المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مستقبل الشرق الأوسط في النظام العالمي الجديد


Eng.Jordan
04-12-2012, 08:06 PM
هذا البحث قدم في 15/8/1999 لنيل احدى الجوائز العربية وهو قد نال المرتبة الأولى لهذه الجائزة. وينتمي البحث الى ميدان المستقبليات. من هنا وجوب قراءته بالعودة الى زمن كتابته. اذ أن ما تحقق من الرؤى المطروحة فيه يجعل قراءته الراهنة وكأنها نشرة اخبارية. ولعل أهم توقعات المؤلف هو انعدام الوفاء الأميركي للأصدقاء وللسعودية خاصة. واضطرار هذا البلد لتحمل التبعات الأميركية / أنظر الدور المستقبلي للسعودية.
ولعل أهم توقعات المؤلف ،التي وجدت تحقيقها، هو توقعه إعلان الشرق الأوسط الكبير والمترامي الأطراف. إلا أن الشرق الأوسط الذي يشير له المؤلف هو الشرق المسلم الممتد حتى حدود الصين ومعها الجمهوريات الإسلامية السوفياتية السابقة. أما عن شمال أفريقيا فهي منطقة تضم الى هذا الشرق في ظل تفاهم أميركي - أوروبي وتفصل عنه في غياب هذا التفاهم. وعليه يجب توقع إرتباط ضم الشمال الأفريقي للشرق الأوسط ببورصة العىقات الأوروبية الأميركية.
هذه القراءة سوف تجعلنا ندرك أن تغيير خارطة المنطقة وتعريف الشرق الأوسط ومعهما التهم التي تساق للسعودية وسورية وغيرهما من الدول العربية والاسلامية في تقرير بارد وغيره هي تهم معدة سلفاً ولا علاقة لها لا بالإرهاب ولا بحوادث 11 ايلول.
من طبيعة الأشياء أن يقوم المنتصر في حرب عالمية بإعادة ترتيب جغرافية العالم بما يظن أنه يخدم مصالحه. وهكذا حصل في الحربين العالميتين وهذا ما نشهده يحصل بعد نهاية الحرب الباردة. وهذا يعكس التغيير العميق في دلالات المصطلحات الجغرافية الطابع. فكلمة "روسيا " كانت تعني أثناء الحرب الباردة الإتحاد السوفياتي بجمهورياته. أما الآن فإنها تعني الجمهورية الروسية بحدودها الضيقة نسبياً.
والحروب لا تكتفي بإعطاء دلالات جديدة للأسماء أو المصطلحات القديمة بل إنها تولد أسماء جديدة ( مثل جمهورية البوسنة -الهرسك ) ومصطلحات جديدة مثل النظام العالمي الجديد. وهذه الأسماء والمصطلحات الجديدة تمتاز بقابلية دلالاتها للتغيير طيلة فترة الفوضى التي تعقب نهاية الحروب و لغاية إقرار توازن جديد يميز مرحلة ما بعد الحرب. فالفوضى السياسية والاجتماعية ومعها فوضى المصطلحات لا تنتهي بانتهاء الحرب التي تخلف دولاً تلملم جراحها وتجهد لاستعادة توازنها أو لإقامة توازن جديد يلائم عالم ما بعد الحرب. بل هي تنتهي بعد إرساء استقرار جديد.
وإذا ما أردنا تناول موضوع "موقع الشرق الأوسط في النظام العالمي الجديد" فإننا نصطدم بالغموض الذي يحيط بالمصطلحين ويلف دلالاتهما. فلكل من المصطلحين دلالاته الآنية القابلة للإستبدال لاحقاً. ولاحدهما، الشرق الأوسط ، دلالات ملتبسة ومعنى جغرافياً لابد له من التغيير في المستقبل القريب. كما يتمتع هذا المصطلح بتاريخ طويل من الفوضى الدلالية التي طرحت العديد من الردائف والمسميات البديلة. فهو حيناً "الشرق الأدنى" وأحياناً "المشرق العربي" وتجاوزاً "الضفة الشرقية – المتوسطية" وغالباً "الشرق الأوسط" منذ ثبوت التفوق الأميركي خلال العقدين الأخريين للحرب الباردة.
"النظام العالمي الجديد" مصطلح أطلقه الرئيس بوش 1991 للتدليل على تفرد الولايات المتحدة في حكم العالم و مسؤوليتها عن إعادة تنظيمية وفق المبادئ الديمقراطية – الليبرالية. لكن الرئيس كلينتون أدرك ضخامة هذه المسؤولية فشارك فيها دول حلف الناتو. حيث استراتيجية الحلف الجديدة تعترف بالشراكة الأوروبية (على حساب الإتحاد الأوروبي) وتتنازل عن التفرد الأميركي بالإلتزام بهذا الحلف. كما تعترف هذه الإستراتيجية بوجود منطقة محظرة عليها هي منطقة الشرق الأقصى لتتخطى في المقابل جغرافية الحلف فتدخل في إطار مصالحه كلاً من الدول الأوروبية غير الأعضاء في الحلف ومنطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط وآسية الوسطى . مع السعي لتوسيع الحلف كي يضم أوستراليا مثلاً. وهذه التغيرات تبين فقدان المصطلحات لمعانيها لدرجة تقتضي تغييرها. وعليه فإن النظام العالمي الجديد يتحول إلى الحلف العالمي الجديد والإتحاد الأوروبي يتحول إلى أوربا الأطلسية وقس عليه.
ومصطلح الشرق الأوسط سيحتاج بدوره ، قريباً إلى تسمية أخرى بعد التغييرات المتوقعة فيه. حيث يتوقع تكريس عضوية أعضائه الجغرافيين (إيران وأفغانستان وباكستان وإسرائيل) وهو تكريس يحتاج إلى مخاض سياسي عسير (إعادة ترتيب المنطقة على النمط الأميركي) دون أن ننسى عقبات مشاركة العراق في هذه العضوية. وبعد هذا وذاك فإن دول آسية الوسطى – بحر قزوين تعتبَر إمتدادات استراتيجية لتركيا وإيران بما يجعل ضمها إلى المنطقة ضرورياً. خصوصاً بوجود مصالح استراتيجية أميركية من الدرجة الأولى في تلك الدول وموقعها في الحزام الأوراسي المحيط بالصين.
وهكذا يبدو حديثنا عن موقع الشرق الأوسط في النظام العالمي الجديد وكأنه يتناول مستقبل أراضي الإمبراطورية الفارسية (جغرافيا) في ظل تقاسم نفوذ أميركي – أوروبي. وفي هذا منتهى التبسيط. لكنه سؤال يحتاج إلى أجوبة نُحاول إيرادها في هذه الدراسة.

مـدخـل :
في ما يلي لن نركز على مراحل ولادة مصطلح "الشرق الأوسط" واشتقاقه من الشرق الأدنى واختلاف الرقعة الجغرافية وحدودها المتفاوتة من آن لآخر . ذلك لاعتقادنا بأن نهاية الحرب الباردة استتبعت وسوف تستتبع تغييرات جذرية في الأطلس الجغرافي للعالم وفي قاموس مفاهيمه السياسية بحيث يستحيل علينا قراءة مستقبل منطقة ما بدون أن نأخذ في اعتبارنا هذه المتغيرات. ولعل الخطوة الأولى على هذا الطريق تكمن في مناقشة الفوضى الإستراتيجية الأميركية من خلال متابعة تجلياتها وصولاً إلى تبين مستقبل مصطلح النظام العالمي الجديد تليها مناقشة الأبعاد الإستراتجية للتحالفات الشرق أوسطية القائمة والمحتملة والتي تدفعنا للنظر إلى الشرق الأوسط على أنه منطقة مصالح وليس مجرد منطقة جغرافية. على أن لا يصرفنا ذلك عن مناقشة عوامل التوازن الإستراتيجي داخل الشرق الأوسط الجغرافي وامتداداته الاقتصادية والإستراتيجية.
