجماتيًّا مع الإسلاميين، وتعتمد على المبادئ الإسلامية كتعويضٍ لافتقارها إلى تبنِّي أيديولوجية واضحة المعالِم.

12- يرى الليبراليون أنَّ الأنظمة تُقصي عمدًا أصحابَ الفكر الليبرالي من مثقَّفين وأكاديميِّين وغيرهم مِن الحياة السياسية، باستثناء جماعةٍ صغيرة من رجال الأعمال، تستفيد الأنظمةُ منها في الجانب الاقتصادي، لكنَّ النِّظام يشترط على هذه الجماعة عدمَ تحدِّي أساس النظام القائم، وعدم إجراء أي تغييرات بما فيها السياسة الاقتصادية للنِّظام، وبسبب هذه الشروط المقيّدة لحركة هذه الجماعة، لم تتمكَّن هذه الجماعةُ من صنع أي إسهام في مجالات الإصلاح الاقتصادي والسياسي معًا.

هذه هي الأسباب التي اعتمَدَ عليها الليبراليُّون لإقناع الولايات المتحدة للقيام بدَوْر فعَّال في مساندتهم، لم يكتفِ الليبراليون بتقديم هذه الأسباب، لكنَّهم قاموا بتقديم تصوُّرٍ للأمريكيين يساعدهم على تحقيقِ ما يُسمَّى بالإصلاح السياسي الحقيقي في البلاد، ويقوم هذا التصوُّرُ على مطالبة الولايات المتحدة بتعديل أولوياتها عندَ التعامل مع الأنظمة؛ بمعنى: أنَّ عليها أن تُعطي أسبقية للإصلاح السياسي على اهتماماتها بالاقتصاد والتجارة، والتعاون المخابراتي في مجال مكافَحة الإرهاب.

وعلى الولايات المتحدة أيضًا أن تُعيدَ النظر في مدخلها التقليدي؛ لتشجيع الديموقراطية في بلاد الشَّرْق الأوسط الذي يقوم على قُطبين هما: مساندة المجتمع المدني، ودفْع النِّظام إلى انتخابات حرَّة وعادلة.

لقد أثبتتِ التجرِبة - كما يرى الليبراليُّون - أنَّ الاعتماد على هاتين الإستراتيجيتَيْن لم يحقِّق إلا نتائج محدودة جدًّا على المستوى العملي، وأنَّه قد يصلُح لبعض الدول في الشرق الأوسط دون الأخرى، كما يتجاهل هذا المدخل الدور المركزي الضابط للدولة، وتدخل آلة الأمْن في الحياة السياسية، وهذا مِن شأنه أن يحولَ دون قيادةِ نشطاء المجتمع المدني لعملية إصلاحٍ سياسي في الداخل. كما أنَّ اختزال العملية الديموقراطية في صناديق الاقتراع يُمكِّن قوةً سياسيةً واحدة - وهي القوة الإسلاميَّة - من تحقيقِ مكاسبَ على حساب القوى الليبرالية؛ وذلك بسبب القيود الصارِمة التي يفرِضها النظامُ على الجماعات السياسية العلمانية والليبرالية.

يبدأ المدخلُ الصحيح في نظَر الليبراليِّين بالضغط المباشِر على الأنظمة بقَبول "لبرلة" النِّظام السياسي والإعلام، وإنْ لم يتحقَّق ذلك، فستظلُّ جهود الولايات المتحدة والمجتمع الدولي محدودةً، وسوف يتمُّ سحْق عملية الإصلاح، وخسارة المكاسب الليبرالية.

إنَّ إستراتيجية الولايات المتحدة يجب أن تركِّزَ على تقوية الليبراليِّين الديموقراطيِّين، وليس فقط على العملية السياسية، وذلك بالتركيز على الأسبقيات الآتية:
أولاً: ضرورة تعديل الدُّستور بإلْغاء المادة التي تنصُّ على أنَّ الشريعة الإسلاميَّة هي المصدرُ الوحيد للتشريع، وإدخال موادَّ أخرى في الدستور تجعله متشبِّعًا برُوح المبادئ العلمانية، والليبرالية والتعددية.

ثانيًا: يجب تغيير موادِّ قانون الأحزاب، والأنشطة السياسية، وأنشطة المجتمع المدني، بحيث تسمح للأحزاب الليبرالية والعلمانية التي تحمِل أفكارًا مخالِفة لأفكار الأحزاب القائمة بالوجود، حتى وإنْ لم يكن لها أيُّ رصيد شعبي؛ ولهذا يجب السماحُ لهذه الأفكار بأن تُحقَن في جسَد الشعب؛ حتى لا تكون السيطرةُ للإسلاميين وغيرِهم كاملة عليه.

ثالثًا: يجب على الولايات المتحدة أن تضغطَ على الأنظمة بتغيير سياساتها، بحيث يُسمَح للقيادات الليبرالية بالوجُودِ في المناصِب الحكومية والإعلامية، حتى تتمكنَ هذه القيادات من تحقيق وإنجاز عملية الإصلاح المنشودة، وكذلك مِن تحديث الخِطاب السياسي، وإيجاد إطارٍ سياسي قادِر على استيعاب التحوُّلاتِ الديموقراطية.

لقد ضغطتِ الولاياتُ المتحدة لعدَّة سنوات على الأنظمة العربية بإجراءِ إصلاحات اقتصادية في الحكومة، لكنَّها لم تقمْ بهذا الضغط من أجْل الإصلاح السياسي، ومِن ثَمَّ لم تُتحِ الفرصة لاحتمالات حقيقية تدفع عمليةَ الإصلاح إلى الأمام.

رابعًا: يجب أن تحثَّ الولاياتُ المتحدة الأنظمةَ على الانفتاح و"لبرلة الإعلام"، وذلك بالسماح بوجود مساحة أكبرَ لوِجهات النظر المعارضة في الصحافة، ووسائل الاتصال الأُخرى.

إنَّ سياسة خصْخَصة الإعلام ليستْ هي الحلَّ *****ي، ربما يكون ذلك صحيحًا على المدى الطويل، أمَّا بالنسبة للمدى القصير، فيجب "لبرلة" كلِّ وسائل الاتصال؛ لأنَّ هذا القطاعَ هو أكبر القطاعات تأثيرًا على توجيه الرأي العام، وما لم تؤخذْ هذه الخُطوةُ، فإنَّ الإعلام الحالي سيدعم الوضعَ القائم، ويظل يعكس دائمًا الصوت الأحادي.

خامسًا: يجب أن تستمرَّ الولايات المتحدة في سياسة تمكين المرأة، وأن تضغطَ على الأنظمة بالسَّماح للمرأة بأن تشغلَ مناصبَ أساسية في دوائرِ وقياداتِ البناء السياسي الأساسي، ودوائر صُنْع القرار، وأن تسنَّ قوانين جديدة تسمح بنِسبة تمثيلٍ عالية للنساء في المؤسَّسات الحكومية والإعلام المملوكة للدولة، وفي مجالس الإدارات وفي البرلمان.

إنَّ تمكينَ المرأة وَفقَ هذه السياسة سيقف في وجه "المتشدِّدين" الإسلاميِّين، ويحول بيْنهم وبيْن كسْب أرضية واسعة في البلاد.

سادسًا: يجب الضغط على الأنظِمة بتحجيم تدخُّل آلة الأمْن التابعة له في الحياة السياسية.

الخُلاصة هي أنَّ هذا المشروع الليبرالي يحاول إقناعَ الولايات المتحدة بأنَّ تشجيعَها ومساندتها للأفكار وللقيادات الليبرالية في توسيع دَوْرها في الحياة السياسية، سوف يؤدِّي إلى تغيير الوضع السياسي الداخلي في البلاد، كما سيؤدِّي أيضًا إلى ظهور نموذج معتدل في المنطقة، يصلح أن يكونَ حجرَ زاوية في ظهور بِيئة منفتِحة، معتدلة مستقرَّة، تسمح للولايات المتحدة بنشْر الديموقراطية في المنطقة وحلِّ مشاكلها.

هذا المشروع الليبرالي - في تصوُّرِنا - علامةٌ واضحة على فشَل الليبراليِّين في تحقيق مكاسبَ في أرض يشكل الإسلامُ الحجرَ الأساس فيها، كما يدلُّ أيضًا على عقم الفِكر الليبرالي إذا ما قُورن بتنوُّع الفكر الإسلامي، حتى في مسألة المشاركة في العمل السياسي.

المشاركة الحالية للإسلاميِّين في الحياة السياسية تمثِّل جانبًا واحدًا من الفكر الإسلامي المتعلِّق بعملية المشاركة هذه، فهذا الجانب الذي قبل هذه المشاركة يَتبنَّى فِكرة جواز حُكم المشاركة في المجالس النيابية والوزارة، وإنْ كان البعض يعتقد أيضًا بأنَّ الأصل الذي تدلُّ عليه النصوص الصريحة في المشاركة في الحُكم هو عدم الجواز.

لكنَّ هناك قطاعًا آخرَ من الإسلاميِّين يعترض على فِكرة المشاركة في العمل السياسي أصلاً، ويرى أنَّ هذه المشاركة "عبَث لا يؤدِّي إلى نتيجة، وتفكير ساذج مهمَا كانت مبرراته، وينطوي على مزالقَ خطيرةٍ تصيب الدعوة في الصميم، وتعوقها كثيرًا بالرغم مما يبدو لأوَّلِ وَهْلة أنَّ هذه المشاركة تمكِّن للدعوة، وتعجِّل لها الخطوات".

عدَّد هؤلاء المعارضون المزالقَ العقدية المترتبة على هذه المشاركة، وكذلك المزالق السياسية كمزالقِ الوقوع في اللعْبة السياسية وغيرها، يقول أصحاب هذا الرأي: "لو افترضْنَا جدلاً أنَّ الإسلاميِّين توصَّلوا إلى تشكيل برلمان مسلِم مائة في المائة، يطالب كلُّ أعضائه بتحكيم شريعة الله، فإنَّ هذا البرلمان لن يستطيعَ أن يفعل شيئًا بدون قاعدة مسلِمة، وأنه يمكن لانقلابٍ عسكري أن يحلَّ البرلمان، ويقبض على أعضائه، فيودِعهم جميعًا في السجون والمعتقلات، وينتهي كلُّ شيء في لحظات".

ويقول معارِضون آخرون لهذه المشاركة أيضًا: "إنَّ مشاركةَ الإسلاميِّين في العملية السياسية تترُك مفاسدَ كثيرة، وتوقِع الجماهير العريضة في الحَيْرة والتضليل، والالتباس والشك والإحراج، وتُعتبر دليلاً على شرعية الأنظِمة التي تتبنَّى القوانين الوضعية".

هذا بالإضافةِ إلى أنَّ مَن يعارضون فكرةَ المشاركة في العملية السياسية يستندون إلى أنَّه لا فائدةَ من محاولة إقناع البرلمان بتطبيق قوانين الشريعة الإسلامية، ودليلهم في ذلك آخِرُ كلمات أحدِ نوَّاب البرلمان الذين بذلُوا جهدًا مضنيًا لإقرار هذه القوانين، وهذا نصها:

"يا حضراتِ النواب المحترمين، لستُ عابدَ منصب، ولستُ حريصًا على كرسيٍّ لذاته، ولقد كان شعاري مع أهل دائرتي" أعطني صوتَك لنصلح الدنيا بالدِّين"، وكنت أظنُّ أنه يكفي لإدراك هذه الغاية أن تُقدَّم مشروعات القوانين الإسلامية لكنه تراءى لي أن مجلسنا هذا لا يرى لله حكمًا إلا مِن خلال الأهواء الحِزْبية، وهيهاتَ أن تسمحَ بأن تكونَ كلمةُ الله هي العليا..... لقد وجدت طريقي بينكم إلى هذه الغاية مسدودًا؛ لذلك أُعلِن استقالتي مِن البرلمان غيرَ آسِف على عضويته"، انصرف النائب العالِم إلى داره في أبريل 1981، ورُفعت الجلسة، رحَل النائب العام عن البرلمان، ثم رحَل عن هذه الدنيا كلِّها بعدَ ذلك بعدة سنوات، وبقي البرلمان يقضي ويشرع، وينفذ بغير ما أنزل الله".

هذا مِن ناحية عُقْم الفِكر الليبرالي وعجْزه، حتى عن مجرَّد فهْم أبعاد مشاركة الإسلاميِّين في العمل السياسي.

يُضاف إلى ذلك أنَّ المشروع الليبرالي المرفوع إلى الأمريكيِّين يُعاني من نقص معرفي حادٍّ، وعدم دراسة أو بحْث أو متابعة آخِر ما انتهى إليه الأمريكيُّون في تعاملهم مع ما أسماه الأمريكيُّون بـ"الأصولية الإسلامية والتطرُّف الإسلامي"، ومن ثَمَّ - كما نتصوَّر - لن يكون هذا المشروع المعروض أمامَ الأمريكيِّين سوى تقرير أخير بالعَجْز والفشَل، وعدم الدراية لهؤلاء الليبراليِّين، فهو لن يُضيف إلى الأمريكيِّين جديدًا، وإنَّما يجعل من الليبراليِّين أداةً ودُمية يستفيدون منها في الوقت المناسِب كعادتهم دائمًا.

منذ ربع قرْن مضى - وبالتحديد في 24 يوليو 1985 - بدأتْ جلسات استماع للجنة الفرعية لشؤون أوربا والشَّرْق الأوسط، وهي اللجنة المنبثِقة من لجنة الشؤون الخارجية التابِعة للكونجرس الأمريكي برئاسة (لي هاميلتون)؛ لمناقشة ما أسماه الأمريكيُّون بحركة الأصولية الإسلامية والتطرُّف الإسلامي.

استعانت اللجنة بلفيفٍ من الخبراء والمختصِّين في شؤون الإسلام والمسلمين، من هؤلاء الخبراء والمختصِّين: "هيرمان إليتز" أستاذ العَلاقات الدولية بجامعة بوسطن، والسفير السابق للولايات المتحدة في عِدَّة دول خليجية، و"شاروخ آخافي" أستاذ السياسة والدِّراسات الدولية في جامعة جنوب كارولينا، و"جون سبوسيتو" أستاذ الدِّراسات الدِّينية بكلية الصليب المقدَّس بوروسستر، و"أغسطس نورتون" الأستاذ في الأكاديمية العسكريَّة الأمريكيَّة، وآخرون، وننقُل هنا بعضَ فِقرات لما قاله "أغسطس نورتون"؛ لنبيِّنَ منها أن ما جاء به الليبراليُّون العرب للأمريكيِّين لا يُعتبر جديدًا عليهم.

يقول "نورتون" في تقريره الذي قدَّمه للجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس الأمريكي: "إنَّ المشاركة السياسية في شكْل انتخابات، أو استفتاءات عامَّة زائفة، وهي في الغالب عمليةُ استعراض أكثرَ منها كشيءٍ حقيقي...".

"... إنَّه مما يلفِتُ الانتباه بوجه خاص هو هذه البراجماتية، التي تُميِّز العديد من الحركات الإسلامية في الوقت الذي تُصِرُّ فيه هذه الحركات أنها صاحبة مبدأ.....".

"إنَّ الإسلام مثله مثل أي (أيديولوجية) أُخرى سياسية، هو موضع للاستخدام والاستغلال مِن قِبل السياسيِّين أيًّا كانت هُويتهم، سواء أكانوا رِجالَ دِين، أم ضبَّاط جيش سابقين، إنَّهم جميعًا يتنافسون لملءِ هذه الرمزية الإسلامية، سواء بأسلوب فعَّال أو غير فعَّال".

"إنَّ الإسلام جزءٌ لا يتجزأ من ثقافة الشَّرْق الأوسط، وهو بالنسبة للمسلمين مظهرٌ متجدِّد لمصداقية ولُغة معتادة للتظاهر، والفعل السياسي، والإسلام على عكس الشيوعية والليبرالية والاشتراكية، لم يفسد لارتباطِه بالغرب، فما زالتِ المنطقة تهاجِم الغرب، وتتهم أفعالَه في الماضي والحاضر بأنَّها أفعال إمبريالية".

الدليل الثاني على النقص المعرفي الحاد الذي يتمتَّع به الليبراليُّون العرب، هو أنَّ عداءهم للشريعة أعماهم عن الوقوف على كلِّ جوانب الموقف الأمريكي من هذه الشريعة، فعلى خلافِ هذا الهجوم الحادِّ على الشريعة الذي أشرْنا إليه سابقًا، هناك جانبٌ آخر يمثله واحدٌ من أرْفع المسؤولين الأمريكيِّين الذي كان يشغل منصبَ نائب رئيس المجلس القومي للمخابرات، وهو "جراهام فوللر".

يقول "فوللر" مثنيًا على الشريعة: "على عكس المسيحيَّة اعتنَى الإسلام منذ أن بدأ بالسياسة والحُكم، وقد وجَّه المسلمون بدءًا من حياة النبيِّ محمد (صلَّى الله عليه وسلَّم) اهتمامَهم إلى مبادئ الحياة المجتمعية المحليَّة، والعدالة، والإدارة، والعَلاقات مع غير المسلمين، والدِّفاع، والسياسة الخارجية، وما مِن شأنه أن يحقق الحُكم الصالح، والقانون العادل، والمجتمع العادل، لقد أتى النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) ليس بغرَض الحِفاظ على الوضْع القائم، ولكن لكي يصلح ويغيِّر.

المرأة على سبيل المثال أُعطيت مركزًا قانونيًّا لم تكن تحظَى به مِن قبل، بالإضافة إلى حماية قويَّة لها من قِبل المجتمع"، وهو اعتراف يدحض كلَّ آراء أعداء الشريعة، سواء أكانوا من الأمريكيِّين الآخرين، أو من الليبراليِّين العرب.

وهناك دليل ثالث آخَرُ لا يدل فقط على النقْص المعرفي الحاد عندَ الليبراليِّين، ولكنَّه يدل على مكابرتهم وإصرارِهم على الدخول في معاركَ مع الإسلام، أثبتوا هم أنفسُهم عجزَهم فيها.

لقد سبَق أنِ اعترف الليبراليُّون على لسان "سامي خشبة" بالآتي:
أولاً: أنَّهم كانـوا يتخـبَّطون في مساراتهم بسبب انبهارِهم بالنماذج الغَرْبية المتناقِضة، ومنها الماركسية، وما انبثق عنها مِن فكر وتطبيق.
ثانيًا: أن تصوُّراتِهم الفكرية عن الواقع الإسلامي للمجتمع لم تكن ناضجةً قبل الثمانينيات؛ أي: فـي الفـتـرة التي بدأتْ فيها الصحوة الإسلامية تترك بصماتِها بوضوح على الأصعِدة السياسية والاجتماعية والثقافية.
ثالثًا: أنَّ الواقع الإسلامي للمجتمع يمثِّل كيانًا ثقافيًّا واجتماعيًّا خاصًّا ومتميزًا، وله تاريخُه الخاص والمتميِّز، وهو نفْس ما توصَّل إليه "نورتون"، وقدَّمه في تقريره إلى الكونجرس الأمريكي - كما أشرْنَا سابقًا.

هذه الحقائق التي أقرَّ بها الليبراليُّون - وعلى رأسها: إقرارُهم بخصوصية المجتمع المسلم - لم تُفدْهم في شيء، فهم لا يزالون يتخبَّطون في مساراتهم بيْن منجزات الفِكر الغربي؛ بدليل اعترافهم في فترة سابقة بافتتانهم بالتيارات النقدية الغربية، وإنْ أضافوا إليها بما اعتقدوا أنَّه منجزاتهم النقدية الخاصَّة، ومنجزات شعوب الثقافات الأخرى، ومِن ثَمَّ تظلُّ تصوراتهم الفكريَّة عن الواقع الإسلامي للمجتمع غيرَ ناضجة، خاصَّة وأنها محاطةٌ بسِياج عدائي مسلَّح، يمتلك كلَّ سُبل الضبط والتأثير، وسِياج عدائي آخرَ يمثله الليبراليُّون أنفسهم، الذين يرون في هذا الواقع تهديدًا لوجودهم وكيانهم، ومراكزهم ومصالحهم وشهواتهم.

الدليل الرابع على هذا النَّقْص المعرفي الحادِّ الذي يتمتَّع به الليبراليُّون: هو عدم درايتهم بآخِر ما قام به الغربيُّون من تقويم لمعركتهم مع الإسلام.

"دافيد سيلبورنى" كتَب مؤلفًا بعنوان "المعركة الخاسِرة مع الإسلام"، ثم كتَب مقالةً قصيرة في مجلة "التايمز" بعنوان "هل يستطيع الغربُ أن يُوقِف التهديد الإسلامي؟"، أو يَهْزِمه بمعنى أصح، حدَّد "سيلبورني" عشرة أسباب رأى فيها أنَّ هزيمة الغَرْب للإسلام أمرٌ غير ممكن.

حصَرْنا هذه الأسباب العشرة عند "سيلبورني" فيما يلي:
أولاً: الانقسام السِّياسي بيْن غير المسلمين، وعدم اتِّفاقهم على ما يجري حولهم.
ثانيًا: عدم استطاعة الغَرْب تقديرَ قوة المجتمع الإسلامي تقديرًا حقيقيًّا، وعدم فَهْمه لطبيعة الإسلام فهمًا حقيقيًّا.
ثالثًا: المستوى المتدنِّي من القيادة الغربية، وخاصَّة في الولايات المتحدة.
رابعًا: التشوُّش والفَوْضى في صِياغة سياسة أو فَهْم متناسِق عن الإسلام.
خامسًا: عدم استيعاب التقدميِّين المعارِضين للإسلام لمواطِنِ القوَّة فيه، وانحسار هجومِهم على ما يُسمَّى بالمظاهر الرجعيَّة في دِين الإسلام.
سادسًا: حالة الرِّضا مِن غير المسلِمين على التحرُّك الأمريكي ضدَّ الإسلام.
سابعًا: الفَقْر الأخلاقي للقِيم الغربية عامَّة وللولايات المتحدة خاصَّة.
ثامنًا: الاستخدام الماهِر للإسلاميِّين لوسائل الاتِّصال عبرَ شبكات الإنترنت العالمية.
تاسعًا: اعتماد الغَرْب على المصادِر المادية للبلاد العربية والإسلاميَّة.
عاشرًا: اقتناع الغرْب الوهمي بأنَّ تكنولوجيته المتقدِّمة تقود إلى العصرية، وأنَّ أفكار السوق أسمَى من الإسلام الرجعي.

خلاصة القول: أنَّ الليبراليِّين العَرَب اتَّخذوا موقِف العداء للشريعة، وموقِف المواجهة مع الإسلاميِّين، ثم موقِف استعداء الولايات المتحدة على الأنظِمة، عن جهْل ومكابرة، لا عن عِلم ودراسة، ولا استقراء لنتائج تاريخهم السابِق في هذه المواجهات، لكن هذا لا يُنسينا مقولة "مايكل بيرليج": "إنَّ أي جهْد تبذله الأصواتُ الليبراليَّة في البلاد الإسلامية يجب تدعيمُه وتشجيعه".
----------------------------------

المصادر:
----
1- أحمد إبراهيم خضر، الإسلام والكونجرس، حلقات نشرتها مجلَّة المجتمع الكويتية اعتبارًا من العدد 914 الصادر في 25 أبريل 1989 إلى العدد 975 في 24 يوليو 1990، وأعيد نشرُها في كتاب بنفس العنوان، نشرتْه دار الاعتصام في عام 1994.
2- أحمد إبراهيم خضر:
أ- هزيمة الغَرْب للإسلام أمرٌ غير ممكن، موقع نور الإسلام.
ب- وتظل الشريعة عدوَّهم الأول، موقع الألوكة.
ج- وقائع برلمانية، مجلَّة البيان، العدد 66.
د- التنويريون الجُدد، الإستراتيجيَّة والواقع، موقع بوابتي تونس.
3- عمر سليمان الأشقر، حُكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية، دار النفائس للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ص 116.
4- محمود محمد شاكر، أباطيل وأسمار، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1972، ص 446.
5- D.L.. Adams، War for Islamic Sharia Law،www.americanthiner.com/2010
6- Hala Mustafa، Policy For Promoting Liberal Democracy in Egypt، White paper Series:(Voices from the Middle East on Democratization and Reform)، FDD (Defense of Democracy)، May 2006.
(بتصرف)
7- David selboorni، Can the West defeat the jihad? Ten reasons why not، Jihad watch. September 9، 2006.
8- Graham F Fuller، Islam، a force for change، mondediplo.com10-1999/ 09 /16 islam.
9- Michael Burleigh، how defeat global jihadists، Standpoint online، June 2008.

------------------------------

عبدالناصر محمود
10-26-2014, 08:31 AM
ليبرالية العرب في الجاهلية
ـــــــــــــ

(د. إبراهيم بن محمد الحقيل)
ــــــــــــــ

2 / 1 / 1436 هــ
26 / 10 / 2014 م
ــــــــــ

http://media.linkonlineworld.com/img/UserArticles//2011/1//22-1-2011-18-6-37109.jpg

تقوم فكرة الليبرالية على الحرية، وكسر القيود التي تُقيد الإنسان، دينية كانت أم أخلاقية أم عرفية، باعتبار أن الإنسان هو مركز الكون، وهو الذي يضع القيود التي تقيده، فيجب أن تكون القيود نابعة منه لا من غيره.

ولما كان لا بد من عيش الإنسان مع غيره كان اختيار القيود التي تقيد حرية الإنسان من مجموع الناس عن طريق اختيار ممثلين عنهم يتفقون على هذه القيود، وهو ما تقوم به المجالس التشريعية والبرلمانات في النظام الليبرالي، ولا ثبات لهذه القيود بل تغير بحسب رغبة الناس؛ إذ الأخلاق والقيم والمثل عندهم نسبية، وهي من صنع الإنسان، ويستطيع تغييرها، وهو ما عُبِّر عنه في القرآن بعبادة الهوى في قول الله تعالى ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾ [الجاثية:23].

ومن قارن فكرة الحرية بمفهومها الغربي بما كان عليه حال أهل الجاهلية في جاهليتهم وجد أنهما متشابهتان إلى حد كبير، يصل إلى التماثل بينهما في كثير من التفصيلات، وأن التعددية التي يفاخر بها الغرب، ويدعو إليها الليبراليون السعوديون كانت موجودة عند مشركي العرب، وأن الحرية المطلقة من قيود الدين والأخلاق كان المشركون يمارسونها في مجالها الشخصي والفكري والديني والاقتصادي، ولا يضعون من القيود إلا ما تعارفوا عليه فاتفقوا أن يكون قيدا، وإلا فالأصل عندهم الانفلات والحرية. ويتبين ذلك بعرض مجالات الحرية عند المشركين، ولن أتعرض في هذه الورقة للحرية السياسية عند العرب في جاهليتهم؛ لأن الليبراليين السعوديين لا يدعون إلى ليبرالية سياسية -وهي الديمقراطية- وإلا لما بقيت لهم صحفهم وفضائياتهم ونفوذهم، وهم أبعد الناس عن ممارستها ولو زعموا خلاف ذلك.

الحرية الشخصية عند المشركين:
---------------------

الحرية الشخصية لها قيمة عالية في الفكر الغربي، وتقدم في كثير من الأحيان على حرية الرأي،والمشركون العرب كان عندهم قدر كبير من الحرية الشخصية، بل كانوا يعارضون التدخل في خصوصياتهم، ومن مظاهر حريتهم الشخصية عدم تحريم محرمات المآكل والمشارب والملابس، وإن كانت محرمة في بعض الأديان المحرفة كاليهودية والنصرانية، أو كانت محرمة فيما توارثوه من بقايا الحنيفية؛ ولذا كانوا يأكلون محرمات الطعام، ويشربون الخمر، ويلبسون الذهب والفضة.

يقول جواد علي: ((وكان من أغنياء مكة من يأكل بصحاف من ذهب وفضة، ويشرب بآنية من ذهب وفضة ومن بلور، ويأكل على طريقة الروم والفرس بسكاكين وشوكات مصنوعة من ذهب أو من فضة, على حين كان أكثر أهل مكة فقراء لا يملكون شيئًا, وكانوا يلبسون الحرير، ويتحلون بالخواتم المصنوعة من الذهب، تزينها أحجار كريمة.... وكان استعمال الأغنياء لآنية من الفضة والذهب في أكلهم وشربهم معروفًا بمكة)).[1]

وفي حريتهم الشخصية في المآكل والمشارب والملابس ونحوها لم يتقيدوا بقيود إلا حسب أعرافهم أو ما استقذروه، وأبين دليل على إطلاقهم الحرية الشخصية، وتمتعهم بها: قول جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي لما سأله عما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، قال يصفهم حالهم: ((أَيُّهَا الْمَلِكُ كنا قَوْماً أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِى الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ الأَرْحَامَ ونسيء الْجِوَارَ...وقال يحكي ما جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم: وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الحديث وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحاَرِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ... وقال يحكي حالهم مع النبي صلى الله عليه وسلم: فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ على ما جاء بِهِ فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ فلم نُشْرِكْ بِهِ شَيْئاً وَحَرَّمْنَا ما حُرِّمَ عَلَيْنَا وَأَحْلَلْنَا ما أُحِلَّ لنا)).[2]

فهذا الحديث يكشف حال أهل الجاهلية وما كانوا عليه من الحرية الشخصية في المآكل والمشارب والأفعال وإتيان الفواحش، واستحلال المحرمات، وأن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم بعبودية تقيدهم وتكفهم عن ذلك، وأن حالهم تغير بعد طاعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم فصاروا يحرمون ما حرم عليهم، وهذا تقييد الحرية الشخصية بالدين وقد كانت مطلقة قبله.

