المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العدل والمساواة (الوالدان نموذجا)


عبدالناصر محمود
10-17-2016, 07:46 AM
العدل والمساواة (الوالدان نموذجا)*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

16 / 1 / 1438 هــ
17 / 10 / 2016 م
ــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/files/ce641899170bdbe7560d4d04cb14d868-796x427.png




الأمر بالعدل في القرآن الكريم تكرر كثيرا، فهو قِوامُ الدَّينِ والدُّنيا، وبه صلاحُ الناسِ ظاهرا وباطنا. وإنما بَعَثَ الله تعالى الرُّسلَ بواجبِ العَدلِ: ((فَلِذَلِكَ فَادعُ واستَقِم كَمَا أُمِرتَ ولَا تَتَّبِع أَهوَاءَهُم وقُل آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وأُمِرتُ لِأَعدِلَ بَينَكُم اللَّهُ رَبُّنَا ورَبُّكُم لَنَا أَعمَالنَا ولَكُم أَعمَالُكُم لَا حُجَّةَ بَينَنَا وبَينَكُم اللَّهُ يَجمَعُ بَينَنَا وإِلَيهِ الـمَصِيرُ))، الشورى: 15. وأنزل سبحانه الكتاب لهذه الغاية: ((لَقَد أَرسَلنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وأَنزَلنَا مَعَهُم الكِتَابَ والـمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسطِ))، الحديد: 25. فالشريعةُ عَدلٌ كُلُّها، كما أنَّها رحمةٌ كلُّها. ومفهوم العدل يختلف عن مفهوم المساواة، فحيث كانت المساواة بين المتماثلين كان ذلك عدلا وحيث كانت المساواة بين مختلفين كانت ظلما؛ كما أنَّ عَدمَ المساواة بين المتماثلين فيما تساووا فيه ظلم، وتمييزَ المختلفين بإعطاء كل منهما حقه المستحق دون الآخر عَدلٌ. وهذا من بدهيات العقول ومدركات التجربة والخبرة. من هنا كان الوصف الغالب في الثناء والمدح والتكليف الشرعي منوطا بوصف العدل والقسط، لا المساواة.

الإنسان ومصدراه:
---------------------

يُخلَقُ الإنسان في هذه الأرض على قاعدةٍ سُنَنيَّةٍ لا تتبدل ولا تتخلف، فهو نتاج التقاء ماء الزوجين -الذكر والأنثى، وتلقيح الحيوان المنوي للبويضة. فجزء منه يعود للذكر (الأب)، وجزء آخر يعود للأنثى (الأم). ومِن هذين الأصلين يبدأ تَخلُّقُه، ويَتَدرَّجُ في مراحل التكوين داخل الرَّحِمِ، حتى تكتملَ خِلقَتَه ويَظهَرَ للوجود في أَجلٍ مُقدَّرٍ.
هذا الارتباط المادي تقوم عليه حقوق وواجبات وعلاقات مادية ومعنوية بين بني البشر. ولا يستطيع الإنسانُ العيشَ -في العادة- دون هذه البيئة الأولى الحاضنة، التي تقوم على شئونه، فتغذيه، وترعاه، وتربيه، وتقوم على مصالحه التي لا يدركها ولا يحسن تحصيلها.
وعندما رسمت الشريعة الإسلامية ملامح علاقة الإنسان بوالديه، وأقامتها على البر والإحسان والشكر والمعروف، كما في قوله تعالى: ((وبَرًّا بِوَالِدَيهِ ولَم يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا))، مريم: 14، وقوله: ((وقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وبِالوَالِدَينِ إِحسَانًا))، الإسراء: 23، وقوله سبحانه: ((أَن اشكُر لِي ولِوَالِدَيكَ إِلَيَّ المَصِيرُ))، لقمان: 14، وقوله: ((وَصَاحِبهُمَا فِي الدُّنيَا مَعرُوفًا))، لقمان: 15، فإنها ساوت بين الأبوين في التزام هذه المعاني معهم، وإظهارها لهم، ومعاملتهم في ضوئها.