1- الفوضى الإستراتيجية الأميركية :
همس مستشار غورباتشوف المدعو جورجي آباتوف في أذن أحد المسؤولين الأميركيين بالعبارة التالية :"… إننا نصيبكم بخطب جلَلٍ فنحن نجردكم من العدو.." وفي نشوة النصر فإن مثل هذه العبارة لا تترك أي صدى سوى الظن بأنها محاولة تعويضية للموقف السوفياتي الضعيف. ثم انتهت الحرب الباردة وانـهار جدار برلين ليخلّف وراءه عالماً شديد الإختلاف إلى حدٍّ يصعب استيعابه فقد تحولت دول الكتلة الشرقية إلى دول وطنية وتفكك الإتحاد السوفياتي إلى جمهوريات نفضت عنها ثوب الشيوعية لترتدي الأثواب الوطنية التي كانت ترتديها قبل ثورة أكتوبر 1917. وهكذا بدأت النهاية بفوضى جغرافية لا مثيل لَها في تاريخ البشرية وكان من الطبيعي أن تَمتدّ أصداء هذه الفوضى إلى دول العالم التي كانت موزعة بين الجبارين. وبِمعنى آخر فإن الفوضى تحولت إلى عالمية. مِمّا أغرى الدول القومية في كل منطقة للتحرك لِملء الفراغ الذي خلّفته الشيوعية. وهذا التحرك لم يكن على صعيد التسلح والأعمال العسكرية فقط بل تعداه إلى صعيد التحرك للسيطرة الاقتصادية. وأخطر من هذين التحركينِ ذلك التحرك الساعي لتكوين تجمعات عرقية. وهذه التحركات تفجّر بعضها بشكل مباشرٍ في حين يَعِدُ بعضها بالتفجر لاحقاً. مِمَا يجعل العالم في حالة الفوضى الاقتصادية والعسكرية والجغرافية.
أمام هذه الفوضى المتعددة الصعد كان لا بد للولايات المتحدة من إيجاد صيغ تكتيكية للتعامل مع الواقع الجديد. وهي قد أجادت في وضع هذه الصيغ لكنها افتقدت فجأة للرؤية الاستراتيجية الطويلة الأمد لمصالحها ولدورها في العالم. وفقدان هذه الرؤية يجعل من مصطلح "النظام العالمي الجديد" عبارة بدون مضمون. بل أنّ هذا المصطلح يكاد يتطابق مع مصطلح سابق له تاريخياً وهو مصطلح الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي لم تكن لا إمبراطورية ولا رومانية ولا مقدسة !. فهل تصح مثل هذه المقارنة؟. لنأخذ أولاً كلمة "نظام" حيث نجد عالَمَ ما بعد الحرب الباردة مزروعاً بالنِّزاعات فنعدد :
1- أزمة ناغورني-كاراباخ – (أذربيجان – أرمينيا) 2- حرب عاصفة الصحراء
3- حرب البوسنة - الهرتزك 4-حرب كوسوفو 5- صراع القبائل الأفريقية و6- العنف الجزائري و7- أزمة كشمير 8- أزمة تايوان … الخ.
والولايات المتحدة لم تكن مجرد متفرج في هذه النّزاعات أو مجرد متدخلٍ (أو حتى طرف) لِحلّها. بل هي عانت من أنعكاساتِها داخل الولايات المتحدة نفسها ولعل انفجار أوكلاهوما أحد أخطر الأمثلة حيث يتساءل هنتنغتون في مقالته "تآكل المصالح الأميركية" عن إمكانية حدوث مثل هذا الإنفجار لو كان للولايات عدواً ما ؟! حيث يخلص هنتنغتون لمعادلة قوامها : استحالة توجيه المصالح الأميركية (وضع استراتيجية متماسكة) في غياب العدو. مِمّا يعني ضمناً اعتراف هنتغتون بغياب مثل هذه الإستراتيجية. وتردّدت تُهمة الغياب هذه على لسان المستقبلي الفرنسي جاك آتالي إذ يقول : "إن إدارة كلينتون تريد أن تفرض حلولاً مؤقتة ومتخيلة لا ترتكز إلى رؤية استراتيجية متماسكة" وفي الإتجاه عينه يقول غور فيدال بأن إدارة كلينتون تتجنب إتخاذ خيارات واضحة أو تقديم رؤية كلية متماسكة. وحول هذا الإطار تتوالى الإنتقادات للسياسة الأميركية من داخل الولايات المتحدة وخارجها. ولكن دون أن يعني ذلك إهمال النّجاحات الاقتصادية التي حققتها إدارة كلينتون وهي نجاحات أكيدة وملموسة وأن كانت تستند إلى صيغ تكتيكية غير قابلة للإعتماد كاستراتيجية. وبعضهم يعتبر أن فقدان الإستراتيجية يدفع بالإدارة الأميركية للتعامل مع الأزمات من مبدأ : علاج كل حالة بحالتها (Case by Case). وفي ذلك ثغرة خطيرة لأن الكلّ يختلف عن مجموعة الأجزاء. فإذا ما عدنا للأخطار الأميركية الداخلية، التي أشار إليها هنتنغتون، أمكننا القول بأن الصيغة التكتيكية التي يعتمدها كلينتون هي تصدير الفوضى إلى العالم حتى لا تتفجر داخل بلاده. وهذا يفسر العديد من المواقف الأميركية في قيادة المفاوضات وإيصالها للطرق المسدودة التي يعقبها الطوفان. ومن الخطأ تجاهل الخوف الأميركي من الفوضى الداخلية خصوصاً بعد أن نعرف بأن الحكومة الفيدرالية تنفق ستة مليارات دولار سنوياً لمكافحة الإرهاب الداخلي. وهو ضعف المبلغ الذي وفرته من خفضها للمعونات الخارجية بعد انتهاء الحرب الباردة. إذ تدنت هذه المعونات من اثنَي عشر مليار دولار إلى تسعة مليارات دولار سنوياً(1).
ولنأخذ كلمة "عالَمي" فنجد أن تناقضات الداخل الأميركي تتحدى هذا التعبير فالميليشيات الأميركية البيضاء (المسؤولة عن انفجار أوكلاهوما) تطالب بسيادة الجنس الآري (الأبيض) وطرد الساميين والملونين(2). وهو طرح تؤدي تداعياته إلى تَهديد النسيج الأميركي التعددي. وإلى عودة كل جماعة إتنية إلى قيمها الخاصة المتعارضة مع القيم الأميركية. ومن هنا الاستنتاج بأن تناقص القدرة الأميركية على استيعاب التعدّدية في داخلها يوازي استحالة تحويل قيمها إلى عالمية. وبالتالي فإن مقطع "العالَمي" يصبح بدوره كلمة من غير مضمون ونأتي إلى كلمة "الجديد" حيث العجز الأميركي عن إنتاج استراتيجية جديدة ملائمة للواقع العالَمي الراهن، يعني أن الجديد لم يحن أوانه بعد؟ والفوضى قديمة قدم التاريخ نفسه وبناء عليه فإن "النظام العالَمي الجديد" ليس بالنظام ولا بالعالَمي ولا هو بالجديد.