ومن دلائل حريتهم الشخصية تمتعهم بأنواع اللحوم دون قيود، حتى نزل تقييد ذلك في قوله سبحانه ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالمُنْخَنِقَةُ وَالمَوْقُوذَةُ وَالمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ﴾ [المائدة:3] فهذه الأطعمة كان أهل الجاهلية يستبيحونها فحرمها الله تعالى عليهم.[3]

وكان من أهل الجاهلية من حرم على نفسه الخمر والأزلام ومنهم: عبد المطلب بن هاشم، وشيبة بن ربيعة بن عبد شمس المقتول ببدر، وعثمان بن عفان، وورقة بن نوفل، وقيس بن عاصم السعدي، وعبد الله بن جدعان، وجماعة غيرهم.[4]

وحرمها أيضا العباس بن مرداس السلمي، وقال: لا اشرب شرابا أصبح سيد قومي وأمسي سفيههم، وكان سكر فجعل يساور القمر. فلما أصبح أخبر بذلك فحرمها. [5]

وأول من حرم الخمر في الجاهلية الوليد بن المغيرة، وقيل: قيس بن عاصم، ثم جاء الإسلام بتقريره.[6]

والملاحظ في نظام أهل الجاهلية أن من حرم الخمر على نفسه لم يلزم بالتحريم غيره من الناس، ومن استباحها لم يلزم غيره بتعاطيها، بل لكل واحد حريته الشخصية في ذلك، وهو ما تدعو إليه الليبرالية المعاصرة.

وفيما يتعلق بالعلاقات الخاصة التي يفاخر الغرب بإتاحة الحرية فيها، وهي التي كانت سببا في انتشار الفواحش وما نجم عنها من أضرار صحية ومشاكل اجتماعية، وهي التي يستميت الليبراليون السعوديون في الوصول إليها كما هي في الغرب، وذلك بمحاولة إلغاء سلطة الشريعة على الناس، وفرض الاختلاط بقوة القرار الحكومي، وربط الاختلاط بأرزاق الناس حتى تلجئهم الحاجة إلى استساغته وقبوله؛ فإن المشركين كانوا يؤمنون بالحرية الشخصية، ويمارسون الزنا بل يفاخرون به، ولم تكن تمنع منه إلا المرأة الحرة، فتأنف هي منه، وتعاقب عليه لو وقعت فيه، وقد روي عن هند زوج أبي سفيان رضي الله عنهما قولها لما نزلت آية بيعة النساء وفيها قول الله تعالى ﴿ وَلَا يَزْنِينَ ﴾ [الممتحنة:12] قالت: وهل تزني الحرة؟! [7]

قال ابن عاشور: كان البغاء في الحرائر باختيارهن إياه للارتزاق... وكان في الإماء من يُلزمهن سادتهن عليه لاكتساب أجور بغائهن، فكما كانوا يتخذون الإماء للخدمة وللتسري كانوا يتخذون بعضهن للاكتساب، وكانوا يسمون أجرهن مهراً كما جاء في حديث أبي مسعود أن رسول الله: نهى عن مهر البغي.[8]

وقد كان الزنا معروفًا في الجاهلية يفعله الرجال علنًا؛ إذ لم يكن هذا النوع من الزنا محرمًا عندهم. وإذا ولد مولود من الزنا وألحقه الزاني بنفسه، عدّ ابنًا شرعيًّا له، له الحقوق التي تكون للأبناء من الزواج المعقود بعقد، ولا يعد الزنا نقصًا بالنسبة للرجل ولا يعاب عليه؛ لأن الرجل رجل، ومن حق الرجال الاتصال بالنساء، وقد كانوا يفتخرون به...والزنا الذي يعاقب عليه الجاهليون، هو زنا المرأة المحصنة من رجل غريب بغير علم زوجها، وهو خيانة وغدر. أما زنا الإماء، فلا يعدّ عيبًا إذا كان بعلم مالكهن وبأمره.[9]

ويدل على انتشار الزنا فيهم، وتسخير الإماء لممارسته تحريمه في القرآن، قال الله تعالى ﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [النور:33]

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت. فلما جاء الإسلام نهى الله المسلمين عن ذلك.وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة -فيما ذكره غير واحد من المفسرين من السلف والخلف -في شأن عبد الله بن أبي بن سلول المنافق؛ فإنه كان له إماء، فكان يكرههن على البغاء؛ طلبا لخراجهن، ورغبة في أولادهن، ورئاسة منه فيما يزعم.[10]

وفي آية ما ينكح من النساء وما يحرم قال الله تعالى ﴿ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾ [النساء:25] فالمسافحات: المعلنات بالزنا. والمتخذات أخدان: ذات الخليل الواحد. كانت المرأة تتخذ صديقا تزني معه، ولا تزني مع غيره.[11] قال الحسن رحمه الله تعالى: المسافحة: هي امرأة كل من أوى إليها تبعته، وذات الخدن: هي أن تختص بصديق.[12]

وهذا الفعل بشقيه المسافحة والمخادنة موجود في الحضارة الغربية المعاصرة، وتقره القوانين من باب الحرية الشخصية؛ فالمرأة الغربية تتخذ لها صديقا تخادنه ولا يمنعها القانون من ذلك، والمسافحة منتشرة في الغرب، وهو عملية منظمة يستصدر فيها لدور البغاء تصاريح، وتست*** النساء للدعارة، ويرتادها من يريدها، وكل ذلك يتم تحت حق الحرية الشخصية، فمن حق المرأة أن تؤجر جسدها وهي حرة فيه، ومن حق من شاء أن يضاجعها إذا تراضى الطرفان، والقانون يحمي هذا الحق ويكفله للناس.

والفارق بين هذا العمل وعمل أهل الجاهلية أن البغي في الجاهلية مملوكة لسيدها، وتعمل لحسابه، بينما في الحضارة الغربية لا يملكها من يشغلها وإن عملت لحسابه وأعطاها أجرتها.

وأما مسألة الإكراه التي يراها المدافعون عن الحرية بمفهومها الغربي فرقا جوهريا بين ممارسة الغربيين وممارسة أهل الجاهلية، فالحقيقة أن معنى الإكراه موجود؛ لأن المجتمع الرأسمالي المتوحش الذي لا مكان فيه للرحمة هو الذي ألجأ البغايا إلى ممارسة هذه المهنة؛ فالفتاة في الغرب يجب أن تعتمد على نفسها عند سن معينة، ويتخلى عنها ذووها، وتواجه الحياة ومصاعبها وأراذل الرجال وحدها، فتضعف أمام المغريات، وتنكسر كرامتها مع إلحاح الحاجة، فتمتهن البغاء لسد حاجاتها، وإلا فمن التي ترضى أن تؤجر جسدها لمن لا تعرف من الرجال لقاء مبلغ من المال لولا الحاجة التي ألجأتها إلى ذلك. فمعنى الإكراه على البغاء موجود في الحضارة الغربية، ولكنه ليس إكراه أفراد بل إكراه مجتمع كامل بقسوته وقوانينه الجائرة.

وإذا كان كسب الزانية في الجاهلية يعود إلى مولاها ومن يملك رقبتها؛ لأنها مملوكة، والمملوك وما يملك ملك سيده؛ فإن كسب الزانية في الحضارة الغربية يعود لمن شغلها، ويعطيها أجرة على ذلك، كما أن السيد في الجاهلية يتولى سكنى وكسوة وإطعام أمته التي أجرها للزنا، فالحالان متشابهان جدا، وهذا يدل على ما كان يتمتع به أهل الجاهلية من الحرية الشخصية المطلقة من قيود الدين، وهي عين الحرية الشخصية الموجودة في الغرب الآن، وإن اختلفت مفردات التمتع بهذه الحرية، بحيث إن العرب في الجاهلية يستقبحون مثلا السحاق وعمل قوم لوط، والحضارة الغربية المعاصرة تجيزه وتشرعه من باب الحرية الشخصية.

صحيح أن هذه الحرية الشخصية يتمتع بها الرجال دون النساء؛ فالنساء كن مظلومات مضطهدات، بل كانت الزوجة إذا مات زوجها تورث كما يورث المال، فكرم الله تعالى المرأة ونهى عن أفعال أهل الجاهلية، قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾ [النساء:19] قال ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: كَانُوا إذا مَاتَ الرَّجُلُ كان أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ إن شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا وَإِنْ شاؤوا زوجوها وإن شاؤوا لم يزوجوها فَهُمْ أَحَقُّ بها من أَهْلِهَا فَنَزَلَتْ هذه الْآيَةُ في ذلك.[13]

فالحرية الشخصية في الجاهلية كانت من حق الرجل دون المرأة، والغرب جعل الحرية الشخصية للمرأة كما هي للرجل، فاشتركا في منح الحرية الشخصية المطلقة من الدين وإن اختلفا فيمن يتمتع بها، وفي حين أن القيود على الحرية الشخصية كانت عند أهل الجاهلية تستقى من أعرافهم فإنها عند الحضارة الغربية تؤخذ من القانون الذي تقره المجالس التشريعية، والجامع بينهما أن مرجعها أهواء البشر، وتقديرهم للمصالح والمفاسد، ولا يسندها شرع عند كليهما.

وكان عند أهل الجاهلية أنواع من الأنكحة تدل على حرية شخصية واسعة في هذا الجانب، ومن تلكم الأنكحة:

1- نكاح المقت: وهو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه[14] ويسمّون فاعل ذلك الضيزن، ويسمَّون الابنَ من ذلك النكاح مَقيتا. [15]

ولذا جاء القرآن بالنهي عنه والتشديد فيه؛ لأنه كان شائعا عندهم، قال الله تعالى ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾ [النساء:22] فرغم مقت الجاهلية لهذا النوع من النكاح إلا أنهم لم يمنعوا منه، وهذا يدل على ما كان عندهم من حرية شخصية.

2- نكاح المتعة، وهو نكاح إلى أجل، فإذا انقضى وقعت الفرقة. وهذا النوع من الزواج كان معروفًا عند ظهور الإسلام.

ومن دوافع حدوث هذا الزواج التنقل والأسفار والحروب، حيث يضطر المرء إلى الاقتران بامرأة لأجل معين على صداق. فإذا انتهى الأجل، انفسخ العقد. وعلى المرأة أن تعتدّ كما في أنواع الزواج الأخرى قبل أن يسمح لها بالاقتران بزوج آخر.

وينسب أولاد المتعة إلى أمهاتهم في الغالب، وذلك بسبب اتصالهم المباشر بالأم ولارتحال الأب عن الأم في الغالب إلى أماكن أخرى قد تكون نائية، فتنقطع الصلات بين الأب والأم؛ ولهذا يأخذ الأولاد نسب الأم ونسب عشيرتها.

وكان هذا النكاح مقرا في أول الإسلام؛ كما روى جَابِرِ بن عبد الله وَسَلَمَةَ بن الْأَكْوَعِ قالا: خَرَجَ عَلَيْنَا مُنَادِي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قد أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا يَعْنِي مُتْعَةَ النِّسَاءِ[16] ثم حرم بعد ذلك كما ورد أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه قال لابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: إِنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الْمُتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ.[17]

ونقل الجصاص رحمه الله تعالى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سئل عن المتعة فقال: ذلك السفاح، وقال عروة بن الزبير: كان نكاح المتعة بمنزلة الزنا.[18]

3- نكاح البدل: وهو أن يقول الرجل للرجل: انزل لي عن امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي، فهو زواج بطريق المبادلة بغير مهر.

وقد كان موجودا في الجاهلية، وذكره المفسرون في تفسير قول الله تعالى ﴿ لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ [الأحزاب:52] قال بن زيد رحمه الله تعالى: هذا شيء كانت العرب تفعله يقول أحدهم: خذ زوجتي وأعطني زوجتك.[19]

وظاهرة تبادل الزوجات موجودة في الغرب إذا تراضى أطراف المبادلة، وهي من الحرية الشخصية، سواء كانت المبادلة دائمة أم زمنا مخصوصا.

4- نكاح الاستبضاع: وفسرته عائشة رضي الله عنها بقولها: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه...وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد فكان هذا النكاح يسمى نكاح الاستبضاع.[20]

قال ابن عاشور: وفي الإسلام...بطل الاستبضاع؛ ولذلك تجد الزنا لا يقع إلاّ خفية؛ لأنّه مخالفة لقوانين الناس في نظامهم وأخلاقهم.[21]

5- نكاح الرهط: وهو الذي فسرته عائشة رضي الله عنها بقولها: ونكاح آخر يجتمع الرهط دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها.[22] وهذا موجود في الغرب وهو من الحرية الشخصية، وشرطهم فيه رضى الأطراف.

6- صاحبات الرايات، فسرته عائشة رضي الله عنها بقولها: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها، وهن البغايا كن ينصبن رايات على أبوابهن يكن علما، فمن أرادهن دخل عليهن. [23]

وليس في هذا الزواج صداق ولا خطبة على عادة العرب، ومن يفعله من الرجال لم يكن يقصد به زواجًا... وإنما التسلية وتحقيق شهوة بثمن، ولهذا فهو من أبواب الزنا والسفاح. [24] وهذا موجود في الغرب، وللبغايا علامات وأماكن معروفة عندهم يقصدهن من أرادهن.

فهذه الأنكحة الكثيرة والغريبة عند أهل الجاهلية تدل على ما كان سائدا عندهم من الحرية الشخصية، وما كانوا يتمتعون به من حرية جنسية واسعة، ليس ما يوجد في الغرب مما هو من مظاهر الحرية الشخصية، والفوضى الجنسية إلا مماثلا لما كان عند أهل الجاهلية، وهو ما أبطله الإسلام كما قالت عائشة رضي الله عنها: فلما بعث الله النبي محمدا صلى الله عليه وسلم هدم نكاح أهل الجاهلية كله إلا نكاح أهل الإسلام اليوم.[25]

ومن مظاهر الحرية الشخصية: التبني، وهو شائع في الغرب، فمن لم يولد لهم يتبنون من اللقطاء ما شاءوا، وكذلك من كان عندهم أولاد انصرفوا عنهم أو بقوا معهم يتبنون كذلك ما شاءوا. أو يشترون طفلا من أسرة فقيرة ويتبنونه، وتهريب الأطفال من الدول الفقيرة إلى الغنية تجارة رائجة.

وقد جاء إقرار التبني والاعتراف به في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 41/85 المؤرخ في 3 ديسمبر 1986: إن الجمعية العامة بعد الإشارة إلي إعلان حقوق الطفل الذي أصدرته بقرارها 1386 (د-14) المؤرخ في 20 نوفمبر 1959، وخصصت له خمس مواد من حقوق الطفل.[26]

وفي تقرير للأمم المتحدة الخاص بسكان العالم ذكر فيه أن أمريكا بها نصف حالات التبني على مستوى العالم. وحسب التقرير فإن عدد حالات التبني في ارتفاع مستمر منذ أعوام، وأن عدد حالات التبني يبلغ نحو (260 ألف) سنويا على مستوى العالم. [27]

والتبني كان جائزا في الجاهلية كذلك، ومنتشرا في أهلها، فأبطله الإسلام، قال الله تعالى ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ﴾ [الأحزاب:4-5]

قال أبو جعفر النحاس: كان هذا ناسخا لما كانوا عليه من التبني، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة، فنسخ التبني، وأمر أن يدعوا من دعوا إلى أبيه المعروف، فإن لم يكن له أب معروف نسبه إلى ولائه المعروف، فإن لم يكن له ولاء معروف قال بأخي، يعني في الدين قال الله عز وجل ﴿ إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات:10] ثم ساق النحاس بسنده إلى ابن عمر عن زيد بن حارثة رضي الله عنهم قال: ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزلت ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ ﴾.[28]

قال جواد علي: وقد اعترفت شريعة الجاهليين بالتبني، فيجوز لأي شخص كان أن يتبنى، ويكون للمُتبنى الحقوق الطبيعية الموروثة المعترف بها للأبناء. ويكون بهذا التبني فردًا في العائلة التي تبنته، له حق الانتماء والانتساب إليها. وهو يتم بالاتفاق والتراضي مع والد الطفل أو ولي أمره أو صاحبه، ومالكه، وذلك بالنزول عن كل حق له فيه، ومتى تمّ ذلك وحصل التراضي، يعلن المتبني عن تبنيه للطفل وإلحاقه به، فيكون عندئذ في منزلة ولده الصحيح في كل الحقوق.... وقع التبني مع وجود أولاد للمتبني، وليست له حدود من جهة العمر.[29]

وهذا النظام في التبني عند أهل الجاهلية هو عين ما عند الغرب في التبني، وهو من الحرية الشخصية ما دامت أطراف التبني راضية، إلا الطفل فلا خيار له.

ومن مظاهر الحرية الشخصية عند الغرب: الحرية في الوصية، فللشخص أن يوصي بماله لمن شاء، وله أن يحرم الورثة منه، بل له أن يحرم أولاده ويوصي لقططه وكلابه؛ ولذا تكثر الوصية عندهم بالأموال الطائلة على كلاب وقطط ونحوها، وعلى رعاية الحيوان في الجملة، رغم أن أناسا يعانون الفقر وربما الجوع في نفس البلاد الغربية التي تجيز مثل هذه الوصايا، بل ربما كان في أسرة الموصي للقطط والكلاب من هو فقير من أولاده وعصبته وسائر أقربائه، لكن مقتضى ملكية الإنسان للمال، وحرية التصرف فيه تتيح له من باب الحرية الشخصية أن يهبه لمن يشاء ويمنعه من يشاء.

وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن الثرية الأمريكية (ليونا هلمسلي) وهي تملك عقارات ضخمة وفنادق في أمريكا تقدر بالمليارات قد أوصت بالملايين لكلبها المحبوب لديها(ترابل) وأوصت بثمانية مليارات دولار لرعاية الكلاب عموما ورفاهيتها. وكانت قد حددت مصرفين لثروتها كلها: الأول: مساعدة السكان الأصليين والثاني: توفير الرعاية والرفاهية للكلاب، لكنها ألغت المصرف اﻷول وهو مساعدة البشر وأبقت على الثاني.[30]

وكذلك أهل الجاهلية كانت حريتهم الشخصية تتيح لهم الوصية بأموالهم لمن شاءوا، ولم يكن صاحب الوصية مقيدًا بقيود بالنسبة لكيفية توزيع ثروته؛ لأن المال ملك صاحبه وله أن يتصرف به كيف يشاء. ويجوز للموصي إن شاء حرمان من يشاء من الورثة الشرعيين من إرثهم، وإشراك من يشاء في الإرث. وله أن يوصي بإعطاء كل إرثه إلى شخص واحد، وأن يحرم من الإرث كل المستحقين الشرعيين. [31]

وأسباب الميراث عند أهل الجاهلية: النسب والتبني والموالاة، والقاعدة العامة في الميراث عند الجاهليين هو أن يكون الإرث خاصًّا بالذكور الكبار دون الإناث، على أن يكونوا ممن يركب الفرس ويحمل السيف، أي: المحارب.[32]

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وكان أهل الجاهلية لا يورثون البنات بل كان أحدهم ربما قتل ابنته لئلا تكثر عيلته.[33]

والظاهر أن هذا كان في أغلبهم، ولكن كان منهم أناس يورثون البنات، قال ابن حبيب البغدادي رحمه الله تعالى: وكانت العرب مُصفقة على توريث البنين دون البنات، فورث ذو المجاسد وهو عامر بن جشم بن غنم بن حبيب بن كعب بن يشكر ماله لولده في الجاهلية للذكر مثل حظ الأنثيين، فوافق حكم الإسلام.[34] وقال ابن حزم رحمه الله تعالى: وهو أول من أعطى الذكر حظين والأنثى حظاً. [35]

وهذا التنوع عند الجاهلية بحرمان كثير منهم النساء من الميراث، وتوريث بعضهم النساء، بل وقدرتهم على الوصية بأموالهم لغير ورثتهم مع حرمان ورثتهم، كل هذه التعددية في الميراث والوصية تدل على ما كانوا يتمتعون به من حرية شخصية فيما يملكون من أموال.

وقد تنزل القرآن بالحد من هذه الحرية وتقييدها، وتولى الله تعالى قسمة المواريث وتحديدها في سورة النساء، ومنع سبحانه المورث من الوصية بكل ماله أو التبرع به وحرمان الورثة منه، أو تخصيص بعض الورثة بوصية ليكون حظه من الميراث أكثر من غيره.

الحرية الدينية عند المشركين:
---------------

يفاخر الغرب بأن قوانينه وإعلانات حقوق الإنسان التي أصدرها وعممها على البشر تكفل حرية تدين الإنسان، ويكثر في كلام الليبراليين السعوديين الذي هاموا على وجوههم في الفكر الغربي وقيمه، وكرعوا منه حتى الثمالة التباهي بأن الغرب حفظ حق التدين لكل الأجناس والديانات بلا تفريق، ومع ما في هذا الإطلاق من مجازفة، وخاصة مع الإسلام؛ فإن الحقيقة التي يغفل عنها كثير من الناس هي أن حرية التدين كانت تطبق عند المشركين على أوسع نطاق، وأن التعددية الدينية عند العرب في جاهليتهم لا مثيل لها، حتى إنهم سعروا حروبا من أجل ناقة البسوس لما عقرت، وحروبا أخرى في خيل سبقت وهي حروب داحس والغبراء، وغيرها من الحروب التي كثيرا ما تكون أسبابها تافهة، ولم أقف على تسعيرهم لحرب واحدة بسبب الدين، رغم كثرة حروبهم، حتى أفردها أبو الفرج الأصبهاني بكتاب اسمه (أيام العرب) عدّ فيه من أيامهم ألفا وسبع مئة يوم[36] وهذا يدل على تسامحهم في مسألة الدين، وخلوهم من التعصب الديني، وأنهم مارسوا التعددية في أظهر صورها.

وأدلة الحرية الدينية والتعددية عند المشركين كثيرة، منها:
------------------------------

أولا: انقسام العرب بين الأديان؛ فكانت النصرانية في ربيعة وغسان وبعض قضاعة، وكانت اليهوديه في حمير وفي كنانة وبني الحارث بن كعب وكنده، وكانت المجوسية في تميم، منهم زرارة بن عدس التميمي وابنه حاجب بن زرارة وكان تزوج ابنته ثم ندم، ومنهم الأقرع بن حابس وكان مجوسيا، وأبو سود جد وكيع ابن حسان كان مجوسيا، وكانت الزندقة في قريش أخذوها من الحيرة، وكان بنو حنيفة اتخذوا في الجاهلية إلها من حيس فعبدوه دهرا طويلا ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه فقال رجل يعيرهم:

أكلت حنيفه ربها
زمن التقحم والمجاعة

لم يحذروا من ربهم
سوء العواقب والتباعة[37]

وهذا يدل على ما كان يتمتع به أهل الجاهلية من التعددية، وهي التي حاربها النبي صلى الله عليه وسلم، وقسرهم على معبود واحد هو الله تعالى، وعلى دين واحد وهو دين الإسلام، وعلى منهج واحد وهو شريعة الإسلام؛ ولذا استعظم المشركون أن يلغي النبي صلى الله عليه وسلم حريتهم الدينية، ويبطل ما تمتعوا به من التعددية ليقصرهم على ما جاء به ﴿ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ [ص:4-5].

فالتعددية التي ينادي بها الغرب، ويصيح بها أتباع الغرب كان أهل الجاهلية يدعون إليها، ويمارسونها، وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم ليبطلها.

ثانيا: أن قوما من العرب رفضوا الشرك وعبادة الأوثان، وبقوا على ما توارثوا من الحنيفية، ولم ينقل أن المشركين آذوهم أو عذبوهم أو قهروهم على ما اختاروا، بل تركوهم وما يدينون ما داموا لم يلزموا غيرهم بما اختاروا، وهذا عين ما تقرره الليبرالية.

قال عالم السير ابن إسحاق: كان نفر من قريش: زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى، وعبيد الله بن جحش بن رئاب...حضروا قريشا عند وثن لهم كانوا يذبحون عنده لعيد من أعيادهم، فلما اجتمعوا خلا بعض أولئك النفر إلى بعض وقالوا: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، فقال قائلهم: تعلمون والله ما قومكم على شيء، لقد أخطئوا دين إبراهيم عليه السلام وخالفوه، ما وثن يعبد لا يضر ولا ينفع؟! فابتغوا لأنفسكم. فخرجوا يطلبون ويسيرون في الأرض يلتمسون أهل الكتاب من اليهود والنصارى والملل كلها الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام، فأما ورقة بن نوفل فتنصر فاستحكم في النصرانية واتبع الكتب من أهلها حتى علم علما كثيرا من أهل الكتاب، فلم يكن فيهم أعدل أمرا ولا أعدل شأنا من زيد بن عمرو بن نفيل اعتزل الأوثان وفارق الأديان من اليهود والنصارى والملل كلها إلا دين إبراهيم يوحد الله عز وجل ويخلع من دونه، ولا يأكل ذبائح قومه بادأهم بالفراق لما هم فيه.[38]

وفي أخبار حنيفية زيد رحمه الله تعالى روت أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَتْ: رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَائِمًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الكَعْبَةِ يَقُولُ: يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ، وَالله مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي، وَكَانَ يُحْيِي المَوْءُودَةَ، يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ، لاَ تَقْتُلْهَا، أَنَا أَكْفِيكَهَا مَئُونَتَهَا، فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ لِأَبِيهَا: إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ، وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مَئُونَتَهَا.[39]

وله رحمه الله تعالى شعر تبرأ فيه من الأصنام، قال فيه:

تركت اللات والعزى جميعا
كذلك يفعل الجلد الصبور

فلا العزى أدين ولا ابنتيها
ولا صنمى بني غنم أزور

ولا هبلا أزور وكان ربا
لنا في الدهر إذ حلمي صغير[40]

وكان زيد يمتنع عن أكل الذبائح التي يذبحونها لأصنامهم، وما كانوا يجبرونه على الأكل منها؛ كما في حديث عبد الله بن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لَقِيَ زَيْدَ بن عَمْرِو بن نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ قبل أَنْ يَنْزِلَ على النبي صلى الله عليه وسلم الْوَحْيُ فَقُدِّمَتْ إلى النبي صلى الله عليه وسلم سُفْرَةٌ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ منها ثُمَّ قال زَيْدٌ: إني لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ على أَنْصَابِكُمْ، ولا آكُلُ إلا ما ذُكِرَ اسْمُ الله عليه، وَأَنَّ زَيْدَ بن عَمْرٍو كان يَعِيبُ على قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا الله، وَأَنْزَلَ لها من السَّمَاءِ الْمَاءَ، وَأَنْبَتَ لها من الأرض، ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا على غَيْرِ اسْمِ الله إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا له.[41]

وورد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى زيد بن حارثة عن التمسح بالأصنام قبل أن يبعث، مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته نبيا رسولا لم يكن موافقا للمشركين في تعظيمهم للأصنام وعبادتها، ومع ذلك لم يكن المشركون يعادونه قبل الدعوة، بل كانوا يجلونه ويوقرونه، ويحكمونه بينهم كما في قصة بناء الكعبة، وكانوا يستودعونه أماناتهم، ولقبوه بالأمين.