فكلا الأبوين مستحقان للبرِّ والإحسَانِ والشُّكرِ والمعرُوفِ؛ فإنهما مشتركان في وجوده، ورعايته، وتربيته، والقيام على شئونه، في الوضع الطبيعي للأسرة. وجزاءُ برِّهما البرُّ بهما، وجزاءُ إحسانِهما الإحسانُ إليهما، وهذا أقلُّ شُكرِهما والمعرُوفِ معهما.
وقد راعى الإسلام هذه العلاقة حتى مع وجود الخلاف العقدي، والفتنة المحتملة منهما: ((ووَصَّينَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيهِ حُسنًا وإِن جَاهَدَاكَ لِتُشرِكَ بِي مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ فَلَا تُطِعهُمَا إِلَيَّ مَرجِعُكُم فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُم تَعمَلُونَ))، العنكبوت: 8. وعدم الطاعة لهما فيما أَخطَئَا فيه لا يعني الإساءةَ لهما، أو إنكارَ فضائلهما: ((وإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشرِكَ بِي مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ فَلَا تُطِعهُمَا وصَاحِبهُمَا فِي الدُّنيَا مَعرُوفًا واتَّبِع سَبِيلَ مَن أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرجِعُكُم فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُم تَعمَلُونَ))، لقمان: 15. كلُّ ذلك تأسيسٌ لمبدأِ العَدلِ معهما، فإنَّهما سببا وجوده وقيامه.

العدل والمساواة مع الأبوين:
------------------------------

والمساواة بين الأبوين في مبدأ المعاملة لا يعني بالضرورة مساواتهما في الصورة والمقدار على الدوام، وفي كل شأن. فحيثما وجبت المساواة العملية معهما ساوى بينهما، وحيثما وجب تمييز أحدهما ميَّزَه على غيره. وإذا كان للأَبِ على أبنائه من الفضائل والمِنَنِ ما ليس للأم، فالعكس صحيح، فإنَّ للأُمِّ فضائلٌ ومِنَنٌ على الأبناء ليست للأب؛ وإن اشتركا في بعض الفضائل والمنن.
فالأمُّ –كمثال- هي من حملت بالأبناء، وحضنت، وأرضعت، وقامت بالعناية لهم في أضعف مرحلة من عمرهم. وهذا ما اعتبره القرآن الكريم لها وأشار إليه؛ يقول تعالى: ((ووَصَّينَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيهِ حَمَلَتهُ أُمُّهُ وَهنًا عَلَى وَهنٍ وفِصَالُهُ فِي عَامَينِ أَنِ اشكُر لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ))، لقمان: 14؛ ويقول سبحانه: ((ووَصَّينَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيهِ إِحسَانًا حَمَلَتهُ أُمُّهُ كُرهًا ووَضَعَتهُ كُرهًا وحَملُهُ وفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهرًا))، الأحقاف: 15. فإنَّ الأمَّ هي مستودع الجنين، وهي كأنثى مركبة على ضعف ووهن، وهو ما يجعل الحمل عبئا عليها. وهذا ما لا يلحظه الأبناء ولا يدركونه إلا في كبرهم. فذكر الله تعالى به، ونبَّهّ عليه ليكون محل اهتمام وعرفان عند الأبناء، وهو مختص بالأم.

وهذا ما فقهه السلف، فقد روي أن رَجُلًا جاءَ إلى عُمرَ بن الخطابِ –رضي الله عنه- فقال: إنِّ لي أُمًّا بَلَغَ بها الكِبرُ، وإنَّها لا تَقضِي حوائِجَها إلا وظَهرِي مطيةٌ لها، وأُوَضِّئُها وأَصرِفُ وجهيَ عَنها، فَهل أَدَّيتُ حَقَّها؟ قَالَ: لا. قَالَ: أَلَيسَ قَد حَمَلتُها على ظَهرِي، وَحَبستُ نفسِي عليها؟ فقالَ عُمرُ: إِنَّها كانت تَصنعُ ذلكَ بِكَ وهي تَتَمنَّى بَقاءَكَ، وأنتَ تَصنَعُه وأَنتَ تَتَمنَّى فِراقَها، ولكِنكَ مُحسنٌ، واللهُ يُثيبُ الكثيرَ على القليلِ. وروي أَنَّ ابنَ عُمرَ –رضي الله عنهما- شَهِدَ رَجُلًا يمانيًّا يطُوفُ بالبيتِ، حَامِلًا أُمَّهُ وراءَ ظَهرِهِ، يَقُولُ: إنِّي لها بعيِرُها المذَلَّلُ، إن أُذعِرَت رِكَابُها لم أُذعَر، اللهُ ربي ذُو الجلالِ الأكبرِ، حَملتُها أَكثرَ ممَّا حَمَلتنِي، فهل تُرى جازيتُها يا ابنَ عُمر؟ قالَ ابنُ عُمر: لا، ولا بزفرةٍ واحدةٍ.

