المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في المسار التاريخي للدراسة الأدبية


Eng.Jordan
01-10-2012, 10:07 AM
من سلطة المدلول إلى مغامرة الدال
قراءة في المسار التاريخي للدراسة الأدبية
محمد مساعدي
لعل المتأمل في مراحل تطور النظرية الأدبية والمناهج التي تمخضت عنها، يصل إلى خلاصة مفادها أن العلاقة بين الإبداع والنظرية الأدبية، قائمة على التحدي والتجاوز المستمر من قبل الإبداع. فالأدب يتجدد على الدوام، والنظرية الأدبية تتجاوز نفسها باستمرار، والممارسة النقدية تتجه نحو تأكيد عجز المناهج عن صياغة قوالب قادرة على احتواء جميع أشكال الإبداع الأدبي وفك ألغاز الغموض والتعقيد الذي يلفها. وهذا العجز راجع بالأساس إلى طبيعة الأدب باعتباره كائنا زئبقيا متعدد المظاهر يختزل أبعاد الظاهرة الإنسانية في عمومها. ولما كان الأدب على هذه الدرجة من التعقيد، فقد عرفت مختلف العلوم الإنسانية، والطبيعية أحيانا، طريقها إليه، فنتج عن ذلك تعدد في طرق فهمه وتشعب في مناهج دراسته.
وعلى العموم، فإن هذا التعدد لا يكاد يخرج في معظمه، عن أربعة محاور تختزلها علاقة النص بمختلف عناصر الظاهرة الأدبية: المؤلف، الواقع، اللغة والقارئ. ما نطمح إليه في هذا العرض هو رصد التحول الذي عرفته الدراسة الأدبية وإبراز المنحى الذي تتجه إليه. وسنركز بالأساس على استخلاص التصور الذي يحمله كل اتجاه نقدي عن النص الأدبي، وتحديد الحيز الذي يشغله المتلقي ضمن المسار التاريخي للدراسة الأدبية.
1 ـ النص والمؤلف:
يتضمن هذا المحور الدراسات النقدية التي تسلم بأن حقيقة الأعمال الأدبية ليست بحوزة النص ولا بحوزة القارئ، ولكنها سر من الأسرار التي يمتلكها المؤلف، لذلك تدعو الدارس إلى الحفر في سيرة المؤلف وظروفه، وكل ما يحيط به من عوامل تمكن من الوصول إلى هذا السر، ويمكن أن ندرج ضمن هذا الإطار ثلاثة اتجاهات أساسية:
1-1-الاتجاه الأول: يشمل المساعي الرامية إلى دراسة الأدب والتأريخ له استنادا إلى التصور الوضعي الذي تبلور في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بأوروبا واعتمده بعد ذلك عدد كبير من الدارسين العرب، وقد اعتبر رواد هذا الاتجاه العمل الأدبي مجرد وثيقة document تحيل على منتجه. أما المتلقي فقد أهملوه إهمالا تاما حرصا على الموضوعية