روى زيد بن حارثة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مردفي إلى نصب من الأنصار فذبحنا له شاة ثم صنعناها في الأرة حتى إذا نضجت استخرجناها فجعلناها في سفرة، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسير مردفي في يوم حار من أيام مكة، حتى إذا كنا بأعلى الوادي لقيه زيد بن عمرو بن نفيل فحيا أحدهما الآخر بتحية الجاهلية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن عم مالي أرى قومك قد شنفوك -أي: أبغضوك- فقال أما والله إن ذاك لغير ثائرة كانت مني فيهم، ولكني كنت أراهم على ضلال فخرجت أبتغي هذا الدين فأتيت على أحبار يثرب فوجدتهم يعبدون الله عز وجل ويشركون به، فقلت: ما هذا بالدين الذي أبغي، فخرجت حتى أتيت أحبار خيبر فوجدتهم يعبدون الله عز وجل ويشركون به، فقلت: ما هذا بالدين الذي أبغي، فخرجت حتى أتيت أحبار الشام فوجدتهم يعبدون الله عز وجل ويشركون به، فقلت: ما هذا بالدين الذي أبغي، فقال لي حبر من أحبار الشام: إنك لتسأل عن دين ما نعلم أحد يعبد الله تعالى به إلا شيخا بالجزيرة فخرجت فقدمت عليه فأخبرته بالذي خرجت له، فقال لي: إن كل من رأيت على ضلالة فمن أنت؟ قلت: أنا من أهل بيت الله تعالى ومن الشوك والقرظ، قال: فإنه قد خرج في بلدك نبي أو هو خارج قد خرج نجمه فارجع فاقصده واتبعه وآمن به، فرحلت فلم أخبر بشيء، فقدّمنا إليه السفرة فقال: ما هذا؟ فقلنا: ذبحناها لنصب من الأنصاب، قال زيد رضي الله عنه: ما آكل شيئا ذبح لغير الله تعالى، فتفرقنا فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت، قال زيد بن حارثة رضي الله عنه: وأنا معه، وكان صنم من نحاس يقال له إساف ونائلة مستقبل القبلة يتمسح بهما الناس إذا طافوا بالبيت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تمسهما ولا تسمح بهما، قال زيد: فقلت في نفسي لأمسهما حتى أنظر ما يقول، فمسستها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم تنه فلا والذي أكرمه ما مسستهما حتى أنزل الله عز وجل عليه الكتاب.[42]

فهذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على دين قومه في تعظيمهم للأصنام، ويدل على أن قريشا أبغضوا زيد بن عمرو؛ لأنه صرح بضلالهم، والظاهر أنه أنكر عليهم عبادتهم للأصنام، ونهاهم عن ذلك، فناله منهم أذى بسبب إنكاره لا بسبب عبادته. ومما يدل على ذلك قول زيد في شعره:

سبحانه ثم سبحانا يعود له
فقبلنا سبح الجودي والجمد

لا تعبدن إلها غير خالقكم
وإن دعيتم فقولوا دونه حدد[43]

ثالثا: أن من المشركين من كان يؤمن بالبعث والنشور، مع أن عامتهم لا يؤمنون بذلك، ولم ينقل أن من لم يؤمن به كان يؤذي من يؤمن به ويقهره على إنكاره، بل كان كل واحد حرٌّ فيما يعتقد ويدين به على غرار ما تقرره الليبرالية الغربية، قال الله تعالى ﴿ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ [الرعد:5]

قال البغوي رحمه الله تعالى: وكان المشركون ينكرون البعث مع إقرارهم بابتداء الخلق من الله تعالى، وقد تقرر في القلوب أن الإعادة أهون من الابتداء، فهذا موضع العجب.[44]

والآيات الدالة على أن المشركين كانوا ينكرون البعث والنشور كثيرة في القرآن الكريم، مما يدل على أن هذا القول منتشر فيهم، ويمثل عقيدة في المجتمع الجاهلي، وبسبب تقرير النبي صلى الله عليه وسلم للبعث والنشور في أوساطهم رموه بالجنون أو بالكذب، مما يدل على شدة تكذيبهم بالبعث، واستقرار ذلك عندهم، وانتشاره فيهم، قال الله تعالى ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ فِي العَذَابِ وَالضَّلَالِ البَعِيدِ ﴾ [سبأ:7-8].

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: هذا إخبار من الله عن استبعاد الكفرة الملحدين قيام الساعة، واستهزائهم بالرسول صلى الله عليه وسلم في إخباره بذلك.[45]

ومع كل هذا التكذيب واستبعاد البعث والنشور، والسخرية بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخبرهم به؛ فإن من المشركين من كان يؤمن بالبعث والنشور، ولم ينلهم أي أذى، بل كفلت لهم حرية الفكر والمعتقد.

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: وممن كان يقر بالخالق والابتداء والإعادة والثواب والعقاب: عبد المطلب بن هاشم، وزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، وعامر بن الظرب، وكان عبد المطلب إذا رأى ظالما لم تصبه عقوبة قال: تالله أن وراء هذه الدار لدارا يجزي فيها المحسن والمسيء.[46]

ومنهم زهير بن أبي سلمى الشاعر، وهو القائل:

يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر
ليوم الحساب أو يعجل فينقم [47]

وكان زهير يمر بالعضاة وقد أورقت بعد يبس فيقول: لولا أن تسبني العرب لآمنت أن الذي أحياك بعد يبس سيحيى العظام وهي رميم.[48]

فهو صرح هنا بأنه يخاف من المسبة ليس إلا، والمسبة قد تندرج تحت حرية التعبير والنقد بحسب لفظها، وقد تعد تجريحا وتشهيرا، لكن الملاحظ أنه لم يخش شيئا غير المسبة مما يدل على مساحة واسعة من حرية الفكر والمعتقد عند المشركين.

ومن هؤلاء النابغة الذبياني آمن بيوم الحساب فقال:

مجلتهم ذات الإله ودينهم
قويم فما يرجون غير العواقب

وأراد بذلك الجزاء بالأعمال.[49]

ومنهم قس بن ساعدة قال في موعظة له: مطرٌ ونبات، وآباءٌ وأُمهات، وذاهب وآت، وآيات في إثْر آيات، وأموات بعد أموات، وسعيد وشقي، ومحسن ومسيء، أين الأربابُ الفَعَلَةُ؟ إنّ لكل عامل عَمَلَهُ. بل هو والله واحد، ليس بمولود ولا والد، وإليه المآب غدا. أمّا بعدُ، يا معشر إياد، فأين ثمودُ وعادُ؟ وأين الآباء والأجداد؟ أين الحَسَنُ الذي لم يُشْكَرْ، والظلمُ الذي لم يُنْكَرْ؟ كلاَّ وربِّ الكعبة، ليعودَنَّ ما بادَ، ولئن ذهب يوماً ليعودَنَّ يوما ما.[50]

ومنهم علاف بن شهاب التميمي كان يؤمن بالله وبيوم الحساب وفيه قال:

ولقد شهدت الخصم يوم رفاعة
فأخذت منه خطة المقتال

وعلمت أن الله جاز عبده
يوم الحساب بأحسن الأعمال[51]

فإن قيل: إذا كان الأمر كذلك فلم عادى المشركون النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءهم بالتوحيد؟!

فالجواب: أن المشركين كانوا يقرون بحرية الدين وممارسة شعائره، لكنهم يعادون من ينهاهم عما يعبدون، ويأمرهم بما يعبد هو، وقد تكون العداوة مجرد سب وشتم وهجاء إذا لم يؤثر الداعي في الناس؛ كما وقع لزهير بن أبي سلمى فإنه ذكر سبب عدم صدعه بعقيدة البعث خوف المسبة، وقد تصل إلى حد المقاطعة؛ كما وقع لأمية بن عوف القلمس؛ إذ كان يقوم بفناء البيت ويخطب العرب، وكانت العرب لا تصدر حتى يخطبها ويوصيها، فقال: يا معشر العرب، أطيعوني ترشدوا. قالوا: وما ذاك؟ قال: إنكم قوم تفرَّدتم بآلهة شتى، وإني لأعلم ما الله بكل هذا براض، وإن كان ربَّ هذه الآلهة إنه ليحبّ أن يعبد وحده. فنفرت العرب عنه ذلك العام، ولم يسمعوا له موعظة. فلما حجّ من قابل اجتمعوا إليه، وهم مزورون عنه، فقال: مالكم -أيها الناس- كأنكم تخشون مثل مقالتي عاما أول، إني والله لو كان الله تعالى أمرني بما قلت لكم ما أعتبتكم ولا استعتبت، ولكنه رأي مني، فإذا أبيتم فأنتم أبصر.[52]

فهذا يدل على أنهم قاطعوا مواعظه واكتفوا بذلك ليعود إليهم، فعاد إليهم في العام القابل معتذرا بأن ما قاله مجرد رأي رآه، وهذا يندرج تحت حرية التعبير وتركه لأجلهم.

فإن كان لمن ينكر عليهم تأثير على الناس بحيث كثر أتباعه، والتزموا أمره ونهيه، وكان مع ذلك يسفه آلهتهم؛ فإنه حينئذ يشكل خطرا على نفوذهم وسلطتهم على من هم تحتهم من جهة، وعلى الحرية التي ارتضوها من جهة أخرى، ووقع شيء من ذلك لزيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله تعالى، قال جواد علي: فهو -أي زيد- من أولئك الرهط الثائرين على قومهم، والذين أدركوا أيام الرسول. وقد نسبوا إليه شعرًا في تسفيه عبادة قومه، وفي فراقه دينهم وما لقيه منهم. وكان قد أوذي لمقالته هذه في دين قومه، حتى أُكره على ترك مكة والنزول بحراء، وكان الخطاب بن نفيل عمه، وقد وكل به شبابًا من شباب قريش وسفهاء من سفهائهم كلفهم ألا يسمحوا له بدخول البلدة وبمنعه من الاتصال بأهلها؛ مخافة أن يفسد عليهم دينهم وأن يتابعه أحد منهم على فراق ما هم عليه. واضطر زيد إلى المعيشة في هذا المحل، معتزلًا قومه إلا فترات، كان يهرب خلالها سرًا، ليذهب إلى موطنه ومسكنه، فكانوا إذا أحسوا بوجوده هناك آلموه وآذوه.[53]

وذكر ابن حبيب البغدادي أن زيدًا رحمه الله تعالى هو أول من عاب على قريش ما هم عليه من عبادة الأوثان.[54]

ولو أن زيدا لم ينكر عليهم، ويسفه آلهتهم لما آذوه، ولتركوا له حرية المعتقد وممارسة الشعائر كما لم يؤذوا غيره من الحنفاء وغيرهم ممن كانوا مفارقين لهم في دينهم وشعائرهم.

رابعًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعبد بغار حراء قبل بعثته، حتى نزل عليه الوحي وهو فيه، ولم ينقل أن المشركين منعوه من عبادته تلك، أو آذوه بسببها، أو انتقدوه بها، مع أن فيها مفارقة لما يعبدون، وخلوة بالله تعالى.

قالت عَائِشَةُ رضي الله عنها: كان أَوَّلَ ما بُدِئَ بِهِ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ في النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إليه الْخَلَاءُ فَكَانَ يَلْحَقُ بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فيه قال وَالتَّحَنُّثُ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قبل أَنْ يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ بِمِثْلِهَا[55]

فدل الحديث على أن خلوته كان فيها مفارقة لقومه وما يعبدون، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يتعبد عبادة تخصه، ونقل الحافظ ابن حجر الخلاف في تعبده هل كان بشريعة سابقة؟ وبشريعة مَن مِن الأنبياء عليهم السلام، وقوّى أنه كان يتعبد بما بلغه من شريعة إبراهيم عليه السلام، قال رحمه الله تعالى:ولا سيما مع ما نقل من ملازمته للحج والطواف ونحو ذلك مما بقي عندهم من شريعة إبراهيم.[56]

خامسًا: أن التحول عن الدين إلى دين آخر كان مشهورًا عند أهل الجاهلية ولم يؤذوا من تحولوا من دينهم إلى دين آخر أو ينكروا ذلك عليهم، وممن تحول عن الشرك إلى النصرانية حنظلة بن أبي عفراء الطائي، وهو عم إياس بن قبيصة الذي كان ملك الحيرة، تنصر وبنى ديرا سمي دير حنظلة الطائي. [57] قال البكري: وكان من شعراء الجاهلية ثم تنصر وفارق بلاد قومه ونزل الجزيرة مع النصاري حتى فقه دينهم وبلغ نهايته وابتاع ماله وبنى هذا الدير وترهب فيه حتى مات.[58]

وممن تنصر أيضاً داود بن هُبالة، وكان أول ملك للعرب في بلاد الشام، فغلبه ملك الروم على ملكه، فصالحه داود على أن يقره في منازله ويدعه فيكون تحت يده، ففعل، ثم تنصر وكره الدماء وبنى ديرًا سمي (دير اللثق) وأنزله الرهبان.[59]

واستعرض اليعقوبي حركة تغير الدين في العرب فقال: وكانت العرب في أديانهم على صنفين: الحمس والحلة، فأما الحمس فقريش كلها، وأما الحلة فخزاعة لنزولها مكة ومجاورتها قريشا...فهاتان الشريعتان اللتان كانت العرب عليهما، ثم دخل قوم من العرب في دين اليهود وفارقوا هذا الدين، ودخل آخرون في النصرانية، وتزندق منهم قوم فقالوا بالثنوية، فأما من تهود منهم فاليمن بأسرها، كان تُبَّعٌ حمل حبرين من أحبار اليهود إلى اليمن فأبطل الأوثان وتهود من باليمن وتهود قوم من الأوس والخزرج بعد خروجهم من اليمن لمجاورتهم يهود خيبر وقريظة والنضير، وتهود قوم من بني الحارث بن كعب، وقوم من غسان، وقوم من جذام. وأما من تنصر من أحياء العرب فقوم من قريش من بني أسد بن عبد العزى منهم عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى، وورقة بن نوفل ابن أسد، ومن بني تميم بنو امرئ القيس بن زيد مناة، ومن ربيعة بنو تغلب، ومن اليمن طيء ومذحج وبهراء وسليح وتنوخ وغسان ولخم وتزندق حجر بن عمرو الكندي.[60]

الحرية الاقتصادية عند المشركين:
يفاخر أرباب الحضارة الغربية ولمسوقون لهم من الليبراليين السعوديين بأن من ميزات هذه الحضارة إقرار الحرية الاقتصادية، وتحرير التجارة، وعدم المنع من أي نشاط تجاري إلا ما منعه القانون كالاتجار في المخدرات؛ لأن الأصل عندهم أن الإنسان مركز الكون وهو يضع من القوانين ما يناسبه، وهو مالك المال، وهو حر في تشغيله بالطريقة التي يريدها وفق القانون، ويمكن القول إن أبرز مظاهر الحرية الاقتصادية في الغرب تعود إلى ثلاثة أمور:

الأول: تخفيف القيود على التجارة في نوع البيع وصيغته، فما دام البيعان متراضيين فالرضا شريعة المتعاقدين. وتخفيف القيود على المبيع فالاتجار بكل شيء تجيزه القوانين، إلا الممنوعات قانونا كالمخدرات ونحوها.

الثاني: التعامل بالربا، واعتماده أساسا في الاقتصاد.

الثالث: إباحة القمار بكل أنواعه، والاعتراف به مجالا من مجالات الكسب.

والحقيقة أن كل هذه الثلاثة كانت موجودة عند العرب في الجاهلية:
1- ففي ما يتعلق بتخفيف القيود على التجارة في نوع البيع، فالظاهر من حال المشركين أن التراضي هو الأساس.

((فالبيع والشراء، إما أن يكونا بشروط يشترطها أحدهما أو كلاهما عند عقد الصفقة، ويتم التوافق والتعاقد عليها برضا البائع والمشتري، أي: الطرفين, وإما ألا يكونا بشروط)).[61]

ولذا كثرت عندهم البيوع المبنية على الحظ والغرر، وأجازوها وتعاملوا بها، ومنها: بيع الحصاة، وبيع الملامسة، وبيع المنابذة، وبيع المزابنة، وبيع المعاومة، وبيع الجزاف، وبيع الحبلة، وبيع الغدوى، وبيع الرجع، وبيع التصرية، وبيع الإعراب، وبيع الخلابة، وبيع الذهب بالذهب سواء كان متفاضلا أم متسوايا، وسواء كان يدا بيد أم مؤجلا، ومثله بيع الفضة بالفضة، وبيع الرجل ما ليس عنده، وبيع المعدوم، وبيع المخاطرة، وبيع العينة، وبيع العبد الآبق، وبيع الحصان الشارد، وبيع الطير في الهواء، وبيع السمك في الماء. وكانوا يبيحون النجش في البيع، والاحتكار، ويجيزون بيع الحمل مستقلا، وبيع الثمر ولما ينضج، وبيع الأخ على بيع أخيه، وسومه على سومه، وتلقي الركبان، وبيع الحاضر للبادي. [62]

ولهذه البيوع الكثيرة صور عدة، كان أهل الجاهلية يمارسونها، مما يدل على أنه لا قيود في التجارة، وأن رضا البائع والمشتري هو الشرط الوحيد الذي تواضعوا عليه. فجاء الإسلام فقضى على هذه الحرية في البيوع، وقيدها بقيود تمنع الغرر والجهالة في البيع.

وأما في المبيع فقد كان أهل الجاهلية يتاجرون في كل شيء متاح، ولا قيود عليهم في ذلك، فيتاجرون في الخمور وفي الميتة والخنزير والدم وكل ما يستحلون أكله أو شربه أو لبسه. فجاء الإسلام فأبطل هذه الحرية، ومنع الاتجار في المحرمات.

2- وأما التعامل بالربا فقد كان أساسا عند أهل الجاهلية، وأباحوه بكل أنواعه، وانتشر فيهم انتشارا كبيرا، وخاصة ربا النسيئة حتى نسب إليهم من كثرة تعاملهم به فسمي ربا الجاهلية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة عرفة بحجة الوداع: وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بن عبد الْمُطَّلِبِ فإنه مَوْضُوعٌ كُلُّهُ[63]. وهو المراد بقول الله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران:130].

ونزل فيه وعيد شديد في القرآن حتى عدّ فاعله محاربا لله ورسوله؛ كما قال سبحانه ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [البقرة:279].

قال السمعاني رحمه الله تعالى: والآية في إبطال ربا الجاهلية؛ وذلك أنهم كانوا يدينون الناس بشرط أن يزيدوا في الدين عند الأداء، وكان يقرض الرجل غيره، ويضرب له أجلا، ثم عند حلول الأجل يقول له: زدني في الدين حتى أزيدك في الأجل، فهذا كان ربا الجاهلية وهو حرام.[64]

ويدخل في الربا: الربا في الطعام، وقد كان شائعًا بين أهل العمود والبوادي بصورة خاصة؛ إذ ليس عندهم دراهم ولا دنانير، فكانوا يأخذون الصاع الواحد مقابل صاع وزيادة، والزيادة رباه، حتى يكون قفزانًا كثيرة, فاستغل المرابون أهل الحاجة وضايقوهم بالطلب. ورد أن أحدهم في الجاهلية يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخر عنه, فهو ربا مثل الربا في النقد.... وسبب هذا التوسع في هذا النوع من الربا، أن العرب كانوا أهل تجارة وأهل زراعة ورعي، ولم تكن العملة من دنانير ودراهم منتشرة بين المزارعين وأهل البوادي، فكانت المقايضة تقوم عندهم مقام العملة. فمن احتاج إلى طعام أخذ من بائعه أو مالكه أو مكتنزه كيلًا بكيل مثله لأجل معلوم, على أن يعطيه زيادة عليه، يتفق على مقدارها. فيأخذ قفيص تمر بقفيص ونصف أو قفيصين، أو أكثر من ذلك، على نحو ما اتفق عليه، يؤديه له من جنس التمر المسلف ومن جودته، فإذا حل الأجل، ورأى المستحق أن يؤخر دينه، على أن يزيد في المال فعل، وكلما أخره زاد في المال حتى يصير أضعافا مضاعفة، وذلك بسبب الحاجة والفقر.[65]

وبسبب انتشار الربا في أهل الجاهلية تعجبوا من تحريمه، وقالوا ﴿ إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ﴾ فكان جواب الله تعالى عليهم ﴿ وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة:275] وهذا الجواب فيه تكريس للعبودية، وتوجيه إلى طاعة الله تعالى؛ فإن الربا وإن كانت صورته تشبه البيع فإن المانع منه تحريم الله تعالى له، كما أن حل البيع إنما كان بإباحة الله تعالى، ولم يكن جواب الله تعالى متضمنا لعلة سوى العبودية، مع أن الله تعالى قادر على أن يجيبهم بعلة تحريم الربا والحكمة منه، وهذا يدحض دعوى الحرية في معاملات الناس التجارية، ويدل على أنها مقيدة في الإسلام بقيود جاءت في الكتاب والسنة، وأن واجب المسلم التقيد بهذه القيود سواء أدرك علتها أم لم يدركها.

ومن دلائل حزم الشريعة في حسم الربا وإنهائه على الفور أن ما تم التعاقد عليه قبل التحريم بطل بنزول التحريم؛ فالمكاسب الربوية موضوعة، وليس للدائنين إلا رؤوس الأموال، وبرهان ذلك قول الله تعالى ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة:279]

3- وأما القمار فكان من مكاسب أهل الجاهلية، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الميسر: القمار، كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله وماله[66].

وقال البغوي رحمه الله تعالى: الميسر: الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه، سمي ميسرا لأنه يجزأ أجزاء.[67]

وقد قامر بعض المسلمين في أول الإسلام قبل التحريم، وذكر العلماء قصة قمار أبي بكر رضي الله عنه مع المشركين في تفسيرهم لأول سورة الروم.[68]

ونزل تحريم القمار مع تحريم الخمر في قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة:91].

ورغم أن المشركين أباحوا القمار، وكان منتشرا فيهم فإن أناسا منهم حرموه على أنفسهم، ولم يقامروا، وذكر أهل الأوائل أن أول من حرم القمار من أهل الجاهلية الأقرع بن حابس التميمي.[69]

ولم يعب المشركون عليه تحريم ذلك على نفسه، ولم ينقص مقداره عندهم بسبب ذلك، بل رأوا أنه حر في ماله وطريقة حفظه وكسبه وإنفاقه. وقد ذكر المؤرخون للتاريخ الجاهلي أن الأقرع بن حابس كان يحكم العرب في كل موسم، وكانت العرب تتيمن به.[70]

وبما سبق عرضه يتبين أن ما يدعو إليه الليبراليون هو عين دين المشركين الذي أبطله النبي صلى الله عليه وسلم، وأن كفار العرب قد سبقوا الثورة الفرنسية إلى تقرير الحرية الشخصية، وحرية الفكر والرأي، والحرية الاقتصادية. والله الموفق.

---------------------------------------
[1] المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: 7/124و14/126.
[2] رواه أحمد: 1/202، وصححه ابن خزيمة (2260).
[3] ينظر: تفسير الطبري: 9/495.
[4] المحبر: 236-237.
[5] الأشربة لابن قتيبة: 3.
[6] صبح الأعشى: 1/495.
[7] تفسير الطبري: 28/78.
[8] التحرير والتنوير: 18/270، والحديث الذي أورده رواه البخاري(5031).
[9] المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام: 10/232.
[10] تفسير ابن كثير: 6/54.
[11] زاد المسير: 1/394.
[12] تفسير السمعاني: 1/416.
[13] رواه البخاري(4303).
[14] تفسير القرطبي: 5/104.
[15] التحرير والتنوير: 4/293.
[16] رواه مسلم(1405).
[17] رواه البخاري(4825).
[18] أحكام القرآن: 3/96.
[19] تفسير القرطبي: 14/220.
[20] رواه البخاري(4834).
[21] تفسير التحرير والتنوير: 4/269-270.
[22] رواه البخاري(4834).
[23] نفس الحديث السابق.
[24] المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام: 10/212.
[25] رواه البخاري (4834).
[26] حقوق الإنسان: مجموعة صكوك دولية، الأمم المتحدة، نيويورك، 1993: 1/272.
[27] صحيفة الاقتصادية السعودية: 17/5/1431 هـ. عدد: 6046.
[28] الناسخ والمنسوخ: 626.
[29] المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام: 10/231.
[30] صحيفة الوطن السعودية: 20/5/1431 عدد:3504.
[31] المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: 10/233.
[32] المصدر السابق: 10/234.
[33] تفسير ابن كثير: 3/39.
[34] المحبر: 236-237
[35] جمهرة أنساب العرب: 2/308.
[36] تاريخ بغداد: 11/398 والمنتظم: 14/185.
[37] المعارف: 621.
[38] سيرة ابن إسحاق: 2/95.
[39] رواه البخاري معلقا مجزوما به (84).
[40] الأصنام للكلبي:22.
[41] رواه البخاري(3614).
[42] رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني: (257)، وصححه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه: 3/238 ، وصححه ابن تيمية في الجواب الصحيح: 5/167.
[43] أمثال الحديث للرامهرمزي :15
[44] تفسير البغوي: 4/295.
[45] تفسير ابن كثير: 6/496.
[46] تلبيس إبليس: 80.
[47] جمهرة أشعار العرب: 92.
[48] الملل والنحل: 2/243-244.
[49] المصدر السابق: 2 /243.
[50] الزاهر في معاني كلمات الناس: 2/353.
[51] المحبر: 322.
[52] المعمرون والوصايا: 35.
[53] المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: 12/46.
[54] المحبر: 172.
[55] رواه البخاري(4670).
[56] فتح الباري: 8 /717.
[57] الديارات: 8.
[58] معجم ما استعجم: 2/576.
[59] المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: 18/ 19.
[60] تاريخ اليعقوبي: 1/256-257. وقال الكلبي في كتاب الأصنام: وتهود تبع وأهل اليمن:12.
[61] المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: 14/75.
[62] المصدر السابق: 14/75-86.
[63] رواه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: مسلم (1218).
[64] تفسير السمعاني: 1/281.
[65] المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام: 14/112-113.
[66] رواه الطبري في تفسيره: 2/358.
[67]) شرح السنة: 12/384.
[68] رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب: 5/344.
[69] الأوائل للعسكري: 20.
[70] المعاني الكبير: 113.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
11-07-2014, 07:48 AM
نقد الليبرالية واستعبادها للشعوب*
ــــــــــــــــــ

14 / 1 / 1436 هــ
7 / 11 / 2014 م
ــــــــــــ

http://albayan.co.uk/RSC/Uploads/img/thumb/710506112014105246.jpg

انضم لمكتبة "نقد الليبرالية" ومحاكمتها إلى الاسلام كتاب مهم وجديد للكاتب: محمد إبراهيم مبروك، بعنوان :"نقد الليبرالية واستعبادها للشعوب" طبع: مركز الحضارة العربية / الطبعة الأولى / القاهرة / 2014م/ في : 406 من القطع المتوسط.

- أشار المؤلف في مقدمة كتابه إلى أن نقد وتفكيك مقولات الليبرالية الفكرية الغربية هو المحور الرئيسي للكتاب أما مادون ذلك فهو فرع عليه.

وقد أشار إلى أن أهم ماقصده في كتابه هو كشف المفاهيم الزائفة نحو الليبرالية والتي هاله حجمها، وهو يؤكد أن أخطر هذه المفاهيم الزائفة جميعا هو القول بأن الديمقراطية ليست مجرد صندوق الإنتخابات، وإنما قواعد مختلفة لابد من أن تؤخذ كاملة أولاً مثل حرية التعبير المطلق والحقوق المدنية العلمانية وإلا لايتم الإعتراف بها.

كما أشار في المقدمة إلى أنه ليس هدف هذا الكتاب هو نقد الليبرالية من وجهة نظر إسلامية أو إبراز التناقض بين الليبرالية والاسلام وإن كان ذلك نتيجة مترتبة على مانفعل بشكل حتمي، وإنما إلى الانسان بوجه عام لأبرز أن الليبرالية لاتقدم حلولا تجيب الإنسان عن تساؤلاته المصيرية.

- استهل كتابه بعنوان: "ماهي الليبرالية "معرفا إياها قاموسيا، ثم مبينا نشأتها وتطورها؛ وخاصة تطور مفهومها في المرحلة الأخيرة: مقرًرا أنه ليس لمفهوم الليبرالية دلالة محددة؛ بل يتعرض باستمرار للكثير من التغيرات والتحولات مشيراً إلى وصف جالستون بأنها تشبه سلة من القيم والمثل تتداخل وتتعارض أحيانا مع بعضها البعض مما يجعل فهم كلا منها مهمة صعبة فضلا عن فهمها كلها متزامنة.

ثم يشير الى تعريفه هو لليبرالية: فهو يرى أن الجوهر الوحيد لها هو صيرورة التحرر ومن ثم يتداخل الجوهر في الإطار وتفقد التقاليد معناها.

- وفي قسم آخر من الكتاب يتحدث تحت عنوان: الليبرالية السياسية؛ مبينا مراحلها على يد منظريها من لوك وفولتير، إلى جان جاك روسو إلى جون ستيورات مل الذي يعد منظر الليبرالية الأكبر، مبينا تناقضاته حول بعض المفاهيم المرتبطة ومنها مفهوم الديمقراطية؛ إذ تنطلق المسألة من رؤيته الفلسفية العلمانية والتي انتهت لديه إلى نسبية المعرفة والقيمة المطلقة..

ثم بين موقف الإسلام من الليبرالية: حيث فصل في ذلك غير أنه اتكأ على أن الإسلام دين مبدئي شمولي لا يقبل التجزؤ يقوم على عقيدة متكاملة وقواعد ثابته ومنظومة تجمع بين تصوراته لحقائق الوجود.

كذلك بين أن موقف الإسلام من الديمقراطية معتمد على فكرة: أنه يجب التحرر من الزعم الغربي بأن الديمقراطية هي السبيل الوحيد للحرية والرشاد العقلي، وأنها الحل الوحيد لسعادة الشعوب لدى الفلاسفة والمفكرين.

ثم استطرد في بيان ماهيتها وتقسيماتها بين الديمقراطية الدستورية وديمقراطية المشاركة والفرق بينهما، والمشاكل التي تواجه الأنظمة الديمقراطية المعاصرة.

ثم يعود إلى موقف الإسلام من الديمقراطية؛ ليوضح أنه قبل الحديث عن موقف الإسلام من الديمقراطية فلا بد أن نشير أولاً إلى أن هناك إجراءات أصيلة في الإسلام من إجراءات الحكم تعد في نفس الوقت من أهم مكونات الديقراطية ، هذا بعيد عن أي نوع من المقاربة أو الممالقة للأفكار الغربية.

ثم يقرر: وبوجه عام يمكن القول أنه إذا تم الاتفاق على مرجعية الإسلام كقاعدة دستورية وقبول بعض الإجراءات الديمقراطية للحذف والتعديل فإنه يمكن القول بإتفاق الإسلام مع الديمقراطية، أما بالنسبة للديمقراطية الليبرالية فالخلاف يصل إلى حد التناقض ، ثم بين موقف الإسلام من الديمقراطية الليبرالية ..