2- الشرق الأوسط وصدام الحضارات
عندما يطرح الإسلام كعدو حضاري فإن الجمهور الغربي يفسر هذا الطرح عبر دلالاته الخاصة إذ يعتبر هذا الجمهور أن كل دولة إسلامية هي دولة عربية بما يعادل القول بأن صدام الحضارة الغربية سيكون صداماً مع قوميات دينية (العرب والصينين). بهذا يحتفظ هذا الطرح بعضوية كافة دول الشرق الأوسط في نادي العداء لأميركا (باستثناء إسرائيل اليهودية) وللغرب عموماً. وهكذا فإن عضوية النادي تضم بالإضافة للدول العربية (بما فيها فلسطين – حماس) كلاً من تركيا - وإيران وأفغانستان وباكستان وصولاً إلى الصين. دون إهمال الحزام الأوراسي المسلم (جهموريات سوفياتية مسلمة سابقة). وهكذا فإن مقولة صدام الحضارات تنعكس أول ما تنعكس بتغيير الدلالة الديموغرافية لمصطلح الشرق الأوسط لتحوله إلى دلالة الشرق المسلم. بما في ذلك من توسيع لرقعته الجغرافية. وهو توسيع يجد تبريره في تغيير جغرافية المصالح الإستراتيجية لدول المنطقة في فترة ما بعد الحرب الباردة. حيث نلاحظ رغبة كل دولة في تأمين مصالحها الإستراتيجية في هذا الفراغ ونعدد :
1- 1- تركيا: التي تحاول ملء الفراغ في جمهوريات آسيا الوسطى ذات الأصول التركية ولدى الأقلّيات التركية في دول أوروبا الشرقية ومنها ألبانيا المسلمة .
2 2- ايران : التي احتوت أعداد كبيرة من الأذربيجانيين هاجرت إليها عقب قيام الدولة الشيوعية. والتي تجد لنفسها حقوقاً في كافة جمهوريات آسيا الوسط المتاخمة لحدودها. كما في أفغانستان والدول التي تحوي أقلّيات شيعية.
--3 اسرائيل: التي تطالب بحصتها في ثروات آسيا الوسطى وتتخذ من تحالفها مع تركيا مدخلاً لتأمين هذه المصالح لكلا البلدين.
4- الدول العربية : الباحثة عن تحالفات جديدة لِحماية ثرواتها من الاستنـزاف وهكذا فإن حدود الشرق الأوسط الجغرافية تشهد توسعاً لا يمكن للتسمية أن تستوعبه. كما تشهد المنطقة احتمالات تصادم المصالح في ما بينها لدرجة يمكنها أن تصل إلى حدود التفجير. ولو كانت فرضية "صدام الحضارات" قابلة للاعتماد والتصديق لكانت قارب نجاة لِهذه الدول وحماية لَها من تفجر صراعاتِها الخارجية والداخلية على حد سواء. ولا نستثني إسرائيل كونَها أكثر دول المنطقة استفادة من هذه المقولة.
وهذه الوقائع تدفعنا للتساؤل عما إذا كان من الممكن احتواء صراعات المنطقة و الحؤول دون تفجرها لنجد أنفسنا في شرق أوسط مُمتد ومتجاوز لِحدوده الجغرافية ؟
أم أن الصراعات ستفجر هذه المنطقة لتحدث فيها تغييرات جذرية يصعب تحديدها بدقة؟ وهنا نجد أمامنا احتمالات متعددة :
‌أ- أن تتابع الولايات المتحدة إثارة مشاكل الأقليات في المنطقة فتقضي بذلك على توازنها الديموغرافي الراهن. بِما ينْزع عن المنطقة طابعها الإسلامي أو العربي المهيمن. فتصبح قادرة على استيعاب الحاقات جيوسياسية تمهد الطريق أمام شرق أوسطية ممتدة وغير قادرة على رفض عضوية إسرائيل ؟
‌ب- أن تركز الولايات المتحدة على مصالحها في آسيا الوسطى (حيث بلغت استثماراتها حدود الـ 200 مليار دولار) فتعمد إلى إلْهاء الدول المتاخمة لآسيا الوسطى بجملة مشاكل داخلية تجعلها عاجزة عن تَهديد هذه المصالح ؟ وبذلك تمتنع عن استمرارية الشراكة مع إسرائيل. مقابل ضمان أمنها بتسوية مع العرب أو بالحفاظ على تفوق عسكري يبقيها في إطار حرب باردة معهم.
‌ج- أن تسعى الولايات المتحدة لاستغلال القبول السياسي الذي لم يسبق لَها و أن تمتعت به في دول المنطقة لتحول كامل المنطقة إلى حزام أمني في مواجهة الخطر الأصفر سواء كان صينياً أو يابانياً ؟ مع ما يتيحه ذلك من استفادتها من ثروات المنطقة ؟ مع تحويل الشرق الأوسط إلى منطقة عولمة نموذجية ؟
ومهما يكن فإن غموض مستقبل المنطقة مرتبط بغموض الإستراتيجية الأميركية فلو نحن تحرينا أوضاع المنطقة ما بعد حرب "عاصفة الصحراء" لوجدنا أنّها شديدة السوء بالمقارنة بفترة ما قبلها. وهذا يشكل إدانة جماعية، من أطراف متناقضة، للسياسة الخارجية الأميركية. فعداك عن الخسائر الخليجية الفادحة والانْهيار العراقي فإنك تجد أن الانعكاسات الاقتصادية لِهذه الحرب تؤثر على دول الجوار الجغرافي وعلى دول العمالة البعيدة عن المنطقة. دون تجاهل العواقب التفككية لِهذه الحرب. حيث أدت لوضع مشاكل دول الشرق الأوسط الداخلية على نار متقدة . حتى بتنا نلاحظ علائم التفكك وكأنّها تنتظر الفرص حتى تنفجر.
ويكفي أن نذكر في هذا المجال الأزمات التالية :
‌أ- احتمالات تقسيم العراق والتي تولد انقسامات عنقودية في أرجاء المنطقة في حال حدوثها.
‌ب- أزمة الأقلية الشيعية في الخليج (البحرين والعراق خصوصاً).
‌ج- أزمة الجزر الثلاث بين الإمارات وإيران.
‌د- أزمة المياه مع تركيا.
‌ه- توجه المعارضة الداخلية باتجاه لعب دور السلطة الموازية وليس البديلة.
وهذا دون أن نذكر الإزمات المزمنة للمنطقة والتي عادت للظهور .
أما إسرائيل فقد تضررت بدورها من عاصفة الصحراء فهي وأن حققت فائدة اقتصادية منها فإنّها قد أفقدتْها دور الناطق باسم الولايات المتحدة والمدافع عن حقوقها في المنطقة. وهو دور طالما أحسنت إسرائيل استغلاله. وتلازم فقدان هذا الدور مع الحد من صلاحيات إسرائيل وتعرضها لضغوطات أميركية لم تتعرض لِمثلها منذ مشاركتها بالعدوان الثلاثي عام 1956. وانعكس ذلك في داخل إسرائيل بتصاعد تأثير الأصولية اليهودية واغتيالِها لرابين وإتيانِها بنتنياهو الذي صرح أن هنالك 4 إسرائيلات وليس إسرائيل واحدة في إشارة له إلى تفجر التناقضات الإسرائيلية – الداخلية. وها هو باراك يعود بإرادة أميركية ليكمل دور رابين وليتعرض لعدة محاولات اغتيال لم يعلن عنها بعد لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل السلام بالنسبة لأميركا هو مسألة استراتيجية أم مجرد صيغة تكتيكية ؟ وبالتالي هل هو سلام ؟ أم تسوية ؟ أم حرب باردة ؟
3- الموقف الأميركي من السلام الشرق أوسطي
أن تحديد هذا الموقف يقتضي أولاً الإجابة على الموقف الأميركي من صدام الحضارات. فكما أسلفنا فإن هذا الصدام يعني الصدام مع كافة الدول الشرق أوسطية وبالتالي فإن الإحتواء الأميركي لِهذه الدول يصبح ضرورياً. وإسرائيل هي أداة الاحتواء المفضلة. وفي هذه الحالة فإن السلام يفقد مبرراته في ظل الحماية الأكيدة للمصالح الأميركية في المنطقة (عبر تواجد قوات أميركية فيها).