[1] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn1).
1-2-الاتجاه الثاني: جاء كرد فعل على الاتجاه الأول، ويقوم على الإقرار بخصوصية علم الأدب وتميزه عن علوم الطبيعة: فالأدب –في نظر رواده- يقوم في جزء كبير منه على خصائص جمالية وقيم فنية تتفاوت من نص إلى آخر بحسب قدرة كل مؤلف على الخلق والإبداع، لذلك فإن استكشاف الصفات الفردية التي يختص بها كل مؤلف عن غيره يستدعي من الدارس الاعتماد على حدسه الخاص والتسلح بذوق مدرب.
مع هذا الاتجاه، لم يعد النص مجرد وثيقة ولكنه أصبح تحفة[2] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn2) monument ذات قيمة خالدة يبحث الدارس من خلالها عن عبقرية مبدعها. ويشمل الأبحاث والدراسات الذي اعتمدت المنهج التاريخي اللانسوني، هذا المنهج الذي ظهر في مطلع هذا القرن، وهيمن هيمنة كبيرة على الدراسات الأكاديمية بفرنسا إلى حدود الستينيات، ويمكن أن ندرج ضمن هذا الإطار أيضا اتجاه ولهم ديلتي Wilhelm Dilthey في ألمانيا الذي يتقارب إلى حد كبير مع منهج لانسون[3] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn3) Lanson.
وإذا كان الاتجاه الوضعي يقصي دور القارئ من ميدان اهتمامه، فإن الاتجاه الثاني، وإن كان يولي أهمية كبرى للمؤلف، فإنه حين يدعو إلى اعتماد الذوق الشخصي وما ينتج عنه من تأثرات يولي عناية خاصة لردود فعل الدارس، فقد كان سانت بوف Sainte-Beuveيجمع بين الروح العلمية في رسم الشخصيات وتصنيفها في مجموعات وفصائل تربطها قواسم مشتركة وبين الانطباعات الفورية والأحكام الصادرة عن الذوق[4] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn4). وذهب لانسون Lanson إلى أبعد الحدود في هذا المجال حين وضع ضمن البرنامج الذي اقترحه لدراسة الأدب والتأريخ له جملة من المعطيات الخاصة بتلقي الأعمال: فقد دعا مؤرخ الأدب إلى البحث عن مدى نجاح المؤلف ومدى تأثيره على الجمهور[5] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn5). وعلاوة على ذلك نجده يقر بأن "خاصية المؤلف الأدبي هي أن يثير لدى القارئ استجابات في ذوقه وإحساسه وخياله ولكنه كلما كانت تلك الاستجابات أعمق وأوفر كنا أقل استعدادا لأن نفصل أنفسنا عن ذلك المؤلف"[6] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn6). وبهذا المعنى فإن لانسون G.Lanson يهتم بردود فعل القارئ في الحدود التي تسمح له باستكشاف عبقرية المبدع.
إن ما يجمع بين هذين الاتجاهين (الوضعي والتأثيري) هو كونهما يبحثان عن قصدية المؤلف أي عن معنى النص الذي يرتبط أشد الارتباط بقصد مبدعه، وإن كان الاتجاه الأول يتوسل بالعلم، وبالعلم وحده، في رصد هذا المعنى؛ في حين يراهن الاتجاه الثاني على حدس الناقد وذوقه بالدرجة الأولى، إلا أنهما لا يخرجان عن نطاق الصلة بين النص ووعي مبدعه.
1-3-أما الاتجاه الثالث: فإن أهم ما يميزه هو قيامه على الصلة بين النص ولا وعي مبدعه واعتماده على علم النفس عوض التاريخ الذي شكل المرجعية الأساسية للاتجاهين السابقين، ويتضمن منهج التحليل النفسي الذي بلوره فرويد Freud وطوره تلامذته، والنص الأدبي في رأي هؤلاء مجرد عرض Symptôme مثله في ذلك مثل أحلام اليقظة وزلات اللسان.. يبحث المحلل من خلاله عن عالم اللاشعور عند المؤلف أو بديله: أي الشخصية.
إن هذا النمط من الدراسة، وإن كان يؤطر ضمن علاقة النص بالمؤلف، فإنه حين يركز على البحث عن البنية النفسية للمبدع يشكك في مقصدية المؤلف، ويفتح الباب على مصراعيه أمام القدرة التأويلية للمحلل الذي يحاول أن يبحث عن دلالات مناسبة للرموز التي تطفو على سطح النص وترتبط أشد الارتباط بعالم اللاشعور عند المؤلف.
هذه المرونة التي امتازت بها الدراسة السيكولوجية جعلتها قابلة للتطور ومواكبة المستجدات التي عرفتها الدراسة الأدبية، حيث لم تنحصر عند حدود الاهتمام بسيكولوجية المؤلف ولكنها تطورت كثيرا وتشبعت فأصبحت تهتم بسيكولوجية القارئ وأنماط التفاعل بينه وبين النص. يكفي أن نشير في هذا الصدد إلى دعوة ريتشاردز I.A.Richards إلى الاهتمام بردود فعل القراء ودراستها دراسة سيكولوجية[7] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn7)، وإلحاح جاك لاكان J.Lacan على ضرورة اعتبار القارئ عنصرا حاسما في تحديد معنى النص الأدبي[8] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn8)، علاوة على اهتمامات الأمريكيان نورمان هولاند Norman Holland وديفيد بلايخ David Bleich بالقراءة "بوصفها عملية إشباع للحاجات السيكولوجية للقارئ، أو بوصفها عملية تستند إلى هذه الحاجات على الأقل"[9] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn9).
2 ـ النص والواقع:
بدأ مع الاتجاه الوضعي تأسيس مدخل سوسيولوجي لدراسة الأدب يستمد أدواته الإجرائية من العلوم الطبيعية. لكن هذا المدخل لم يستطع أن يصمد طويلا أمام ردود الأفعال المتباينة التي قامت على التمييز بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. في المقابل كان هناك تيار يسعى إلى تأسيس نظرة سوسيولوجية مغايرة للأدب والنقد ترتكز على مسلمات ماركسية. وإذا كان الاتجاه الوضعي –كما رأينا- يعتبر النص مجرد وثيقة تحيل على المؤلف والظروف المحيطة به، فإن الاتجاه الماركسي في النقد لم ينحصر عند حدود هذه العلاقة السببية، ولكنه أضفى عليها بعدا جدليا؛ فأصبحت الدراسة الأدبية معه ترتكز على رصد العلاقة الجدلية بين النص والسياق الاجتماعي والاقتصادي والتاريخي الذي انبثق عنه، أو بتعبير لساني بين الدال والمرجع.