ونؤكد هنا أنه لم يطلق القول باتفاق الإسلام مع الديمقراطية وإنما قيده بالاتفاق على مرجعية الإسلام كقاعدة دستورية وقبول بعض الإجراءات الديمقراطية للحذف والتعديل.. كما استبعد الديمقراطية الليبرالية من إمكانية التوافق ، وإلا فهو من أشد الناقدين لجوانب الافتراق عن مرجعية الإسلام في فلسفة الديمقراطية وتطبيقاتها ؛ في هذا الكتاب وسابقه من كتبه.

- وعلى ذلك المنحى بين المؤلف الرأي في متعلقات كثيرة بمفهوم الليبرالية، فيتحدث في الباب الثاني عن الليبرالية الفكرية: متحدثاً فيها عن البراجماتيه الفكرية الليبرالية، وعن الظاهر الماسوني وعن ليبرالية فوكوياما ....وغيرها .

- وفي الباب الثالث: يتحدث عن الليبرالية الإجتماعية؛ مشيراً الى مفهوم المواطنة والمساوة وحقوق المرأة والحركات النسوية وحقوق الإنسان ..

- وفي الباب الرابع: يشرح الليبرالية الاقتصادية، مناقشاً الإقتصاد الحر، والإستهلاك ومفهوم الإقتصاد الإسلامي، وجانب استعباد الليبرالية الاقتصادية للشعوب .

- وفي الباب الخامس والأخير: يتحدث عن الليبرالية الإعلامية؛ مبيناً أساطير الإعلام الليبرالي، من أسطورة الحياد، إلى إستطلاعات الرأي و السياسة، إلى الهيمنة الثقافية.. وغيرها .



ويختم بجدول مبسط بين فيه خلاصة التناقضات بين الليبرالية والإسلام :

http://albayan.co.uk/RSC/photoGallary/Photo/1435/photo1/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%88%D9%84.jpg

- وبالجملة: فالكتاب يقدم مادة ثرية ومتنوعة، ويطرح نقداً نافذاً إلى جوهر الأفكار والمفاهيم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{مركز البيان للبحوث}
ــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
11-11-2014, 08:58 AM
المضامين العلمانية للفكر التنويري
ـــــــــــــــــ

(أحمد سالم)
ــــــ

18 / 1 / 1436 هــ
11 / 11 / 2014 م
ـــــــــ

https://pbs.twimg.com/profile_images/2630504083/dcf0b06e954408671184625bc268a33c_400x400.jpeg

ذكرنا في المقال الأول أن المحدد الذي على أساسه نفصل بين التنوير الإسلامي وبين مذاهب الفقهاء السائغة أن رجال هذا التيار قاموا بعملية موائمة وتوفيق بين مفاهيم التنوير الغربي العلماني وبين نصوص الوحي والشريعة وأنهم في عملية التوفيق هذه أضاعوا قطعيات من الشريعة وخالفوها إما بقبول باطل وإما برد حق، فكانت مخالفة القطعي، بقبول ما هو باطل من المفاهيم الغربية، أو برد ما هو ثابت قطعي من الدين هو الموجب لتصنيفهم على الصورة السابق ذكرها.

والواقع أن العامل الأساسي الذي يُخرج عملية التوفيق هذه عن مسارها الصحيح ويؤدي لتضييع القطعيات هو قبول الباطل وهو الذي يؤدي بعد ذلك لرد الحق، وأكثر هذا الباطل الذي يتورطون في قبوله يكون مُحملاً بمضامين علمانية لا ينتبهون إليها مما يؤدي لاستحالة التوفيق بينه وبين الوحي الصحيح إلا بتضييع شيء من الدين الحق، فاستبطان مضامين علمانية بصورة لا شعورية هو أساس الضلالة في التنوير الإسلامي.

وقلنا أننا سنفرد لهذه المضامين العلمانية عدداً من المقالات تُجليها على النحو الذي يُرشد للحق ويُضِلُ عن الباطل، ويهتدي به إخواننا التنويريون إن شاء الله.، وتحدثنا في المقالة السابقة عن الشرعية السياسية في التنوير الغربي العلماني، وطريقة استقبال التنوير الإسلامي لها، والمضمون العلماني الكامن خلف طرح التنوير الإسلامي لمفهوم الشرعية، وقطعيات الوحي التي أهدرها الطرح التنويري.

وحديثنا في هذه المقالة هو فلسفة الجريمة والعقوبة في التنوير الغربي العلماني، وكيف استقبلها التنوير الإسلامي استقبالاً فيه من الشريعة والدين الحق، وفيه أيضاً من الباطل المحض المهدر لقطعيات الدين بسبب المضامين العلمانيية التي استبطنها التنويريون أثناء عملية الاستقبال والموائمة.

1- مفهوم الجريمة والعقوبة وفلسفتهما في التصور التنويري العلماني:

بنى التنوير العلماني صرحه الفكري في هذا الباب على ركنين رئيسين:

الأول: نزع الدين عن أن يكون مصدراً للتجريم المدني.

الثاني: منع جريان العقوبات السلطوية على جرائم دينية.

في التصور العلماني: ليس عد الدين الفعل جريمة بموجب لأن تعده السلطة السياسية جريمة، وليس كون الفعل جريمة من وجهة النظر الدينية بالموجب لإجراء العقوبة السلطوية على فاعله.

فالعلمانية بعد أن نزعت سلطات الكنيسة وخلعتها على دولة ملوك الحق الإلهي ثم على حكومات التعاقد ثم على الدولة/الأمة بعد ذلك أبت أن تجعل للكنيسة كممثل للدين أي شرعية في تعيين الفعل المجرم أو طلب إجراء العقوبة عليه؛ وكان ذلك متسقاً مع أمرين:

الأمر الأول: رغبة العلمانية في تقليص سلطات الكنيسة وتقليص الدين في نفوس الناس وتقليص المساحة التي يشغلها من وظائف الدولة؛ فإن وضع جهاز العقوبات المدني في خدمة الرسالة الدينية يتنافى مع المبدأ العلماني القاضي بفصل الدين عن الدولة.

الأمر الثاني: رغبة العلمانية في ترشيد الفعل السلطوي والأساس القانوني وإرجاعه للنظر العقلي في المصالح والمفاسد الوضعية ونزع الدين عن أن يكون مكوناً من المكونات القانونية وموجباً من موجبات العقوبات السلطوية.

وفي النصوص التالية نستعرض كيف تطور هذا المفهوم في الفكر الغربي:

- صنف مارسيل البادواني أستاذ الفنون الأدبية ورئيس جامعة باريس في القرن الرابع عشر الميلادي مع جان دو جاندان "المدافع عن السلام" وفي أحد نصوصه المهمة يقولان: "يعود لسلطة الأمير وحدها، بمقتضى القوانين الصادرة عن المشترع البشري، حق إصدار الحكم الجزائي ضد الهراطقة وسائر من يقتضي ردعهم بالقصاص أو العذاب الزمنيين، كما يعود إليها الحق في إنزال عقوبة شخصية أو عينية بهم وتسريع تنفيذها".

- ويقول مارسيل: "إن السلطة لكي تتمكن من القيام بهذا الأمر إن كان مشروعاً يجب أن يكون بيد المشترع الإنساني وحده".

- ويقول مارسيل: "عندما يعاقب الأمير أحدهم فما ذلك فقط لأنه أخطأ ضد الشريعة الإلهية؛ فكثيرة هي الخطايا المميتة التي ترتكب ضد الشريعة الإلهية كالزنى مثلاً، وتتساهل فيها الشريعة البشرية عن علم وإدراك.. إن إنزال العقاب بالهرطوقي الذي يخل بالشريعة الإلهية أمر ممكن في هذا العالم إذا كانت الشريعة البشرية تحظر هذه الخطيئة أسوة بما عداها. إلا أن سبب العقاب المباشر في هذه الحالة أيضاً هو انتهاك الشريعة البشرية" (النصوص بواسطة: "تاريخ التسامح في عصر الإصلاح" جوزيف لوكلير، نشر: المنظمة العربية للترجمة).

في هذا النص المبكر المهم نجد تباشير الصلة بين العلمانية والتسامح العقابي بجعل مناط عقوبة المهرطق هو خرقه للشريعة الإنسانية لا انتهاكه للشريعة الإلهية، ومطالبته بنقل سلطة تلك العقوبة من الكنيسة إلى الملك، واحتجاجه بأشياء من الشريعة المسيحية لا تعاقب عليها الشريعة ليقيس عليها جنس الشريعة فلا يجعلها بمجردها مصدراً للعقوبة، وجميعها أفكار ستتناسل منها تصورات التنوير العلماني والتنوير الإسلامي بعد ذلك.

- يقول تودوروف: "إن أول سمة تكوينية لفكر الأنوار تتمثل في جعلنا نفضل ما نختاره ونقرره بأنفسنا على ما تفرضه علينا سلطة خارجة عن إرادتنا... ينبغي الانقياد طوعاً للقوانين والقيم والقواعد التي يرغب فيها بالذات أولئك الذين هي موجهة لهم".

- وكان من لوازم هذا التأسيس العلماني للقوانين والتشريعات ألا يكون من مكونات مفهوم الجريمة وتكييف عقوبتها دين أو وحي؛ لذلك يواصل تودوروف عرضه لأسس التنوير العلماني قائلاً: "ولم يكن هذا البرنامج ليشمل السياسة فحسب بل شمل كذلك العدالة؛ إذ غدت الجريمة بصفتها خطأ في حق المجتمع وحدها تستوجب القمع وصار لزاماً تمييزها من الإثم بصفته خطيئة أخلاقية من منظور التقاليد" (روح الأنوار؛ تزفيتان تودوروف، ص: [15-17]).

- وقد استوى هذا المفهوم تاماً حين عبر عنه جيفرسون بقوله: "لا تمتد السلطات المشروعة للحكومة إلا إلى تلك الأعمال التي تؤذي الآخرين فحسب، لكن لا يؤذيني في شيء أن يقول جاري إن هناك عشرين إلهاً، أو يقول لا يوجد إله قط؛ فلا هذه ولا تلك تسرق جيبي أو تكسر ساقي" (عصر التنوير، ليود سبنسر، ص: [130]).

- ويقول بنتام في كتابه "أصول الشرائع": "يجب أن يكون سير الديانة موافقاً لمقتضى المنفعة؛ فالديانة باعتبارها مؤثراً تتركب من عقاب وجزاء، يجب أن يكون عقابها موجهاً ضد الأعمال المضرة بالهيئة الاجتماعية فقط... وهذه هي القاعدة الأولية، والطريقة الوحيدة في الحكم على سير الديانة، هي النظر إليها من جهة الخير السياسي في الأمة فقط، كما نظر إليها رجال الدين من قبل، وما عدا ذلك لا يلتفت إليه وكل أمر ديني رأى المقنن وجوب استعماله يصير مضراً إذا سلك في إلزام الناس به طريق التهديد والعقاب" (أصول الشرائع، للنتام، ص: [307]).

2- استبطان المفهوم العلماني للجريمة في الفكر التنويري الإسلامي:

والحقيقة أن التنويريين في تأثرهم بمفاهيم حقوق الإنسان والتسامح الغربية وفي محاولتهم المواءمة بينها وبين الدين الحق قد أضاعوا ثوابت من الدين ما أداهم إلى تضييعها سوى استبطان المفهوم العلماني للجريمة والذي لا يجعل الدين وتضييعه موجباً للعقوبة حتى يقترن هذا بالموجبات العلمانية للعقوبة من أذى الآخرين والاعتداء على حرياتهم وحصول الضرر الاجتماعي.

العلمانية في صلتها بتطور الدولة القومية الحديثة نقلت علاقات الولاء والبراء وقيم الانتماء للجماعة والخروج عنها من الدين إلى مؤسسة الدولة القومية عبر مفهوم المواطنة؛ ونقلت لهذه الدولة الوظائف العمومية للدين، وأبطلت عقوبة المرتد مثلاً لكن تنقلها إلى عقوبة للخارج عن الدولة أو الخائن لها، ثم أبطلت العلمانية إقامة الشأن السياسي على التصورات المعيارية الدينية والأخلاقية؛ لتقيمه على أسس عقلانية إجرائية تعاقدية لا تعاقب إلا على قانون تم سنه بهذه الآليات، وسنرى كيف ابتلع التنويريون العلمانية وكيف قلبوا مفاهيم الدين السابقة على مفاهيم الدولة الحديثة؛ ليجعلوا تشريعات الدين في عقوبات المرتدين وأصحاب الأقوال المحرمة مرتبطة بالولاء للدولة وحفظ استقرارها المجتمعي.

ويتجلى لنا هذا الطرح عند التنويريين باستعراض كلامهم التالي:

- يقول طارق السويدان[1]: "هناك فرق شاسع بين حرية التعبير التي أدعو وأؤمن بها، وبين حرية السب والشتم والاستهزاء، لأني تعريفي للحرية الذي أكرره دوماً (قول وفعل ما تشاء بأدب وبلا ضرر)، فإذا أساء الإنسان الأدب مع الله أو رسوله أو حتى مع الناس، أو استهزأ بدين الله أو المقدسات عندنا أو مقدسات غيرنا، فإن صاحب هذا الفعل ينبغي أن يعاقب لأنه تجاوز الحرية إلى الإساءة والضرر، سواء كان من المسلمين أو غيرهم... وألخص رأيي بأنه على الصعيد العملي أعتقد أن للإنسان الحرية في أن يعمل ما يشاء ما لم يتجاوز ما اتخذه المجتمع من أنظمة تكفل أمنه واستقراره.

أما في مجال الفكر فلا أرى للحرية فيه حدود إلا الأدب وعدم الإيذاء اللفظي.

أما ما عدا ذلك فللإنسان أن يعبر عما بدا له من قناعات وإن خالفت قناعات المجتمع، بل وإن خالفت الدين السائد والمذهب القائم، وواجبنا أن نسمع له ونعمل على إقناعه بالدليل والبرهان لا بالتهديد والقانون" (بيان موجود على صفحته في الفيس بوك).

قلت: وهذه العبارات نصوص دالة على استبطان المفهوم العلماني الذي يجعل سب فلان وفلان، وإيذاء المجتمع، وتكدير الأمن العام، كل تلك جرائم تستحق العقوبة السلطوية، أما الإلحاد ففكر يقارع بالحجة فحسب!

- يقول جاسر عودة: "هناك فرق في الشريعة بين الذنب أي الإثم أو المعصية التي يرتكبها الإنسان مخالفاً لأوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه وما علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين الجريمة التي قد تكون ذنباً، لكن الفرق بينها وبين الذنب أن الجريمة لها عقوبة مدنية" (بين الشريعة والسياسة؛ ص: [93-98]، نشر: الشبكة العربية للأبحاث).

قلت: واستبطان المفهوم العلماني ظاهر جداً فيما طرحه جاسر عودة، وقد زاد عليه بسوء فهم غريب جداً؛ إذ ظن أن إجراء العقوبات التعزيرية يستلزم تقنينها مع ما يستتبع ذلك من عبء على الدولة.

ومع كون هذا ليس صحيحاً؛ بل طبيعة العقوبات التعزيرية القائمة على النسبية التقديرية والموازنة المصلحية تتأبى على التقنين، إلا أن تضخيم الأمر وجعله عبئاً على الدولة فيه مبالغة، لا تتناسب مع التناسل اليومي للقوانين وزيادة أعباء الأجهزة التنفيذية في العالم من أجل قضايا تافهة واستدراكات عصبية لقصور التشريع الوضعي.

كما أن الدكتور عبر ست صفحات كاملة لم يذكر حجة شرعية واحدة بل ظل يسطر الكلمات خلف بعضها في دعوى مجردة عن البرهان.

- يقول عبد الله المالكي: "الشريعة من جهة علاقتها بالسلطة والفعل السياسي تنقسم إلى قسمين:

1- أحكام شرعية إيمانية فردية أخلاقية.

2- أحكام شرعية إيمانية اجتماعية حقوقية.

فالقسم الأول لا يتصف بصفة قانونية حقوقية، ومن ثم لا يحق للسلطة التدخل في فرضه... ومنشأ هذا التقسيم هو أن منطق الشريعة من الوجهة السياسية السلطوية يقوم على تمييز البعد الفردي الأخلاقي من البعد الاجتماعي الحقوقي.. كلها محل إلزام من حيث الديانة.. ولكن الفرق هو أن الأحكام الفردية الأخلاقية التزامها ذاتي فردي مبني على الاختيار الحر المنوط بالمسؤولية التكليفية أمام الله تعالى من دون إجبار أو إكراه سلطوي، ومن ثم فالمسؤولية فيها مسؤولية أخروية فقط، وأما الأحكام الاجتماعية الحقوقية فالتزامها قانوني مؤيد بسلطة الدولة ومؤسساتها التنفيذية ومن ثم فالمسؤولية فيها دنيوية وأخروية في آن" (سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة؛ ص: [67-68]، نشر: الشبكة العربية للأبحاث).

قلت: والحقيقية أن الشريعة بريئة من هذا التقسيم، وظاهر جداً التناص الذي يقارب التطابق بين هذا الكلام وبين الأساس التنويري العلماني الذي قرره تودوروف بقوله: "إذ غدت الجريمة بصفتها خطأ في حق المجتمع وحدها تستوجب القمع وصار لزاماً تمييزها من الإثم بصفته خطيئة أخلاقية من منظور التقاليد" (روح الأنوار، تزفيتان تودوروف، ص: [15-17]).

وقد نقل المالكي نقلين عن القرافي وابن تيمية في مسألة أخرى تماماً وهي أن حكم الحاكم لا تعلق له بمسائل الفتيا تعلقاً يعين الصواب والحق فيها، ولا صلة لهذا المبحث بمسألتنا والدليل على عدم تعلق كلامهم بمسألتنا ما يلي:

أولاً: أنهم ذكروا مسائل خلاف الفقهاء وأن حكم الحاكم لا يجعل أحد القولين صحيحاً، ومسألتنا ليس في تصحيح أحد القولين وإنما في إمكان العقوبة على مخالفة الشريعة في ما سماه التنويريون أخلاقاً، وأكثر هذا لا تعلق له بخلاف الفقهاء بل هو من المسائل المجمع علي حرمتها، وليس في كلام القرافي وابن تيمية منع الحاكم من العقوبة على مخالفة المجمع عليه، بل في كلامهم النص على جوازها.

ثانياً: أن القرافي بيّن مقصده من كلامه في نفس الموضع الذي ينقل المالكي منه وهو قوله: "ويلحق بالعبادات أسبابها وشروطها وموانعها المختلف فيها، لا يلزم شيء من احكام المترتبة على اعتبار أحدها من لا يعتقده، بل يتبع مذهبه في نفسه ولا يلزمه قول ذلك القائل بحكم الحاكم به".

فدل ذلك قطعاً على أن القرافي يتكلم في مسألة أخرى لا تعلق لها بما نحن فيه، وبينة ذلك القطعية أن المالكي قرر أن الزكاة وأخذها هو من أحكام الحقوق المجتمعية والقرافي هنا يُدخل العبادات في كلامه، فهل يقصد القرافي أن ولي الأمر لا دخل له بجمع الزكاة، أم يقصد أن اختيار ولي الأمر إيجاب الزكاة في الحلي (مثلاً) لا يعين أن هذا هو الحق ويوجب بذلك على الناس تغيير مذاهبهم؟

لا ريب أن مراد القرافي هو الثانية، ومنها ننتقل إلى ما يقطع الجدل كله وهو سؤال:

هل إذا اختار الحاكم إيجاب زكاة الحلي وأراد جمعها من الناس، هل يقصد القرافي وابن تيمية أن ليس للحاكم فعل ذلك؛ لأنها مسألة خلافية؟

الجواب لا؛ إذا لا تخلو مسألة اجتماعية حقوقية "بتصنيف المالكي" من خلاف فقهي ولو كان مراد القرافي وابن تيمية عدم التدخل في الخلاف الفقهي لانسد على الحاكم التدخل في كل شيء حصل فيه خلاف وامتنع عليه اختيار قول يُمضى به القضاء، وهذا باطل لا يقول به فقيه قط، وإنما جرنا إلى كل هذه الثرثرة هذا الفهم العجيب للمالكي لكلام ابن تيمية والقرافي، ومراد الرجلين هو عدم صلاحية اختيار الحاكم لتعيين الحق وقمع الفتيا المخالفة، وليس عدم صلاحية اختيار الحاكم لإمضاء القضاء والتصرف السلطوي على مقتضاه، لا فرق في هذا بين خلقية أو اجتماعية وليس هذا هو مورد القسمة في كلام الشيخين أصلاً بل مورد القسمة عندهما في التفريق بين الفتيا وأن اختيار الحاكم لا يقضي عليه سواءً في الأخلاق أو الحقوق، والتفريق بين ذلك وبين الفعل السلطوي وأن تأثير اختيار الحاكم فيه لا جدال فيه لا يفرقون في ذلك بين أخلاق وحقوق.

ثالثاً: أن كلام ابن تيمية في الموضع المنقول كان في سياق اعتراضه على رفع كلامه في الواسطية لابن مخلوف القاضي، وليست هذه من مسائل القضاء، ولا علاقة لهذا كما ترى بتفريق بين خلقية وحقوقية كما يتوهم المالكي.

ثم إن أكثر كلام ابن تيمية في هذه المسألة كان عطفاً على قوله في الطلاق ثلاث وإرادة بعض الفقهاء منعه من الفتيا فيها؛ لأن فتياه على غير اختيار الحاكم، وهذا يدل دلالة قطعية على بطلان فهم المالكي لكلام ابن تيمية وذلك لسببين:

الأول: أن هذه المسألة من مسائل الحقوق في تقسيم المالكي فيلزم المالكي على فهمه أن ابن تيمية يقصد منع تدخل الحاكم بسن قانون في الطلاق مبني على اختياره من أقوال الفقهاء، وهذا باطل لا يقول به المالكي.

الثاني: أن ابن تيمية مقر بأحقية الحاكم في فرض قانون مبني على اختياره في الطلاق وإنما نزاع ابن تيمية في احتجاج خصومه بذلك على منعه من الفتيا؛ فكلام ابن تيمية كله في الفتيا وأن اختيار الحاكم لا يقيدها وليس في أن اختيار الحاكم وتصرفه مقيد.

وخاتمة الاحتجاج هاهنا: أن عبد الله المالكي لو أتم نقل كلام ابن تيمية سيجده في الصفحة المقابلة للصفحة التي فيها هذا الكلام يُتم كلامه فيقول: "والذي على السلطان في مسائل النزاع بين الأمة أحد أمرين. إما أن يحملهم كلهم على ما جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء من الآية:59].

وإذا تنازعوا فهم كلامهم: إن كان ممن يمكنه فهم الحق فإذا تبين له ما جاء به الكتاب والسنة دعا الناس إليه وأن يقر الناس على ما هم عليه؛ كما يقرهم على مذاهبهم العملية. فأما إذا كانت البدعة ظاهرة -تعرف العامة أنها مخالفة للشريعة- كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والجهمية.

فهذه على السلطان إنكارها؛ لأن علمها عام، كما عليه الإنكار على من يستحل الفواحش والخمر وترك الصلاة ونحو ذلك ومع هذا فقد يكثر أهل هذه الأهواء في بعض الأمكنة والأزمنة حتى يصير بسبب كثرة كلامهم مكافئاً -عند الجهال- لكلام أهل العلم والسنة حتى يشتبه الأمر على من يتولى أمر هؤلاء فيحتاج حينئذ إلى من يقوم بإظهار حجة الله وتبيينها حتى تكون العقوبة بعد الحجة" (مجموع الفتاوى: [3/239]).

وهذا نص قاطع في عدم التفرقة بين شرائع الدين في إمكانية التدخل السلطوي، وأنا أعقد خلوة شرعية بين هذا النقل وبين أخي عبد الله المالكي، فليس بعد دلالته مجال لاحتجاج ولا متسع للجاج.

وثم خطأ آخر وقع فيه المالكي في هذا الموضع وحاصله:

أنه لما أراد الاحتجاج للتفريق العلماني بين جرائم الحق العام وبين الحريات الفردية في ارتكاب ما يحرمه المقدس أورد نصوص الفقهاء في عدم جواز التجسس وتتبع العورات، وموضع الغلط هنا: أن الفقهاء يحرمون التجسس، ولكنهم لا يقولون بأن الجريمة المستورة لا يعاقب عليها صاحبها إن تم كشفها بغير تجسس كالإقرار -ماعز والغامدية- مثلاً، أو انكشاف ستر من غير تجسس كما في واقعة الزنا التي سيقت لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه.

ويلزم المالكي أن يمنع عقوبة من أقر على نفسه بشرب الخمر؛ لأنه في تصوره إنما شربها في بيته ولم يقتحم بها المجال العام!

فالمالكي جعل منع التجسس منعاً للعقوبة السلطوية، والواقع أنه لا تلازم بينهما، وإنما جره إلى هذا استبطانه للتصورات التنويرية العلمانية الغربية في العقوبات ففرق بين الأخلاق والحقوق المجتمعية ثم فرق بين المجال الفردي والمجال العام، وكل هذه التفريقات مصادمة لنصوص الشريعة القطعية وغاية ما مع المالكي فيها هو أفهام بينة الخطأ لكلام الفقهاء، وهي الإشكالية الشائعة في الطرح التنويري.

والحقيقة أن هذا التصور ينافي تماماً الدين الحق الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكل معصية جعلتها الشريعة معصية وقدرت استحقاق فاعلها لعقوبة أخروية فهي جريمة يجوز التدخل السلطوي للعقاب عليها إن كان العقاب السلطوي هو الأصلح؛ فالأساس في اعتبار الفعل جريمة في نظر الإسلام هو مخالفة أوامر الدين (انظر: الجريمة؛ لمحمد أبي زهرة؛ ص: [25]).

ولعلي أختم بمثال من سياسة الفاروق عمر أوشك أن يعاقب فيه على تصرف غير أخلاقي لحق ديني هو حق مسجد رسول الله، ولم يمنعه إلا احتمال جهل الرجلين وعدم تفقههما:

عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنْتُ مُضْطَجِعًا فِي الْمَسْجِدِ، فَحَضَرَ رَجُلٌ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا عُمَرُ رضي الله عنه فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ. فَذَهَبْتُ، فَجِئْتُ بِهِمَا فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمَا؟ وَمِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالَا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ قَالَ: "لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ مَا فَارَقْتُمَانِي حَتَّى أُوجِعَكُمَا جَلْدًا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم!" (صحيح، أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة [1/33] قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، ومن طريقه البخاري في صحيحه رقم: [470] عن الْجَعْدُ (وقد يصغر) عن يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ به).

3- القطعيات المهدرة في الطرح التنويري لمفهوم الجريمة والعقوبة.

بيّنا أن الطرح العلماني حول مفهوم الجريمة والعقوبة يمنع تدخل السلطة السياسية لدعم الرسالة الدينية، ويرفض تجريم ما تعده الرسالة الدينية جريمة، ويقصر التدخل السلطوي على الجرائم المجتمعية التي تتعلق بأذى الأفراد مع ضبط حدود ذلك بالقوانين التي يختارها الناس.

وبينا تأثر التنويريين واستبطانهم لهذا المفهوم ومحاولتهم موائمته مع النصوص الشرعية عن طريق أفهام غير صحيحة للطرح التراثي الفقهي، في غفلة شديدة منهم عن المتعلق العلماني لهذا المفهوم والذي ترجع جذوره لسياسات فصل السلطة الزمنية عن السلطة الروحية.

ونذكر هاهنا أمثلة على القطعيات التي أهدرها التنويريون بسبب استبطانهم لهذا المفهوم وهي ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: تحريفهم للعقوبة الشرعية للمرتد.

اتفقت كلمةُ هؤلاء الإسلاميين على وجوب العقوبة على الردة المقترنة بالخروج بالقوة على النظام العام وهو قول محمد عمارة وطه جابر العلواني وحسن الترابي (انظر: التعددية؛ لمحمد عمارة؛ ص: [9]، و{لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}؛ لطه جابر العلواني؛ ص: [15]، و"السياسة والحكم" للترابي؛ ص: [156]).

ثم اختلفوا في الردة التي لم تقترن بذلك على أقوال:

الأول: إمكان قتل المرتد وأن العقوبة سياسية تعزيرية إن شاء الإمام أمضاها وإن شاء لم يُمضها، وهو قول راشد الغنوشي، ومحمد سليم العوا (انظر: "الحريات العامة في الشريعة الإسلامية" للغنوشي؛ ص: [49-50]، و"أصول النظام الجنائي في الإسلام" لمحمد سليم العوا؛ ص: [217]).

ثانياً: التفريق بين الداعية لردته فيقتل وغيره فلا يقتل وهو قول الشيخ يوسف القرضاوي (انظر: "جريمة الردة" للقرضاوي ص: [48-56]).

ثالثاً: استتابته أبداً، وهو قول عبد المتعال الصعيدي وعبد المعطي بيومي (انظر: "الحرية الدينية في الإسلام" ص: [69-70] "التكفير بين الدين والسياسة" ص: [10]. مع ملاحظة أنهم لا يقولون حتى بسجنه أثناء مدة الاستتابة فهذا رفع لمطلق العقوبة).