ولأجل ما تحتمله الأم وتجده في الحمل من عناء، وما قد يصيبها فيه أو عند ولادها، مما قد يتسبب لها بالوفاة أحيانا، اعتبرت في الشهداء. روى عبادة بن الصامت –رضي الله عنه، أنَّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: (ما تَعدُّون الشَّهيدَ فيكم؟). قالوا: الذي يُقاتِلُ فيُقتَلُ في سبيلِ الله -عز وجل. فقال رسول الله: (إنَّ شُهداءَ أُمَّتي إذًا لقليل؛ القتيل في سبيل الله شهيد، والمـَطعُونُ شهيدٌ، والمـَبطُونُ شهيدٌ، والمرأةُ تموتُ بجمع شهيدٌ)[1]. والمراد بقوله: (تموت بجمع) أي: النفساءُ تموتُ وفي بطنها جنينٌ؛ ويدلُّ عليه ما رواه راشد بن حبيش أنَّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- دَخَلَ على عُبادةَ بن الصَّامِت، في مَرَضِه، فقال رسول الله: (أَتَعلَمُون مَن الشَّهيدُ مِن أُمَّتي؟). فأَرِمَ القّومُ، فقال عُبادة: ساندوني. فأسندوه. فقال: يا رسول الله.. الصَّابرُ المحتسب. فقال رسول الله: (إنَّ شُهدَاءَ أُمَّتي إذًا لقليل؛ القَتلُ في سبيل الله شَهادَة، والطَّاعُون شهادة، والغَرقُ شهادة، والبَطنُ شهادة، والنُّفسَاءُ يجُرُّها ولَدُها بسرره إلى الجنَّة)[2].

ورغم تحريم عقوق الوالدين، كما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك –رضي الله عنه، أنَّ رسول اللهِ –صلى الله عليه وسلم- ذكر الكبائرَ، أو سُئِلَ عن الكبائرِ؟ فقال: (الشركُ باللهِ، وقَتلُ النفسِ، وعقوقُ الوالدين، فقال: أَلا أُنَبِّئُكم بأَكبرِ الكَبَائرِ؟ قال: قَولُ الزورِ، أو قال: شهادةُ الزورِ)؛ إلا أنَّ الشارع شدد في عقوق الأم خصوصا، ففي الصحيحين –أيضا- عن المغيرة بن شعبة –رضي الله عنه، أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: (إنَّ اللَّهَ حرَّمَ عَليكُم عُقوقَ الأُمَّهاتِ، ومَنعًا وَهَاتِ، ووَأدَ البَنَاتِ..).

وخصَّ الأمَّ بمزيد الاهتمام، وأقامه مقام الغزو؛ فعن معاوية بن جاهمة –رضي الله عنهما- أنَّ جاهمة جَاءَ إلى النَّبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله.. أَردتُّ أَن أَغزُو، وقد جِئتُ استشيرك. فقال -صلى الله عليه وسلم: (هل لك مِن أُمٍّ)؟ قال: نعم. قال: (فالزَمهَا فإنَّ الجنَّة تحت رِجلِيها). وفي رواية: (عند رجلها)[3].