وعلى العموم، يمكن التمييز داخل الاتجاه السوسيولوجي في النقد بين تيارين أساسيين:
2-1-تيار ظل وفيا لفلسفة هيكل Hegel المثالية، ينظر إلى العمل الأدبي باعتبار وحدة شاملة متكاملة، فيدعو إلى تجاوز التعدد الذي يرتبط بالظواهر والبحث عن الوحدة التي تميز الجوهر باعتماد مجموعة من المقولات تعد بمثابة معادلات مفهومية للنصوص الأدبية. من رواده جورج لوكاتش G.Lukacs، لوسيان كولدمان L.Goldman، هنري لوفيفر H.Lefebver، إرنست فيشر E.Fisher، هربرت ماركوز H.Marcuse…الخ. ومجمل القول فإن هذا التيار يستبعد تعدد معاني النص عن طريق مطابقته بمعنى معين[10] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn10).
2-2-أما التيار الثاني الذي يقوده ألتوسير L.Althusser، فإنه أعاد قراءة التراث الماركسي من منظور بنيوي، فشكل بذلك قطيعة مع التوجه المثالي للتيار الأول وانتهى إلى اقتراح بدائل منهجية للدراسة الأدبية حل فيها التعدد والاختلاف محل مقولات الوحدة والجوهر. وكانت هذه البدائل ملائمة لاحتواء القارئ باعتباره عنصرا فعالا في الظاهرة الأدبية حيث نجد آراء وتصورات متعلقة بتلقي الأدب تشغل حيزا مهما في التصور النظري لكل من ألتوسير L.Althusser، بريخت B.Bresht، ماشيري P.Macherey، وولتر بنيامين W.Benjamin ، أدورنو T.Adorno، ببير زيما P.V.Zima وغيرهم؛ بل أكثر من ذلك هناك مدارس شكلت تيارات مستقلة بذاتها في إطار نظرية التلقي أبرزها مدرسة برلين في جمهورية ألمانيا الديموقراطية التي جاءت كرد فعل على ما أنجزه رواد مدرسة كونستانس Canstance، ومدرسة بوردو Bordeaux في فرنسا التي يتزعمها روبير اسكاربيت R.Escarpit.
وعلى العموم، فقد تعددت أشكال الاهتمام بالقارئ في التراث الماركسي، وتفاوتت بين الإشارات العابرة والتناول النظري والمنهجي المحكم، إلا أن أهم ما يميزها، في الأغلب الأعم، هو منحاها التجريبي الذي يعتمد على جمع المعطيات ودراستها دراسة إحصائية وبالتالي استخلاص النتائج اللازمة.
3 ـ النص واللغة:
انطلق رواد هذا الاتجاه من أرضية مغايرة للاتجاهات السابقة: فلم ينظروا إلى النص الأدبي باعتباره وثيقة تاريخية أو سير-ذاتية، ولم يتعاملوا معه من خلال مختلف المؤثرات المادية والمعنوية التي تعمل على تكوينه، ولكنهم نظروا إليه باعتباره لغة ذات خصائص متميزة، لذلك ناهضوا الدراسات التي ترتكز على علم النفس أو علم الاجتماع أو التاريخ، وركزوا في المقابل على اللسانيات باعتبارها علما ملائما لدراسة اللغة الأدبية في ذاتها. وهكذا فإن الدراسات التي أنجزت في هذا الإطار تشترك في الدعوة إلى استقلالية النص الأدبي وتركيز البحث على الأدبية Littérarité، ولكنها تتباين فيما بينها في طرق فهمها للاستقلالية وسبل رصدها للأدبية ودرجة اهتمامها بالمتلقي:
3-1-ركزت دراسات الشكلانيين الروس –خصوصا في المرحلة الأولى الممتدة ما بين 1915 و1925 على المستوى الصوتي والتركيبي والإيقاعي على حساب المستوى الدلالي الذي تم إقصاؤه إقصاء تاما، واختزلت البحث عن الأدبية في نطاق علاقة الدال بذاته. وبذلك يمكن نعت هذه المرحلة- التي وصلت أوجها مع شكلوفسكي V.Shklovsky- بمرحلة التمركز حول الشكل.
وفي المرحلة الثانية من عمر الشكلانية –الممتدة ما بين 1925 و1930- حاول تنيانوف Tynianov رد التحدي الذي رفعته المادية التاريخية ضد الشكلانية دون أن يسقط في الحتمية الاقتصادية. وقد تمكن من ذلك من خلال صياغته "للتطور الأدبي" كتصور جديد لتاريخ الأدب يقوم على التأليف المنهجي بين السانكرونية والدياكرونية. لكن حرصه على مبدإ الاستقلالية جعله عاجزا عن إدراج التطور الأدبي ضمن التطورات الاجتماعية الأعم. وهو ما ستضطلع به فيما بعد بنيوية براغ Prague مع كل من موكاروفسكي Mukarovsky وفوديكا Vodicka وجمالية التلقي مع هانس روبير ياوس H.R.Jauss.
ورغم حرص الشكلانيين المفرط على مبدإ الاستقلالية والمقاربة الداخلية المحض، فإن المفاهيم التي اعتمدوا عليها، وخصوصا مفهوم الشكل ومفهوم التغريب ومفهوم الإدراك، تدل على بداية تبلور الوعي عندهم بالعلاقة الوطيدة التي تصل النص بالمتلقي، هذه المفاهيم متداخلة فيما بينها، وتشير في الآن نفسه، إلى خاصية بين النص والقارئ: فمفهوم الشكل مرتبط بمفهوم التغريب، لأن التغريب خاصية يحققها غموض الشكل، وهذا الغموض هو الذي يستوقف القارئ ويمدد عملية الإدراك عنده. وقد قام روبيرت هولب R.Hollub بتحليل مفهوم التغريب عند شكلوفسكي Schklovsky فانتهى إلى الإقرار بأن "الأهم من منظور نظرية التلقي هو أن شكلوفسكي يقوم بصياغة مكون أولي من مكونات عملية القراءة. إن التغريب، وإن قصد به المؤلف إلى أهداف عملية أو إدراكية، يظل عملية تنشئ علاقة بين القارئ والنص، وهذه الفاعلية نفسها هي التي تحدد الأدب بوصفه فنا"[11] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn11).
أما مفهوم الإدراك، فإن شكلوفسكي Schklovsky يعرفه على الشكل التالي: "إن الإدراك الفني هو ذلك الإدراك الذي تتحقق فيه من الشكل –ربما ليس الشكل فقط، ولكن، على الأقل، الشكل-"[12] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn12). ويعقب إيخنباوم B.Eichenbaum على هذا التعريف قائلا: "من الواضح أن الإدراك الذي نحن بصدده، ليس مجرد حالة سيكولوجية (الإدراك الخاص بهذا الشخص أو ذاك) وإنما هو عنصر من عناصر الفن، والفن لا يوجد خارج الإدراك"[13] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn13).
