المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجزائر.. المخابرات وخليفة الرئيس المريض


عبدالناصر محمود
10-13-2016, 07:55 AM
الجزائر.. المخابرات وخليفة الرئيس المريض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ

(منذر الأسعد)
ــــــــــــــــــ

12 / 1 / 1438 هــ
13 / 10 / 2016 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://www.elfagr.org/upload/photo/news/215/9/600x338o/312.jpg?q=2





الأجواء في الجزائر شديدة الحرارة إذ انتقلت المناقشات الملتهبة حول خلافة بو تفليقة إلى العلن، بعد أن كانت محصورة في كواليس السياسة والجيش المترقب والمخابرات التي تلقت عدة ضربات أضعفت سيطرتها دون أن تخلع مخالبها.

المثير في هذا المناخ الطارئ أن عهدة الرئيس الحالي تنتهي سنة 2019، وأن الذي فرض التبكير في فتح موضوع خلافته، هو وضعه الصحي غير الطبيعي، فبالإضافة إلى كونه مُقْعَداً أصيب بجلطة قوية حجبته منذ ثلاث سنوات عن الظهور، باستثناء مرات نادرة كان ظهوره فيها عابراً يشبه وميض البرق، وكأنه مجرد إسكات للشائعات حول قدرته على الاستمرار في منصبه.. حتى إن آخر ظهور لبو تفليقة في الأسبوع الأول من شهر سبتمبر/أيلول الماضي قوبل بالسخرية من قبل المعارضين، من أمثال سليم صالحي المقيم في بريطانيا، حيث أطلق على موقع تويتر تغريدة قال فيها متهكماً: (ظَهَرَ الرئيس اليوم ..يا للفرحة !؟ التلفزيون الرسمي أظهره بلا صوت وعلى كرسيه المتحرك..! غير مهم .. المهم أنه ظهر ..!؟).

سوار ذهب جزائري!!
-----------------

منذ استقلال الجزائر عن فرنسا سنة 1962م، -وبخاصة عقب انقلاب بو مدين على بن بلة 1965- اتسم نظام الحكم فيها بالغموض الشديد، وبسيطرة العسكر على مفاصل الدولة كلها
مع غياب تام للشفافية وغلبة العمل السري ومنع المناقشة العلنية للشأن السياسي الفعلي.
لذلك كانت تصريحات رجل المهمات الصعبة «الجنرال الغامض» محمد مدين الـمُقال من منصبه كمدير للمخابرات نشازاً وخروجاً غير مألوف عن النمط السائد في البلاد..

وأثارت اعترافات مدين المعروف بالجنرال توفيق ردود أفعال واسعة بلغت ذروتها بردود عمار سعداني-أمين الحزب الحاكم- والتي تضمنت اتهامات لتوفيق بالفساد، والضلوع في اغتيال الرئيس الجزائري الأسبق محمد بوضياف!
وقد علق الخبير الجزائري، عبد القادر بوسنينة، على هذه الفضائح بقوله: إن رسالة الجنرال توفيق سابقة في تاريخ الجزائر ونظامها السياسي العسكري، وكسرت حاجز الصمت، وربما تشكل منعطفا حاسما في صراع الجنرالات على السلطة.

وأكد المحلل السياسي السعيد بوسالم، لوكالة الأنباء الألمانية، أن حركة الإقالات المفاجئة مؤخراً، وخاصة إقالة مدير المخابرات الفريق توفيق، أثارت جدلا واسعا داخل الشارع الجزائري على المستويين السياسي الحزبي والشعبي، ثم جاءت تصريحات الجنرال المقال لتكشف عن حقيقة الصراع المفتوح على السلطة بين جناحين من الجنرالات: جناح يضم عددا من الجنرالات الأوفياء لبوتفليقة، والجنرالات السابقين، وهم الجنرال توفيق المعزول حديثا، والجنرال حسان، ووزير الدفاع السابق خالد نزار، الرجل القوي في النظام الجزائري خلال فترة التسعينيات.