وظاهر جلي جداً تأثر كل قول من هذه الأقوال بالتكييف العلماني الذي لا يربط العقوبة السلطوية بمجرد المخالفة الدينية، ويتجلى هذا بمراجعة نصوص أقوالهم خاصة حين استرواحهم للمحاربة السياسية أو الدعوة للردة وتكييفهم لهذا بما يُخرج الجريمة عن صورتها الدينية الضيقة ليدخلها في حيز ما تُجرمه القوانين الغربية المعاصرة في غفلة شديدة عن الأساس العلماني لهذا التفريق؛ فكل استرواح لمثل هذا هو ضعف في تصور عظمة مصيبة الكفر بالله عز وجل بعد الإيمان به، وأنه لا تفتقر لمكون آخر لإيجاب العقوبة، وعلى ذلك تدل النصوص الشرعية التالية:

1- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» ومفارقة الجماعة هاهنا صفة مفسرة وليست قيداً؛ إذ كل ترك للدين هو مفارقة لجماعة المسلمين وسيأتيك نص أهل العلم على هذا المعنى (راجع تخريج الأخبار كلها في مقالتي: "عقوبة المرتد بالنقل"، في ملتقى أهل التفسير).

وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل دم المسلم، إلا بثلاث: إلا أن يزني وقد أحصن فيرجم، أو يقتل إنسانا فيقتل، أو يكفر بعد إسلامه فيقتل».

2- وعن عكرمة أن علياً رضي الله عنه، حرَّق قوماً، فبلغ ابن عباس رضي الله عنهما فقال: "لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تعذبوا بعذاب الله» ولقتلتهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من بدّل دينه فاقتلوه»".

3- في "الصحيحين" أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا موسى الأشعري رضي الله عنه والياً إلى اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل رضي الله عنه، فلما قدِمَ عليه ألقى أبو موسى وسادةً لمعاذ، وقال: أنزل، وإذا رجل عنده موثق، قال معاذ: ما هذا؟ قال: كان يهودياً فأسلم ثم تهوّد[2]، قال: اجلس، قال: لا أجلس حتى يُقتل، قضاء الله ورسوله -ثلاث مرات- فأمر به فقُتِل.

5- عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه، قال: أخذ ابن مسعود قوماً ارتدوا عن الإسلام من أهل العراق؛ فكتب فيهم إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكتب إليه: "أن اعرض عليهم دين الحق، وشهادة لا إله إلا الله فإن قبلوها فخل عنهم، وإن لم يقبلوها فاقتلهم، فقبلها بعضهم فتركه، ولم يقبلها بعضهم فقتله".

6- وعَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ بِشَيْخٍ كَانَ نَصْرَانِيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: "لَعَلَّكَ إِنَّمَا ارْتَدَدْتَ لِأَنْ تُصِيبَ مِيرَاثًا ثُمَّ تَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ" قَالَ: لَا. قَالَ: "فَلَعَلَّكَ خَطَبْتَ امْرَأَةً فَأَبَوْا أَنْ يُنْكِحُوكَهَا فَأَرَدْتُ أَنْ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ تَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ" قَالَ: لَا. قَالَ: "فَارْجِعْ إِلَى الْإِسْلَامِ" قَالَ: أَمَا حَتَّى أَلْقَى الْمَسِيحَ فَلَا، فَأَمَرَ بِهِ عَلِيٌّ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَدُفِعَ مِيرَاثُهُ إِلَى وَلَدِهِ الْمُسْلِمِينَ.

وظاهر جلي دلالة هذه الأخبار بألفاظها وسياقاتها على عدم تقييد عقوبة المرتد بحرابة أو استتابة مطلقة، أو تقدير إمام، ونحو هذا، بل ألفاظها وسياقاتها قطعية في الدلالة على ما أجمع عليه فقهاء المسلمون من أن المرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل لمجرد ردته لا غير.

قال الشافعي: "فلم يختلف المسلمون أنه لا يحل أن يفادى بمرتد بعد إيمانه ولا يمن عليه ولا تؤخذ منه فدية ولا يترك بحال حتى يسلم أو يقتل" ("الأم": [6/169]).

وينص الشافعي نصاً لا ارتياب فيه على مناط قتل المرتد أنه: "إنَّمَا يُوجِبُ دَمَهُ كُفْرٌ ثَبَتَ عَنْهُ إذَا سُئِلَ النُّقْلَةَ عَنْهُ امْتَنَعَ، وَهَذَا أَوْلَى الْمَعْنَيَيْنِ بِهِ عِنْدَنَا لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَتَلَ مُرْتَدًّا رَجَعَ عَنْ الْإِسْلَامِ وَأَبُو بَكْرٍ قَتَلَ الْمُرْتَدِّينَ وَعُمَرُ قَتَلَ طُلَيْحَةَ، وَعُيَيْنَةَ بْنَ بَدْرٍ، وَغَيْرَهُمَا" ("الأم": (1/295).

وقال ابن تيمية: "الخروج من الدين يوجب القتل وإن لم يفارق جماعة الناس" ("الصارم المسلول": [1/320]).

ويقول الطاهر ابن عاشور: "حكمة تشريع قتل المرتد مع أن الكافر بالأصالة لا يقتل أن الارتداد خروج فرد أو جماعة من الجامعة الإسلامية فهو بخروجه من الإسلام بعد الدخول فيه ينادي على أنه لما خالط هذا الدين وجده غير صالح ووجد ما كان عليه قبل ذلك أصلح فهذا تعريض بالدين واستخفاف به، وفيه أيضاً تمهيد طريق لمن يريد أن ينسل من هذا الدين وذلك يفضي إلى انحلال الجامعة، فلو لم يجعل لذلك زاجر ما انزجر الناس ولا نجد شيئاً زاجراً مثل توقع الموت، فلذلك جعل الموت هو العقوبة للمرتد حتى لا يدخل أحد في الدين إلا على بصيرة، وحتى لا يخرج منه أحد بعد الدخول فيه، وليس هذا من الإكراه في الدين المنفي بقوله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة من الآية:256]، على القول بأنها غير منسوخة، لأن الإكراه في الدين هو إكراه الناس على الخروج من أديانهم والدخول في الإسلام وأما هذا فهو من الإكراه على البقاء في الإسلام" ("التحرير والتنوير": [2/319]).

المسألة الثانية: منعهم العقوبة الشرعية على الآراء الشاذة المحرمة.

الآراء المحرمة: هي كل اختيار في مسألة دينية يُظهره من اختاره، ويكون هذا الاختيار مخالفاً للنص القاطع أو الإجماع القديم.

والعقوبة: هي الجزاء، وتكون العقوبة شرعية حين تكون جزاء معيناً يؤذن الشرع باستعماله في هذا المقام المعين.

يقول القرافي: "الزواجر مشروعة لدرء المفاسد المتوقعة... معظمها على العصاة زجراً لهم عن المعصية، وزجراً لمن يقدُم بعدهم عن المعصية" (انظر: "الفروق": [1/213]).

ومحل النزاع في بحثنا هذا هو الصورة الباطلة التي قبلتها هذه الطائفة من التسامح الغربي، وهذه الصورة هي: منع العقوبة على مطلق الآراء المحرمة، وإنما ينتقون هم أنواعاً من الآراء المحرمة -فمستقل ومستكثر- يجيزون العقوبة عليها، أما الأكثر الأعم من الرأي المحرم فلا يجيزون العقوبة عليه.

لذلك كان النزاع بيننا في دعوانا أنه: يمكن شرعاً العقوبة على كل قول أو فعل محرم.

أي: إمكان أن تقع العقوبة على أي قول محرم، ويكون تحقق هذا الإمكان ووقوعه على قول محرم معين راجع لاجتهاد الإمام ونائبه من قاض ونحوه إن كانت العقوبة قضائية، وراجع للمجتهدين إن كانت العقوبة مجتمعية كالهجر أو الرد العلني ونحوه.

ويكون مناط النظر الاجتهادي في العقوبتين القضائية والمجتمعية هو: مصلحة الأمة ممثلة في المجتمع الذي أُظهر فيه القول المحرم، ومصلحة قائل القول المحرم نفسه، ومدى تطلب تحقيق هذه المصالح ودرء ضدها من المفاسد إلى معاقبة صاحب الرأي المحرم.

كما أن باب الاجتهاد مفتوح أمام أي محاولة لتفصيل ضوابط المصلحة في هذا الباب، بل باب الاجتهاد عندي مفتوح أمام المطالبة بإيقاف بعض صور هذه العقوبة ولو كانت مستحقة سداً لذريعة التوظيف السياسي إن انضبط مناط سد الذريعة ولم تعترضه مصلحة راجحة بينة.

والذي تدل عليه الأدلة والوقائع التاريخية للتجربة الراشدة، وممارسات السلف هو تقليل العقوبات السلطوية المصلحية-بالذات حين خروج السلطان عن الممارسة الراشدة وعدم أمن تعديه- وتغليب وتكثير العقوبات المجتمعية كالذم والزجر والهجر لكن هذا التقليل لا يعني الإعدام، بل الأصل إمكان هذه العقوبة وأنها مما يجيز الشرع للإمام استعماله بحسبه، وأنها مما يوجب الشرع النظر في مناطات استعمالاتها، فهذا قدر ثابت ليس مع المنازع فيه حجة عقلية أو نقلية.

وأما هؤلاء المخالفين: فمنعوا فتح الباب لإمكان العقوبة بهذه الصورة، وخصوا العقوبة بنطاقات معينة مرجعها في الغالب لتوسعتهم[3] لمبدأي السب وتكدير السلم الاجتماعي في العقوبات المدنية الغربية بحيث يتناولان بعد التوسعة بعض القضايا التي لم يجدوا مناصاً من إثباتها كعقوبة ساب الرسول، ولا حاجة بنا لتفصيل الرد على كل واحد منهم بحسب ما اختاره من نطاق للعقوبة؛ لأن قولنا هذا إن أثبتنا كونه حقاً، فسيؤدي هذا لإبطال جميع تقييداتهم؛ لكونه يُقرر أصل الجواز وشموله.

والحق أن موقف التنويريين من تلك الآراء يمكن تعيينه من غير عسر بمجرد تأمل أقوالهم في الردة نظراً إلى أن الردة هي سقف الأقوال المحرمة نظراً؛ لأنها تقع حتى من غير تأويل وتقع قصداً للخروج عن الإسلام فمن كان لا يعاقب بها أو يضيق نطاق عقوبتها فكيف سيكون قوله فيما دونها؟

ومع ذلك فإن تعيين أقوال الناس لا يكفي فيه مجرد هذا الاستدلال، ولذلك سأذكر هاهنا شيئاً من أقوالهم الدالة على موقفهم من العقوبة على الرأي المحرم:

1- يقول عبد المتعال الصعيدي: "كل ما يدخل في باب الحرية الفكرية في مأمن من العقاب الدنيوي؛لأنه يجب فتحه على مصراعيه؛ إذ لا يخشى على المجتمع منه، وإنما يقصده رواد الخير للإنسانية؛ليصلوا بأفكارهم إلى ما فيه سعادتها دنيا وأخرى، فإذا أصابوا فبفضل من الله، وإذا وقعوا في خطأ، كانوا معذورين فيه، ولا يصح عقابهم بشيء ما عليه. فإذا تعسف الحكام في ذلك بالتضييق على الناس في باب الحرية الفكرية فإن الدين يكون بريئاً من هذا التعسف" (انظر: "الحرية الدينية في الإسلام" ص: [12]).

2- يقول عبد العزيز قاسم منتقلاً من الحديث عن عقوبة المرتد إلى العقوبة على الآراء المحرمة مفرقاً بينهما: "عقوبة المرتد عقوبة شرعية ورد بها النص في قوله عليه الصلاة والسلام: «من بدل دينه فاقتلوه» بيد أن تطبيقات هذه العقوبة تعرضت لتحولات خطيرة في التاريخ الإسلامي؛ فقد استغلت لتصفية حسابات سياسية في بعض الأحيان[4]، ووظفت في المواجهات المذهبية؛ فقد حوكم ابن تيمية مثلاً بتهمة مخالفة الإجماع -ما علاقة هذا بعقوبة المرتد؟!-، وكاد يُقتل، وقد توسعت بعض كتب الفقه في تشريع العقوبة حتى امتدت إلى المبتدع (هذا لم يكن من توسع كتب الفقه بل هو مستقر مستفيض في أقوال السلف وأفعالهم رحمهم الله).

وقد امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين مع ردتهم، وعلل ذلك بأنه حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتلُ أصحابه[5]؛ ولهذا[6] اعتبر بعض الفقهاء[7] أن هذه العقوبة مرتبطة بمفارقة الجماعة[8]، أي الخروج عليها" ("الحداثة والنص والإصلاح الديني" ص: [70]، نشر: الشبكة العربية للأبحاث).

وقد ذكرتُ هذا النقل رغم تفككه المعرفي؛ لأدلل على أن هذه الجمجمة في عقوبة المرتد وهي ثابتة بالنص فما بالنا بما دونها من الآراء المحرمة.

3- يقول نواف القديمي: "ما أريده هنا... أن نتأمَّل فقط في هامش الحريات الموجودة بمجتمع المدينة في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام، لأننا سنجد شيئاً مُذهلاً تتداعى أمامه كل مبررات الدعوة للطرد والإسكات واتهام العقائد والنيات، وذلك مع المنافقين الذين يعلم رسول الله نفاقهم القطعي من فوق سبع سماوات.. فكيف يكون الأمر في مجتمعاتنا اليوم أمام كتّاب -اختلفنا أو اتفقنا معهم- هم إسلاميون مهمومون بإصلاح المجتمع، ولهم آراؤهم الشرعية التي يستندون بها على أدلة من الكتاب والسنة.

لننظر فقط لما كان يقوله ويفعله المنافقون بالمدينة في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام، وبين ظهرانيه، وهو ما نقله لنا القرآن الكريم في آياتٍ تُقرأ إلى يوم القيامة... ورغم أن المنافقين كانوا يعيشون بين ظهراني الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة الكِرام، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر بإسكاتهم قسراً وعِقابهم على أقوالهم. فضلاً عن قتلهم لقولهم ما يوجِب الكفر الصريح... أمام كل هذا الهامش الواسع لحُريّة الكلمة في مجتمع الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي مجتمع الصحابة الأول، هل ثمة بعد ذلك مبررٌ لكل هذا القلق من ترداد البعض لأفكار يراها آخرون مخالفة لما اعتادوه من أحكام شرعية، أو حتى تصريح البعض بما يُناقض الشريعة في المُجتمع المسلم؟!

رغم أن التعامل مع المنافقين في مُجتمع المدينة، وإسكاتهم، وإيقاف كفرهم وضلالهم، كان أيسر بكثير مما يمكن أن يستطيعه أي نِظام سياسي اليوم تجاه المُختلفين سياسيّاً وفكريّاً" (مقالة بعنوان: "على هامش فتوى البراك في ***ي" وانظر: "تجديد فهم الوحي" لإبراهيم الخليفة ص: [446-455]).

والحقيقة أن الاحتجاج بواقع المنافقين من أعجب ما قيل من الاحتجاج العلمي في تاريخ الإسلام، وهو أحد دلائل ضعف القدرة الاحتجاجية في العصر الحديث؛ لذلك لا تجد فقيهاً ولا متكلماً في تاريخ الإسلام يحتج بمثل هذه الحجج، وأبسط البدهيات العقلية تقضي بأنه لم يك ثم داع لنفاق ولا غيره إن كانت حرية المنافقين في إظهار عقائدهم متاحة؛ فأي حاجة لرسول الله أن تنقطع معرفته بباطل المنافقين إلا بلحن قولهم؟

وبدهية أختها: وهي أن بعض المنقول في القرآن عن المنافقين هو مما يدخل في نطاق السب الذي يجعله إخواننا هؤلاء جريمة؛ فلازم قولهم أنه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم فيه حرية ولا عقوبة عليه، وهم لا يلتزمون هذا مما يدلك على خلل قولهم بل خلل فهمهم لقولهم.

وتضييع تلك البدهيات الواضحات مما يدلك على الواقع المؤسف للحالة الاحتجاجية في الفكر العربي المعاصر.

وقد توسع بعض الباحثين في نقد هذه الحجة من وجوه كثيرة أخص من هؤلاء الباحثين إبراهيم السكران؛ فهو أحسن من وفاها نقداً.

يبقى أمر أخير: وهو النصاعة الظاهرة لقيام المانع الشرعي من عقوبة المنافقين على باطلهم وهو ما في الصحيحين من حديث عمر وجابر بن عبد الله قال: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا وكان من المهاجرين رجل لعاب فكسع أنصاريا فغضب الأنصاري غضباً شديداً حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار وقال المهاجري يا للمهاجرين فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟ ثم قال: ما شأنهم؟ فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري قال: فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «دعوها فإنها خبيثة»، وقال عبد الله بن أبي بن سلول: أقد تداعوا علينا؟ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال عمر رضي الله عنه: ألا نقتل يا نبي الله هذا الخبيث لعبد الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه» (أخرجه البخاري [4905]، ومسلم [2584]).

ورغم ذلك فإنه لما تصاعدت ظواهر نفاقهم ليأسهم من وقف المد الإسلامي بدأوا يكثفون خططهم، وبدأ القرآن يكثف الحملة ضدهم؛ فقد آن أوان محاسبتهم على نفاقهم فقد أصبح الإسلام قوة يعمل لها ألف حساب وقد سيطرت على الإمبراطوريات الكبرى والوقت لم يعد وقت مداراة للمنافقين المعوقين داخل الصفوف؛ فقد أصبحت المصلحة تقتضي بعد ظهور قوة الإسلام أن يعامل هؤلاء كالكفار الصرحاء.

- فأنزل الله تبارك وتعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا . مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا . سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب:60-62].

قال ابن تيمية: "دلت هذه الآية على أن المنافقين إذا لم ينتهوا فإن الله يغري نبيه بهم وأنهم لا يجاورونه بعد الإغراء بهم إلا قليلاً وأن ذلك في حال كونهم ملعونين أينما وجدوا وأصيبوا أسروا وقتلوا وإنما يكون ذلك إذا أظهروا النفاق لأنه ما دام مكتوماً لا يمكن قتلهم".

فأين الحرية المكفولة لهم إذن؟!

فإذا انتهينا من هذه الشبهة رجع القول إلى أصل مسألتنا وهو حكم العقوبة على الآراء المحرمة، والحق أن الآراء المحرمة هي من المنكر الواجب تغييره بالاتفاق، وللمسلمين ولولي أمرهم طرائق لهذا التغيير منها جواز تغييره بالقوة لصاحب السلطان، ومنه عقوبة صاحب الرأي المحرم عقوبة سلطوية، وهذا هو الذي تدل عليه نصوص الشريعة القطعية وكلام أهل العلم لا يختلفون فيه ومن ذلك:

1- عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ. فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» (أخرجه أحمد: [11460]، [11073]. ومسلم [49]).

2- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» (أخرجه أحمد [4379] ومسلم [50]).

قلت: وكل صاحب سلطان يستطيع إزالة المنكر وإجراء العقوبة الشرعية على فاعله إن اقتضت المصلحة إجراءها فهو مخاطب بهذه الأدلة لا بينة على خروجه منها.

3- قال تعالى: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ . أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [التوبة:12-13].

قلت: وهو صريح في اعتبار تصرف "الطعن في الدين" بمجرده تصرفاً حربياً يبرر القتال ويساوي تصرفات العداوات السياسية كنكث العهود، ويدل على جواز العقوبة السلطوية عليه، وأن الشريعة لا تفرق بين الطعن في الدين وبين التصرفات الحربية في استحقاق الجميع للعقوبة السلطوية.

- قال الشافعي: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويُحملوا على الإبل ويطاف بهم في العشائر والقبائل وينادى عليهم هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام" ("مناقب الشافعي"؛ للبيهقي [1/462]).

- قال الأجري: "يَنْبَغِي لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَلِأُمَرَائِهِ فِي كُلِّ بَلَدٍ إِذَا صَحَّ عِنْدَهُ مَذْهَبُ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ -مِمَّنْ قَدْ أَظْهَرَهُ- أَنْ يُعَاقِبَهُ الْعُقُوبَةَ الشَّدِيدَةَ، فَمَنِ اسْتَحَقَّ مِنْهُمْ أَنْ يَقْتُلَهُ قَتَلَهُ، وَمَنِ اسْتَحَقَّ أَنْ يَضْرِبَهُ وَيَحْبِسَهُ وُيُنَكِّلَ بِهِ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، وَمَنِ اسْتَحَقَّ أَنْ يَنْفِيَهُ نَفَاهُ، وَحَذَّرَ مِنْهُ النَّاسَ" (الشريعة: [1/483]).

- وقال الماوردي متحدثاً عن واجبات الحاكم المسلم: "أَحَدُهَا: حِفْظُ الدِّينِ عَلَى أُصُولِهِ الْمُسْتَقِرَّةِ، وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ، فَإِنْ نَجَمَ مُبْتَدِعٌ أَوْ زَاغَ ذُو شُبْهَةٍ عَنْهُ، أَوْضَحَ لَهُ الْحُجَّةَ، وَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابَ، وَأَخَذَهُ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ؛ لِيَكُونَ الدِّينُ مَحْرُوسًا مِنْ خَلَلٍ، وَالْأُمَّةُ مَمْنُوعَةً مِنْ زَلَلٍ" (انظر: "الأحكام السلطانية" ص: [40]، ومثله عند أبي يعلى ص: [24]).

- قال ابن تيمية: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية؛ فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. وإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور؛ وذلك يحصل بالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرمات. فمنها عقوبات مقدرة؛ مثل جلد المفتري ثمانين وقطع السارق. ومنها عقوبات غير مقدرة قد تُسمّى "التعزير".

وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كبر الذنوب وصغرها؛ وبحسب حال المذنب؛ وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته.

"والتعزير" أجناس؛ فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن، ومنه ما يكون بالضرب، فإن كان ذلك لترك واجب مثل الضرب على ترك الصلاة أو ترك أداء الحقوق الواجبة: مثل ترك وفاء الدين مع القدرة عليه؛ أو على ترك رد المغصوب؛ أو أداء الأمانة إلى أهلها: فإنه يضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي الواجب ويفرق الضرب عليه يوما بعد يوم.

وإن كان الضرب على ذنب ماض جزاء بما كسب ونكالاً من الله له ولغيره: فهذا يفعل منه بقدر الحاجة فقط وليس لأقله حد... وأمر أبو بكر وعمر رضي الله عنهما بضرب رجل وامرأة وجدا في لحاف واحد مائة مائة.

وأمر بضرب الذي نقش على خاتمه وأخذ من بيت المال مائة، ثم ضربه في اليوم الثاني مائة ثم ضربه في اليوم الثالث مائة.

وضرب صبيغ بن عسل -لما رأى من بدعته- ضرباً كثيراً لم يعده.

ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل مثل المفرق لجماعة المسلمين والداعي إلى البدع في الدين، قال تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة من الآية:32].

وذهب مالك ومن وافقه من أصحاب الشافعي إلى قتل الداعية إلى البدع، وليست هذه القاعدة المختصرة موضع ذلك، فإن المحتسب ليس له القتل والقطع.

ومن أنواع التعزير: النفي والتغريب؛ كما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعزر بالنفي في شرب الخمر إلى خيبر؛ وكما نفى صبيغ بن عسل إلى البصرة وأخرج نصر بن حجاج إلى البصرة لما افتتن به النساء" (انظر: "الفتاوى" [28/108])

وقال ابن تيمية: "فإن الحق إذا كان ظاهراً قد عرفه المسلمون، وأراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى بدعته، فإنه يجب منعه من ذلك، فإذا هجر وعزر، كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصبيغ بن عسل التميمي، وكما كان المسلمون يفعلونه، أو قتل كما قتل المسلمون الجعد بن درهم وغيلان القدري وغيرهما كان ذلك هو المصلحة بخلاف ما إذا ترك داعياً، وهو لا يقبل الحق: إما لهواه، وإما لفساد إدراكه، فإنه ليس في مخاطبته إلا مفسدة وضرر عليه وعلى المسلمين. والمسلمون أقاموا الحجة على غيلان ونحوه، وناظروه وبينوا له الحق، كما فعل عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه واستتابه، ثم نكت التوبة بعد ذلك فقتلوه. وكذلك علي رضي الله عنه بعث ابن عباس إلى الخوارج فناظرهم، ثم رجع نصفهم، ثم قاتل الباقين.

والمقصود أن الحق إذا ظهر وعرف، وكان مقصود الداعي إلى البدعة إضرار الناس، قوبل بالعقوبة. قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّه مِنْ بَعْد مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتهمْ دَاحِضَة عِنْد رَبّهمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَب وَلَهُمْ عَذَاب شَدِيد} [الشورى:16] (انظر: "درء التعارض" [7/172]).

قلت: ولا يحتج بأن الوحي لم يُرتب عقوبة معينة للأقوال الشاذ المحرمة؛ ذلك أنه لا حجة في ذلك لوجهين:

الوجه الأول: أن الاحتجاج بترك الوحي لا بد أن يكون بعد إثبات قيام المقتضى وانتفاء المانع والذي نقرره أن المقتضى لم يقم للنص على عقوبة للأقوال الشاذة لقلة وندرة ظهور هذه الأقوال زمن النبي صلى الله عليه وسلم إذ لم يك ثم من يستقل بنظر في الشريعة ليشذ في قوله، والناس كانوا تبعاً لنبيهم صلى الله عليه وسلم، ولم يك ثم مظنة لمثل ذلك سوى أقوال المنافقين الذين كانوا يستخفون بأقوالهم، وبعض أقوال لأعراب حديثي عهد بإسلام، واستخفاء الفريق الأول وحداثة عهد الفريق الثاني بالإسلام مع ندرة ذلك كله يقلل من اقتضاء النص على عقوبة لمثل ذلك، ومثلها بلوغ المحرمات رتبة تقتضي مصلحياً العقوبة عليها بعقوبات بدنية، فلا بينة على وقوع هذا ثم ترك النبي صلى الله عليه وسلم العقوبة رغم وقوعه، مع دلالة الأدلة على استعماله عقوبات زجر وهجر هي داخلة في جنس العقوبة المثبتة لأصل وجود عقوبة على جنس الذنوب.

يُضاف إلى ذلك قيام المانع: وهو تعذر إقامة العقوبات على مثل ذلك زمن النبي صلى الله عليه وسلم والدين ينزلُ منجماً فحتى النادر من الأقوال الباطلة التي تقع من أصحابه صلى الله عليه وسلم يرجع لنقص العلم بالوحي ومراد الله ورسوله على نحو ما وقع من معاذ وعائشة وأسامة رضي الله عن الجميع، فكان يُكتفى بتعليمهم مع التشديد أو عدمه، مع تعذر عقوبة المنافقين لما سبق ذكره.

الوجه الثاني: أن الأقوال الشاذة في الدين لا تنضبط مقاديرها من جهة البطلان والطعن في الدين ولا من جهة الخطورة على المجتمع ولا من جهة انتهاكها لحرمة الدين ولا من جهة نفع العقوبة للقائل بها، ولا من جهة هذا القائل نفسه وما يظهر منه من حسن القصد والاجتهاد الموجبين للتخفيف، وهذه النسبية الشديدة في أحوال الأقوال الشاذة تمنع إجراء التعامل معها على وجه واحد فناسب ذلك جريانها على جهة السياسة والمصلحة كما قررناه.

فإن أبوا إلا التمسك بهذه الحجة، فإنا نذكر بينة قاطعة تدلهم على خطأ هذه الحجة، وتدل في الوقت نفسه على أن ما يحركهم هو المضمون العلماني لا الاحتجاج الفقهي: فإن لازم قولهم هذا هو عدم العقوبة السلطوية في جرائم السب المجرد كأن يسب الرجل أبا الرجل أو أمه؛ إذ لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم عاقب على مثل هذه الجرائم أو أذن للناس أن يطلبوا العقوبة عليها، ولا يمكن تجويز العقوبة عليها إلا وفقاً لتأصيلنا لا لتأصيلكم.

المسألة الثالثة: إنكارهم قتال الطوائف المتتنعة عن الشريعة

يقول عبد الله المالكي: "فحروب الردة التي خاضها الصديق رضي الله عنه كانت لمواجهة انفصال القبائل المتمردة التي امتنعت عن دفع الزكاة، ولجل تثبيت الوحدة السياسية للدولة الناشئة.. فهو لم يحاربهم حرباً دينية؛ لأنهم على التوحيد في معظمهم ويدينون بالإسلام، ويصلون ويصومون ويحجون، بل ويزكون، ولكنهم يصرفون زكاتهم في مضارب قبيلتهم، ويمتنعون عن دفعها إلى عاصمة الخلافة وبيت مال الدولة، فلا وجه إذاً لمحاربتهم الحرب الدينية وإنما سيحاربهم حرباً سياسية تعيد للدولة هيبتها ووحدتها، وتضمن لهذه الوحدة النمو والتدعيم" (سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة؛ ص: [175]).