هذا كلُّه اعتناءٌ بحقِّ الأمِّ دون الأَبِ فيما تميزت به من اختصاص وفضل على أبنائها. جاء في الصحيحين، عن أبي هريرة –رضي الله عنه، قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسولَ اللهِ.. مَن أَحقُّ النَّاسِ بحُسنِ صَحَابتي؟ قال: (أُمُّك). قال: ثمَّ مَن؟ قال: (ثمَّ أُمُّك). قال: ثمَّ مَن؟ قال: (ثمَّ أُمُّك). قال: ثمَّ مَن؟ قال: (ثمَّ أَبُوك).

وقد خصَّ الله تعالى الأمَّ بمزيد نصيب في الميراث عند موت الأبناء، عن الأَبِ في حالات خاصة. فهي وإن كانت ترث السدس عن طريق الفرض، إذا كان للمتوفى مِن أبنائها فرعٌ وارث، أسوة بالأب، لقوله تعالى: ((ولأَبَوَيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ))، النّساء، 11؛ إلا أنها ترث الثلث في حال لم يكن للمتوفى فرع وارث، لقوله تعالى: ((فَإِن لَم يَكُن لَهُ وَلَدٌ ووَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ))، النّساء: 11.
والاختصاص والتمييز لا يتوقف على الأمِّ فقط، فقد شُرعَ في حَقِّ الأَبِ من الحقوق ما يختص به لفضله واختصاصه.

وبقيَّ أنَّ لكلا الوالدين حقوقا مشتركة متساوية، من الذكر والدعاء: ((حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وبَلَغَ أَربَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوزِعنِي أَن أَشكُرَ نِعمَتَكَ الَّتِي أَنعَمتَ عَلَيَّ وعَلَى والِدَيَّ وأَن أَعمَلَ صَالِحًا تَرضَاهُ..))، الأحقاف: 15؛ ((رَبِّ اغفِر لِي ولِوَالِدَيَّ))، نوح: 28؛ وأَلَّا تَلحَقَ بهما أَيُّ إسَاءَةٍ، ولو بأَقلِ أَذَى القول: ((وقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وبِالوَالِدَينِ إِحسَانًا إِمَّا يَبلُغنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَو كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ولَا تَنهَرهُمَا وقُل لَّهُمَا قَولًا كَرِيمًا واخفِض لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِن الرَّحمَةِ وقُل رَّبِّ ارحَمهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا))، الإسراء: 23-24.
وقد جعل رسولُ الله –صلى الله عليه وسلم- الوالدين محلَّ جهادِ الأبناءِ، حين يقومون على شئونهم ورعايتهم حال عجزهم. ففي الصحيحين، أنَّ رَجُلاً جاءَ إلى النَّبيِّ –صلى الله عليه وسلم، فاستَأذَنَهُ في الجِهادِ، فقال: (أحَيٌّ وَالِداكَ؟). قال: نعم! قال: (فَفِيهِما فَجاهِد). وهذا لعظيم فضلهما معا. فإنهما كما ثبت بوابتا العبد إلى الجنَّة، عن أبي هريرة -رضي الله عنه، أنَّ النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: (رَغِمَ أَنفِ, ثمَّ رَغِمَ أَنفِ, ثمَّ رَغِمَ أَنفِ). قِيل: من؟ يا رسولَ الله! قال: (مَن أَدرَك أَبَويهِ عِندَ الكِبرِ أَحدَهما أو كِليهما فلم يَدخُل الجنَّةَ)[4].

وبهذا يتضح أن دعوى ظلم الإسلام للمرأة بكونه لا يعدل معها، كونه لا يساوي بينها وبين الرجل، دعوى جاهلة ومجانبة للصواب. فقد بنى الإسلام أحكامها على العدل الذي يقتضي المساواة في مقام المساواة والاختصاص في مقام الاختصاص.

---------------------------------------------------
[1] رواه أحمد، في مسنده: ج5/315. وابن ماجه في سننه، وابن حبان في صحيحه، وغيرهم.
[2] رواه أحمد في مسنده: ج3/489. وأبو داود في سننه، وأخرج مسلم نحوه في كتاب الإمارة.
[3] النسائي، برقم: (3104)، وقال الألباني في صحيح سنن النسائي: حسن صحيح.
[4] مسلم، برقم: (2551).




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
*{مركز التأصيل للدراسات والبحوث}
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