هذه الصراعات المتفاقمة جعلت كثيراً من القوى المعارضة على يقين من أن الأوضاع الراهنة لا تسمح بإجراء انتخابات رئاسية، سواء بإشراف السلطة أو خارج إرادتها، كما أن الوضع العام لا يسمح بالبقاء إلى 2019 والرئاسة في البلاد على هذا الوضع، لأن في ذلك خطورة كبيرة على البلاد. لهذا بدأت أجواء حل سوار الذهب السوداني قائمة، بعد الانسداد الحاصل بتجميد كل شيء، وأصبحت عملية العسكرة من جديد هي الحل المأمول لما نحن فيه الآن.

تهيئة شقيق الرئيس؟!
------------------

بحسب صحيفة الإندبندنت البريطانية، لم يلتقِ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة -منذ أكثر من عام- أي شخص من خارج الحاشية التي يقودها شقيقه سعيد ، وهو ما عزز الشكوك حول مساعي الأخير إلى السيطرة على توسيع نفوذه تمهيداً للقفز على رأس هرم السلطة في الوقت الملائم..

ولا أحد يحمل على محمل الجد النفي المستمر من الرئاسة الجزائرية لهذه الشائعات، لأنهم يعتقدون أن سعيد بو تفليقة نفسه هو الذي ينفيها!! ويستدل المشككون بنبأ نشرته صحيفة محلية عن اعتقال ضابط متقاعد لمحاسبته عن انتقادات وجهها لشقيق الرئيس عن توسع نفوذه!!
وقد كثرت التلميحات الإعلامية حول توريث الحكم لشقيق الرئيس من قبل مؤيدين للفكرة ومعارضين لها وجميعهم من داخل أروقة السلطة.

جنرالات الرئيس وخصومه
------------------------

ويبقى الدعم من الفريق أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش، ووزير الدفاع بحكم الأمر الواقع، أساسياً لأي مرشح تختاره الفصائل الأخرى. في الماضي، أدّت الاستخبارات العسكرية دوراً رئيساً في معارضة فكرة وصول سعيد بوتفليقة إلى سدة الرئاسة. لكن إطاحة الفريق محمد "توفيق" مدين من رئاسة دائرة الاستعلام والأمن على يد الفريق قايد صالح في أيلول/سبتمر 2015 أدّى إلى حلول الجيش مكان الدائرة في موقع المحاور الأساسي للفصيل الرئاسي. ففي حين كانت دائرة الاستعلام والأمن بمثابة الثقل الموازن في مقابل الرئيس عبر تقويض المحاولات التي قام بها هذا الأخير لاحتكار السلطة وفرض خليفة له على رأس الدولة، كان الجيش متعاوناً بطريقة لافتة مع آل بوتفليقة وموالياً لهم. حتى الآن، تعاون هذان الفريقان، أي الجيش والرئيس عن كثب، نظراً إلى أن قايد صالح يدين لآل بوتفليقة بمسيرته المهنية الناجحة وصعوده إلى السلطة. بيد أن الفصيل الرئاسي سيجد صعوبة في تخطّي المعارضة من الجيش، الذي يُعتبَر الركيزة الأساسية للاستقرار في البلاد، في حال رفض وصول سعيد بوتفليقة إلى سدة الرئاسة خلفاً لشقيقه. وفي حين أن الفريق قايد صالح وآل بوتفليقة حليفان، يمكن أن يؤدّي خلاف حول اختيار الرئيس العتيد إلى انتهاء الشراكة بينهما.


المسرح أهم من الشخص
----------------------

وإذا كان لدى كل مركز قوة مرشح مختلف، فإن الجميع يتريثون في إعلان الأسماء لئلا تحترق في وقت مبكر من الصراع.. لكن المتفق عليه بينهم يتلخص في تحضير المسرح وترتيب البيت من الداخل، والتي يبدو أنها بدأت بتقليم أظفار الاستخبارات العسكرية التي كان نفوذها طاغياً في المراحل السابقة.
ولذلك تجري تهيئة المسرح للخليفة المرتقب-بصرف النظر عن هويته- تجري عبر خطوات هادئة لكنها متلاحقة..