والحقيقة إن هذه التصورات المستبطِنة للمفاهيم العلمانية عن الدولة الحديثة ذات السيادة والتي هي مركز الولاء ومنتجة القيم والتي تسقط الدولة بهذا المفهوم الحداثي العلماني على الخلافة الراشدة كلها أجنبية عن الشريعة والدين المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وفقه خليفه في إقامته الصديق أبي بكر رضي الله عنه؛ ذلك أن التكييف الذي لا يرتاب فيه لحروب مانعي الزكاة أنها حروب دينية لقوم ضيعوا شعيرة من شعائر الإسلام، هذا هو مناطها لا غير؛ لأنها دولة خلافة وإقامة للدين، وليست دولة العلمنة الحديثة التي تهمها حدودها ولا ترعى حدود ما أنزل الله، ويدل على هذا المناط دلالة قطعية لا يرتاب فيها فيه عالم بلسان الشرع قول أبي بكر: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال" (أخرجه البخاري رقم: [1400]، وأطرافه فيه، ومسلم رقم: [20] من حديث أبي هريرة).

فجعل المناط هو التفريق بين شرائع الله في الاستجابة لها. وصريح قوله أنهم لو منعوا الصلاة لقاتلهم فدل ذلك دلالة قطعية على عدم تعلق القتال بالإمامة والسياسة، ولذلك نص الفقهاء على القتال على المندوبات المتواترة وليس فيها حق للإمام.

يقول مالك: "الأمر عندنا فيمن منع فريضة من فرائض الله تعالى فلم يستطع المسلمون أخذها كان حقاً عليهم جهادُه حتى يأخذوها منه" (الموطأ؛ ص: [269] ـ كتاب الزكاة، باب ما جاء في أخذ الصدقات والتشديد فيها).

ويقول شيخ الإسلام: "أجمع علماء المسلمين على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها، حتى يكون الدين كله لله، فلو قالوا: نقوم بمباني الإسلام الخمس ولا نحرم دماء المسلمين وأموالهم، أو لا نترك الربا ولا الخمر ولا الميسر، فإنه يجب جهاد هذه الطوائف جميعاً، كما جاهد المسلمون مانعي الزكاة" (في مجموع الفتاوى؛ [28/ 469-470] بتصرّف واختصار، وانظر: مجموع الفتاوى؛ [22/ 51، 28/ 308، 502، 556]، والفتاوى الكبرى: [2/ 32، 3/ 473، 5/ 529]، ومختصر الفتاوى المصرية: ص: [167، 468]).

خلاصة:

الحق أنك مهما حاولت استقراء الأساس الفكري للتفريق بين الآراء الباطلة المحرمة وبين غيرها من الأقوال والأفعال التي لا يمانع المخالف من العقوبة الدنيوية عليها.

ومهما حاولت أن تجد فرقاً منضبطاً بين السب والشتم الذي يجيز التنويريون العقوبة عليه وبين الجناية على الدين والاعتداء على حق الله الكامنين في الردة والطعن في الدين.

ومهما حاولت أن تتأمل لم جعل المخالفون العقوبة على الرأي جائزة إن اقترن بعدوان على الدولة ومنعها إن لم يقترن بذلك.

مهما حاولت التأمُّل في كل ذلك لن تبصر مناطاً منضبطاً لتفريقاتهم هذه سوى كونها نوعاً من الاستبطان اللاشعوري للعلمانية.

فالعلمانية وحدها هي الأساس الذي يفسر كل تلك الفروقات التي يرفضها العقل السليم.

فالعلمانية هي التي أسست لعدم تدخل القانون الزمني لحماية الديني.

والعلمانية هي التي تنزع القداسة عن الديني وتبقيها للإنسان فلا تعاقب على التجديف وسب الله والأديان وتعاقب على سب الإنسان.

والعلمانية هي التي ابتدعت التفرقة بين الجرائم الدينية وبين الجرائم المدنية.

والعلمانية هي التي فرقت بين الجريمة بصفتها خطأ في حق المجتمع وحدها تستوجب القمع وصار لزاماً تمييزها من الإثم بصفته خطيئة أخلاقية من منظور التقاليد.

وستجد الحقيقة الناصعة التي لا تحتجب إلا بأخلاق النعام: أن استبطان التنويريين لهذه التصورات العلمانية هو الذي أنتج أقوالهم الشاذة في أبواب الردة والعقوبة على الأقوال الشاذة وقتال الطوائف الممتنعة وجهاد الغزو، وسائر ما أضاعوه من قطعيات الدين.

كل ذلك نفق مظلم أدخلتهم فيه المفاهيم الغربية ومجاهدة بلاء الموائمة غير المنضبطة بينها وبين الشريعة بالتأويلات المتكلفة والتحليلات المتطرفة والأفهام المعتسفة للنصوص والوقائع وكلام الفقهاء.

أسأل الله أن يهديهم وأن يشرح صدورهم وأن ينير دربهم وأن يُجري ماء الفرح بهذا الدين وثوابته دافقاً بين ترائب صدورهم.

ـــــــــــــــــــ

المراجع:


[1] (أختار حذف الألقاب من كلامي اختصاراً مع حفظ مقامات أصحابها؛ فأرجو ألا يُفهم من حذفها إرادة تنقص).

[2] (لاحظ كيف أنه لم يذكر مناطاً آخر كترك الجماعة أو غيره، بل فقط مجرد الارتداد).

[3] (وجعلتها توسعة؛ لأنه حتى الغرب لا يعاقب تحت هذين المبدأين على سب المقدسات غالباً، وإنما حشرها التنويريون تحتهما عنوة، فلا الحق ظل معهم ولا الباطل يقبلهم).

[4] (انظر لإبطال هذه الدعوى: "التفسير السياسي للقضايا العقدية" للشيخ سلطان العميري ص: [99-122]).

[5] (هذه هي العلة إذن).

[6] (أي لكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتلهم كي لا يتحدث الناس هذه هي مقدمة التعليل فننظر ما نتيجته؟).

[7] (لم يثبت بطريق صحيح يُطمئن إليه عن فقيه قط، وإنما هو قول محدث).

[8] (للقارئ الكريم جائزة من المؤلف إن استطاع أن يجد لي رابطاً بين امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين خشية سوء الشائعة وبين قصر قتل المرتد على مفارقة الجماعة).

...............
أحمد سالم

-----------------------------------------

عبدالناصر محمود
11-16-2014, 12:45 PM
تناقضات الليبرالية العربية*
ـــــــــــــــ

23 / 1 / 1436 هـ
16 / 11 / 2014 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8812.jpg

من المعلوم أن الليبرالية منتج غربي خالص، وهي كلمة لاتينية بمعنى "حر" والليبرالية الغربية فلسفة سياسية تقوم على إطلاق حرية الفرد، ورفع شعار المساواة، ناهيك عن أن عموم الليبراليين يدعون في المجمل إلى :الديمقراطية، والانتخابات الحرة والنزيهة، وحقوق الإنسان، وحرية المعتقد....الخ.

ومع وجود كثير من التناقضات بين ما تدعو إليه الليبرالية الغربية وما ترفعه من شعارات، وبين ما تمارسه على أرض الواقع – وخصوصا خارج أرضها -، إلا أنها على كل حال أفضل حالا من الليبرالية العربية التي لم ت*** لشعوبها إلا الظلم والإقصاء والتضييق على الحريات.

إن من يتابع تصرفات الليبراليين العرب – وخصوصا في الفترة الأخيرة – يمكنه تدوين الكثير من التناقضات الظاهرة والواضحة، فبينما تدعو الليبرالية إلى المساواة، نجد الظلم والقهر من أبرز سمات ممارسات الليبراليين العرب، ورغم تقديس الليبرالية لمبدأ الحرية الفردية، تجد مصادرة الليبراليين العرب لحريات الآخرين تنافس في شدتها وقسوتها الأنظمة الديكتاتورية.

وإذا تحدثنا عن خرق الليبراليين العرب لمبدأ مهم من مبادئ الليبرالية، ألا وهو حماية حقوق الإنسان فحدث ولا حرج، فالسجون والمعتقلات تشهد بتناقض رهيب في هذا الجانب، وأما مبدأ احترام الديمقراطية فما فعله الليبراليون العرب بنتائج الانتخابات الحرة والنزيهة في بعض دول ما سمي "بالربيع العربي" غني عن البيان.

ولهذه التناقضات وغيرها هاجم الكاتب الصحفي خالد الغنامي الليبرالية السعودية، معتبرًا أنها نبتة لا تصلح للتربة السعودية أو حتى العربية، وهو ما يمكن إضافته لعيوب وتناقضات الليبرالية العربية.

وأضاف: أن الليبرالية في السعودية لا تحمل فكرًا أو هدفًا أو تتبنى مشروعًا إصلاحيًا، وكل ما تفعله المناكفة مع الإسلاميين والهيئة والصحوة، والمطالبة بقيادة المرأة للسيارة.

ويمكن القول: بأن الليبرالية في بقية الدول العربية لا تختلف عن الليبرالية في السعودية بل ربما تكون أسوأ.

واعتبر الغنامي أن الليبرالية في المملكة تتبنى قضايا الطبقة المترفة، ولا علاقة لها بواقع الفقراء والمساكين، متحديًا أن يكون هناك ليبراليًا تحدث يومًا عن مشكلة الفقر أو السكن، مشيرا إلى أن الليبرالية كلها لا ترى حقًا للفقراء والمساكين، وأن كل الليبراليين لا يؤمنون سوى بالرأسمالية، معتبرًا أن البنك هو الليبرالي الأول.

ولفت إلى تناقض الليبراليين في السعودية مع أفكار الليبرالية فهم إقصائيون لا يؤمنون بالحرية، ولعل ما حدث في بعض دول "الربيع العربي" خير شاهد على ذلك.

وأضاف: أنه لا يوجد ليبرالي مسلم، إما مسلم أو ليبرالي، من يعتقد أنه يستطيع أن يكون ليبرو إسلامي يعيش الوهم، والإسلام فيه غنية عن كل هذه المذاهب الفاسدة.

وعن سبب تخليه عن أفكاره الليبرالية التي تبناها في الماضي قال: إنه وجد نفسه في خلاف مع الليبراليين السعوديين مع حرب غزة الأولى مع مهاجمتهم للمقاومة وتمجيد بعضهم للمحتل، مضيفًا: "اكتشفت أن هذا التيار لا يمثلني بأي شيء، ولا يريد أن يصل لشيء، ودوره سفسطائي تخريبي عدو للدين والأخلاق والدولة".

إن مشكلة الليبرالين العرب أنهم لم يكتفوا بجريمة استيراد فلسفة غربية لتطبيقها على الشعوب الإسلامية، بل زادوا على ذلك بتفريغ تلك البضاعة المستوردة من بعض ما فيها من محاسن - وإن كانت نسبية – لتصبح الكارثة على الأمة أدهى وأمر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
11-27-2014, 09:07 AM
هل أخلص الليبراليون حقا لفكرة الحرية؟*
ـــــــــــــــــــــــ

5 / 2 / 1436 هــ
27 / 11 / 2014 م
ـــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8857.jpg


صدر الليبراليون للغير صورة لأنفسهم زعموا فيها بأنهم دعاة للحرية الفكرية التي تسمح لهم ولمخالفيهم –كما قالوا- بالتعبير عن الأفكار، ورافق هذا الزعم في الوقت نفسه اتهامهم للإسلام وللإسلاميين بأنهم يضادون فكرة الحرية، وأنهم ظلاميون لا يقبلون بالرأي الآخر وأنهم لا يريدون فقط إلا فرض آرائهم بالترهيب الفكري.

والواقع والتاريخ يشهدان بكذب هذين الادعاءين تماما، فلا الإسلام يغلق الجانب الفكري في التحاور مع الآخر بل يقدم الحجة أمام الحجة والدليل أمام الدليل، وأيضا شهد التاريخ والواقع بكذب ادعاء الليبراليين تماما في تعاملاتهم مع الحرية الفكرية، وخاصة عندما يتحكمون كسلطة فكرية أو دعمت النظم السياسية فكرتهم أو بنت نظامها السياسي على الفكرة الليبرالية.

فكما يتفق الليبراليون على فكرة الحرية المطلقة ومنها الحرية الفكرية كأحد أهم أركان الليبرالية، وكما أنهم لا يعرفون ولا يتفقون على أي حد أو سقف لهذه الحرية إلا أنها تصب فقط في جانب حرية التفلت والخروج من العقائد والثوابت والقيم، ويدافعون بشراسة عن هذه الحرية فقط ويغضون الطرف، بل ينادون بتقييد حرية مخالفيهم ومصادرة آرائه ومحاربة معتقداته طالما لم تتوافق مع ارائهم وأفكارهم المتفلتة.

وحتى الفكرة الديمقراطية الغربية وهي الملهاة التي خدع بها بعض الإسلاميين، وظنوا أنهم يمكنهم التغيير بها، فحتى هذه الفكرة لا يمكن لليبراليين أن يقبلوا ولا يسلموا بنتائجها -رغم دفاعهم المستميت عنها دوما– إذا كانت نتيجتها على غير مرادهم، فيزعمون عنها أن الأغلبية تحد من حرية الأقلية.

وبالنظر إلى التطبيق الليبرالي في الممارسات على مستوى العالم وخصوصا في تعامل النموذج الغربي مع العالم سنجد أنه لم يسمح إطلاقا لمخالفيه بحرية أفكارهم، بل اعتدى بكل قسوة وشدة على حرياتهم العامة والخاصة واعتدى على كل عقائدهم وثوابتهم، بل واعتدي أيضا على حياتهم كلها، فمتى طبق الليبراليون تلك المزاعم؟

فمن الذي دفع الثمن باهظا خلال الحرب العالمية الأولى، التي صورت بأنها حرب لنشر القيم الليبرالية في العالم وقتل فيها نحو عشرة ملايين إنسان، بينما بلغ عدد الجرحى عشرين مليونًا؟ أو الثانية التي قتلت أضعافهم وخلفت بعدها أكثر من 80 مليون جريح؟ وماذا فعل دعاة الليبرالية في أعداء فكرهم؟

وماذا خلفت الجيوش التي سميت بالاستعمارية من قتلى وجرحي ومغتصبات في إهدار لكل ما هو إنساني تحت ستار الليبرالية البغيضة؟ وتم سرقة كل شئ من المخالفين حتى تراثهم الفكري ونسبوه لأنفسهم؟

فالليبراليون تحت شعار الحرية منعوا الحجاب في كل مكان سيطروا عليه، حتى في البلدان التي تصنف بأنها بلاد الحرية، فمنعوه عن المسلمات في فرنسا وقبلها في تركيا وفي تونس، وحرم على المسلمات الدراسة أو العمل أو ممارسة حياتهن بصورة طبيعية وهن مرتديات حجابهن، فهل هذه من الحيرة المزعومة؟

ودعاة الحرية هؤلاء هم من خطفوا الأطفال من إفريقيا وضحايا تسونامي ليستعبدوهم و ليبيعوهم بأبخس الأثمان لمن يعبث بأعراضهم وبأعراضهن، وهم الآن من يديرون شبكات الرقيق الأبيض والبغاء على مستوى العالم ولا يزالون يتحدثون عن الحرية، أما في وجوههم قطرة دم للخجل؟

ودعاء الحرية هم من يحتكرون كل التجارات العالمية والاقتصاد العالمي ولا يمكنون أي قوة من اقتحام تلك الأوكار الاقتصادية المغلقة التي تعمل عبر البحار والمحيطات في الشركات متعددة الجنسيات التي تعبر عن مفهوم الحرية الاقتصادية، وهي وهما وضربا من ضروب الخيال، فأي حرية يزعم دعاة الحرية والليبرالية؟

وهل قبل الليبراليون في أي مكان في العالم نتائج الديمقراطية –الوهم الكاذب- حينما خرجت النتائج لصالح من يوصفون بالإسلاميين حتى لو كان عندهم بعض التقصير أو الخلل الفكري المنهجي الإسلامي، فهل تحملوا نتائجها وقبلوا بها أم حاولوا الالتفاف بكل وسيلة للتخلص من نتائجها ولو بالاستناد والركون والاستعانة بمن يطيح بالحرية من أساسها.

فهل اخلص الليبراليون حقا لفكرة الحرية أم أنها كانت كالمبدأ الميكافيلي، الغاية تبرر الوسيلة؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــ

عبدالناصر محمود
12-06-2014, 08:53 AM
الخدعة العلمانية للعقل العربي بأنها ليست ضد الدين*
ـــــــــــــــــــــــــــ


14 / 2 / 1436 هـــ
6 / 12 / 2014 م
ـــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8888.jpg

العلمانية لا تحارب الأديان أو المذاهب، العلمانية هي التي تضمن للمؤمن ممارسة طقوسه الدينية بحرية مطلقة، العلمانية تضمن الحرية أيضا لغير المؤمن، العلمانية لا تحارب الحضارات والأديان بل تحميها من شر من يستخدمها كوسيلة لتضليل الشعوب، العلمانية لا تحارب الأديان وإنما تمنع الأديان من أن تحارب بعضها البعض....، هذه هي بعض ما تريد الأقلام العلمانية العربية ترويجه بعدما ظهر الوجه الحقيقي والقبيح للعلمانيين في عدائهم لكل ما يمت للدين عامة بصلة وللإسلام بصفة خاصة.

وتزداد استهانة العلمانيين بالعقليات المسلمة حينما يدعون هذا في حين يتبجح بكل صراحة ووضوح مُنشئو العلمانية بأنها ليت إلا حربا على الأديان وتذويبا للمجتمعات في بوتقة اللادينية وإنهاء لأي سلطة لأي رجل دين مهما كانت الديانة، بل تعمل على إنهاء سلطة الإله نفسه على الناس حتى توصلهم إلى عدم الاعتراف بوجوده، فكيف يمكن أن يقال أنها لا تتصادم مع الإسلام ؟.

ففي البداية تصادمت مع فكرة الخلق كما قال نيوتن في نظريته إن الحركة الموجودة في الكون تتمُّ طبقًا لقوانين محدَّدة، ولا تتمُّ برعاية الله، ولا تتدخَّل فيها السماء مصادما الآراء التي سادت قبلها كوراثة عن العقيدة التي أنزلت على عيسى عليه السلام بأن كل شيء يحدث في هذا الكون إنما يتمُّ بقدرة الله، فجاءت نظرية دارون لتدمر فكرة وجود الإله نفسه، وتنفي أن هناك مشيئة تسير الكون، بل إن الأمر كله مجرد وجود قوانين حركة صارمة وطبيعية، ولا علاقة لها لا بالخير ولا بالشر، ولا بالإيمان ولا بالكفر.

ثم تطورت الأفكار حتى تبلورت الملامح الأساسية لهذه الفكرة التي اقتربت من كونها معتقدا خاصا عند معتنقيها، والتي اشتملت على أفكار تدور حول فكرة رفض وجود الإله، واعتماد مبادئ الصدفة أو التطور أو الشك، ويعلي من قيمة العقل فقط، وينقل السلطة والتشريع من الإله إلى الشعب، فهل يبقى بعد هذه الفكرة دين؟

وتعتمد هذه المغالطات التي تأتي عن سببين أحدهما – وهو قليل نادر- عن جهل بالحقائق والآخر – وهو الأعم والأغلب – عن معرفة وسوء طوية مبيتة، تعتمد منهجين أولهما محاولة الجمع بينهما من حيث المبادئ، فيحاولون الترويج لمعنى غير حقيقي للعلمانية وهو مقصور على الحث على العلم والاكتشافات والتجارب، والدعوة إلى الحرية، وهي معان لا يختلف الإسلام معها على سبيل الإجمال لا التفصيل، وثانيهما منهج التفرقة بين ميادين العمل فيقولون أن العلمانية تخدم جوانب إنسانية بينما الدين يخدم جوانب إلهية.

وبالتأمل لو كان كلامهم هذا صحيحا فلماذا نشأت العلمانية في الغرب مصادمة للنصرانية؟ ولما قامت الحروب بينهما إذا كانت العلمانية بهذا التسطيح وبهذا التوافق مع الدين، أليس في هذه العداوة بين النصرانية والعلمانية في أوروبا دليلا كافيا على كذب العلمانيين العرب فيما يدعون أن العلمانية ليست ضد الدين؟

وبالفعل يدعو الإسلام إلى نبذ التأخر والأخذ بالعلم ومعرفة الاكتشافات والبحث والتجارب ونعم يدعو أيضا إلى الحرية، لكنه يصل بهذه الاختراعات بالتصور أنها محل الإله عز وجل، ولا يرفع أبدا من قيمة العقل فيعتقده أعظم من أن يخضع للتعاليم الربانية أو يستغني عنها وإحلال المخترعات، بل يُخضع العقل للأمر الإلهي عن رغبة واقتناع بان الحكم لله وحده.

ولا يرى الدين أن قضية التدين قضية شخصية مزاجية، يتدين من يريد وقتما يريد وأينما يريد بينما ينبذ التدين ويخلعه من ربقته في آن ومكان آخر حسبما رغبته، فالعلمانية لا تمانع أن يكون المسلم متدينا إذا دخل مسجده أو ذهب إلى أماكن عبادته كالحج، ولكنها تطلب منه ان يترك كل هذا عند معاملاته وعند مواقفه الحياتية والسياسية وغيرها، فلا حكم إلا للعقل والمصلحة بل تعلن العلمانية الحرب على كل من يريد إدخال مفهوم التدين في المعاملات والعلاقات، فلا معايير إسلامية أو دينية عامة تحكم الحياة بوجه عام ويجب أن ينحى الدين عنها.

وخلاصة القول أن العلمانية قامت من أول يوم لها على محاربة الدين كله وعدم التحاكم إليه، وعلى رفض الخضوع لله عز وجل ويعتقدون أن العقل البشري يمكنه أن يفرز حلولا حياتية يقدمها المشرعون أو القانونيون يرونها أعظم من الشريعة الإلهية ومن الرسل والرسالات لأنها بزعمهم لم تقدم الحلول الناجحة للإنسان.

وبعد هذا يتبجحون علينا بأن العلمانية ليست ضد الدين ويوروجون هذا لينطلي على البسطاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
12-29-2014, 08:53 AM
محاولة علمانية للتشويش على الشريعة الإسلامية*
ـــــــــــــــــــــــــ

7 / 3 / 1436 هــ
29 / 12 / 2014 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8962.jpg

منذ أن تسللت العلمانية إلى بلاد المسلمين عبر كثير من القنوات والمسالك، والحرب المعلنة ضد الشريعة الإسلامية لم تتوقف لحظة واحدة، بدءا من التشويش والتشغيب على كثير من الأحكام الشرعية وخاصة الحجاب والجهاد والحدود والقصاص، من خلال وصفها بالرجعية وغير المتناسبة مع العصر الحديث الذي نعيشه، وصولا إلى محاولات التشويه المتعمد لكثير من الثوابت الإسلامية، وليس انتهاء بمحاولة نشر الإلحاد في بلاد التوحيد.

لقد أدرك الغرب بعد صراع طويل مع الإسلام أن القوة العسكرية لا تجدي نفعا معه ما دام أتباعه من المسلمين متمسكين به عقيدة وشريعة وسلوكا، وأنه لا يمكن هزيمة المسلمين إلا من خلال محاربة مصدر قوتهم "الإسلام".

وقد بدأ الغرب أول ما بدأ في حربه المعلنة ضد هذا الدين، بإسقاط رمز وحدة المسلمين وتماسكهم، وعنوان تطبيقهم وتنفيذهم لأحكام دينهم، وبرهان صلاحية شريعتهم لكل زمان ومكان على أرض الواقع "الخلافة الإسلامية"، والتي بانهيارها بدأت مرحلة جديدة للحرب العلمانية على الشريعة الإسلامية.

نعم....إنها مرحلة محاولة وصم كل سمات التخلف والرجعية بحقبة الخلافة الإسلامية، ووصف كل فكرة أو مطلب باسترجاعها بعدم الموضوعية والواقعية، حيث تحاول النخبة العلمانية العربية دائما التشغيب على فكرة تطبيق الشريعة الإسلامية مجددا في الدول العربية، وجعلها أمر من الصعوبة بمكان، بل مستحيل وغير ممكن.

ومن أمثلة هذه المحاولات ما كتبه طلعت رضوان على موقع الحوار المتمدن العلماني بامتياز تحت عنوان: "التشريعات الوضعية تتحدى الأصولية الإسلامية"، والذي حاول فيه باختصار الدفاع عن القوانين الوضعية المستقاة من العلمانية، ونقد فكرة تطبيق الشريعة الإسلامية في الدول العربية.

وقد بدأ الكاتب مقاله بالقول: "أعتقد أنّ التشريعات الوضعية بقدر ما هى تتحدى الأصولية الإسلامية، تلك الأصولية التى تتغافل عن التطور البشرى، بقدر ما أنّ تشريعات الأصوليين (الذين يتمنون فرضها على شعبنا) تُـجسد الصراع بين إرادتيْن: إرادة الموت وإرادة الحياة ".

وأول ما يلفت النظر في هذا الكلام هو استخدام مصطلحات الغرب التي زرعها عبر إعلامه العلماني المسيطر في أذهان كثير من المنبهرين بمدنيته وحضارته المزعومة، فمصطلح "الأصوليين والأصولية" مصطلح قام الغرب بتحريفه عن معناه اللغوي إلى معنى آخر يصف المسلمين المطالبين بتطبيق الشريعة الإسلامية "بالمتشددين" ! ناهيك عن وصفه إرادة تطبيق الشريعة بالموت، بينما الحقيقة أن الحياة بتطبيق شرع الله تعالى.

ومن الأمور التي يجدر الوقوف عليها في مقال الكاتب - عدا تكراره للمصلحات الغربية - قدحه بشعار "الإسلام هو الحل"، مع أن الحقيقة أن الإسلام عبر التاريخ كان بالفعل هو الحل والمنقذ للعرب من ظلمات الجهل والتخلف والتشرذم إلى النور والعلم والحضارة والوحدة، ناهيك عن وصفه العهود الإسلامية بالتخلف والرجعية دون أي دليل أو برهان، بينما يصف العهد العلماني الذي تسلل إلى مصر منذ عهد محمد علي بالتقدم والانفتاح دون أي دليل أيضا فقال:

" يُشكل شعار (الإسلام هو الحل) تحديًا أمام شعبنا، لأنه يضعه أمام الاختيار بين نظاميْن للحكم: نظام حكم الدولة الدينية، ونظام حكم الدولة العلمانية التي رسّختْ آليات الليبرالية بشقيْها الفكري والسياسي، والتي أنتجتْ بدورها المفهوم العصري للديمقراطية بتفريعاتها المتعددة من حريات جماعية وحريات فردية، وبالتالي فإنّ الاختيار بين هذيْن النظاميْن للحكم سيُحدد مصير شعبنا لعدة عقود قادمة: إما الاستمرار في التخلف الحضاري الذي يتراكم يوماً بعد يوم، والذي يترتب عليه المزيد من التراجع عن الخصائص والمزايا التي حققتها الدولة المصرية منذ عهد محمد علي، وبصفة خاصة التشريعات المدنية والجنائية إلخ، أو التطلع نحو المستقبل لتحقيق مجتمع العدل والحرية والتنمية والرفاهية".

ومع عدم إمكانية الرد على جميع ما ذكره الكاتب من شبهات حول الأحكام الإسلامية، إلا أن الخلاصة التي يمكن التركيز عليها، والتي أراد الكاتب إيهامها للقارئ، هي أن الإسلام لا يصلح للتطبيق في هذا العصر، نظرا لأن أحكام من أمثال: قطع يد السارق و رجم الزاني المحصن، وحد شرب الخمر وحد الحرابة وحد القذف....الخ لا يمكن أن تطبق في العصر الحديث ؟!

والحقيقة أن هذه الشبهات قد أشبعت بحثا وردا من علمائنا، ولعل أقل ما يقال بشأنها أنها باتت شماعة العلمانيين لمواراة وستر فشل قوانينهم الوضعية الذريع في وضع حد لمعدلات الجريمة التي تزداد يوما بعد يوم في المجتمعات العلمانية، فضلا عن فشل هذه القوانين في معالجة المجرمين أو إعادة تأهليهم اجتماعيا.

وبينما حاول الكاتب في آخر مقاله اتهام التيار الإسلامي باختطاف عقول الشعوب العربية، مطالبا التيار الليبرالي باسترجاعه وجاعلا العقل هو المرجعية في تشريع القوانين وسنها، من خلال قوله: "أعتقد أنّ أخطر مسألة تواجه أي شعب، هي مشكلة اختطاف عقله، وقد نجح التيار الديني الأصولي في مصر في سرقة عقول غالبية شعبنا، ومن هنا يكون السؤال الحاسم هو: كيف يمكن للتيار الليبرالي أنْ يعيد إلى المصريين عقولهم، ليكون العقل هو المرجعية ونحن نـُشرع لواقعنا، كي نخطط لمستقبل أفضل"

فإن الحقيقة التي غفل عنها الكاتب أو تغافل عنها على ما يبدو, أن الشعوب العربية مسلمة بالفطرة، وأنه لا يمكن للعقل وحده أن يستقل بالتشريع دون أن يستنير بنور الشريعة الإسلامية، وأنه يكفي الشعوب العربية ما حصدته من التشريعات والقوانين العلمانية.

________________________________________
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــ

عبدالناصر محمود
01-29-2015, 09:07 AM
أسباب ظهور العلمانية في الغرب
ــــــــــــــــ

(د. محمد أحمد عبدالغني)
ـــــــــــــ

9 / 4 / 1436 هـ
29 / 1 / 2015 م
ــــــــــ


http://d.gr-assets.com/books/1371202853l/6765635.jpg

أسباب ظهور العلمانية في الغرب
-------------------

لقد نشأت العلمانية في الغرب نشأةً طبيعية نتيجة ظروف ومعطيات تاريخية؛ دينية، واجتماعية، وسياسية، وعلمية، واقتصادية.