فالإدراك الفني إذن، وفق ما تقدم، ليس هو ذلك النشاط الفعال الذي تقوم به الذات المدركة في اتجاهها نحو الموضوع المدرك وإنما هو مجرد معطى نصي تم تجريده من بعده السيكولوجي. وإذا نحن تأملنا فيما قاله شكلوفسكي Shklovsky نفسه في موضع آخر، تبين لنا نوع من التعديل في فهمه للإدراك الفني:
"إن صفة الفنية التي تعزى إلى الشعر في شيء بعينه، هي نتيجة إدراكنا، فالأشياء الفنية بالمعنى الضيق، هي تلك التي أبدعت بأدوات خاصة، الغرض منها هو أن يتم إدراك هذه الأشياء بأكبر قدر ممكن من اليقين على أنها أشياء فنية"[14] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn14).
هكذا يتضح أن شكلوفسكي Shklovsky، خلافا لما تقدم يقر بفعالية الوعي المدرك، ودوره الحاسم في تحديد جنس العمل الفني، ومقدار فنيته، بشكل يصبح معه الإدراك والتلقي، وليس الإبداع والإنتاج، هما العنصران المكونان للفن على حد تعبير هولب[15] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn15).
وفي المرحلة الثانية من عمر الشكلانية، أثار توماتشوفسكي Tomashevsky بشكل صريح قضايا تتعلق بمسألة التلقي في مقدمة مقاله (نظرية الأغراض). فقد عرف القارئ بقوله؛ "تدل كلمة قارئ على حلقة من الأشخاص، غير محددة بدقة، ويكون الكاتب نفسه، في أغلب الأحوال على غير معرفة دقيقة بها"[16] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn16). إلا أن القارئ الذي يتحدث عنه توماتشوفسكي Tomashevsky ليس كائنا فيزيقيا محددا يباشر النص ويعمل على تحيينه، ولكنه قارئ مجرد أو مفترض، قد يكون مجموع القراء الممكنين، وقد يكون عبارة عن صورة مجردة ملازمة باستمرار لوعي الكاتب[17] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn17). وهاجس هذه الصورة المجردة يعبر عنه بمفهوم الأهمية: "فالعمل يجب أن يكون مهما. ومفهوم الأهمية يقود الكاتب مسبقا إلى اختيار الغرض"[18] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn18).
إن السيرورة الأدبية، في نظر توماتشوفسكي Tomashevsky، "تنتظم حول لحظتين هامتين: اختيار الغرض وصياغته"[19] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn19). وفي كلتا اللحظتين تظل صورة القارئ ملازمة لوعي الكاتب: ففي اللحظة الأولى يمكن القول بأن صورة القارئ موجودة بشكل قبلي وسابق على وجود العمل، ومساهمة في الآن نفسه –مساهمة فعالة- في توفير شرط الأهمية (التي تقود الكاتب مسبقا إلى اختيار الغرض). وفي اللحظة الثانية يمكننا أن نتحدث عن صورة القارئ أثناء صياغة العمل، إذ "ليس يكفي اختيار غرض مهم. بل يجب تدعيم تلك الأهمية، وإثارة انتباه القارئ. فالأهمية تجدب والانتباه يستبقي… وإثارة انفعال معين هو أفضل السبل ل*** الانتباه"[20] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn20). ويجب ألا ننسى –يضيف توماتشوفسكي- أن العنصر الانفعالي يوجد داخل العمل ولا يتم إدخاله فيه من طرف القارئ[21] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn21).
وبناء عليه، يمكننا أن نتحدث، مع توماتشوفسكي Tomashvsky، عن القراءة بوصفها نشاطا بريئا، وعن القارئ بوصفه كائنا سلبيا منفعلا وموجها. ويعزز هذا الرأي، قوله بأن راهنية العمل تتحدد بمدى "تأثيره في القارئ باعثا فيه الانفعالات التي توجه إرادته"[22] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn22)، فالقارئ إذن حسب توماتشوفسكي Tomashevsky يجب أن يوجه سواء في استلطافه أو في انفعالاته[23] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn23).
آية هذا كله، أن الشكلانيين الروس، رغم إثارتهم لجملة من القضايا تتعلق بتلقي الأدب، فإنهم لم يتأملوا في الكيفية التي يقرأ بها العمل الفني، ولا في الكيفية التي يؤثر بها هذا العمل في القارئ، ولكنهم اهتموا برصد سر ذلك الأثر، أي مكامن الأدبية. ولعل هذا هو السر في نزوعهم إلى استبعاد الوعي الفعال للمدرك من مجال الدراسة الأدبية، لأن استحضاره من شأنه أن يخلخل منطلقاتهم النظرية التي تؤطرها نظرتهم للأدب كنسق مغلق. لهذا نجدهم يحاولون احتواء الإدراك فيعتبرونه عنصرا من عناصر الفن مادام هو الذي يقرر أدبية الأدب. وهذا معناه صهر الذات المدركة في الموضوع المدرك والحصيلة غياب التفاعل بينهما.
وعلاوة على ذلك، فإن الشكلانية الروسية باعتمادها على مفهوم التغريب تكون بذلك قد أقرت مبدأ سيكون له صدى واسع في النظرية الأدبية سواء عند مدرسه براغ أو مدرسة فرانكفورت أو الدراسة السيميولوجية للأدب: ومفاد ذلك أن الاعتماد على مبدإ التغريب معناه تبني موقف معين من الظاهرة الأدبية أهم ما يميزه هو نظرته للإبداع الأدبي باعتباره رفضا للسائد وخلخلة للمألوف، وهذه الخاصية، هي التي تكسب الأدب بعده التحريري. إلا أن الشكلانيين، بتركيزهم على الدال على حساب المدلول وبتغييبهم للبعد التداولي في دراستهم للأدب، جردوا هذا البعد من طابعه الحيوي.
ورغم ما تستهدف له نظرية الأدب الشكلانية من انتقادات، فإن بصماتها ظلت واضحة المعالم في النظرية الأدبية المعاصرة، فقد استمر تأثيرها في تشكوسلوفاكيا عبر حلقة براغ، وامتد إلى البنيوية الفرنسية، ومدرسة النقد الجديد الأنكلوساكسونية ونظرية التلقي الألمانية وغيرها من الاتجاهات التي تهتم بدراسة اللغة الأدبية. لهذا أوليناها عناية خاصة في هذا العرض.
3-2-أما مدرسة براغ، فإنه يمكن التمييز داخلها بين اتجاهين أساسيين يختلفان في مدى اعتمادهما على الميراث الشكلاني وفي طريقة تطويرهما له، ودرجة وعيهما بالدور الفعال الذي يلعبه المتلقي باعتباره عنصرا مهما في التواصل الأدبي.
3-2-1-الاتجاه الأول: يمثله رومان جاكوبسون R.Jakobson الذي كرس كل جهده لإعادة النظر فيما خلفه زملاؤه في العشرينات، فاتجه إلى اللسانيات وخصوصا الدراسات الصوتية واهتم بها مدة طويلة لتدعيم فرضياته في البحث عن الأدبية هاجسه الأساسي في ذلك هو صياغة نظرية في الشعر تتسم بالدقة العلمية والصرامة المنهجية. وكانت الحصيلة نظريته في التواصل التي صاغ منها مبدأ الهيمنة (هيمنة الوظيفة الشعرية في الشعر)، ونظريته في التوازي باعتباره معيارا لسانيا نتحقق بواسطته تجريبيا من هيمنة الوظيفة الشعرية في الشعر[24] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn24).
وبصنيعه هذا يكون جاكوبسون R.Jakobson على غرار البنيويين الفرنسيين قد انتقل بنظرية الأدب من نطاق الاهتمام بالنصوص المفردة واستخلاص أدبيتها -كما هو الحال عند زملائه الشكلانيين- إلى نطاق الاهتمام بالشعر عامة واستكشاف قوانينه الجوهرية، مما جعل تيري إيجلتون T.Eagleton يصفه بأنه هو الذي قدر له أن يقدم الرابطة الرئيسية بين الشكلية والبنيوية الحديثة[25] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn25).
وإذا كان جاكوبسون R.Jakobson، في مقاله المشهور "اللسانيات والشعرية" 1963، "قد قام بعرض الوظائف المختلفة للغة في إطار نظرية التواصل، فإنه لم يول دور المتلقي في عملية التواصل ما يستحقه من عناية، سواء في صميم نظريته أو في تحليلاته للشعر، وعلاوة على ذلك، فإنه لم يكن يهتم بالتغيرات التي يمكن أن يخضع لها تأويل نص وتقويمه بسبب الظروف التاريخية المتغيرة"[26] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn26).
3-2-2-الاتجاه الثاني: يتزعمه موكاروفسكي Mukarovsky الذي حاول تطوير المسار الذي سلكه تنيانوف Tynianov في مرحلة نضج الشكلانية، فألح على التوفيق بين الشكلانية والماركسية بإدراجه للبعد الاجتماعي والتاريخي ضمن الدراسة اللغوية للأدب. إلا أن أهم ما يميزه هو نظرته للفن باعتباره واقعة سيميائية[27] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn27)، وعلاوة على ذلك، فإن تنوع مرجعياته –سوسور F.Saussure، هوسرل E.Husserl، إنجاردن R.Ingarden- مكنه من إدراج نظريته الأدبية ضمن الإطار الأوسع لنظرية التواصل الموجهة نحو وجهة نظر سيميائية[28] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn28). وقد حاول تلميذه فوديكا Vodicka تطوير هذه الآراء من زاوية ترتبط أشد الارتباط بتاريخ الأدب وما يحيط به من إشكاليات[29] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn29).
وخلاصة القول، فإن الوجهة التي سلكها كل من موكاروفسكي وفوديكا لتطوير نظرية الأدب الشكلانية، وإن ظلت مرتبطة بالبحث عن الوحدة البنيوية للنص، قد قادتهما إلى صياغة آراء وتصورات شكلت مرجعية أساسية لقيام نظرية التلقي. فقد اعترف هامس روبير ياوس في أكثر من موضع، بأنه مدين بالشيء الكثير لكل من موكاروفسكي وفوديكا في صياغة آرائه حول تاريخ تلقي الأدب[30] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn30).
3-3-أما البنيوية الفرنسية، فإنها تتفق مع الشكلانية في التركيز على المقاربة الداخلية ومناهضة جميع أشكال المقاربة الخارجية، إلا أن هناك خصائص يتميز بها كل اتجاه عن الآخر:
فالشكلانية، كما رأينا، تركز على الأعمال المفردة، وتسعى إلى رصد أدبيتها من خلال تحليل بنياتها الشكلية ولكنها تنحصر في نطاق علاقة الدال بذاته.
في حين يركز البنيويون على وصف وتحليل البنى الداخلية ولكنهم لا يقفون عند هذه الحدود، بل يطمحون إلى صياغة البنى العميقة المتحكمة في جميع أشكال الإبداع الأدبي إيمانا منهم بأن النصوص الأدبية التي يبدعها الأفراد، تعد بمثابة إنجاز أو كلام Parole يسترشد بقواعد تنتمي إلى لغة أدبية عامة: أي لسان Langue معتمدين في ذلك على التمييز الذي أقامه سوسور بين الكلام واللسان[31] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn31). وبناء عليه فإن الأهم عندهم هو رسم معالم البنية المجردة التي تكمن خلف النصوص الأدبية عن طريق صياغة هذه القواعد في مجموعة من المقولات المجردة.
والحصيلة، فإن البنيويين بتركيزهم على استخلاص هياكل النصوص الأدبية يكونون بذلك قد وجهوا ضربة قوية لذلك الإيمان البورجوازي اليقيني بأن الذات الفردية المنعزلة هي منبع ومصدر كل معنى[32] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn32).
وبصنيعهم هذا خلصوا الدراسة الأدبية من النزعة الوثوقية التي هيمنت عليها لزمن طويل، فلم يعد النص معهم تعبيرا عن عقل فردي بقدر ما أصبح مظهرا من مظاهر العقل الكلي. وهو ما عبر عنه تيري إيجلتون (Terry Eagleton) بقوله: "أحيانا، كان النقد التقليدي يختزل العمل الأدبي إلى شيء لا يتجاوز كثيرا كونه نافذة على نفس المؤلف، وبدا أن البنيوية جعلته نافذة على العقل الكلي… إذ إن "سطح" قطعة من الكتابة لم يكن ليتجاوز كثيرا كونه انعكاسا مطيعا لأعماقه الخفية… فكل سمات "سطح" العمل يمكن اختزالها إلى "جوهر"، إلى معنى محوري واحد يضيء كل جوانب العمل، ولم يعد هذا الجوهر هو روح الكاتب أو الروح القدس؛ بل "البنية العميقة" ذاتها"[33] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn33).
ومع ذلك، فإن البنيوية رغم مناهضتها لما أسماه تيري إيجلتون النقد التقليدي، فإنها ظلت تحمل في عمقها بعض ملامح النزعة الجوهرية: فإذا كانت قد خلصت النص الأدبي من المقاصد الفردية، فإنها في المقابل جعلته سجين أنساق كلية تخضع لها جميع عناصره: أي أنها حولت الاهتمام من مجال المعنى المرتبط بالذات الفردية إلى مجال البنية المرتبط بالنظام المتحكم في النصوص الأدبية.
وماذا بعد تحديدهم "للبنية العميقة"؟ إن ما يستطيع كل البنيويين عمله –حسب تيري إيجلتون- "هو أن يسترخوا ويتساءلوا عما يمكنهم عمله بعد ذلك. فليس مطروحا إظهار علاقة العمل بالحقائق التي يتناولها، أو بالشروط التي أنتجته، أو بالقراء الفعليين الذين يدرسونه؛ حيث إن اللفتة التأسيسية للبنيوية كانت وضع تلك الحقائق بين أقواس"[34] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn34).
هكذا يتبين أن البنيويين يركزون بدورهم على الدوال على حساب المدلولات، ولكنهم لا يدرسون هذه الدوال في ذواتها وإنما في علاقتها بالبنية المجردة التي ترتكز عليها. وعلاوة على ذلك، فإنهم على غرار الشكلانيين، لا يهتمون باستخلاص معاني النصوص، ولكنهم يهتمون، بالمقابل، بالطريقة التي تنتج بها المعاني[35] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn35). إلا أنهم، وهذا هو الأهم، لا يأخذون بعين الاعتبار مشاركة القارئ الفعالة في عملية بناء المعنى.
4 ـ النص والمتلقي:
رغم النجاح الذي حققته البنيوية خلال عقد الستينات، فقد ظهرت بعض المواقف النظرية استشعرت ضيق أفق الدراسة المحايثة وعجزها عن إدراك تشعب الظاهرة الأدبية وتعدد مظاهرها وعن الإجابة عن أسئلة جديدة بدأت تلوح في الأفق، هذا العجز أدى في النهاية إلى توجيه النظرية الأدبية صوب الاهتمام بالتلقي والتأويل. يقول امبرطو إيكو E.Eco: "لقد نشأت نظريات سيميوطيقا التلقي في الستينات ردا على:
أ ـ تصلب بعض المناهج البنيوية التي كانت تدعي القدرة على إدراك العمل الفني أو النص في حدوده الموضوعية باعتباره مادة لسانية.
ب ـ تعنت بعض النظريات الدلالية الشكلية الأنجلوساكسونية المنشأ، التي كانت تزعم الاستغناء عن كل إحالة على المقام وعلى الظروف المحيطة بالتداول، والاستغناء أيضا عن الإحالة على السياق الذي يتم فيه بث العلامات والملفوظات.
ج ـ أمبريقية بعض المقاربات السوسيولوجية"[36] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn36)
وذهب خوسي ماريا بوثويلو ايفانكوس José Maria Pozouelo Yvancos، إلى أن هذه المواقف النظرية التي أعلنت قصور البنيوية ظهرت من داخل البنيوية نفسها وأخضعت فكرة الأدبية للمناقشة معلنة بذلك عن أزمة نظرية ومنهجية. وكانت هذه الأزمة في نظره: "نتيجة لعدم كفاية التفسيرات التي قدمتها عن اللغة الأدبية النماذج التي بدأت مع الشكلية الروسية، ثم القراءات والتوسعات التي أنجزتها البنيوية لهذه النماذج نفسها في فترة الستينات. وهذا العجز قد أدى في النهاية إلى ظهور سيميوطيقا الأدب بوصفها بعدا ثقافيا واسع الانتشار، وإلى توسيع في النماذج النصية تجاه البعد الذرائعي، وفي تلك التطورات كانت ثمة تضمينات لنشاط التلقي، الذي لا يمكن أن يقطع أو يفصل عن البؤرة الرئيسية لتلك المقترحات"[37] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn37).
هناك إذن توجه واضح في العقود الأخيرة إلى الاهتمام بمسألة التلقي، هذا التوجه لم يبدأ من فراغ، لأن بعض ملامحه كانت حاضرة، بشكل محتشم، في التصورات النظرية والمنهجية السابقة، وقد رأينا من خلال هذا العرض بعض ملامح الاهتمام بالقارئ من داخل التيارات التي درسناها، ورأينا كذلك توجه الدراسات السيكولوجية والسوسيولوجية إلى الاهتمام بالتلقي والتأويل، إلا أن التطورات النظرية والمنهجية الهامة ارتبطت بمجهودات رواد نظرية التلقي الألمانية التي شكلت منعطفا في تاريخ الدراسات الأدبية المعاصرة، تمثل في تغييرها للإبدال النظري الذي حاولت نظرية النص إقراره كإبدال مطلق وشامل. فنظرية التلقي حسب محمد مفتاح، "ليست مجرد مقاربة جمالية لنصوص معينة إلى جانب المقاربات الأخرى مثل الشكلانية والبنيوية والماركسية فحسب، ولكنها جزء من نسق فكري عام بدأ يؤسس نفسه منذ الستينات معتمدا على علوم التحكم الذاتي والإعلاميات والبيولوجيا الحديثة والفلسفات الاجتماعية الداعية إلى حرية الأفراد في ظل أنظمة ديموقراطية… ويؤطر هذا كله إبستمولوجية تدعى الإبستمولوجية التشييدية التي تحاول أن تنحي الإبستمولوجية الوضعية بصفة نهائية"[38] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn38).
وعلى العموم، يمكن التمييز داخل نظرية التلقي بين مداخل منهجية متباينة نذكر منها: سيكولوجية القراءة، سوسيولوجيا القراءة، بلاغة القراءة، أسلوبية القراءة، ظاهراتية القراءة، تأويلية القراءة… الخ. لن ندخل في تفصيل الحديث عن كل اتجاه حتى لا يطول بنا المقام وننحرف عن مسار عرضنا، حسبنا أن نشير إلى أن هذه المداخل رغم اختلاف منطلقاتها النظرية وأهدافها المنهجية، فإنها تنطلق، في مجملها، من فرضية مفادها أن النص إمكانية ذات أوجه متعددة، ثم تأتي القراءة فتحدد هذا الوجه أو ذاك. وبعبارة أخرى، فإن النص يبقى مجرد دال منفتح لا يكتسب مدلولاته إلا من خلال تفاعله مع قرائه، وبعملية التفاعل هذه يصبح النص دليلا[39] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn39).
وتجدر الإشارة إلا أن هذه المداخل المنهجية رغم كونها تتفق على كون الظاهرة الأدبية موجودة في التفاعل بين النص والقارئ، فإنها تختلف في تحديد طبيعة ونوعية وحدود هذا التفاعل بحسب فهمها للمتلقي من جهة ولعملية التأويل من جهة ثانية.

خاتمة:
كان هذا عرضا موجزا لأبرز الاختيارات المنهجية التي تقاسمت الساحة النقدية في القرن العشرين نخلص منه إلى حصر ثلاث إبدالات Paradigmes[40] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn40) أساسية تختزل هذا التعدد المنهجي:
الإبدال الأول: مهما تعددت أساليب تمظهره، ومهما تشعبت منطلقاته وأهدافه، فهو في مجمله صادر عن ذهنية متشبعة باعتقادات ميتافيزيقية تنظر إلى التعدد من خلال الوحدة: أي تسلم بوجود أصل وفروع، جوهر وأعراض وتعتمد على معطيات خارج-نصية لفهم الظاهرة الأدبية من قبيل: الحفر في سيرة المؤلف وظروف إنتاج العمل والبحث عن معطيات تمكن من فهم المقصد.
*الإبدال الثاني: حاول التخلص من النزعة الوثوقية التي هيمنت على الإبدال الأول، فلم يعد النص معه تعبيرا عن عقل فردي بقدر ما أصبح دالا يحيل على ذاته (الشكلانية) أو مظهرا من مظاهر العقل الكلي يقتضي فهمه استخلاص بنيته العميقة من خلال دراسة أوجه العلاقات بين عناصره الداخلية (البنيوية).
ومع ذلك ظلت بعض ملامح الإبدال الأول مستمرة في الإبدال الثاني –وخصوصا البنيوية- بقناع جديد، حيث لم تستطع التخلص من النزعة الجوهرية فظلت تختزل بدورها التعدد إلى وحدة من خلال بحثها عن اللسان الكامن خلف كل كلام.
*الإبدال الثالث: صادر عن ذهنية مناهضة لكل التصورات الوثوقية يبحث عن التعدد داخل ما كان ينظر إليه كوحدة، يفكك الأصل ويخلخله لينزع عنه طابعه القدسي ويوفر من ثمة مجالا خصبا للتفاعل. هذا التفاعل هو المسؤول عن خلود النص وليس عبقرية المبدع، لأن النص في ذاته مجرد إمكانية لا تتحقق إلا بالمشاركة الفعالة للقارئ، وبتجدد القراءة يتجدد النص، وتتعدد معانيه بحسب طبيعة الأسئلة التي ينطلق منها القراء. يقول محمد مفتاح:
"نظرية جمالية التلقي، مثل أية نظرية أخرى نشأت ضمن سياق مركب، كانت واعية بتركيبية الظواهر وبذاتية الملاحظ وبمحدودية ملاحظته وبنسبيتها، ولذلك فإنها لا تزعم أنها مطلقة وأنها جاءت بالقول الفصل الذي يقطع قول كل معترض، وأنها أتت بالحكم الناقد الذي لا يستأنف، بل إنها أخذت على عاتقها مقاومة دكتاتوريات المناهج والجماعات والأفراد، ولكنها ألحت على التراضي بين المجموعات الباحثة والمؤولة لإنشاء نظرية أو لصياغة إطار عمل أو لإنجاز فعل ما"[41] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn41).
وإذا كانت الذهنية الوثوقية قد سيطرت على الدراسة الأدبية لمدة طويلة، والدراسة المحايثة قد وصلت أوجها في فترة الستينيات، فإن الوعي النسبي الذي يقر بالتفاعل قد بدأ يحظى بإقبال واسع من قبل الدارسين في العقود الأخيرة، وهو ما ذهب إليه إمبرطو إيكو U.Eco قائلا:
"لقد غدا الإلحاح على القراءة والتأويل، وعلى تعاون أو مشاركة القارئ سمة هامة من التاريخ المتعرج للإبستيمي المعاصر"[42] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_edn42).
إن التحولات التي رصدناها تفيد أن مسار الدراسة الأدبية يتجه صوب الوعي المتزايد بتشعب أوجه الظاهرة الأدبية وتعقدها وبنسبية إدراك القارئ، فبعدما كانت العلاقة بين المناهج النقدية قائمة في البداية على مبدإ الصراع ومنطق الإقصاء من أجل احتكار الساحة النقدية، أصبحت الآن قائمة على مبدإ التكامل والتلاقح حينا (مثلما حدث مع التيار الماركسي البنيوي أو مع نظرية لاكان… الخ) أو التجاوز القائم على النقد البناء أحيانا أخرى (مثلما حدث مع جمالية التلقي في علاقتها بمختلف المناهج النقدية التي كانت سائدة قبلها).
هناك إذن انتقال في الدراسة الأدبية من دائرة الوحدة إلى فضاء التعدد، من مركزية الرؤية إلى شموليتها، من هيمنة النزعة الوثوقية إلى سيادة التفاعل والنسبية. هذا الانتقال، هو في الواقع، مظهر من مظاهر تحولات عامة شملت مختلفة المجالات، ففقدت بموجبها النزعة الوثوقية مبررات وجودها.
*فعلى المستوى السياسي: انهارت الدكتاتورية، وفشلت سياسة القطب الواحد، وحلت محلها الديموقراطيات والتعددية الحزبية والمجالس البرلمانية والحركات النقابية ومنظمات حقوق الإنسان…الخ.
*وعلى المستوى الفكري: تراجعت فلسفة الميتافيزيقا التي تسعى إلى معرفة الحقيقة المطلقة الكامنة وراء الظواهر، حيث تحول اهتمام الفلاسفة من المركز إلى الهامش، وظهر جيل جديد: نيتشه F.Neitzshe، هيدكر M.Heidegger، ميشيل فوكو M.Foucault، جاك دريدا J.Derrida وغيرهم، يدعو إلى تقويض فلسفة المركز وإعادة الاعتبار لما اعتبرته هذه الفلسفة هامشا. فلم تعد الفلسفة مع هؤلاء بحثا عن الحقيقة المطلقة بقدر ما أصبحت خلخلة دائمة لسلطة الحقيقة وإقرارا بنسبيتها وتعددها بحسب تعدد التأويلات.
*وعلى المستوى الاجتماعي: عرفت بنية العلاقات الاجتماعية تطورات تجلت في تعدد فرص التواصل بين مختلف الأجناس والثقافات، هذا التواصل الذي فرضته عدة عوامل من قبيل الهجرة والسياحة والمثاقفة والثورة الإعلامية الحديثة أدى إلى خلخلة النظام الحضاري للمجتمعات، واستتبع ذلك تغير في هوية الذات التي أصبحت محملة بثقافات متباينة.
*وحتى المستوى العلمي الذي تحكمه الموضوعية لم يسلم من هذه التحولات حيث حلت فيه النسبية محل الإطلاق.
*هذه التحولات المهولة أدت إلى تحول في البنية الفكرية: حيث غيرت الذات من موقعها ومن نظرتها للأشياء، فبعدما كانت ذاتا متعالية عارفة تنظر إلى الأشياء من أعلى، أصبحت الآن واعية بأنها لا تنتج معان، ولا تبشر بحقائق نهائية، ولكنها تتسلح بوسائل شتى للبحث عنها.
ولما كانت نظرية التلقي مظهرا من مظاهر هذا التحول، فإنها انطلقت، بدورها، من تصور الظاهرة الأدبية مخالف للتصورات السابقة. ووفق هذا التصور، لم يعد منطق ملكية الحقيقة هو الذي يحكم النظرة إلى المؤلف، ولكن منطق البحث عنها عن طريق إعادة النظر الدائمة فيما أنتج كحقيقة، ويستتبع ذلك أن النص لم يعد ينظر إليه باعتباره تعبيرا عن مقصدية مبدعة لا غير، ولكنه أصبح يتحدد من خلال تفاعله مع قرائه، وهذه العملية هي التي تكسبه حيويته وتجدده المستمر، وبموجب ذلك أصبحت النظرية الأدبية اليوم تتجه إلى الاهتمام بالتواصل الأدبي وضبط ميكانيزماتهn



[1] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref1) Elrud Kunne – Ibch et D.W.Foukkema : (La théorie littéraire au XXè siècle), in : La théorie de la littérature, Ouvrage coll. Dirégé par Henri Hierche et présenté par Kibédi Varga.ed.Picard, Paris, 1981, p29.

[2] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref2) Ibid, p30.

[3] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref3) Ibid, p30.

[4] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref4) Sainte-Beuve : Pour la critique, Gallimard, 1992, p154.

[5] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref5) انظر لانسون: (منهج البحث في تاريخ الأدب) ترجمة: محمد مندور ضمن كتاب النقد المنهجي عند العرب، دار نهضة مصر للطباعة والنشر الفجالة (د.ت)، ص411.

[6] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref6) نفسه، ص401.

[7] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref7) ديفيد روبي، (النقد الجديد الأنجلو-أمريكي)، ضمن كتاب النظرية الأدبية الحديثة، ترجمة سمير مسعود، منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1992، ص124 وما بعدها.

[8] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref8) نفسه، ص22 وص237 وما بعدها.

[9] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref9) رامان سلدن: النظرية الأدبية المعاصرة، ترجمة جابر عصفور، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 1991، ص206-207.

[10] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref10) انظر في هذا الصدد بيير زيما: النقد الاجتماعي، ترجمة عايدة لطفي، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع القاهرة، ط1، 1991، ص47 وما بعدها. وكذا تري إيجلتون: (الماركسية والنقد الأدبي)، ترجمة جابر عصفور، مجلة فصول، محور الأدب والإيديولوجية، ج1، المجلد الخامس، العدد الثالث، أبريل/مايو/يونيو 1985، ص29 وما بعدها.

[11] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref11) روبرت هولب: نظرية التلقي: مقدمة نقدية، ترجمة عز الدين إسماعيل، النادي الأدبي الثقافي بجدة، ط1، 1994، ص77.

[12] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref12) بوريس إيخنباوم: (نظرية المنهج الشكلي)، ضمن نصوص الشكلانيين الروس، ترجمة إبراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين ومؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، ط1، 1982، ص41.

[13] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref13) نفسه، ص41.

[14] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref14) أخذا عن روبرت هولب، ص72-73.

[15] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref15) نفسه، ص73.

[16] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref16) توماتشوفكي: (نظرية الأغراض)، ضمن نصوص الشكلانيين الروس، ص175.

[17] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref17) نفسه، ص175-176.

[18] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref18) نفسه، ص176.

[19] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref19) نفسه، ص175.

[20] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref20) نفسه، ص178.

[21] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref21) نفسه، ص179.

[22] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref22) نفسه، ص178.

[23] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref23) نفسه، ص178.

[24] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref24) نحيل في هذا الصدد على المحاضرة التي ألقاها جاكوسيون سنة 1960 وبلور فيها كل أفكاره عن الشعر، وكانت تحت عنوان (اللسانيات والشعرية)، ترجمها إلى العربية الأستاذان محمد الوالي ومبارك حنون ضمن كتاب قضايا الشعرية، دار توبقال للنشر، ط1، 1988، البيضاء.

[25] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref25) تيري إيجلتون: مقدمة في نظرية الأدب، ترجمة أحمد حسان، نوارة للترجمة والنشر، ط2، 1997، ص87.

[26] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref26) Elrud Kunne – Ibch et D.W.Foukkema, op.cit, p45.

[27] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref27) Ibid, p43.

[28] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref28) Ibid, p43.

[29] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref29) Ibid, p44.

[30] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref30) انظر على سبيل المثال، ص119 من كتاب ياوس:
Pour une édhétique de la réception, Gallimard, 1978.

[31] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref31) آن جفرسون: (البنيوية وما بعد البنيوية)، ضمن كتاب النظرية الأدبية الحديثة، ص166.

[32] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref32) مقدمة في نظرية الأدب، ص95.

[33] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref33) نفسه، ص98.

[34] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref34) نفسه، ص96.

[35] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref35) آن جفرسون: المرجع السابق، ص164.

[36] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref36) امبرطو إيكو: (ملاحظات حول سيميائيات التلقي)، ترجمة محمد العماري، ضمن مجلة علامات، عدد 10/1998، ص27-28.

[37] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref37) خوسي ماريا بوثويلو ايفانكوس: نظرية اللغة الأدبية، ترجمه عن الإسبانية الدكتور: حامد أبو أحمد، سلسلة الدراسات النقدية، دار غريب للطباعة القاهرة، ط1، 1991، ص119.

[38] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref38) محمد مفتاح: (من أجل تلق نسقي)، ضمن نظرية التلقي: إشكالات وتطبيقات، منشورات كلية الآداب الرباط، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء 1993، ص44.

[39] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref39) ورد في مقالة الرود إبش وفوكيما السابقة: "إن القاسم المشترك بين مختلف تيارات نظرية التلقي يكمن في نظرتهم إلى النص باعتباره دليلا". انظر ص36.

[40] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref40) "الإبدال" أو "الصيغة"، مفهوم مستوحي من فلسفة العلم عند "ت.س.كون" Thomas S.Kuhn ويشير إلى الإطار العلمي للتصورات والفرضيات الفاعلة في عصر من العصور. وهو مفهوم يعني أن "العلم" يظل يقوم بعمله التجريبي داخل عالم عقلي لصيغة بعينها، إلى أن تحل صيغة جديدة محل الصيغة القديمة، وتطرح مشكلات وتؤسس فرضيات جديدة. انظر رامان سلدن: النظرية الأدبية المعاصرة، ص192.

[41] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref41) محمد مفتاح: (من أجل تلق نسقي)، ص45.

[42] (http://www.aljabriabed.net/n27_11musaidi.%282%29.htm#_ednref42) (ملاحظات حول سيميائية التلقي)، ضمن مجلة علامات، ص26.