فالحاجة إلى شيء من الشرعية الشعبية أصبحت ضرورة في زمن الربيع العربي مهما أعاقته قوى الثورة المضادة. ولعل هذا الهاجس مصحوباً بالتقهقر المستمر في أسعار النفط ، ألجأ النخبة الحاكمة إلى تطبيق سياسة "إصلاحية" كانت من المحرمات في قاموس النظام الجزائري.. فقد أجازت السلطات للشركات الخاصة الاستدانة من الخارج وتأسيس عقارات صناعية وإدارتها. فضلاً عن ذلك، تمهّد موازنة 2016 الطريق أمام خصخصة جزئية للشركات المملوكة من الدولة، كما رفعت الحكومة الحظر على الائتمان الاستهلاكي لكنها حصرت استعماله بشراء السلع المنتَجة محلياً، وذلك بغية تعزيز الإنتاج المحلي.

استرضاء الشرائح الساخطة
----------------------

في هذ السياق، تجري هندسة لبعض التعديلات النظرية المهمة، لإقناع

الفئات الغاضبة بأن مطالبهم تحظى بعناية النظام، وأنها على طريق تلبيتها.. ويتصدر تلك الشرائح: الأمازيغ والنساء ورجال الأعمال المحليون.
وهناك سلسلة من الإجراءات لاحتواء المعارضة المعترف بها عبر تمكينها من الظهور المدروس في وسائل الإعلام الرسمية، بينما تستمر محاصرة المعارضة الإسلامية المحظور عليها العمل السياسي كالجبهة الإسلامية للإنقاذ.

لقد تمكّنت الحكومة حتى الآن، عبر استخدام صندوق النفط الوطني (صندوق ثروة شبه سيادي يُعرَف بـ"صندوق تنظيم الإيرادات") لسد الثغرة، من حماية الإنفاق على الرعاية الاجتماعية من الخفوضات. هذا فضلاً عن التدنّي الشديد في مستويات الدين الخارجي، ما يتيح للسلطات إرجاء أي خفوضات مؤلمة في الإنفاق إلى ما بعد الانتهاء من انتقال الحكم، وذلك عبر استنفاد موارد صندوق تنظيم الإيرادات، والاستدانة من الخارج. من شأن هذه الاستراتيجية أن تتيح للنظام كسب الوقت الكافي لإدارة المرحلة الانتقالية وتفادي حدوث موجات من الاضطرابات، نظراً إلى أن العقد الاجتماعي الضمني بين النظام والشعب – مستويات مرتفعة من الإنفاق في مقابل مساءلة ديمقراطية محدودة – يبقى على حاله.

2017 سنة حاسمة
--------------------

يدرك الجميع أن السنة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ملامح الخلافة، حيث تجري فيها الانتخابات البرلمانية والمحلية، بما يعني ضمناً رسم الطريق نحو قصر الرئاسة في 2019، وربما يحدد اسم خليفة بو تفليقة ولو بقي البوح به غير ملائم.. فهي في الأرجح ستحدد نتيجة الصراع بين الأجنحة الثلاثة المتناحرة، وهي:
الجناح الأول يقول إنه "موال لقائد الأركان ونائب وزير الدفاع الفريق أحمد قايد صالح، ويعبر عنه سياسيا عمار سعداني"، والجناح الثاني هو النواة المقربة جدا من الرئيس وشقيقه السعيد بوتفليقة، والجناح الثالث يقوده رئيس الوزراء-الوزير الأول بحسب التسمية الرسمية المغاربية- عبد المالك سلال، ويدعمه مدير ديوان الرئاسة أحمد أويحيى.

ويشير بعض المراقبين إلى التزامن بين صفقة مجمع الخبر مع حل جهاز المخابرات، وإحالة مديره إلى التقاعد، والخلاف الذي يشاع أنه موجود بين بوتفليقة والذراع الأمنية للجيش، فضلا عن انتشار صحيفة الخبر وتوسعها، وخطها التحريري المعارض لتوجهات السلطة، والمخاوف من تمركز وسائل الإعلام الكبيرة والمؤثرة في يد واحدة، مع اعتراض مشتري المجمع على العهدة الرابعة للرئيس بو تفليقة..
كل تلك المعطيات نقلت بيع الصحيفة من مسألة تجارية –أو إعلامية في أحسن الأحوال- إلى قضية تتعلق بالصراع المبكر على خلافة الرئيس المريض..

