المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من صور التكافل الاجتماعي في السعودية


عبدالناصر محمود
10-18-2016, 08:21 AM
من صور التكافل الاجتماعي في السعودية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ

( محمد الشاعر)
ـــــــــــــــــــــ

17 / 1 / 1438 هــ
18 / 10 / 2016 م
ـــــــــــــــــــــــــــــ

http://www.almoslim.net/files/images/thumb/OeBbHHEU-thumb2.jpg







لا يجادل منصف في عظيم عناية دين الله الخاتم بموضوع التكافل الاجتماعي , وشدة اهتمامه بتعاضد أفراده وتماسكهم , فقد تواترت الآيات القرآنية على هذا الأمر وكذلك السنة النبوية الشريفة , ويكفي في هذا المقام التذكير بقوله تعالى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } المائدة/2 , وبقوله صلى الله عليه وسلم : (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) صحيح مسلم برقم/6751 , وقوله صلى الله عليه وسلم : (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ) صحيح البخاري برقم/2446


كثيرة هي صور التكافل الاجتماعي في الإسلام , فمنها المادي الذي لم يقتصر على فرض الزكاة على أغنياء المسلمين لردها إلى فقرائهم فحسب , بل هناك الصدقة والإحسان إلى الجيران وقضاء حوائج المسلمين وإغاثة الملهوف و........... الخ , ومنها المعنوي كوجوب بذل النصيحة للغير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .


و الحق أن من يتتبع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته الشريفة يجد فيها من الحث والحض على التكافل الاجتماعي ما لا يمكن أن يوجد في أي دين سماوي آخر أو تشريع وضعي حديث , ويكفي دليلا على ذلك حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (ما آمن بي من بات شبعان و جاره جائع إلى جنبه و هو يعلم به ) صحيح الجامع للألباني برقم/5505


ولعل أعظم وأبلغ مشهد نبوي يشير إلى مدى رقي التكافل الاجتماعي في عهده صلى الله عليه وسلم وتجذره في المجتمع المسلم هو ذلك المشهد الذي جسده حديث الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى صَدْرِ النَّهَارِ قَالَ فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِى النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ مُتَقَلِّدِى السُّيُوفِ عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَأَمَرَ بِلاَلاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ « (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) إِلَى آخِرِ الآيَةِ (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) وَالآيَةَ الَّتِى فِى الْحَشْرِ (اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ) تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ مِنْ دِرْهَمِهِ مِنْ ثَوْبِهِ مِنْ صَاعِ بُرِّهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ - حَتَّى قَالَ - وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ». قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا بَلْ قَدْ عَجَزَتْ - قَالَ - ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ ..... صحيح مسلم برقم/2389


رغم كل هذه الشواهد والأدلة التي تؤكد على رسوخ مفهوم التكافل الاجتماعي المادي والمعنوي في الإسلام , وعلى الرغم مما يذخر به التاريخ الإسلامي من صور مشرقة في تطبيق هذا التكافل على أرض الواقع في العهد الراشدي و الأموي في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله ......إلا أن حاضر المسلمين في العصر الحديث لم يكن – وللأسف الشديد – امتدادا لما كان عليه عهد أسلافهم في هذا الجانب , وما ذاك إلا بسبب عدم التزامهم بتعاليم دينهم , وغفلتهم عما فيه من كنوز و جواهر !!!


نعم.... إن واقع الأمة الإسلامية في مسألة التكافل الاجتماعي مقارنة بعهد سلفها الصالح قد لا يكون مرضيا , إلا ان ذلك لا يعني أن الصورة الحالية - بما يخص التكافل الاجتماعي - قاتمة وغير مبشرة , فهناك بعض المبادرات والمشاريع التي تؤكد أن الخير في هذه الأمة إلى قيام الساعة .


ولعل من أهم صور التكافل الاجتماعي التي ظهرت في السنوات الأخيرة : مشروع حفظ النعمة وأخواته من المشاريع التي تقي أبناء الأمة من آفة الإسراف والتبذير , وتحفظ النعمة التي أنعمها الله عليهم , وتضع الفائض من طعام الأغنياء وكسائهم ودوائهم وأثاثهم في موضعه الصحيح ,بعد أن كان يذهب كله أو جله إلى حاويات القمامة أو قارعة الطرق .