وأهم هذه الظروف والمعطيات التي برَّزت وأنضجت التجربة العلمانية في الغرب هي:


أولاً: طغيان رجال الكنيسة: لقد عاشت أوروبا في القرون الوسطى تحت طغيان رجال الكنيسة وهَيمَنتِهم،
-----------

وفساد أحوالهم، واستغلال السلطة الدينية لتحقيق أهوائهم، وإرضاءِ شهواتهم، تحت قناع القداسة التي يضفونها على أنفسهم، وقد شملت هيمنة الكنيسة النواحي الدينية، والاقتصادية، والسياسية، والعلمانية، ففرضت بطغيانها هذا عقيدةَ التثليث قهرًا، التي عملت دسائس اليهود منذ القرن الأول الميلادي على إدخالها في المسيحية، وحرَّمت ولعنت مخالفيها.

والأحكام التشريعية معظمها أوامر وقرارات كَنَسيَّة بابوية، وهي تحلل وتحرم[1].

ونصَّبت الكنيسة نفسها عن طريق المجامع المقدسة "إلهًا" يُحلُّ ويُحرِّمُ، ينسخ ويضيف، وليس لأحد حق الاعتراض، أو على الأقل حق إبداء الرأي، كائنًا من كان، وإلا فالحرمان مصيره، واللعنة عقوبته؛ لأنه كافر (مهرطق)[2].

وقد كان الختان واجبًا فأصبح حرامًا، وكانت الميتة محرمة فأصبحت مباحة، وكانت التماثيل شركًا ووثنية فأصبحت تعبيرًا عن التقوى، وكان زواج رجال الدين حلالاً فأصبح محظورًا، وأضافت الكنيسة إلى عقيدة التثليث عقائد وآراء أخرى، والتي هي خليط من وثنيات العالم القديم، نحو: التعميد، والعشاء الرباني، وتقديس الصليب وحمله، وعقيدة الخطيئة الموروثة، وصُكوك الغفران، والحرمان، بل سرعان ما دخلها عنصر جديد فاضح، ذلك ما يسمى "الاعتراف"، فكان على المذنب أن يعترف بذنبه في خلوة مع قسيسه؛ ليستطيع هذا القسيس أن يغفر له ذنبه[3].

ويمكن إيجاز مظاهر الطغيان الكَنَسي المالي في الأملاك الإقطاعية بقول ديورانت[4]: "أصبحت الكنيسة أكبر ملاك الأراضي، وأكبر السادة الإقطاعيين في أوروبا، كما كانت الكنيسة تملك المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية باعتبارها أوقافًا للكنيسة.

وقد قال المصلح الكَنَسي "ويكلف" - وهو من أوائل المصلحين -: "إن الكنيسة تملك أراضي إنجلترا، وتأخذ الضرائب الباهظة من الباقي، وطالب بإلغاء هذه الأوقاف، واتهم رجال الدين بأنهم "أتباع قياصرة لا أتباع الله"[5].

كما فرضت الكنيسة على كل أتباعها ضريبة (العشور)، وبفضلها كانت الكنيسة تضمن حصولها على عشر ما تغلُّه الأراضي الزراعية والإقطاعيات، وعشر ما يحصل عليه المهنيون وأرباب الحرف غير الفلاحين، ولم يكن في وُسع أحد أن يرفض شيئًا من ذلك؛ فالشعب خاضع تلقائيًّا لسَطوتِها[6].

أما الطغيان السياسي، فقد بلغت سلطة البابا الدينية المهيمنة على ذوي السلطة الإدارية والسياسية أَوْجَهَا، حتى كان باستطاعة البابا أن يُتوِّجَ الملوك والأباطرة، وأن يخلع تيجانهم إذا نازعوه ورفضوا أوامره.

ثانيًا: الصراع بين الكنيسة والعلم:
------------------
وكان ذلك في عصر انفجر فيه بركان العقلية في أوروبا، وحطم علماء الطبيعة والعلوم سلاسل التقليد الديني، فقامت قيامة الكنيسة، وقام رجالها المتصرفون بزمام الأمور في أوروبا وكفَّروهم واستحلوا دماءهم وأموالهم.

1 - القسيس "كوبرنيق" أتى والكنيسة آخذةٌ بنظرية "بطليموس" التي تجعل الأرض مركز الكون، وتقول: إن الأجرام السماوية جميعها تدور حولها، فقال بنظرية مخالفة في كتابه: "حركات الأجرام السماوية"، فثارت ثورة الكنيسة ضده، وقبل أن يساق إلى محكمة التفتيش أدركته منيته، فحرمت الكنيسة هذا الكتاب، ومنعت تداوله، وقالت: إن ما فيه هو وساوس شيطانية مغايرة لروح الإنجيل.

2 - العالم الطبيعي المعروف "جيوردانو برونو"، نقمت منه الكنيسة آراءً، من أشدها قوله بتعدد العوالم، ونادى بنظرية "كوبرنيق"، فقبضت عليه محكمة التفيش، وزجت به في السجن ست سنوات، فلما أصرَّ على رأيه حكمت عليه بالقتل، واقترحت بألا تراق قطرة من دمه، وكان ذلك يعني أن يُحرقَ حيًّا، وكان ذلك سنة (1600).

3 - "جاليليو" الذي توصل إلى صنع المنظار الفلكي "التلسكوب"، فأيد بمشاهداته نظرية "كوبرنيق"، وقال بدوران الأرض، فسِيقَ إلى محكمة التفتيش، وحكم عليه سبعة كرادلة بالسجن، وفرضوا عليه تلاوة مزامير الندم السبعة مرة كل أسبوع طوال ثلاث سنوات، ولما خاف "جاليليو" من المصير الذي انتهى إليه "برونو" أعلن توبته ورجوعه عن رأيه، وركع أمام رئيس المحكمة قائلاً: "أنا جاليليو وقد بلغت السبعين من عمري، سجين راكع أمام فخامتك، والكتاب المقدس أمامي ألمسه بيدي، أرفض وألعن وأحتقر القول الإلحادي المخطئ بدوران الأرض".

وتعهد للمحكمة بأن يبلغها عن كل ملحد يوسوس له الشيطان بتأييد هذا الزعم المضلل.

ثالثًا: الثورة الفرنسية: ونتيجة لوضع الكنيسة ودينها المحرف، دبَّر اليهود مكايدهم لاستغلال الثورة
-------

النفسية التي وصلت إليها الشعوب الأوروبية، لا سيما الشعب الفرنسي، فأعدوا الخطط اللازمة لإقامة الثورة الفرنسية الرامية إلى تغيير الأوضاع السائدة، وفي مقدمتها عزل الدين النصراني المحرف - الذي حارب العلم - عن الحياة، وحصره في داخل الكنيسة، وفعلاً قامت الثورة الكبرى عام (1789م)، ومما يدل على أن الثورة الفرنسية هي من صنع اليهود وتدبيرهم ما تتبجح به بروتوكولاتهم فتقول: "تذكروا الثورة الفرنسية التي نسميها (الكبرى)، إن أسرار تنظيمها التمهيدي معروفة لنا جيدًا؛ لأنها مِن صنع أيدينا"[7].

ونجحتِ الثورة، وأحَلَّت الجمعيات الدينية، وسرَّحتِ الرهبانَ والراهباتِ، وصادرَت أموال الكنيسة، وألغَتْ كل امتيازاتها، وحوربت العقائد الدينية هذه المرة علنًا وبشدة...[8].

رابعًا: طبيعة التعاليم النصرانية: إن التعاليم النصرانية قد تحوَّلت إلى طقوس جامدة لا حياة فيها، مثل: "من لطمك على خدك الأيمن، فحوِّل له الآخر أيضًا، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك، فاترك له الرداء أيضًا، ومن سخَّرك ميلاً واحدًا فاذهب معه اثنين"[9]، "لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون، ولا للجسد بما تلبَسون"[10].

لقد نظَرت أوروبا إلى هذه التعاليم الموغلة في السماحة فوجدتها بعيدة عن واقع الحياة وظروف العصر.

خامسًا: دور اليهود: وليس غريبًا أن يكون اليهود وراء الدعوة إلى إقامة الحياة على غير الدين؛ وذلك من أجل السيطرة، ومن أجل إزالة الحاجز الديني الذي يقف أمام اليهود حائلاً بينهم وبين أمم الأرض[11].

وبعد، فلقد عاشت أوروبا بسبب دينها المحرَّف المبدل انفصامًا رهيبًا بين العلم والدين، فكان الدين يحارب العلم، حتى إن كثيرًا من علماء أوروبا قد أُحرِقوا بالأفران، وسُمِلتْ أعينهم، وعلقوا على أعواد المشانق، بحجة أنهم خالفوا كلمة الله، والتاريخ الإسلامي لم يعرف تلك التعاسة التي عاشتها أوروبا؛ فإن الإسلام فتح للعلم أبوابه وذراعيه؛ فالتاريخ الإسلامي هو تاريخ التلاحم بين الدين الذي كان أول ما نزل منه: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1]، وبين العلم الذي هو ثمرة من ثمرات التمسك بهذا الدين، واستجابة لأمر الله عز وجل بالعلم والتعلم والقراءة؛ لذلك فإن الذين يريدون نقل العلمانية إلى بلاد المسلمين يتجاهلون هذا الفرقَ الكبير بين تاريخ الإسلام ودين الإسلام، وبين تاريخ أوروبا ودين أوروبا.

------------------------------------
[1] انظر: كواشف زيوف لعبدالرحمن الميداني ص 23.
[2] انظر: العلمانية لسفر الحوالي ص 128، والهرطقة - كما فهمتها الكنيسة إذ ذاك - هي: مخالفة رأي الكنيسة؛ فرأي يراه عالم في العلوم الكونية هرطقة، ومحاولة فهم الكتاب المقدس لرجل غير كنسي هرطقة، وانتقاد شيء يتصل بالكنيسة هرطقة؛ انظر: المسيحية، لأحمد شلبي ص 256.
[3] المسيحية لأحمد شلبي ص 255، والنصرانية لأبي زهرة ص 203.
[4] ديورانت: هو مؤلف كتاب قصة الحضارة، وهو كتاب كبير يقع في 30 مجلدًا، تحدث فيه عن قصة الحضارة منذ فجر التاريخ إلى العصر الحاضر، انظر: مقدمة كتاب قصة الحضارة.
[5] انظر: تاريخ أوربا لفيشر (2/362 - 364).
[6] المرجع السابق (2/380).
[7] انظر: البروتوكول الرابع في الخطر اليهودي لمحمد خليفة التونسي ص 118.
[8] انظر: العلمانية لسفر الحوالي ص 169.
[9] متى: 40: 5 - 42.
[10] لوقا: 22: 12.
[11] انظر: أحجار على رقعة الشطرنج لوليام غاي كار ص: 75 وما بعدها، أخطار على الغزو الفكري على العالم الإسلامي لصابر طعيمة ص: 209، الموسوعة الميسرة ص: 371، احذروا الأساليب الحديثة ص: 199.



---------------------------

عبدالناصر محمود
02-11-2015, 08:04 AM
هل تحل العلمانية مشكلة التعددية؟
ــــــــــــــــ

(أ.د. جعفر شيـخ إدريـس)
ــــــــــــــ

22 / 4 / 1436 هــ
11 / 2 / 2015 م
ـــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/RSC/Uploads/img/thumb/801091432012316.jpg


على أي أساس يضع المواطنون في بلد ما دستورهم ويصدرون قوانينهم إذا كانوا منقسمين إلى أديان مختلفة؟

يثير هذا السؤال عدة مسائل:
--------------------

المسألة الأولى: أن دعاة العلمانية ولا سيما في بلادنا العربية في هذه الأيام، يقولون إن الحل الأمثل هو الحل الذي لجأت إليه أوربا وأمريكا وسائر الدول التي قلدتها، وهو أن تكون الدولة علمانية لا تلتزم بدين لكنها لا تمنع أحداً من ممارسة دينه في حياته الخاصة. بهذا يكون المجال العام، مجال التشريع والتنفيذ والقضاء، مجالاً مفتوحاً لكل أفراد المجتمع يشاركون فيه باعتبارهم مواطنين لا باعتبارهم منتمين إلى هذا الدين أو ذاك، ويكونون بهذا متساوين في حقوقهم السياسية.

نقول نعم إن هذا قد يحدث إذا تنازل كل المنتمين إلى الأديان أو معظمهم عن أديانهم، أو على الأقل عن جانب المجال العام منها، ورضوا بأن يحصروها في الجانب الخاص كما فعل الغربيون. وقد صار كثير من المسلمين المتأثرين تأثراً شديداً بالفكر الغربي يعدون هذا أمراً طبيعياً، بل يعدونه أمراً لازماً للدولة الحديثة. رأيت ذات مرة في التلفاز أحد هؤلاء وهو يدافع دفاعاً مستميتاً عن الدولة العلمانية، ثم تبين في المقابلة معه أنه من حرصه على أداء الحج بطريقة كاملة لم يكن يكتفي بالسؤال عن أركانه وواجباته بل كان يحرص حتى على مستحباته! فهذا إذن رجل يرى أنه يمكن أن ينكر جزءاً من الإسلام ويدعو إلى هذا الإنكار ويظل مع ذلك مسلما ربما لأنه لا يعلم أن من شرط الإيمان بالإسلام أن يؤمن الإنسان به كله ثم يجتهد في أن يطبق منه ما استطاع، وأن من أنكر بعض الدين كمن أنكره كله. قال تعالى { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون * أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون } (البقرة:85-86)

هذا إذا تبنت الأغلبية المسلمة الموقف العلماني. ولكن ماذا يحدث إذا ظلّ عدد كبير منهم مستمسكاً بدينه كله؟ هل يمكن أن يقال عن أمثال هؤلاء إن لهم حقوقاً سياسية متساوية مع غيرهم من العلمانيين الذين يشرعون لهم قوانين يخالف بعضها أوامر أديانهم؟ كلا. قد يقال لماذا لا يقبلون رأي الأغلبية ويعيشون تحت قوانين يعلمون أنها مخالفة لدينهم؟ نقول هب أنهم فعلوا ذلك، فالسؤال ما يزال قائما. هل يقال عن مثلهم إن لهم حقوقا سياسية متساوية مع العلمانيين الذين يتولون التشريع له؟ كلا. إذن فالعلمانية لا تحل مشكلة التعددية.

الثانية: أن الخلافات بين الناس ليست محصورة في الخلافات الدينية، بل هنالك خلافات أخرى كثيرة وعميقة كالخلافات الاقتصادية السياسية بين دعاة الرأسمالية ودعاة الاشتراكية. فهل يشعر الاشتراكي في الغرب أنه مساو سياسيا للرأسمالي الذي يشرع للمجتمع تشريعات اقتصادية مبنية على الرأسمالية؟ وقل مثل ذلك عن بعض الاختلافات الاجتماعية والفلسفية والخلقية التي لا علاقة لها بالدين.
كيف تحل هذه المشكلة إذن؟ هذا يقودنا إلى المسألة الثالثة: وهي أن جون رولز الأمريكي الذي كان يعد أكبر فلاسفة السياسة والأخلاق المعاصرين، زعم في كتابه الشهير اللبرالية السياسية political liberalism أنه توصل إلى إجابة عن هذا السؤال لأنه توصل كما يقول إلى مبدأ يمكن أن تتفق عليه كل الأديان والفلسفات والمبادئ الخلقية المتناقضة تناقضات عميقة لأن كلا منها سيجد له مكانا في دينه أو فلسفته أو معتقده الخلقي بشرط أن يكون ذلك الدين أو تلك الفلسفة أو ذلك المبدأ الخلقي (معقولاً). لكن تبين أن مربط الفرس كما يقولون إنما هو في كلمة (معقول) هذه. تساءل ناقدوه عن معيار المعقولية هذه عند رولز فوجدوه يرجع إلى الموافقة على مبادئ فلسفته اللبرالية السياسية. فقالوا له إنك لم تفعل شيئاً.
قلت إنك توصلت إلى مبدأ يوافق عليه كل أولئك المختلفين ويجعلونه معياراً، ويكونون بهذا متساوين سياسيا في الدولة اللبرالية الديمقراطية، ثم جعلت شرط موافقتهم عليه أن يكونوا موافقين على فلسفتك السياسية اللبرالية. ولعل من الطريف الذي يبين صدق هذا النقد للقارئ السوداني أن من بين التصورات الدينية التي رآها رولز معقولة كلاماً لمحمود محمد طه نقله إليه أحد الأساتذة، كلاما يفسر فيه محمود الإسلام تفسيراً جديداً لا يكاد يختلف في شيء عن الديمقراطية اللبرالية!
لقد تعجبت كيف ظن هذا الفيلسوف الكبير أنه سيجد حلاً لمشكلة يستحيل عقلاً أن تحل؟ أعني أنه يستحيل عقلاً أن توجد دولة لها دستور وقوانين ترضى عنها كل فئات المجتمع المختلفة لأنها تجد لها مسوغا في دينها أو فلسفتها أو مبدئها الخلقي.

الرابعة: أن الحل المكن عملياً كما هو الواقع في البلاد الغربية مثلاً هو أولاً: أن تبنى الحياة في المجال العام على أحد المبادئ التي لا يشترط أن توافق عليها كل فئات المجتمع المختلفة ذلك الاختلاف الذي ذكره رولز، لكنها ترضى بها بها لكي تعيش مع غيرها في سلام في وطن واحد. لكن هذا يعني بالضرورة أن لا يكون المواطنون متساوين في الحقوق السياسية. وثانياً أن تكون لهؤلاء المواطنين جميعا حقوق إنسانية متساوية باعتبارهم مواطنين وبغض النظر عن الحكم الذي يخضعون له.

الخامسة: يتبين من هذا أن مثل العلمانية في هذا كمثل الحكم الإسلامي في كونها ليست محايدة بين الأديان أو المعتقدات الأخرى كما يصورها لنا القائمون بالدعاية لها، لأنها يمكن أن تشرع تشريعات تجيز بعض ما تمنعه بعض تلك الأديان والمذاهب أو تمنع ما تجيزه. وهي ليست بمحايدة بالنسبة للإسلام بالذات بل محادة له لأنها يمكن أن تحل ما حرم الله وتحرم ما أحل. وفي التجربة الأمريكية أدلة كثيرة على أن الدولة العلمانية قد تصدر حتى في مجال الممارسات الخاصة قوانين مخالفة لتعاليم بعض الأديان . ومن الأمثلة الطريفة التي يذكرونها أن تعاليم طائفة المورمون، وهي طائفة تنتمي إلى المسيحية، تبيح تعدد الزوجات تعددا لا حد له فيما يبدو. لكن المحكمة العليا منعتهم من ذلك وألزمتهم بعدم التزوج بأكثر من واحدة. كما أن القوانين في البلاد العلمانية الأوربية تبيح كثيرا من الممارسات الجنسية التي لا يوافق عليها كثير من اليهود والنصارى المستمسكين بدينهم.

السادسة: بعض الناس ـ حتى من المنتمين إلى بعض الأديان ـ ما زالوا يفضلون أن يكون الحكم في بلادهم علمانيا لا إسلاميا لأن بعضهم ما يزال مخدوعا يظن أن العلمانية محايدة، وأن دولتها دولة مدنية يجد فيها كل المواطنين حقوقا سياسية متساوية. إن هؤلاء يغفلون عن كون العلمانية هي أيضا دين إذا أخذنا الدين بمعناه العربي الواسع، أو هي على الأقل مذهب من مذاهب الحياة لأنها تتضمن مبادئ وتشريعات وأوامر ونواه. فهي إذن ليست ضد الإسلام وحده وإنما هي ضد كل دين له تشريعات ومبادئ مختلفة عن تشريعاتها ومبادئها.

السابعة: من الدعايات التي يلجأ إليها بعض دعاة العلمانية في تنفير غير المسلمين من الحكم الإسلامي زعمهم بأنه ما دامت القوانين التي تصدرها هيئة تشريعية إسلامية هي بالضرورة قوانين دينية، فإن الدولة التي تصدرها تكون قد فرضت عليهم دينا لا يدينون به. لست أدري لماذا لا يقولون الشيء نفسه عن القوانين التي تصدرها الهيئات التشريعية العلمانية؟ لماذا لا يقولون إن كل قانون تصدره هيئة تشريعية علمانية هو بالضرورة علماني مخالف لدينهم؟

لماذا لا ينظرون إلى القوانين الإسلامية نظرتهم إلى القوانين العلمانية فيلتزمون بها لأنها قوانين أصدرتها دولتهم ولا ينظرون إلى عقائد من أصدروها ولا إلى دوافعهم كما أنهم لا يفعلون ذلك بالنسبة إلى القوانين التي تصدرها الدولة العلمانية؟ إن الدولة العلمانية بإمكانها نظريا ان تصدر قوانين متوافقة توافقا كاملا مع الإسلام، كأن تمنع الخمر أو الربا، فهل سيقول أمثال هؤلاء إنها لم تعد دولة علمانية بل صارت إسلامية تفرض عليهم دينا لا يدينون به؟

الثامنة: أليس من التناقض أن يكون الإنسان من المنادين بالديمقراطية ثم يعترض اعتراضا مبدئيا على إسلامية دولته مهما كان عدد المطالبين بذلك من مواطنيها؟ كيف توفق بين الديمقراطية التي تعطي المواطنين الحق في اختيار نوع الحكم الذي يريدون وتكون مع ذلك مناديا بمنع طائفة منهم من هذا الحق؟ إن منع فئة من المواطنين من المناداة بأن تكون دولته إسلامية لا يتأتى إلا باللجوء إلى قوة قمعية تحول بينهم وبين ذلك كما كان الحال في بعض البلاد العربية.

تاسعاً: لقد قال كثير من المنادين بالحكم الإسلامي ونقول معهم إن الحكم الإسلامي ليس حكما دينيا بالمعنى الغربي للكلمة، أي أنه ليس حكماً ثيوقراطيا يتولى الأمر فيه أناس يزعمون أنهم يتلقون أوامرهم بوحي مباشر من الله تعالى كما كان بوش يزعم أن الله تعالى أخبره بأن يفعل كذا ويفعل كذا وهو قائم على رأس دولة تعتبر علمانية. إن الحكم الإسلامي يختلف عن الحكم الثيوقراطي في ثلاثة أمور مهمة. أولها أنه قائم في النهاية على دستور مكتوب مفتوح لكل الناس هو نصوص الكتاب والسنة. وثانيهما أنه لا يجبر أحداً على الدخول فيه كما كانت الطوائف الدينية النصرانية في الغرب تفعل حين تؤول السلطة إلى واحدة منها.

كان النصارى يخيرون اليهود في الأندلس بين الدخول في النصرانية أو الموت أو مغادرة البلاد. وكانت الطائفة التي تؤول إليها السلطة تجبر الطوائف الأخرى على اعتناق معتقداتها. وهذا هو الذي تسبب فيما أسموه في التاريخ الغربي بالحروب الدينية التي كانت كما يرى بعضهم هي السبب في نبذ الناس للحكم الديني واللجوء إلى الحكم العلماني. ثالثا إن الحكم الإسلامي يعطي غير المسلمين حقوقا مثل ما يعطيهم إياها الحكم العلماني أو أكثر. قد يقول بعضهم كيف تقول هذا والدولة العلمانية تساوي بين المواطنين ـ من الناحية النظرية على الأقل ـ في حقهم في أن يتولوا رئاسة الدولة مثلا، بينما الإسلام يشترط في من يتولى هذا المنصب أن يكون مسلماً. أقول والعلمانية تشترط فيه أن يكون علمانياً! نعم إنه لا يهمها ـ من الناحية النظرية ـ أن يكون مسلماً أو نصرانياً أو يهودياً أو بوذياً ما دام انتسابه إلى دينه انتساباً ترضى عنه العلمانية، أي أن يكون تدينه تدينا محصوراً في الجانب الشخصي. أما في المجال العام فهو ملزم بالدستور والقوانين العلمانية. وبما أن الإسلام لا يفصل هذا الفصل الحاسم بين جانب الدين الخاص وجانبه العام، بل يعد رأس الدولة إماماً للمسلمين في دينهم كما أنه إمام لهم ولغيرهم في دنياهم كان من الطبيعي أن يشترط في رأس الدولة أن يكون مسلماً.

-----------------------------------------------

عبدالناصر محمود
03-12-2015, 08:20 AM
نقد أوهام العلمانيين عن الإسلام*
ـــــــــــــــــــ

21 / 5 / 1436 هــ
12 / 3 / 2015 م
ـــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_12194.jpg

ينطلق العلمانيون في حكمهم على أي دين سماوي من الصورة الغربية الراسخة في ذهنهم، من أنه عبارة عن خرافات وأوهام تتناقض تماما مع العلم، بالإضافة لكونه لا يصلح لتنظيم حياة الناس ومعاشهم، وأن مكانه الصحيح في أحسن الأحوال – إن كان لا بد من الأخذ به - هو دور العبادة فحسب.

وإذا كانت هذه الصورة نتيجة طبيعة لفترة الحكم الكهنوتي التي خضعت له أوروبا في العصور الوسطى، حيث هيمنت الكنيسة وكهنتها بنصوص التوراة والإنجيل المحرف على الحياة العامة طوال تلك الفترة، فإن الأمر مختلف تماما في ظل الإسلام الذي لا يمكن أن تجد تعارضا بين نصوصه والعلم، ناهيك عن أن كلام الله في القرآن غير محرف، والإسلام فوق كل ما سبق دين ودنيا ونظام حياة.

بعد هذا التوضيح يمكن فهم مقال الكاتب صباح كنجي على موقع الحوار المتمدن العلماني تحت عنوان: "من أجل تحرير المسلمين وإنقاذهم من هذا الدين"، فقد اعتمد الكاتب الصورة الغربية عن الدين بشكل عام للهجوم على الإسلام.

بدأ الكاتب هجومه على الإسلام بوصفه الدين السماوي الحق الوحيد على وجه الأرض بعد تحريف اليهودية والنصرانية فقال: "يستند الدين الإسلامي كغيره من الأديان في جوهر معتقداته، إلى الخرافة والأساطير التي تكون أسُسْ قاعدته الفكرية ومنظومة عقائده النابذة للحرية وقيمها، في سياق عدم احترام الإنسان وإلغاء عقله بالمطلق، وجعله عبداً لله وخاضعاً خنوعاَ لمن يعتقدُ انه **** لصاحب العرش في الأرض المتحكم بالعباد...".

وأول ما يتبادر إلى الذهن من هذا الكلام: هو جنوح العلمانية وأتباعها بشكل عام إلى الإلحاد، فهي وإن بدت بصورتها الغربية متسترة بالنصرانية، إلا أن حقيقتها دعوة صريحة إلى الإلحاد وعدم الاعتراف بوجود "الإله"، ولعل في كلام الكاتب السابق ما يشير إلى ذلك الإلحاد بشكل لا يقبل الريبة أو الشك.

وبما أن العلمانية لم تجد في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة ما يدعم مزاعمهم وافتراءاتهم على دين الله الإسلام، فقد ذهبوا إلى إفراغ ادعاءاتهم الباطلة على أي فصيل أو مجموعة تدعي الانتساب للإسلام، وإن كان الإسلام بريء من تصرفاتهم وأفعالهم براء الذئب من دم يوسف.

ومن هنا راح الكاتب العلماني يصور للقارئ أن الإسلام هو ما يسمى "تنظيم الدولة الإسلامية"، وأن ممارسات هذه المجموعة من ذبح وحرق وسبي وهدم للمساجد و.....الخ هي اللسان الناطق باسم الإسلام، ظانا أن ذلك يكفي كدليل على افتراءاته على دين الله.

وبغض النظر عن مصداقية ما تبثه وسائل الإعلام عن "داعش"، وعن حقيقة هذا التنظيم، ومن وراءه، ومن صنعه، ولمصلحة من يعمل...الخ، فإن جميع علماء الأمة الثقات قد أكدوا براءة الإسلام الصحيح من ممارسات هذا التنظيم، فهل بعد ذلك يمكن لهذا العلماني أن يستدل بأفعال "داعش" للنيل من الإسلام ؟!

ومما يلفت النظر في كتابات العلمانيين عموما، أنهم يتغاضون عن وحشية أسيادهم الأوروبيين في كل من العراق وأفغانستان ومالي وإفريقيا الوسطى...الخ، بل ويتغاضون عن همجية البوذيين والشيوعيين واليهود بحق المسلمين، طوال عقود وقرون خلت، ولا يذكرون إلا عنف حفنة ممن ينسبون أنفسهم إلى الإسلام ؟!

نعم...لقد نعت الكاتب العلماني الإسلام بجميع أصناف وألوان العنف "العدوانية.. الوحشية.. القاسية..المجردة من الرحمة.. المرادفة للإرهاب المتعطش للدماء بلا حدود.. الذي يبيح إبادة الجماعات وسحقهم.. باسم نصوص الدين.. ووصايا الخالق وأحاديث الرسول.. " لمجرد أن تنظيم الدولة رفع شعار الخلافة الإسلامية، بينما لم نسمع من أمثاله من العلمانيين كلمة إنصاف للمسلمين الذي يذبحون ويقتلون في بورما وإفريقيا الوسطى على يد البوذيين والجماعات المسيحية المتطرفة.