خليفة الجنرال الأسطورة
نشرت محطة Cnnبالعربية تقريراً موسعاً حول دور المخابرات في صنع الرؤساء الجزائريين، قالت فيه: مضت سنة على سقوط أسطورة المخابرات الجزائرية الجنرال محمد مدين المدعو توفيق الذي عمّر على رأس الجهاز مدة فاقت الـ25 سنة، ليخلفه الجنرال بشير طرطاق المدعو عثمان (66 سنة) الذي سبق أحيل على التقاعد قبل ثلاث سنوات!!

وتميزت شخصية الجنرال توفيق (77سنة) الذي تسلم مديرية المخابرات سنوات التسعينات مع بداية الأزمة في الجزائر بعدم الظهور في وسائل الإعلام وكذا دوره في تعيين الرؤساء بما فيهم الرئيس الحالي، وفقا للعديد من المعالجات الاعلامية، وبدأت عملية الشرخ في علاقة الرئيس بالجنرال في العهدة الرابعة بعد سلسلة التغييرات التي طالت بعض الرؤوس الأمنية.

ولم تتوقف سلسلة التغييرات التي باشرها رئيس الجمهورية آنذاك عند بعض الأسماء، بل تجاوزتها إلى عملية تقليم أظفار هذا الجهاز بنزع بعض الصلاحيات منه، ليظهر عقبها الصراع للعلن اثر إطلاق الأمين العام للأفلان عمار سعداني تصريحات نارية في حق الجنرال المعزول في خرجة إعلامية غير متوقعة، فُسرت على أنها حرب بالوكالة وإيذاناً بنهاية الأسطورة.

وبحسب العديد من الشهادات والتقارير الاعلامية، اتسمت مرحلة الجنرال توفيق بإحكام قبضتها على الحياة السياسية والإعلامية، وهو ما تؤكده تصريحات بعض السياسيين والإعلاميين ممن استطلعت الـCNN بالعربية آراءهم، في حين راح البعض الآخر يصف المرحلة الحالية بأنها امتداد للمرحلة السابقة فإذا كان دور المخابرات الجزائرية في الحياة السياسية قد تقلص كثيرا فإن تأثيرها ازداد مع تعدد جهات الضغط ، كالعدالة ووزارة الداخلية والقوانين الصادرة عن البرلمان الحالي!

ويتمثل تأثير المخابرات في مرحلة الجنرال المعزول توفيق، حسب سياسي مُعارض، في "الضغط على القوى السياسية التي بدأت تتشكل لتصبح قوة من خلال تقديم تقارير عن نشاطات هذه الأحزاب والتدخل داخليا فيها عبر تقسيمها أو إثارة النعرات داخل صفوفها أو تتفيهها على المستوى الإعلامي وحصارها"، أما تقييمه للوضع الحالي فيرى غرمول أن "الحياة السياسية تزداد تخلفا وفقدانا للحريات".

في الضفة الأخرى للموالاة، يعتقد الناطق الرسمي باسم حزب جبهة التحرير الوطني، الحزب الحاكم في البلاد، حسين خلدون، أن "مراجعة الدستور الأخيرة، جاءت بمفهوم جديد حقيقي وملموس للدولة المدنية ليقطع دابر كل الإشاعات التي كانت تتهم أجهزة المخابرات بالتدخل في الحياة السياسية وفي العملية الانتخابية"، وبالتالي فان الإصلاحات الجديدة جعلت الجهاز "يتفرغ لمهامه المنصوص عليها دستوريا".
وعلى النهج نفسه، سار مدير موقع البلاد، أنس جمعة، إذ يرجح "تراجع تأثير جهاز المخابرات في المشهد الإعلامي الجزائري" إلى تحسن الحالة الأمنية في البلاد، وأصبح التأثير، حسبه، "في حدوده الدنيا حتى قبل إحالة الفريق محمد مدين المعروف بتوفيق على التقاعد، وأصبحت العلاقة مع الدوائر الأمنية تتلخص في تأكيد بعض المعلومات الأمنية بما يخدم المصلحة العليا للبلاد".
غير أن، رئيس تحرير قناة "الكا بي سي" رياض هويلي، يؤكد في حديثه لـCNN بالعربية، على أن "تدخل المخابرات في عهد اللواء توفيق لم يكن بصفة مباشرة، وإن كان اليوم فهو بصفة مباشرة"، لذلك يرى هويلي انه من الصعب"الحكم على منسوب ومستوى التدخل والفرق بين المرحلتين".




------------------------------------------