المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دير شبيغل: برنار هنري ليفي يوثِّق دوره في الثورة الليبيَّة!!


Eng.Jordan
04-12-2012, 08:54 AM
تقرير مجلة" دير شبيغل" الألمانية/ برلين/ الترجمة



http://www.thirdpower.org/image.php?xx=175&f****=myadmin/media/LefiPrenardPIC.jpg يُعتبر الفيلسوف الفرنسي برنار هنري ليفي أحد الأسباب الرئيسة التي جعلت فرنسا تؤدي دوراً فاعلاً في دعم جهود الثوار للإطاحة بالحاكم الليبي المستبد معمر القذافي. يسلط فيلم جديد اليوم، من إنتاج ليفي نفسه، الضوء على دور هذا الفيلسوف في الثورة. «شبيغل» كتبت عنه.
ماذا يريد هذا الرجل الذي يرتدي بزة رسمية وقميصاً ياقته مفتوحة؟ لا شك في أن هذا السؤال راود مصطفى عبد الجليل، قائد الثوار الليبيين، في المرة الأولى التي جلس فيها قبالة الفيلسوف الفرنسي برنار هنري ليفي.
حدث هذا اللقاء الغريب في 5 مارس عام 2011 في بنغازي في ليبيا، قبل ساعات من تشكيل المجلس الوطني الانتقالي رسمياً، وقبل أسبوعين من بدء الطائرات الحربية الفرنسية بقصف الدبابات الليبية. جسد هذا اللقاء بداية قصة غير مسبوقة عن تدخل مفكر في سياسات العالم من دون أي تفويض رسمي أو دافع غير رغبته هو. والمفارقة أن هذا التدخل حقق نجاحاً كبيراً.

هذه الصور من فيلم شارف على النهاية عن برنار هنري ليفي من إعداده ومارك روسيل، المصور الباريسي الذي رافق ليفي وصوره خلال رحلاته إلى ليبيا السنة الماضية.

يُعتبر ليفي، الذي يُعرف في فرنسا بالأحرف الأولى من اسمه وكنيته «ب هـ ل»، إحدى شخصيات هذا البلد الأكثر إثارة للجدل، ورجلاً يسخر منه النقاد غالباً لكبريائه الأسطورية. لكن من المؤكد أنه أدى دوراً بارزاً في الحرب الليبية. فقد أقنع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بلقاء قادة الثوار وحضَّه على دعمهم عسكرياً، في وقت كانت فيه حركة التمرد على شفير الهزيمة. هكذا، خاض مفكر يساري ورئيس محافظ الحرب جنباً إلى جنب، سيناريو لا يبدو ممكناً إلا في فرنسا.
http://www.thirdpower.org/image.php?xx=500&txt=thirdpower.org&f****=upload/ef283bb8cc6f8e7c5bbf4389e11aa7f9.gif
نشر ليفي (63 سنة) تجاربه هذه على شكل مفكرة يومية في الخريف الماضي، ويعمل اليوم على تقديم قصة مصورة عنها. يقول ليفي في مقهى فندق خمس نجوم في سان جيرمان على الضفة الشمالية في باريس: «يروي هذه الفيلم الوثائقي قصة رجل ضغط زراً». ما هذا «الرجل» إلا مارك روسيل، المصور الذي تحلى بالبديهة الكافية ليضغط على زر التصوير في كاميرته في لحظات حاسمة.
في ساحة قتال
لا يزال هذا الفيلم في مرحلة الإنتاج، إلا أن أحد الخبراء سبق أن أكد مدى تهور مغامرة ليفي هذه. ومن تلك اللحظات الغريبة المضحكة وإنما التاريخية أول لقاء بين ليفي وزعيم الثوار عبد الجليل.
إلى جانب عبد الجليل بدا هذا الفرنسي في غير مكانه، مثل أي فيلسوف متأنق شعره طويل متماوج في منطقة حرب. ظهرت علامات الارتياب بوضوح على وجه القائد الليبي، خصوصاً أنه لا يملك أدنى فكرة عن هوية الجالس قبالته.