وعلى الرغم من براءة جمهرة علماء المسلمين من ممارسات "داعش"، إلا أن الكاتب العلماني أبى إلا أن يتهم المسلمين عامة بالصمت عن ممارسات هذا التنظيم، وهو ما يشير إلى فراغ جعبة العلمانيين من الأدلة ضد المسلمين، واعتمادهم على الكذب للنيل من هذا الدين.

لا تنتهي ولن تنتهي أباطيل وأوهام العلمانيين عن الإسلام، فهم لا يتحدثون عن هذا الدين ضمن أصول العلم والموضوعية التي يتشدقون بها، بل يتحدثون عنه بدافع هوى النفس وتفريغ الحقد الموروث.

-------------------------------------------
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــ

عبدالناصر محمود
04-22-2015, 08:00 AM
العلمانية ( الشاملة والجزئية ) وحجاب المرأة*
ــــــــــــــــــــــ

3 / 7 / 1436 هــ
22 / 4 / 2015 م
ـــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_13286.jpg

منذ زمن ليس بالبعيد ناقش الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابة المعنون بـ"العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية" قضية التطبيق العلماني للعلمانية، وخلال كتابه فرق المسيري بين تطبيقين أساسيين للعلمانية، أو مفهومين محوريين لها، أما الأول فهو المعروف بـ"العلمانية الشاملة"، وأما الثاني فهو المعروف بـ"العلمانية الجزئية".

فأما العلمانية الشاملة فهي- بحسب رؤية المسيري- رؤية شاملة للكون بكل مستوياته ومجالاته، لا تفصل الدين عن الدولة وعن بعض جوانب الحياة العامة وحسب، وإنما تفصل كل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن كل جوانب الحياة العامة في بادئ الأمر، ثم عن كل جوانب الحياة الخاصة في نهايته، إلى أن يتم نزع القداسة تماماً عن العالم. بحيث يتحول العالم (الإنسان والطبيعة) إلى مادة استعماليه، أو ما أسماه المسيري بـ(التشيؤ) أي تحويل الإنسان إلى مجرد شيء، مثل ما حدث من إبادة للهنود الحمر، وما فعله هتلر من عمليات إبادة ضد الساميين، فهنا تعامل هؤلاء مع الإنسان كشيء غير مرغوب فيه ومطلوب التخلص منه.

أما العلمانية الجزئية فهي- بحسب رؤية المسيري- رؤية جزئية للواقع تنطبق على عالم السياسة، وربما على عالم الاقتصاد، وهو ما يُعبَّر عنه بفصل الكنيسة عن الدولة، والكنيسة هنا تعني "المؤسسات الكهنوتية"، أما الدولة فهي تعني "مؤسسات الدولة المختلفة"، ويبين المسيري: أنه قد توسّع البعض في هذا التعريف ليعني فصل الدين (والدين وحده) عن الدولة بمعنى الحياة العامة في بعض نواحيها.

والفارق الأهم بين العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية أن الأخيرة لا تعلن عدائها للدين بشكل سافر مباشر، كما تذهب العلمانية الشاملة، لكنها في الوقت ذاته، لا ترى للدين أي حق أو سلطة على حياة الناس، فللإنسان الحق في فعل ما يشاء وقتما يشاء دون أن يكون للدين مجال فيما يراه أو يتحدث به أو يفعله.

ففي الوقت الذي تعلن فيه العلمانية الشاملة الحرب الضروس على الدين وكل ما يرتبط بالدين من عقائد وشرائع وقيم ومُثُل، نرى العلمانية الجزئية تكفل للمنضوين تحت لوائها تبني ما يرتضونه من أفكار سواء اتفقت مع الدين أو اختلفت معه، بل تحمي رغباتهم، وقد تضع القوانين التي تكفل لهم حق تحقيق تلك الرغبات.

ولعل أوضح الأمثلة على ذلك ما نلاحظه في قضية اللباس الإسلامي، خاصة النقاب والحجاب، فعلى الرغم من تبني كل من أمريكا وفرنسا للعلمانية، وعمل كلا الدولتين بمقتضى القيم العلمانية إلا أن الموقف العلماني من قضية اللباس الإسلامي يختلف من علمانية أمريكا إلى علمانية فرنسا. فعلمانية أمريكا ترى في مسألة اللباس حرية شخصية وتكفل الحق للمسلمة- على سبيل المثال- في لبس ما تشاء من زي، أما علمانية فرنسا فتحارب النقاب والحجاب بضراوة شديدة.

والذي يفسر هذا الاختلاف في المواقف نوع التطبيق العلماني المتبنى، فعلمانية أمريكا "جزئية" لا تعلن عدائها للدين بشكل صريح، أما علمانية فرنسا فهي علمانية "شاملة" تعلن عدائها للدين بشكل صريح وقاطع. ولعل هذا ما دفع البعض- وهو موقف خاطئ- إلى تسمية العلمانية الجزئية بالعلمانية "المؤمنة"، في مقابل وصف العلمانية الشاملة بالعلمانية "الملحدة".

وقد ناقش الدكتور البشير عصام المراكشي هذا الأمر في تدوينة له على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، مشيراً وقوع كثير من الناس في خلط شديد في حقيقة العلمانية المناقضة للإسلام، فيظنونها محصورة في العلمانية المعادية والمحاربة للأديان عموما وللإسلام خصوصا. وليس الأمر كذلك!

مبيناً أن حقيقة العلمانية: ''نزع القيم الدينية عن الممارسة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية''، فالعلمانية تحصر الدين في الدائرة الشخصية، وتمنعه من أي تأثير في الدائرة العامة. وهي بذلك مناقضة للإسلام أشد ما تكون المناقضة، لأن الإسلام يفرض أن تطبق تشريعاته في مجالات الحياة كلها: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

بهذا يُعلم أن اغترار البعض بشعارات الحرية التي ترفعها العلمانية والمساحة الرخوة التي تتركها للدين وهم لا يمكن له بحال من الأحوال أن يغير من طبيعة العلمانية المعادية للدين، فالعلمانيتان الشاملة والجزئية، كلاهما معادي للدين. فالعلمانيتان "الجزئية" و"الشاملة" هما دائرتان لهم نفس المحور، فالعلمانية الجزئية هي الدائرة الصغرى التي تحتويها العلمانية الشاملة.

فمن يرى أن للمسلمة حق ستر جسدها بالشكل الذي يرضاه الدين، ثم يرى في الوقت ذاته أن التعري حق هو الآخر، وحرية مكفولة، يعادي الدين الذي يحرم التعري، ويرى فيه خروجاً وإثما وجرماً يستوجب العقاب، وذنب يستوجب التوبة والعودة، بل وربما كفراً إن استحل الفاعل هذا الفعل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــ

عبدالناصر محمود
04-28-2015, 07:23 AM
العلمانية المؤمنة، أكذوبة لا وجود لها*
ــــــــــــــــــ

9 / 7 / 1436 هــ
28 / 4 / 2015 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_15294.jpg


ما أسهل اللعب بالألفاظ والتحايل على العقول في هذا الزمان، سيما في بلادنا الإسلامية التي فشا فيها الجهل، وعلت فيها الأصوات المنحرفة، ووسد فيها الأمر لغير أهله، فأصبحت ألفاظ كثيرة تستخدم في غير مواضعها وبغير معانيها التي وضعت لها، وهي عادة وطبيعة درج عليها الملتوون والمتلونون في هذا الزمان، وفي كل زمان.

ومن الأمور التي سميت بغير أسمائها "العلمانية"، فالعلمانية ترجمة خاطئة لكلمة تحمل مضامين فكرية وعقائدية تختلف مع الواقع الإسلامي، ولذا نحا مترجمو الكلمة نحواً فيه كثير من الخداع؛ لتزيين هذه الكلمة وتحسينها، كي تقبل ولا ترفض في الواقع الإسلامي.

يوضح الدكتور سفر الحوالي هذا الأمر في كتابه عن العلمانية بقوله: ""لفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة (secularism) في الإنجليزية، أو (secularite) في الفرنسية، وهي كلمة لا صلة لها بالعلم ومشتقاته على الإطلاق. فالعلم في الإنجليزية والفرنسية معناه (science) والمذهب العلمي نطلق عليه كلمة (scientism) والنسبة إلى العلم هي (scientific) أو (scientifique) في الفرنسية.

ثم أن زيادة الألف والنون غير قياسية في اللغة العربية، أي في الاسم المنسوب، وإنما جاءت سماعاً ثم كثرت في كلام المتأخرين.. والترجمة الصحيحة للكلمة هي: اللادينية، أو الدنيوية، لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى أخص، هو ما لا صلة له بالدين، أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد".

فالعلمانية فلسفة إلحادية تعادي الدين وتشن الحرب الضروس عليه، وترفض مسلماته، كما ترفض دخول الإنسان تحت لوائه، وهي على أقل أحوالها تؤسس لفكرة الانسلاخ من الشرع ومن أحكامه وضوابطه، وتطلق للإنسان العنان لكي يتصرف في هذه الحياة وفق ما يراه عقله.

وفي التطبيق الواقعي للعلمانية يظهر للمتابع أن العلمانية علمانيتان، أولاهما ما يطلق عليه "العلمانية الشاملة"، وهي علمانية فجة تُظهر عدائها الشديد للدين، بشكل صريح وواضح، ويسعى أتباعها بكل ما أوتوا من سلطة لعزل الإنسان عن دينه، ومحو كل أثر للدين في هذه الحياة.

أما التطبيق الثاني للعلمانية فيطلق عليه "العلمانية الجزئية"، وهي أقل من حيث الدرجة، لكنها تحمل ذات المضامين التي تحملها "العلمانية الشاملة"، فالفارق إذن في التطبيق، وطريقة العرض، لكن النتيجة واحدة، والغاية واحدة، وهي عزل الدين عن الحياه، بتحويل الدين إلى حالة ذاتية لا تأثير لها في الواقع العملي.

وبين العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية ظهر فصيل من الكتاب العرب، سيما بعد ما لاقوه من نفره واغتراب، ينادي بما أسماه بـ"العلمانية المؤمنة"، مدعياً أن بها الحل لكل المشكلات الحاصلة بالعالم العربي والإسلامي والحياة بصفة عامة.

ففي مقاله الأخير المعنون بـ"العلمانية هي الحل" أخذ الكاتب "إكرام لمعي" في بيان المراد بالعلمانية، وبيان ما وقع في فهم البعض لها من خلط- بحسب فهمه هو-، ثم ختم مقاله منادياً بما أسماه "بالعلمانية المؤمنة" بقوله: "هذه هي العلمانية كما نفهمها وإن كان المصطلح سيئ السمعة عند العامة فلنقل العلمانية المؤمنة، وإذا قال البعض إن العلمانية لا تصوم ولا تصلى إنها نظرية فلندعوها العلمانية بإذن الله".

فهذا الأسلوب التسطيحي وهذه العبثية الفكرية يجلس الكاتب ليعبث بعقول قرائه مزيفاً لحقيقة العلمانية التي ظهرت بالأساس للوقوف في وجه رجال الكنيسة، ورفض كل ما يقولون به من أمور دينية وثوابت عقائدية.

و"العلمانية المؤمنة" تقابل عند آخرين ما يسمى بـ"الإسلام العلماني"، حيث يرى فصيل من الكتاب أن الإسلام دين علماني يسمح للبشر بمساحات رخوة من شأنها أن تؤسس لهذا التعايش السلمي بين الإسلام والعلمانية.

وهي دعوة عبثية تفترض وجوداً تخيلياً للشيء ونقضيه، فكيف لدين الإسلام الذي ينادي بإعمال قيمه وشرائعه وأسسه في كل شي في الحياة، كيف لهذا الدين أن يتعايش في العلمانية التي ترفع شعار العداء للأديان، كل الأديان، ولا تألوا جهداً في محو أي أثر للدين في حياة الناس؟

إن هذه الدعوة تأتي من قبل فصيل من العلمانيين رؤوا ما لمصطلح العلمانية من سمعة سيئة سيما في الوسط الإسلامي، فأرادوا تحلية هذا المصطلح وتجميله من خلال تحميله مضامين جديدة تتوافق مع العقلية الإسلامية وتتعايش معها، فعلمانيتهم هي هي العلمانية الأم، لكنهم يسعون إلى عرضها بوجه جديد به كثير من البهرج والتزييف والعبث.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــ

عبدالناصر محمود
04-28-2015, 07:23 AM
العلمانية المؤمنة، أكذوبة لا وجود لها*
ــــــــــــــــــ

9 / 7 / 1436 هــ
28 / 4 / 2015 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_15294.jpg


ما أسهل اللعب بالألفاظ والتحايل على العقول في هذا الزمان، سيما في بلادنا الإسلامية التي فشا فيها الجهل، وعلت فيها الأصوات المنحرفة، ووسد فيها الأمر لغير أهله، فأصبحت ألفاظ كثيرة تستخدم في غير مواضعها وبغير معانيها التي وضعت لها، وهي عادة وطبيعة درج عليها الملتوون والمتلونون في هذا الزمان، وفي كل زمان.

ومن الأمور التي سميت بغير أسمائها "العلمانية"، فالعلمانية ترجمة خاطئة لكلمة تحمل مضامين فكرية وعقائدية تختلف مع الواقع الإسلامي، ولذا نحا مترجمو الكلمة نحواً فيه كثير من الخداع؛ لتزيين هذه الكلمة وتحسينها، كي تقبل ولا ترفض في الواقع الإسلامي.

يوضح الدكتور سفر الحوالي هذا الأمر في كتابه عن العلمانية بقوله: ""لفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة (secularism) في الإنجليزية، أو (secularite) في الفرنسية، وهي كلمة لا صلة لها بالعلم ومشتقاته على الإطلاق. فالعلم في الإنجليزية والفرنسية معناه (science) والمذهب العلمي نطلق عليه كلمة (scientism) والنسبة إلى العلم هي (scientific) أو (scientifique) في الفرنسية.

ثم أن زيادة الألف والنون غير قياسية في اللغة العربية، أي في الاسم المنسوب، وإنما جاءت سماعاً ثم كثرت في كلام المتأخرين.. والترجمة الصحيحة للكلمة هي: اللادينية، أو الدنيوية، لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى أخص، هو ما لا صلة له بالدين، أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد".

فالعلمانية فلسفة إلحادية تعادي الدين وتشن الحرب الضروس عليه، وترفض مسلماته، كما ترفض دخول الإنسان تحت لوائه، وهي على أقل أحوالها تؤسس لفكرة الانسلاخ من الشرع ومن أحكامه وضوابطه، وتطلق للإنسان العنان لكي يتصرف في هذه الحياة وفق ما يراه عقله.

وفي التطبيق الواقعي للعلمانية يظهر للمتابع أن العلمانية علمانيتان، أولاهما ما يطلق عليه "العلمانية الشاملة"، وهي علمانية فجة تُظهر عدائها الشديد للدين، بشكل صريح وواضح، ويسعى أتباعها بكل ما أوتوا من سلطة لعزل الإنسان عن دينه، ومحو كل أثر للدين في هذه الحياة.

أما التطبيق الثاني للعلمانية فيطلق عليه "العلمانية الجزئية"، وهي أقل من حيث الدرجة، لكنها تحمل ذات المضامين التي تحملها "العلمانية الشاملة"، فالفارق إذن في التطبيق، وطريقة العرض، لكن النتيجة واحدة، والغاية واحدة، وهي عزل الدين عن الحياه، بتحويل الدين إلى حالة ذاتية لا تأثير لها في الواقع العملي.

وبين العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية ظهر فصيل من الكتاب العرب، سيما بعد ما لاقوه من نفره واغتراب، ينادي بما أسماه بـ"العلمانية المؤمنة"، مدعياً أن بها الحل لكل المشكلات الحاصلة بالعالم العربي والإسلامي والحياة بصفة عامة.

ففي مقاله الأخير المعنون بـ"العلمانية هي الحل" أخذ الكاتب "إكرام لمعي" في بيان المراد بالعلمانية، وبيان ما وقع في فهم البعض لها من خلط- بحسب فهمه هو-، ثم ختم مقاله منادياً بما أسماه "بالعلمانية المؤمنة" بقوله: "هذه هي العلمانية كما نفهمها وإن كان المصطلح سيئ السمعة عند العامة فلنقل العلمانية المؤمنة، وإذا قال البعض إن العلمانية لا تصوم ولا تصلى إنها نظرية فلندعوها العلمانية بإذن الله".

فهذا الأسلوب التسطيحي وهذه العبثية الفكرية يجلس الكاتب ليعبث بعقول قرائه مزيفاً لحقيقة العلمانية التي ظهرت بالأساس للوقوف في وجه رجال الكنيسة، ورفض كل ما يقولون به من أمور دينية وثوابت عقائدية.

و"العلمانية المؤمنة" تقابل عند آخرين ما يسمى بـ"الإسلام العلماني"، حيث يرى فصيل من الكتاب أن الإسلام دين علماني يسمح للبشر بمساحات رخوة من شأنها أن تؤسس لهذا التعايش السلمي بين الإسلام والعلمانية.

وهي دعوة عبثية تفترض وجوداً تخيلياً للشيء ونقضيه، فكيف لدين الإسلام الذي ينادي بإعمال قيمه وشرائعه وأسسه في كل شي في الحياة، كيف لهذا الدين أن يتعايش في العلمانية التي ترفع شعار العداء للأديان، كل الأديان، ولا تألوا جهداً في محو أي أثر للدين في حياة الناس؟

إن هذه الدعوة تأتي من قبل فصيل من العلمانيين رؤوا ما لمصطلح العلمانية من سمعة سيئة سيما في الوسط الإسلامي، فأرادوا تحلية هذا المصطلح وتجميله من خلال تحميله مضامين جديدة تتوافق مع العقلية الإسلامية وتتعايش معها، فعلمانيتهم هي هي العلمانية الأم، لكنهم يسعون إلى عرضها بوجه جديد به كثير من البهرج والتزييف والعبث.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــ

عبدالناصر محمود
04-30-2015, 08:02 AM
أساطير علمانية على الإسلام*
ــــــــــــــ

11 / 7 / 1436 هــ
30 / 4 / 2015 م
ـــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_15301.jpg


غريب أمر العلمانيين العرب، فهم أكثر دفاعا عن الغرب وحضارته المزعومة من الغرب نفسه، كما أنهم أكثر عداوة لدين الله الإسلام، وأشد تهجما عليه من أسيادهم اليهود والصليبيين، رغم أن الكثير منهم قد يكونوا مسلمين!!

والأعجب من ذلك هو تطاولهم على الحقائق التاريخية المأكدة والموثقة عربيا وغربيا، واتهامهم المسلمين والحضارة الإسلامية بأساطير لم يجرؤ أحد من قبل على اتهامهم بها، دون دليل أو برهان إلا ما يجدونه من شبهات في كتب المستشرقين غير الموضوعيين، وما يجدونه في نفوسهم من بغض لهذا الدين.

وضمن هذا السياق يأتي مقال أحد هؤلاء ويدعى "مالك بارودي" بعنوان "لا ينفع العقّار في ما أفسده الإسلام" المنشور على موقع الحوار المتمدن العلماني، الذي لا يمكن وصفه إلا بأنه تفريغ لحقد دفين على دين الله الإسلام دون مبرر إلا التزلف إلى الغرب والتقرب من أزلامه في الدول العربية والإسلامية.

كانت بداية المقال باتهام المسلمين بأسطورة مفادها: "أن المسلمين يستعملون أحدث إنتاجات العقل والعلم الآتية من وراء البحار، ويتسابقون للحصول عليها وإستعمالها لتسهيل حياتهم والتّمتّع بالرّفاهيّة، وفي نفس الوقت يكرهون من وفّر لهم كلّ تلك الإختراعات والإكتشافات بإعتبارهم كفّارا ومشركين حرامٌ شرعًا موالاتهم وإتّباعهم وحتّى التّشبّه بهم، ولا يفوّتون فرصة دون سبّهم وشتمهم عن بكرة أبيهم والدّعاء عليهم بالخزي والفناء..."

والحقيقة أن في هذا الكلام أكثر من مغالطة، أولها أن عدم المولاة لا يعني السب والشتم والدعاء على جميع الغربيين بالفناء، وإنما يعني أن لا نقلد عاداتهم التي لا تتفق مع تعاليم الإسلام، وثانيها أن اعتبارهم غير مسلمين لا يعني بالضرورة أنهم محاربين، بل يعني الحث على دعوتهم إلى دين الله الإسلام، وهو ما يحصل بالفعل، ولعل الإحصائيات التي تشير إلى دخول الكثير من الغربيين في الإسلام خير رد على مزاعم الكاتب العلماني.

أما الأسطورة الثانية فهي غريبة من نوعها, حيث زعم أن المسلمين – بل والإسلام – يكرهون العقل و العلم ويعادونهما فقال : "ويكرهون العقل الذي إبتكر وخلق وصوّر وطوّر ويعتبرونه قاصرًا، كما يعتبرون الإحتكام إليه بدعة شيطانيّة وسبيلا للكفر والفساد... ويكرهون العلم، ذلك أنّ أكبر علمٍ في نظرهم هو حفظ القرآن كالببّغاوات وتوهّم تفسير هلوساته التي لم يجتمع على فهمها إثنان منذ إدّعاء رسولهم للنّبوّة وترديد خرافات الأحاديث التي أكل عليها الدّهر وشرب..."

وبعيدا عن تطاول الكاتب على كتاب الله وسنة رسوله بما يخرجه من رقبة الإسلام، فإن في اتهامه المسلمين باعتبار الاحتكام للعقل بدعة شيطانية عار عن الصحة، فالعقل سبيل لفهم مضمون كتاب الله وسنة رسوله، وإنما المنهي عنه تقديم العقل على النقل فحسب، وأما اتهامه المسلمين بكراهية العلم فهي جرأة لا تقل عن جرأته على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فمن المعلوم أن أول آيات القرآن "اقرأ"، وكثير من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تحث على طلب العلم، فكيف يوصف دين يدعو إلى كل ذلك بكراهية العلم والعقل ؟!

وتأتي ثالثة الأساطير لتأكد مدى حقد العلمانيين العرب على دين الله دون دليل أو برهان، حيث يزعم الكاتب العلماني فيها أن "هؤلاء – أي المسلمين - لم يساهموا بشيء يُذكر في مسار الحضارة الإنسانيّة، فمعظم تاريخهم يتلخّص في إضمار الحقد للآخرين والسّعي لتحطيمهم وهدم حضاراتهم والعيش على أنقاضها...."

والعجيب في الأمر أن أسياد أمثال هذا الكاتب من كبار المفكرين والعلماء الغربيين لا يستطيع أن ينكر فضل الحضارة الإسلامية على الغرب وعلى الإنسانية جمعاء، ولعل ما اعترفت به المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها الشهير "شمس العرب تسطع على الغرب" خير شاهد على ذلك، فكيف ينكر أمثاله هذه الحقيقة التاريخية إلا أن يكون بعيدا كل البعد عن الموضوعية والمهنية في الكتابة ؟!

وإذا كان الكاتب قد ختم مقاله بالقول: "كل عقاقير العالم لن تُفلح في إصلاح ما أفسده الإسلام منذ أربعة عشر قرنا"، فإن القول الأصح هو : "إن كل عقاقير العالم لن تفلح في إصلاح ما أفسدته العلمانية منذ نشأتها وحتى الآن".

ــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
05-28-2015, 08:00 AM
الثمار الخبيثة للعلمانية في دول الإسلام*
ـــــــــــــــــــ


10 / 8 / 1436 هــ
28 / 5 / 2015 م
ـــــــــــ


http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_18383.jpg


لم يكن للعلمانية أن تكشف عن وجهها القبيح المعادي للدين - بشكل عام والإسلام على وجه الخصوص - حين تسللت إلى ديار الإسلام منذ بداية القرن الماضي، بل تسترت بشعارات زائفة ومبادئ وهمية في بداية أمرها من أمثال – الحرية والديمقراطية – لتخدع به بعض المنبهرين بالمدنية والثقافة الغربية. ولم يكن هذا التقنع بتلك الشعارات إلا سياسة خبيثة للتدرج في إفساد المجتمع المسلم، ومحاولة تمرير بعض مخازي العلمانية ورذائلها في صفوف المسلمين شيئا فشيئا، تحت لافتات ومصطلحات مخادعة، ظاهرها الحرية والديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، وحقيقتها ومضمونها الحرام ومخالفة تعاليم وأوامر الإسلام بشكل واضح وصريح. والحقيقة أن معركة المصطلحات العلمانية المخادعة وصلت إلى أوجها في العصر الراهن، فالفاحشة أضحت تسمى في قاموسها "علاقة خارج نطاق الزواج"، والربا تكنى "بالفائدة"، وفعل قوم لوط المنكر يسمى "مثلية"..... وكلها في الحقيقة ثمار خبيثة خرجت من أرض العلمانية المحروثة في بلادنا الإسلامية. ومن ضمن هذه الثمار الخبيثة تحركات ظهرت مؤخرا لأنصار العلمانية للدفاع عن حقوق مرتكبي أبشع جريمة أخلاقية في تاريخ البشرية "اللواط"، والتي يسمونها بغير اسمها الحقيقي "المثلية" لتكون أكثر قبولا في المجتمعات الإسلامية. ظهرت أولى هذه الثمار في تونس التي رخّصت الحكومة الحالية فيها لجمعية تدافع عن الشواذ جنسيًّا "المثليين"، والتي أثارت ردود أفعال شعبية ورسمية غاضبة، كان أبرزها تنديد كل من مفتي الجمهورية في تونس لهذا الترخيص، والدكتور سالم العدالي رئيس الجمعية التونسية لأئمة المساجد، ورفض حركة النهضة للقرار الحكومي الذي اعتبرته مخالفًا للقانون. وقال المفتي حمدة سعيد أمس الاثنين في بيان: "تابع ديوان الإفتاء بالجمهورية التونسية منذ أيام ظهور جمعيّة في تونس مرخص لها تدافع عن المثليّة الجنسية، وتروّج لهذا الانحراف الخطير في القيم والأخلاق والطبيعة البشرية عبر وسائل الإعلام". وأضاف أنه "يعتبر هذا الأمر انحرافا خطيرا... ومساسا بقيم الإسلام وأخلاق المسلمين ومبادئ المجتمع التونسي". وقد فضح المفتي الستار الذي تختبئ خلفه العلمانية اللادينية لتمرير مثل هذه الكوارث الأخلاقية بقوله: "إن ما يدعو إليه بعض الشواذ ومن ناصرهم على اعتبار أنه تحرر وانعتاق وحداثة، إنما هو في حقيقته عودة بالإنسان إلى جاهلية ما قبل التاريخ واسترجاع لسلوكات قوم (النبي) لوط عليه السلام الذين أخذهم الله بالعذاب جزاء بما كانوا يعملون". ودعا "الجهات المعنية إلى إعادة النظر في الترخيص لمثل هذه السلوكات الشاذة والمنحرفة والخطيرة التي تتهدد الأجيال القادمة، وتقوّض دعائم الاعتدال والوسطية التي نجابه بها براثن التطرّف والإرهاب". لم تكن جمعية تونس المرخصة من الحكومة للدفاع عن المثليين هي الثمرة الوحيدة للعلمانية في بلادنا الإسلامية، فهناك ثمرة خبيثة أخرى مشابهة ظهرت في الأردن، من خلال ندوة أقامتها الجمعية العالمية لحقوق المتحولين جنسيا والحرية الجنسية في اليوم العالمي ضد كراهية المثليين، في العاصمة عمّان منذ أيام ولقيت الفعالية استهجانا شعبيا واسعا، وتنديدا من رابطة علماء الأردن التي وصفتها وفق بيان لها بأنها: تهدد السلم المجتمعي والأمن والاستقرار. وقال البيان: إن ما حصل "شكل من أشكال محاربة الله ورسوله، وصورة من صور الإفساد في الأرض، وفيه اعتداء صارخ على قيم المجتمع الأردني وأخلاقه ونظامه العام، وتهديدا لأمنه واستقراره وسلمه الأهلي، ودعوة واضحة لنشر الفاحشة والرذيلة في المجتمع، لا سيّما وأنها أفعال مجرمة بنص القوانين والتشريعات الأردنية". وأضافت الرابطة: "إذا كانت التشريعات الأردنية لا تقبل ممارسة خيانة الوطن والتعامل مع الأجنبي تحت غطاء ممارسة الحرية الشخصية، فإنه لا يقبل أيضا خيانة القيم والأخلاق وممارسة الشذوذ الجنسي تحت غطاء الحرية الشخصية، فالحرية الشخصية مصونة ومحترمة، ولكن بما لا يخالف النظام العام الذي يقوم على أساس مراعاة أخلاق المجتمع وقيمه وثقافته، التي ينتمي إليها". إنها بعض ثمار العلمانية الخبيثة التي لا بد من مواجهتها بالتمسك بالهوية الإسلامية، بالإضافة لكشف وفضح القناع الذي تستتر به العلمانية لتمرير رذائلها إلى المجتمع المسلم، والتأكيد بأن العلمانية هي في الحقيقة "اللادينية"، ناهيك عن بيان أن فعل قوم لوط يعتبر في الإسلام من الكبائر، وأن عقوبته القتل سواء كان محصنا أو غير محصن كما أكد ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية مستشهدا بحديث: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) سنن أبي داود برقم 4462 وصححه الألباني

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــ