المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نظرة في ثقافة الغرب


عبدالناصر محمود
04-12-2012, 06:19 AM
نظرة في ثقافة الغرب
ـــــــــــــــــــــــــــــ

ـ الحياة مجال صراع بين بني البشر ، وكثير من البشر يجهل حقيقة هذا الصراع ، فيقضي نحبه في صراع يدمره ويهلكه ، وقد وجه الإسلام أبناءه إلى مصارعة الباطل ، وأمرهم بناصرة الخير .

ـ والإسلام أمر بمصارعة الباطل في حنايا النفس الإنسانية ، وفي داخل المجتمع المسلم ، كما أمر بمصارعة الباطل في معاقله ، وهي تلك المجتمعات التي تقيم حياتها بعيداً عن هدي السماء .

ـ ولقد أهدى الإسلام الحياة والنور والضياء الحق ، وأنقذهم من الجهل والشرك والضلال ، ولكن البشر يأبون إلا يحاربوا الخير والهدي ، ويصرون على الحياة في الظلام .

ـ لقد كان الإسلام ديناً زاحفاً يهاجم الجاهلية في معاقلها ، وكانت ثقافته ثقافة زاحفة أيضاً ، وقد كان تأثير الإسلام وثقافته في العالم كله تأثيراً كبيراً ، وكان همّ كثير من الأمم كاليهودية والنصرانية والمجوسية حماية مجتمعاتهم من هذا الدين الآسر الزاحف ، ثم حاولوا مهاجمة الإسلام ، وقذف النصارى بمئات الألوف من أبنائهم في هجمة شرسة على معاقل الإسلام ، ولكن المسلمين أطاحوا بهم وردوهم على أعقابهم بعد جهاد مرير ، وتلك الحروب هي التي عرفت " بالحروب الصليبية " في التاريخ .

ـ وعاد الصليبيون إلى ديارهم وقد فتح الشرق أعينهم على كثير من الحقائق العلمية ، وغيَّر كثيراً في تفكيرهم ، ولم تزل علوم المسلمين تعمل عملها فيهم ، حتى ثاروا على الأغلال والآصار التي قيدتهم الكنيسة بها ، فرجال الدين النصراني كانوا يمارسون هيمنة على المجتمعات النصرانية باسم الدين ، وكانوا يحاكمون ويقتلون ويسجنون ، ولكنهم لم يكونوا بقادرين على تقديم الأنموذج الممتاز للأمة النصرانية ، فالمبادئ التي يعتقدونها تعتبر الرجل الفاضل هو الذي يهرب من الحياة وينقطع للعبادة ، ولا يعافس زوجة ولا ولداً ، ولكن الفطرة تغلبهم على هذا الانحراف الفكري ، فيرتد إلى انحراف عملي ، فتصبح كثير من الأديرة مباءة للفسق والفجور ، ويتحول كثير من رجال الدين إلى كانزي مال ، يكدسون منه في دورهم ما يعييهم حمله وحفظه ، ويشرعون من الطرق لاكتسابه ما يمجه الدين والعقل ، وما بيعهم لصكوك الغفران وتعاملهم بالربا ببعيد عن أذهاننا { يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِن كَثِيراً مِّنَ الأحبَارِ وَالرُّهبَانِ لَيَأكُلُونَ أموَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرهُم بِعَذَابٍ ألِيمٍ }[التوبة:34]

ـ وقام العلماء المتنورون بمحاربة الكنيسة ومخالفتها خاصة في الآراء العلمية التي تبنتها الكنيسة ، وعدتها من الدين ، وما هي من الدين .
ـ وأقام رجال الكنيسة محاكم التفتيش ، ودفعوا بالألوف إلى المشانق والمقاصل ، ودفنوا الأحياء ، وأخيراً أنهار الجدار الصلب تحت ضربات رجال النهضة العلمية ، فاندحر رجال الدين إلى أديرتهم وكنائسهم ، وقصرت مهمة الدين على التعبد ، أمّا الحياة فقد أصر المتنورون على إخراجها من سلطان الكنيسة ، وأصرَّ البشر على حكم أنفسهم بأنفسهم .
ـ وابتعد النصارى كثيراً عن الدين النصراني ، وأنشؤوا ديناً يقوم على احترام المادة ، والتحلل من الدين ، وأصبح الدين المهيمن هو النفعية العنصرية ، وسرت هذه النفعية في دم قادة تلك الأمم ومفكريها وشعوبها ، وأصبح الإنسان مهما كان اتجاهه في عالم الغرب يعرف ديناً واحداً هو الرقي المادي ، وأصبح الاعتقاد السائد أنه لا غاية في الحياة إلا أن يجعلها الإنسان حرة طليقة من كل القيود، وأقاموا معابد لهذا الدين الجديد ، وهي تتمثل في المصانع العملاقة الضخمة ، ودور السينما ، ومختبرات الكيمياء ، ودور الرقص ، وكهنة هذه المعابد هم رؤساء المصارف والمهندسون والممثلون وكواكب السينما ، وأقطاب التجارة والصناعة .

ـ والملاحظ أن الثقافة الغربية أهملت الروح ، وانعدم الاهتمام بها ، ذلك أن مذهب النفعية المادية المرتبط بالحياة الدنيوية الضيقة قتل أشواق الروح وتطلعاتها .

ـ وبناء الثقافة الغربية على هذا النحو جعلها تناصب الإسلام العداء، وتكيد له في السر والعلانية ، وقد استعانت على تحقيق أهدافها بما بلغته من قوة وعلم .(*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) نحو ثقافة إسلامية أصيلة ـ د. عمر سليمان الأشقر .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