يتحدث ليفي بجدية، قائلاً: «سيد عبد الجليل، لست رجل سياسة ولا رجل أعمال، أنا مجرد كاتب. لكنني أؤمن مثلك أن الأفعال أبلغ من الأقوال». يتولى رجل لا يظهر على الشاشة الترجمة، في حين يسأل رجل آخر نفد صبره: «هل تحمل رسالة من المجتمع الدولي؟». فيجيبه ليفي: «امنحني خمس دقائق!». يتابع كلامه متحدثاً بالإنكليزية: «منذ وصولي، لاحظت أن بإمكاننا تزويدكم بثلاثة أمور». يبدأ بتعدادها: الأول فرض منطقة حظر جوي، والثاني قصف المطارات في صبحا وسرت وطرابلس، التي كانت آنذاك معقل الرئيس الليبي معمر القذافي. أما الثالث فهو، وفق ليفي، ألا يعود القذافي يُعتبر ممثل ليبيا على الصعيد الدولي، مهمة اسندت في المستقبل إلى عبد الجليل ومجلسه الانتقالي.

راح عبد الجليل يصغي إليه بسكون، ثم يواصل ليفي كلامه مدلياً بالخطاب الأهم في حياته: «لدي صديق في فرنسا، الرئيس ساركوزي. لا أنتمي إلى حزبه، إلا أننا أصدقاء على الصعيد الشخصي. سنستقل الطائرة غداً لنصل إلى باريس صباح يوم الاثنين، وسيستقبلك ساركوزي أنت ورجالك في قصر الإليزيه. هذه الخطوة الأولى نحو الاعتراف بكم. ستكون فرنسا الدولة الأولى التي تستقبل مسؤولين من قيادة مجلسكم».
«نتصل بساركوزي»
يعتبر روسيل هذا المشهد مذهلاً وهو صوَّره بنفسه. يضحك قائلاً: «كانت تلك لحظة حاسمة أدركت خلالها أنني أشهد أمامي تطورات مذهلة. لذلك، بدأت التصوير. يا لها من خدعة كبيرة! لا بد من أن ليفي يتحلى بجرأة كبيرة ليطرح عرضاً مماثلاً من دون الرجوع أولاً إلى ساركوزي. ما زلت أذكر أني قلت لبرنار لاحقاً: وماذا نفعل الآن؟ فأجابني: هذا سهل. نتصل بساركوزي».

صور روسيل أيضاً لافي خلال تحاوره مع ساركوزي لاحقاً عبر هاتف يعمل على الأقمار الاصطناعية. أخبر ليفي صديقه الرئيس أنه في بنغازي وأن الثوار قد شكلوا لتوهم مجلساً. فهل يرضى ساركوزي بمقابلتهم؟
طلب الرئيس بعض الوقت للتفكير في هذه المسألة. بعد ساعتين، عاود الاتصال معلناً أنه سيستقبل عبد الجليل في باريس. فتسارعت الأحداث عقب ذلك. سافر الليبيون إلى قصر الإليزيه، وجن جنون وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه لأنه لم يعلم بأمر هذا اللقاء إلا لاحقاً. اعترفت فرنسا بالمجلس الانتقالي بصفته الحكومة الليبية وأقنعت الأميركيين والبريطانيين بالحذو حذوها.
http://www.thirdpower.org/image.php?xx=500&txt=thirdpower.org&f****=upload/28449d78ec5e70b5c5405a817a19878a.gif
في 19 مارس، بعد أقل من 48 ساعة على موافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على قراره بشأن ليبيا، هاجمت الطائرات الحربية الفرنسية دبابات القذافي. هكذا، قاد فيلسوف يرتدي قميصاً أبيض من تصميم «ديور» الغرب إلى الحرب.
تضيء عينا ليفي عندما يُسأل عن لقائه الأول مع عبد الجليل، فلا تزال لعبة المراهنات التي دخلها آنذاك تثير الحماسة في نفسه. يذكر: «كان رهاناً». ففي تلك الفترة، لم يكن قد اتصل بساركوزي منذ سنوات.
تعود معرفة ليفي بساركوزي إلى عام 1983، حين كان الأول مقيماً في نويي، ضاحية باريسية فاخرة حيث انتخب ساركوزي عمدة. في عالم باريس الصغير، لا عجب في أن يصادق مفكر يساري سياسياً محافظاً. لكنهما تخاصما خلال الحملة الانتخابية عام 2007، عندما دعم ليفي المرشحة الاشتراكية سيغولين رويال. حتى إن مستشار ساركوزي، هنري غاينو، نعت الفيلسوف بـ»الغبي المدعي».
لا تصويت لساركوزي
منذ حربهما المشتركة في ليبيا، توطدت العلاقة بين ليفي والرئيس على نحو وثيق. يوضح ليفي: «اكتشفت فيه جدية راقتني، صلابة لم أعهدها فيه، وإخلاصاً للوطن والتاريخ. صحيح أن هذا الواقع سيصعب عليه التصويت ضد ساركوزي في الانتخابات الرئاسية المقبلة، لكنه يضيف: «تتضمن حملته الكثير من التفاصيل التي أرفضها. لذلك، لن أصوت له». فلا يمكنه تحمل سعي ساركوزي إلى تجييش الناس ضد المسلمين والأجانب.
على رغم ذلك، لا تزال العلاقة بين هذين الرجلين قوية، بعدما أسدى كل منهما خدمة للآخر. فقد مكَّن ليفي الرئيس الفرنسي من تحقيق أكبر نجاح في السياسة الخارجية منذ تسلمه الحكم، في حين أن ساركوزي ساعده ليحول رغبته القديمة في التأثير في سياسات العالم إلى حقيقة.

سعى ليفي إلى تحقيق رغبته هذه مرات عدة سابقاً. خلال الحرب البوسنية، سافر للقاء زعيم المسلمين البوسنيين علي عزت بيغوفيتش، وقابل في أفغانستان الجنرال أحمد شيخ مسعود، وقدّم لهما العرض ذاته قائلاً: أريد أن تأتيا إلى باريس وتلتقيا الرئيس. لكن لم يعرب أي من الرئيسين السابقين المعنيين، فرانسوا ميتيران وجاك شيراك، عن استعداد للمساعدة. يذكر ليفي: «لا أسأم من المحاولة، فقد أمضيت حياتي في اختبار الأشياء».
يشبه ليفي التزامه بالثورة الليبية بما حققه الكولونيل الفرنسي فيليب لوكليرك. فبعد مسيرة الانتصار الأفريقية لقوات فرنسا الحرة عام 1941، قطع لوكليرك وعداً سماه «قسم الكفرة»: «أقسم ألا نلقي السلاح حتى ترفرف ألواننا، رايتنا الجميلة، فوق كاتدرائية ستراسبورغ». وسيحمل فيلم ليفي عنوان «قسم طبرق».
لا يساورني أدنى شك
لم يستطع ليفي البقاء في باريس بعدما بدأ حلف شمال الأطلسي غزوها في شهر مارس الأخير. فقام بخمس رحلات إلى ليبيا وجال في منطقة الحرب برفقة روسيل، مساعده وحارسه الشخصي. قصدا مصراتة ثم جبال نفوسة، واحتفلا في طرابلس بعد سقوط القذافي.
التُقطت آلاف الصور لليفي في الصحراء، وهو يقف أمام الدبابات ووسط الحطام والركام، ونُشرت في صحف عدة حول العالم. في إحدى الصور، بدت بزة ليفي مناسبة تماماً، ولا نخطئ إن تخيلنا أنه سيظهر بإطلالة مماثلة في هذا الفيلم الوثائقي. يروي البطل نفسه القصة. كذلك يظهر ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في الفيلم، فيتحدثان في مقابلات عن تجاربهما في الحملة على ليبيا.

على رغم مرور أكثر من سنة على زيارة ليفي الأولى إلى بنغازي، ما زالت ليبيا تتخبط وسط الصراعات. فلم يتضح بعد متى ستُجرى الانتخابات. ويفتقر هذا البلد إلى قيادة، فيما تتقاتل الميليشيات سعياً إلى الإمساك بزمام الحكم. يوضح ليفي: «يقول الناس ما يحلو لهم. ليبيا في وضع أفضل بكثير مما تصفها وسائل الإعلام. لا تسنّ الميليشيات القوانين، وقد قطعت عملية نزع السلاح شوطاً كبيراً وعادت الحياة إلى سابق عهدها في بنغازي وطرابلس، فضلاً عن أن الإسلاميين أضعف مما هم عليه في مصر». بدا ليفي في كلامه هذا كما لو أن انتقاد عملية النهوض بليبيا قد مسته شخصياً. صحيح أنه في رحلته الأخيرة صور داخل بعض السجون بسبب كثرة المخاوف التي أثارتها تقارير عن عمليات تعذيب، إلا أن ليفي لم يتخلَّ عن حذره، بل اكتفى بالقول إن ما شاهده «شكّل مفاجأة إيجابية بالنسبة إليه».

يرفض ليفي أن يدع المتشائمين يقللون من أهمية حملته. فقبل سنة، عندما كان جالساً مع عبد الجليل، يؤكد ليفي أنه لم يعرف ما ستكون عليه نتيجة رهانه. يضيف: «أما اليوم، فأنا سعيد وقلق، لكن سعادتي أكبر من قلقي. أظن في أعماقي أنني كنت محقاً. لا يساورني أدنى شك في ذلك».