بدأت فكرة المشروع من استياء بعض الغيورين على دين الله تعالى وشرعه من مظاهر الإسراف التي تتكرر في الولائم التي تجري في البيوت أو المزارع أو ... , حيث إن فائض الطعام منها – والذي يصل أحيانا إلى النصف أو أكثر – كان مصيره إلى أماكن القمامة وللأسف الشديد , فلماذا لا يؤخذ هذا الطعام ليعاد تأهيله من جديد ثم يعطى للفقراء والمساكين وما أكثرهم في بلاد المسلمين ؟!!


توسعت الفكرة بعد ذلك لتشمل الطعام الفائض لدى المطاعم والفنادق و..... , ثم تم تطبيق الفكرة على الدواء بإنشاء صيدلية خاصة لأصحاب الحاجة من مرضى المسلمين الفقراء الذين قد لا يجدون مالا كافيا لشراء دواء مرتفع الثمن أو ما شابه , وذلك من خلال تبرع المسلمين بالفائض من الدواء الموجود في بيوتهم , أو من تبرع أصحاب معامل الأدوية والمستودعات .... ناهيك عن مشاريع حفظ النعمة في الملابس والثياب وأثاث المنزل ......الخ .


انتشرت هذه المشاريع في كثير من الدول العربية والإسلامية ولله الحمد ومن أهمها المملكة العربية السعودية , فقد بدأت جمعية الفجيرة الخيرية بمشروع حفظ النعمة في عام 2004م , كما تم تسجيل جميعة حفظ النعمة الخيرية بمكة المكرمة بشكل رسمي في عام 1434 هجرية , بالإضافة لكثير من فروع جمعيات فائض الطعام في جميع مناق العاصمة الرياض , وغيرها من المدن والمحافظات السعودية كالقصيم وجدة والطائف ....الخ .


ولعل الدور الإيجابي الذي تقوم به أمثال هذه الجمعيات في المملكة هو ما دفع المفتي العام و رئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء، الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ للإشادة بها والتأكيد بأن عملها صالح وينجي الناس من سخط الله , داعيا المسلمين إلى مراجعة النفس والنظر إلى أحوالهم في بيوتهم وفي حفلات الزواج والمناسبات وغيرها، وما تشهده من إسرافٍ وتبذير ومفاخرة.


و في خطبة الجمعة التي ألقاها الأسبوع الماضي في جامع الإمام تركي بن عبدالله بالرياض قال المفتي بهذا الخصوص : إن نعمة الطعام من النعم العظيمة ؛ مؤكدا على أن دوام النعمة واستمرارها مربوط بطاعة الله جل جلاله ؛ مشيرا إلى ان وجود الجمعيات الخيرية التي تجمع الطعام أمر طيب ومبارك ، راجيا التوفيق من الله والسداد للقائمين عليها في أقوالهم وأعمالهم .


لا ينبغي توقف عمل تلك الجمعيات عند نطاق الطعام أو حتى اللباس والأدوية والكساء والأثاث فحسب , بل ينبغي أن تتوسع الفكرة لتشمل جميع جوانب التكافل الاجتماعي في الإسلام ومفرداته , كأن تختص جميعات بتزوج الشباب غير القادرين على تكاليفه , وأداء الديون عن المدينين العاجزين عن أداء ديونهم .... الخ اقتداء بسيرة السلف الصالح التي وصل رقي التكافل الاجتماعي فيها في زمن خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز إلى درجة قضاء الديون عن الغارمين وإن كانوا يملكون المسكن والأثاث والخادم والفرس , فقد كتب إلى عماله يقول : "اقضوا عن الغارمين" فكُتب إليه : "إنا نجد الرجل له المسكن والخادم، وله الفرس، وله الأثاث في بيته". فكتب عمر: "لابد للرجل من المسلمين من مسكن يأوي رأسه، وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، وأثاث في بيته، ومع ذلك فهو غارم، فاقضوا عنه ما عليه من الدين" سيرة عمر ابن عبد الحكم 163-164


-------------------------------