وكان الرئيس كلينتون قد أعلن رفضه لِهذه المقولة(3) وبالتالي إسقاطها من الحسابات الإستراتيجية الأميركية(4). ويحق لنا أن لا نخشى تغيير الرئيس الأميركي القادم لهذا الموقف وذلك لعدة أسباب أهمها :
1- أن السيطرة اليهودية في الإدارة القادمة لن تكون أكبر أو أكثر تأثيراً منها في إدارة كلينتون الثانية .
2- أن الإسلام لا يمكنه في المدى المنظور أن يشكل خطراً حقيقياً على المصالح الأميركية.
3- أن صدام الحضارات ليس سوى شائعة (سنشرح ذلك لا حقاً).
فإذا ما حق لنا بعد ذلك إسقاط مقولة الصدام مع الإسلام، وأضفنا إليه الرغبة الشخصية الملحة لكلينتون كي ينهي عهده بمثل هذا الإنجاز، يحق لنا التأكيد على وجود موقف أميركي حاسم لتحقيق السلام العربي – الإسرائيلي ( عبر تسويات تتلائم وواقع القوة الإسرائيلية).لكن سيرورة السلام على طريقة كلينتون هي سيرورة من نوع خاص بحيث لا يمكن لأحد أن يتوقع من الرئيس المقبل اعتماد طريقة الحكم التفاوضي التي يعتمدها كلينتون. وتتجلى طريقة كلينتون بالتورط في المفاوضات والدخول طرفاً ضاغطاً باتجاهين. فيها وفي النهاية فإنه ينحاز للطرف الأكثر خضوعاً لضغوطاته. فهو قد أجبر الفلسطينيين في واي بلانتيشن على تقديم تنازلات تحرجهم أمام الرأي العام العربي والفلسطينِي في حين امتنع نتنياهو عن التجاوب ثم عاد وتراجع عن التنازلات المحدودة التي قدمها. وعندها بلغ التورط الشخصي لكلينتون حدود إعلان العداء لنتنياهو مع زيارة مجاملة للسلطة الفلسطينية.
أما في مفاوضات "رامبوييه" المتعلقة بكوسوفو فقد ضغط كلينتون على إبراهيم روغوفا (ممثل الكوسوفيين الألبان) وقاده إلى تنازلات هزت صورته لدى الكوسوفيين ولما رفض الصرب تقديم تنازلات مقابلة كانت حرب كوسوفو وإعلان كلينتون عن ضرورة القضاء على شخص ميلوسوفيتش.
والمشكلة الآن أن ما تبقى لكلينتون في البيت الأبيض لن يكون كافياً لإنجاز مهمة السلام وهذا سوف يسبب له إحباطاً قد يؤدي به لاتخاذ خطوات انتقامية من الطرف الأقل خضوعاً لضغوطاته. ولكنه على أية حال سيترك المهمة للرئيس المقبل الذي سيواجه خطر نهاية الفوضى الاصطناعية (أو ما سبق أن أسميناه تصدير الفوضى. الذي أجاد كلينتون لعبته وحقق المكاسب الاقتصادية لبلاده عبره) كما سيكون اهتمامه منصباً على حماية المصالح الأميركية في أماكن أخرى من العالم (دول بحر قزوين خصوصاً) وأيضاً فإنه لن يكون مستعداً لاعتماد طريقة كلينتون التورطية الأمر الذي سيتيح لإسرائيل هامشاً واسعاً للمناورة. فإسرائيل ترفض توقيع السلام في عهد كلينتون. وذلك لجمله أسباب أهمها :
1- أن السلام اليهودي مع العرب لا يمكنه أن يكون تكتيكياً لكونه اعترافاً ناجزاً بالأغيار (أي غير اليهود). وبالتالي فإن خطوة كهذه تقتضي التعرف الدقيق على حيثيات الإستراتيجية الأميركية (أقله حيال المنطقة) وبما أن هذه غائبة فإن إسرائيل سوف تماطل.
2- كانت إسرائيل تتوقع تغيرات عميقة في الأنظمة السياسية لدول المنطقة. بل أنّها مساهمة فعالة في التخطيط لهذه التغيرات. وبالتالي فإنها تفضل التريث بانتظار مناخات أفضل. بل أن نجاحها في إعادة ترتيب المنطقة قد يساعد على تجنب كأس السلام التي تفجر تناقضاتها الداخلية.
3- كانت الشيوعية مبرر المعونات الخارجية الأميركية وبانقضائها انتفى هذا المبرر. وباتت الولايات المتحدة تسعى لإلغاء هذا البند. أو على الأقل تقليصه إلى الحدود الدنيا وعليه فإن تحقيق السلام العربي – الإسرائيلي سيريح الخزينة الأميركية من المعونات المقدمة لإسرائيل. ومن الطبيعي أن تسعى هذه الأخيرة للاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من هذه المعونات.
4- أن حاجة إسرائيل (بعد السلام) للأسواق العربية سيحرمها من متعة الانغلاق على ذاتِها الأمر الذي يمكنه أن يشكل خطراً على تركيبتها الديموغرافية ذلك أن قسماً كبيراً من اليهود الشرقيين يحلم بالعودة إلى البلدان التي أتوا منها (خصوصاً اليهود الإيرانيين والمغاربة).
5- أن السلام سيحرم إسرائيل من قدرتها على التحكم بالتكاثر السكاني الفلسطيني حيث تعتمد حالياً وسائل (منها هدم البيوت ومنع بنائها) لا يمكن اعتمادها بعد السلام.
6- يمكن للسلام أن يعرض الاقتصاد الإسرائيلي لأزمات واختناقات يصعب التعامل معها بعد أن تعودت إسرائيل على اقتصاد المعونات. وهذا يعني دخول إسرائيل في سوق المنافسة وهو دخول قد يولد تناقضات وصراع مصالح بينها وبين بعض كبار الأثرياء اليهود.
خلاصة القول أن الفترة المتبقية من ولاية كلينتون ستشهد التجاذبات التالية :
1- الرغبة الشخصية الجامحة للرئيس الأميركي لتحقيق السلام في الشرق الأوسط .
2- محدودية صلاحيات الرئاسة الأميركية بالمقارنة مع الرغبة الشخصية لكلينتون.
3- تعويق الكونغرس الجمهوري لِجهود كلينتون الديمقراطي ومحاولة تأجيل السلام ليكون إنجاز الرئيس المقبل وحرمان كلينتون من هذه الفرصة.
4- المماطلة الإسرائيلية الهادفة لانتظار ظروف أفضل تخلقها المتغيرات القادمة في المنطقة. وذلك عن طريق الدخول في لعبة المسارات المتشابكة ولِهذه اللعبة حسنات وفوائد متعددة . فهي تتيح لإسرائيل إغلاق المنافذ على أحد المسارات لتفتح الحوار على مسار آخر. كما تتيح لَها إغراء كل مسار بتحقيق السبق مقابل تقديم تنازلات جديدة.
5- الإدارة الأميركية ، بالرغم من التناقضات المشار إليها أعلاه تنظر بعين العطف للشروط الإسرائيلية وتجد لِهذا التشدد مبرراً. وهو خوف إسرائيل من ابتلاع العرب لَها بعد السلام حيث علق أحد المسؤولين الأميركيين على ذلك بالقول بأن السلام سيحول إسرائيل إلى سوبر ماركت عربي.
وهذه التجاذبات ستجعل من إنجاز كلينتون للتسوية مهمة مستحيلة .
4- الشائعات العالمية
تبدو نبؤة ألفين توفلر (مؤلف كتاب تحول السلطة) في طريقها إلى التحقيق وهي تقول بأن من يملك المعلومات يملك العالم. ولعل هذه الملكية تتجسد بقدرة مالكي المعلومات (وهم عينهم محتكرو الإعلام والاتصالات ) على إطلاق شائعات عبر بضعة جمل، وتحويلها إلى عالمية متداولة وفتح أبواب الجدال حولَها. بما يزيد من ترسيخ الشائعة وتحقيقها لأغراضها . حتى يمكننا الحديث عن تطور تقنية الشائعة يوازي تطور وسائل الاتصال الناقلة للمعلومات.
والتعريف التقليدي للشائعة يصفها بأنه قضية أو عبارة نوعية مطروحة للتصديق والتناقل من شخص لآخر دون أن تكون هنالك معايير أكيدة لصدقها.
أما عن شروط نجاح الشائعة فهي تختصر تقليدياً بمجموعتين من الشروط أو العوامل وهما: 1- الأهمية .2- الغموض.
هذا وتصنف الشائعة بحسب السيكولوجيين وفق معايير تصنيف مختلفة ومن أهم أصناف الشائعات نذكر :
‌أ- الشائعة البطيئة : وهي تنتشر بصورة بطيئة ولكن على مدى زمني أوسع.
‌ب- الشائعة الاندفاعية : وهي تنتشر بسرعة فائقة لاعتمادها على إثارة انفعالات قوية.
‌ج- شائعات الأماني: ويتقبلها الجمهور دون تحري صحتها لأنّها تستجيب لأمانيه.
‌د- شائعات المشاعر السلبية : من خوف وكراهية ورغبة في الانتقام .
هـ شائعة البعبع : وهي شائعة تثير الهلع عند الجمهور ولا تترك له فرصة تحري صدقيتها .
و-الشائعة العنصرية : وتعتمد في انتشارها على المواقف العنصرية المسبقة.
ز-الشائعة الغاطسة : وهي شائعة تروج لمدة ثم تغطس لتعود فتطفوا إلى السطح من جديد في الوقت المناسب .
وبالانتقال إلى الشائعة الحديثة نجد أنها تتمتع بالمواصفات التالية :
‌أ- إنّها تعتمد على عبارة نوعية (وليس على أحداث) تتجلى بمصطلحات يتم إطلاقها عبر وسائل الاتصال المتطورة حتى تثير أكبر قدر مُمكن من الجدال والتفسيرات المتضاربة المؤدية لزيادة انتشارها لغاية التعميم.
‌ب- أن الغموض الذي يلف عالم ما بعد الحرب الباردة يخلق أجواء مناسبة لإطلاق الشائعات المرتبطة بالفوضى الناجمة عن نِهاية هذه الحرب .
‌ج- أن أية شائعة تتعلق بترتيب أوضاع العالم الجديد تملك أهمية تدعم انتشارها لكن عصر المعلومات يحد من غموض الشائعة لأنه يسهل الحصول على المعلومات التي تزيل هذا الغموض فتؤكد الصدق أو تنفيه لذلك فإن الشائعة الحديثة تستغل الفوضى العالمية لتكتسب أهمية فائقة ولتثير الانفعالات وتتجنب أزمة افتضاح الغموض بلجوئها للطروحات المستقبلية التي لا يمكن الحكم على صدقيتها إلا بانتظار ما سيأتي به المستقبل.
ولما كانت المستقبليات تعتمد مبدأ الاستقراء التاريخ وتستمد منه طروحاتِها فإنه من الطبيعي أن تكون الشائعات المستقبلية مستندة إلى هذا الاستقراء وبالتالي فإنّها غالباً ما تكون غاطسة.
وبما أن موضوعنا يتعلق تحديداً بشائعتين رئيسيتين من هذه الشائعات وهما :
1- النظام العالمي الجديد و2- صدام الحضارات (ومسرحه الشرق الأوسط).
5- النظام العالمي الجديد مجرد شائعة
أشرنا أعلاه بأنه ليس نظاماً ولا عالمياً ولا جديداً وهذا يعني أن هذا المصطلح هو مجرد شائعة منطلقة من "عبارة نوعية" ويبقى أن نلاحظ أن هذه الشائعة من نوع الشائعات الغاطسة ولتبيان ذلك يكفي أن نتذكر أحلام سيادة العالم لدى الأباطرة القدماء والجدد وأن نتذكر مصطلحات مثل "المملكة التي لا تغيب عنها الشمس" وأوهام ظهور أشخاص يسودون العالم كمثل السيد في رواية "1984" لجورج اورويل … الخ .
وإذا كنا في مجال القراءة السيكولوجية لهذا المصطلح فإننا نتسائل عن وجود دوافع عاطفية كامنة خلف صياغته. فقد أطلق المكتشفون على القارة الأميركية تسمية الأرض الجديدة أو العالم الجديد فهل لهذه التسمية حصة دلالية في المصطلح كي تمكننا ترجمته إلى "النظام الأميركي" ؟.
على أن قراءتنا لهذا المصطلح على أنه شائعة لا تكتمل إلا بطرح احتمالات الفائدة المرجوة من إطلاقها. وهي احتمالات غير خفية ومناقشتها باتت معلنة. حتى يمكن القول بأنها باتت عبئاً على الولايات المتحدة نفسها. حيث نلاحظ تراجع إدارة كلينتون عن هذه الشائعة عبر عودتها إلى سياسة الأحلاف وتدعيمها لحف الأطلسي وتأكيدها على توريط أعضائه. وأيضاً عبر العمل على عولمته ليضم أوستراليا وبعض الدول الآسيوية بحيث تصبح تسميته بالأطلسي تسمية تحتاج للمراجعة. حيث تصح تسميته بالحلف الأميركي (أو حلف العالم الجديد) وإذا كان مصطلح النظام يعني مسؤولية أيجاد قوانين تنظم العالم فإن مصطلح حلف أخف وطأة كونه يعني اتفاق أصحاب مصالح مشتركة وإبقاء منافسيهم خارج الاتفاق.
لكن التفكير في هذا الاتجاه يعني سقوط العولمة بدلالة معنى الأمركة وهو سقوط قبلت به الإدارة الأميركية عندما وقعت على بيان الأهداف الإستراتيجية الجديدة للناتو . هذا التوقيع كان بمنْزلة الإعلان عن سقوط العولمة وانبعاث سياسة الأحلاف و الولايات المتحدة تقبل بإسقاط أي مصطلح من هذا النوع إذا ما تعارض مع مصالحها. وفي حالة العولمة تحديداً وجدت الولايات المتحدة أن سوق العولمة في طريقها إلى الكساد بعد تجربة النمور الآسيوية وانهيار بورصاتها. بل هي وجدت أن هذه العولمة قد تضعها في وضع المضطرة للتدخل ولتحمل الخسائر لإنقاذ الدول المتعولمة وفي حينه كان موقف كلينتون واضحاً وصريحاً وهو :
"لن نتدخل لإنقاذ البورصات الآسيوية وبمعنى آخر فإننا سنتدخل عبر اليابان وعبر تطبيق مبادئ طوارئ البورصة الأميركية لكننا غير مستعدون لتحمل الخسائر. مِما تقدم يحق لنا استبدال مصطلح النظام العالمي الجديد بمصطلح حلف العالم الجديد في مناقشتنا لأية قضية مستقبلية ومنها "موقع الشرق الأوسط في حلف العالم الجديد".
6- صدام الحضارات مجرد شائعة(5)
بعد الإعلان الصريح لتخلي كلينتون عن هذه المقولة لم يعد من مجال لمعاملتها على أنها نبوءة مستقبلية قابلة للدخول في اعتبارات صناعة الإستراتيجيا خصوصاً وأن كلينتون أعقب رفضه هذا بخطوات عملية معاكسة لهذا الطرح.
ومهما يكن فإن هذه المقولة تملك كافة شروط الشائعة الغاطسة. فالصدام مع الإسلام شائعة تعود إلى بدايات الفتح الإسلامي وتمر بالحروب الصليبية لتتجسد بصدام بواسطة إسرائيل. ولكن هذه الشائعة بقيت شائعة وستبقى لأن الإسلام هو ديانة تبشيرية وبالتالي فإن الآخر بالنسبة له هو إنسان كامل الإنسانية (على عكس اليهودية) وهو قابل للتوبة وبالتالي للتحول إلى مسلم. وهذه النظرة للآخر تكرسها نظرة الحضارة العربية – الإسلامية للآخر في أوج مجد هذه الحضارة .
أما بالنسبة للصين فإن انغلاقها التاريخي على ذاتها يؤمن الغموض لأية شائعة تطلق حولَها وشائعة الصدام معها تعود في العصر الحديث إلى نابليون الذي حذر من إيقاظ المارد الصيني وإلى الفيلسوف الفرنسي أوغسطين كورنو الذي رشحها قطباً مواجهاً للولايات المتحدة خلال القرن العشرين (جاء الترشيح في العام 1861). ثم جاءت تسمية مارك آرثر للصين بالخطر الأصفر وتم تداول هذا التعبير على ألسنة رؤساء ومسؤولين أميركيين طيلة عقود ثم جاء هنتنغتون ليطفو بهذه الشائعة إلى السطح. منطلقاً من حيوية وضرورة إيجاد عدوْ للولايات المتحدة. وهو لم يلاحظ في هذه العجالة سطحية مقولته التي يمكن إدراجها في خانة الشائعة الاندفاعية التي تشهد انتشاراً سريعاً وإقبالاً ملفتاً لكنها سرعان ما تنطفئ وتعود للغوص (إذا كانت من النوع الغاطس).
وبناء عليه فإن حلف العالم الجديد لن يجد نفسه في صراع مع الإسلام. وبالتالي مع منطقة الشرق الأوسط. الأمر الذي يسمح له بمراجعة عقلانية لأوضاع المنطقة ولتاريخ علاقات دولها بالولايات المتحدة وبالغرب إجمالاً. خصوصاً بعد العودة إلى سياسة الأحلاف.
7- الحلف الأميركي والشرق الأوسط
قد تبدو العودة لسياسة الأحلاف مجانبة للواقع العالمي الراهن. فالحلف لا يزال يفتقد للعدو كي يصبح حلفاً. لكن حاجة الولايات المتحدة لحماية مصالحها، و*** التأييد لهذه الحماية، دفعها لاصطناع أعداء وإن كانوا دون القياس المطلوب. فبمراجعة محادثات رامبوييه نجد أن شروط يوغوسلافيا كانت شكلية أكثر منها مبدئية. وكان بالإمكان تجاوزها إلى حل سلمي مقبول لأزمة كوسوفو. لكن حاجة الولايات المتحدة إلى عدو جعلتها تخوض حرباً مقسطة (بالتقسيط) ضد يوغوسلافيا شبيهة بأقساط الضربات الأميركية المستمرة للعراق. واستناداً إلى عداء ميلوسوفيتش تم إحياء حلف الأطلسي. مع وضع استراتيجيات جديدة له قادرة على تحويله إلى عالمي. وعلى السماح له بالتدخل في مناطق مخلفة من العالم ومن بينها منطقة الشرق الأوسط. وهذا مجرد نموذج عن خدمات سياسة الأحلاف للمصالح الأميركية. إضافة لكون هذه الأحلاف بمنْزلة الإستعداد الوقائي لظهور أي عدو محتمل.
ولكن ما هي القواعد التي سيتعامل الحلف الأميركي وفقها مع دول الشرق الأوسط ؟
فهل سيستخدم تجربته في عاصفة الصحراء للضغط على دول المنطقة للدخول فرادى إلى الحلف ؟ أم أنه يفضل إحياء "حلف بغداد" نمطي بعد زوال التهديد السوفياتي لمثل هذا النمط من الأحلاف ؟
للوهلة الأولى نجد حماسة ملفتة من قبل الولايات المتحدة لتجميع دول المنطقة في حلف يتخطى حدوده الجغرافية. فقد شجعت أميركا الحلف التركي – الإسرائيلي ودعمته وأمنته من شرور المعارضات العربية والإسلامية. كما عملت على ترسيخه بتهيئة بعض الدول العربية للإنضمام إليه. ويمكن للولايات المتحدة أن تفكر باستخدام الأزمات الاقتصادية لدول المنطقة لتضغط عليها باتجاه الدخول في هذا الحلف. وبطبيعة الحال فإن هذا الحلف لا بد له من أن يتسع لعضوية الأعماق الإستراتيجية لدول المنطقة. وخصوصاً جمهوريات القوقاز والإسلام الشرق أوروبي. وتتدعم هذه الصورة الوردية للحلف الشرق أوسطي بإنْهاء حالة العداء العربي – الإسرائيلي عبر معاهدة سلام معجلة(8).
إن مثل هذا السيناريو ينتمي إلى الطوباوية أكثر منه إلى البراغماتية الأميركية. فهو يحول الشرق الأوسط إلى جنة متكفلة برعاية المصالح الأميركية. لكن هذه الكفالة لا تلغي قائمة من الأسئلة المصيرية بالنسبة لمستقبل المصالح الأميركية في المنطقة وفي طليعتها :
一- ما هي الفائدة الأميركية من إجبار أغنياء المنطقة على تبني فقرائها والدخول معهم في حلف استراتيجي ؟.
二- أن هذا الحلف يجمع بين مالكي الثروات ومالكي التقنيات العسكرية وبالتالي فإنه يشكل خطراً على المستقبل الأميركي في المنطقة .
ج- أن التناقضات بين دول هذا الحلف تجعله قابلاً للانفجار في أية أزمة مفصلية. خصوصاً وأنها تجمع بين التناقض العرقي والديني والمذهبي والثقافي واللغوي. وقبل هذه الأسباب، وكثيرة غيرها ، فإن البراغماتية الأميركية لا تؤمن أساساً بالأحلام الوردية فهي سياسة مصالح تحسن تحديد غاياتها وهي تحدد أهدافها في المنطقة على النحو الآتي(7) :
1- الدول النفطية : وتضم دول الخليج العربي والعراق وإيران.
2- التخلص من أعباء المعونات المقدمة لإسرائيل والتي لَم تعد مبررة استراتيجياً. وتسوية الصراع العربي – الإسرائيلي هي أكثر الحلول وجاهة بهذا الصدد.
3- التحكم في تناقضات المنطقة وملكية خيوطها التي تسمح بقلب الطاولة على أي نظام أو توازن يهدد المصالح الأميركية في المنطقة.
وهذه الأهداف باتت بحكم المضمونة التحقيق وهي لا تحتاج سوى لبعض اللمسات التجميلية الأخيرة لإخراجها. ومن هذه اللمسات نذكر أهمها :
1- إخراج تسوية سلام مقبولة من جميع الأطراف أو التأسيس لحرب باردة عربية – إسرائيلية.
2- إيجاد منافذ لتأمين الانفتاح الإيراني على الحلف الأميركي.
3- تعويض مشاعر الخسارة الناجمة عن عاصفة الصحراء .
4- تأمين مخرج مقبول للأزمة العراقية حيث يرجح تشجيع مخرج عربي لَها وذلك على غرار المخرج الأفريقي للأزمة الليبية.
والسؤال هنا لا يطرح حول القدرة الأميركية على تأمين ضبط الحلول بل هو يطرح حول قبول إسرائيل بتهميش دورها الإستراتيجي على هذا النحو. حيث الإغراء الاقتصادي ضعيف في هذا السيناريو لأن إسرائيل محاطة بفقراء العرب. ولأن أغنياءهم لا يحتاجون للأسلحة في ظل تحالفهم مع الولايات المتحدة. فإذا ما لاحظنا أن متوسط دخل الفرد الإسرائيلي الحالي هو في حدود الستة عشر ألف دولار سنوياً فإننا ندرك خطورة هذا التهميش على إسرائيل، فاليهودي يفضل الشتات على تدني المدخول المادي. وهو سيترك أرض ميعاده إذا ما تراجع دخله.
ولكن هل يصل الخلاف الأميركي – الإسرائيلي إلى حدود التصادم ؟
لقد وصل هذا الخلاف لغاية الآن إلى حدود تضارب المصالح والصراع الخفي. أما أن يتحول إلى صدام فهذا أمر مستبعد تماماً. فاليهود أحسنوا، عبر تاريخهم المتقطع، تجنب مصادمة الأقوياء. كما أحسنوا الهروب من أية مواجهة من هذا النوع. لكنهم أتقنوا في المقابل التخطيط طويل الأمد لإحتواء أعدائهم وتأجيج صراعهم مع الغير. ويبدو أن محاولات احتواء اليهود للولايات المتحدة قد بدأت منذ فترة ليست بالقصيرة. ومن علائم هذا الاحتواء نذكر :
‌أ- الحضور السياسي اليهودي وأثره على الحكومة الفيديرالية. ومُمارسة هذا التأثير بصورة استعراضية – استفزازية (تعكس جنون العظمة اليهودية). هذه الصورة التي كانت سبباً لردود فعل تاريخية سببت لليهود محاولات جادة لتصفيتهم. أما عن ردود الفعل الراهنة فتمثلها داخل أميركا مجموعات من الآريين المتطرفين (الميليشيات الأميركية البيضاء التي تضع الخلاص من اليهود في مقدمة أهدافها).
‌ب- التدخل اليهودي المباشر في الأسرار الأميركية الإستراتيجية. سواء عن طريق تجنيد عملاء للموساد داخل المخابرات الأميركية أو عن طريق اليهود الذين تتيح لَهم وظائفهم الإطلاع على هذه الأسرار.
‌ج- الخيانة الإستراتيجية : حيث تورد تحقيقات وزارة الدفاع الأميركية ما يشير إلى أن إسرائيل قد حصلت على أسرار القنبلة النوترونية من مخترعها اليهودي الأميركي صمؤيل كوهين. وذلك قبل إطلاع الرئيس نيكسون عليها. كما تشير هذه التقارير إلى أن إسرائيل باعت هذه الأسرار للصين لقاء مبالغ طائلة وهذا النوع من الخيانة لا يخضع عادة لاعتبارات الصفح والغفران.
‌د- إن اعتماد الإدارة الأميركية مبدأ "حقوق الأقليات" وترجمته إلى قانون يعكسان السيطرة اليهودية على العقل السياسي الأميركي. ذلك أن أثارة الفوضى الديموغرافية في أي مكان من العالم هي فلسفة يهودية بحتة. فاليهود عملوا عبر تاريخهم على استغلال مثل هذه الفوضى بعد إثارتها. وفي خضم الفوضى الإستراتيجية الأميركية الراهنة فقد تحولت هذه الفوضى إلى بديل استراتيجي ورط الولايات المتحدة في حروب صغيرة ذات منحى ديموغرافي. وصحيح أن هذه الحروب قد عادت على الولايات المتحدة بفوائد اقتصادية لكنها في الوقت ذاته ورطت الولايات المتحدة في صراعات من شأنِها تعميق العداء لأميركا وتشعيبه. بحيث يتحول إلى تهديد مستقبلي جاد للمصالح الأميركية. مثال ذلك التورط الأميركي في يوغسلافيا وما يستتبعه من تورط بلقاني مستقبلي. والتورط في القضية الكردية (خصوصاً بعد اعتقال أوجلان) وغيرها من التدخلات المعلنة وغير المعلنة.
‌ه- إن اليهود الأميركيون يهددون التوازن الاجتماعي داخل الولايات المتحدة بما يمهد لتنامي مشاعر الاضطهاد لدى الأميركيين غير اليهود إذ يبلغ متوسط دخل الفرد الأميركي حدود السبعة وثلاثين ألف دولار سنوياً في حين يبلغ مثيله لليهودي الأميركي خمسة وأربعون ألف دولار أميركي. مع ملاحظة إنكار أو كتمان عدد كبير من يهود أميركا ليهوديتهم.
ولعله من المنطقي بعد كل ذلك التأكيد على أن أية محاولة لإعادة ترتيب المصالح الأميركية، ووضعها في إطار استراتيجي، ستكون مضطرة لأن تأخذ هذه الأضرار اليهودية في حسبانها.
8- الشرق الأوسط في النظام العالمي الجديد
أن كل ما جرى في الشرق الأوسط بعد نهاية الحرب الباردة كان منافياً للمنطق ومتحدياً له. لذلك لا يمكن وصفه سوى بالفوضى. وفوضى الشرق الأوسط إن هي إلا انعكاس لفوضى النظام العالمي الجديد فالقراءة السيكولوجية الهادئة لِهذه الأحداث تبين عبثية حرب "عاصفة الصحراء". ذلك أنّها انطلقت من خلاف على مديونية محدودة وتكلفت مئات أضعاف قيمة هذه المديونية. فمن الناحية الاقتصادية نجد أن هذه الحرب قد كبّدت جميع الأطراف خسائر باتت مستحيلة التعويض. أما من الناحية السياسية - المصلحية فإن مصالح الولايات المتحدة كانت مضمونة دون حاجة لخوض مثل هذه الحرب. وكانت لَها قواعد عسكرية في دول خليجية لزيادة تأمين هذه المصالح. وفي ظل القدرة العسكرية الأميركية الفائقة فإن أية دولة من دول المنطقة لم تكن مستعدة لِخوض مواجهة حقيقية مع الولايات المتحدة. فإذا ما أضفنا إلى ذلك فعالية التأثير الأميركي وجهوزية معلوماته وجدنا أن هذا البلد كان، ولا يزال قادراً على تفجير الدول المناوئة له من داخلها. وهذا يستتبع سؤالاً منطقياً عن السبب الحقيقي لهذه الحرب ؟ و بمعنى آخر هل كان الخوف من العراق ومن إيران مبرراً لهذه الحرب ؟ وإذا كان الأمر كذلك لماذا عملت الولايات المتحدة على إنهاء الحرب العراقية - الإيرانية وتخلت عن سياسة الاحتواء المزدوج معهما ؟ أم أنّها خشية تلزيم العراق المسألة العسكرية العربية بدعمه مالياً وتحويله لا حقاً إلى رأس حربة عربي ضارب ؟ ولكن هل يتم مثل هذا التلزيم بدون موافقة أميركية ؟
وإذا نحن تخطّينا الخوض في مسألة الأسباب المبررة فإننا نصل للسؤال عن عدم استخدام الجامعة العربية لحل الأزمة الكويتية – العراقية ؟ بل عن الرفض الأميركي الحاسم لهذا الدور؟
ولو نحن سلمنا باقتصار هدف الحرب على تحقيق نسبة أعلى من مبيعات الأسلحة الأميركية للمنطقة وبالتالي استنفاد ثرواتها النفطية، فإننا نجد أن البعبع الإيراني كان قادراً على لعب الدور ؟ وتتابع الأسئلة على هذا النمط بدون أجوبة إلا تلك التي يمكن استنتاجها من خلال الحروب الأميركية الأخرى اللاحقة لحرب الخليج الثانية. ومن هذه أن الحرب كانت تؤسس لحلف إقليمي يضم أصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة. فيجمع بين إسرائيل وتركيا والدول النفطية ومصر (بحكم حجمها الديموغرافي) والأردن بحكم أهميته الجغرافية. ويضع الدول المستبعدة من هذا الحلف أو الرافضة للحاق به، تحت حصار اقتصادي متغير الدرجات.
وهذا السياق هو الوحيد المتاح أمامنا من أجل حد أدنى من استيعاب ما جرى. ويتدعم هذا النمط في التفكير من خلال جملة مؤشرات تالية لعاصفة الصحراء وأهمها :
1- عقد مؤتمر مدريد وبداية مفاوضات السلام وملحقاتها. مع الضغط غير المتوازي على مختلف الأطراف لتحقيق التسوية السلمية.
2- عقد المؤتمر الاقتصادي لدول المنطقة. حيث من الطبيعي أن تقتصر المشاركة فيه على الدول المستعدة لإعلان دخولِها في الحلف. ومعارضة الدول العربية الأخرى لِهذا المؤتمر.
3- التجسيد العملي لِهذا الحلف على الصعيد الاقتصادي بعقد صفقات اقتصادية عربية –إسرائيلية. حيث تم بالفعل عقد مئات من هذه الصفقات. ولعل صفقة بيع الغاز القطري لإسرائيل هي أكبر هذه الصفقات. وقد شاركت عدة دول عربية في هذه الصفقات عن طريق رجال أعمال ينتمون إليها .
4- تعزيز الحصار الإقتصادي على الدول المؤهلة لمعارضة هذا الحلف. ثم استثناء الأردن منها بعد إعلان التوبة عن دعمه للعراق.
وهذه المؤشرات ليست مجرد تنازلات أو تضحيات عربية بل أنها تعكس النوايا العربية الحسنة والاستعداد العربي للعمل على تحمل الأضرار الجانبية المميتة لزراعة العضو الإسرائيلي في المنطقة. وقبول إدماج هذه الدولة في المنطقة. مع ما يمكن لهذا الإدماج أن يحققه من تفخيخ العلاقة بين الدول العربية وبينها وبين الرأي العام داخل كل منها.
فماذا كانت النتيجة ؟ النتيجة كانت إصرار إسرائيل على بقائها ****ة حصرية للمصالح الأميركية في المنطقة وانقلابها على جميع الأطراف العربية الصديقة للولايات المتحدة والقابلة للإقرار بوجود كامل للدولة اليهودية والاعتراف بها شريكة في حلف استراتيجي يستبعد بعض العرب.
وهذا يدفع للسؤال عن موقف الولايات المتحدة من هذا الإنقلاب الإسرائيلي الذي تنصل من تعهداته ورفض الوفاء بإلتزاماته واضعاً الزعماء العرب المتجاوبين مع النصائح الأميركية في وضعية حرجة وأكاد أقول مهددة ؟!.
وهذا يقودنا إلى مناقشة الموقف الأميركي من الصراع العربي – الإسرائيلي قبل وبعد نهاية الحرب الباردة. حيث بات هذا الموقف مقرراً بعد الإعلان عن الحلف الأميركي.
9- الموقف الأميركي من الصراع العربي – الإسرائيلي
بعض نقاط التشابه بين الولايات المتحدة وإسرائيل تصل إلى حدود التطابق بما يكاد يحول إسرائيل إلى الولاية الأميركية الحادية والخمسين. ومن هذه النقاط نذكر :
1- التخلص من السكان الأصليين بوسائل تعتبر معيبة أخلاقياً وإنسانياً.
2- التركيبة السكانية غير المتجانسة التي تمكن المجتمع من صهرها وإيجاد لُحمة لَها قادرة على تجاوز تناقضاها.
3- خضوع إسرائيل لمبادئ الديمقراطية الليبرالية (الأميركية) وقبول التوجهات والتدخلات الأميركية بهذا الخصوص وخصوصاً إبّان الحرب الباردة.
4- التزام إسرائيل التام بخدمة المصالح الأميركية في المنطقة والعالم. بما يحولـهما إلى قاعدة إستراتيجية أميركية متقدمة. لدرجة اعتبار المخزون النووي الإسرائيلي مخزوناً أميركياً إضافياً.
وانطلاقاً من هذه النقاط فإن الإدارة الأميركية اعتبرت إسرائيل بمنْزلة قاعدة عسكرية – إستراتيجية متقدمة لحماية مصالحها في المنطقة ومنابع النفط خصوصاً. أما اليوم ومع بداية الشعور بالقدرة الأميركية على إعادة ترتيب توازنات المنطقة، بدءاً من سلام عربي – إسرائيلي ، فإن الإدارة الأميركية تحاول تسويق صورة جديدة لإسرائيل وتعميمها على الرأي العام العربي ولا شك بأن هذه الصورة كان متداولة ومعروفة لدى أصدقاء الولايات المتحدة من العرب .
ومعالم هذه الصورة هي التالية :
لقد لعبت إسرائيل دوراً هاماً في حماية المنطقة العربية. فهي حمتها أولاً من الشيوعية. فقد جاءت الشيوعية في زمن الفراغ بالنسبة للدول العربية. والتي كانت في حينها تركة الدولة العثمانية التي تقاسمتها قوى شائخة وفي طريقها للتراجع (بريطانيا – وفرنسا) بحيث كانت دول المنطقة مرشحة للخروج من أربعة قرون عثمانية للدخول في غيبوبة حضارية أخرى قد تَمتد بدورها لبضعة قرون. ولم تكن الشيوعية لتجد من يصد غزوها للمنطقة (على غرار ما فعلته في أنحاء عديدة من العالم) لولا وجود إسرائيل. فإسرائيل وحدها هي التي صانت المنطقة من الغزو الشيوعي لَها. ومن جهة أخرى فقد لعبت إسرائيل دور العدو المشترك للعرب وهو دور محرك للحمة العربية ومساهم في الحد من أخطار الخلافات العربية – العربية. التي كان يمكن لَها أن تفكك المنطقة إلى دويلات صغيرة متناحرة استناداً إلى الخلفية القبلية –العشائرية للعقل العربي. لكن وجود إسرائيل هو الذي أبقى على الحدود الحالية للدول العربية. كما أن هذا الوجود كان وقاية لهذه الدول من الأطماع التركية والفارسية. لكن العدائية العربية ذات الطابع القبلي كانت تضغط على إسرائيل وتدفعها لمحاولات حسم الصراع مع العرب عن طريق الحرب النووية. وحماية العرب من هذه الحرب لا تعود إلى وجود الاتحاد السوفياتي وإلى احتمالات تدخله إذا ما تجاوز الصراع حدوداً معينة بل أن الفضل في ذلك يعود للولايات المتحدة التي كانت تضغط على إسرائيل كي تبقى الصراع ضمن حدوده المقبولة وغير المخلة بالتوازن ولولا هذا التدخل الأميركي لأمكننا أن نشهد آثار الحرب النووية في العواصم العربية وربما في مكة نفسها. والصداقة الأميركية للعرب لم تقف عند حدود ردع إسرائيل بل هي تجاوزتها إلى تعامل حضاري مع الثروات النفطية العربية. فهي لم تستولي عل هذه الثروات كما كان يمكن لبريطانيا مثلاً أن تفعل بل هي قامت بتوزيع عادل ومنظم لعائدات النفط مما أتاح لدول المنطقة فرص الازدهار الاقتصادي والحضاري.
إن هذا المنطق يتردد اليوم داخل دوائر القرار الأميركي وداخل مجلس الأمن القومي حيث يسود الإعتقاد بأن الحل الوحيد لتحويل سكان المنطقة من البداوة إلى الحضارة يكمن في إدماج إسرائيل في هذه المنطقة. وبالتالي فإن فشل التسوية السلمية سوف يعنى ابتلاع كل من إيران وتركيا لأكبر قدر ممكن لهما من الأراضي العربية. كما سيعني اندلاع النّزاعات الدموية بين العرب أنفسهم وبهذا فإن إسرائيل لن تكون بحاجة للتورط عسكرياً كي تشهد نِهاية دول المنطقة وعليه فإن النصيحة الأميركية للعرب هي … "هيا هرولوا إلى السلام".
ويضيف بعضهم إلى هذه النصيحة تنبيه العرب إلى احتمال مساعدة إسرائيل لَهم من أجل حمايتهم من دول الجوار بل إن بعضهم يراهن بأن الحلف العربي – الإسرائيلي في مواجهة هذه الدول هو أمر واقع في حال قدوم السلام. لكن هذه التسوية تقتضي تفهم الخوف الإسرائيلي من التفوق الديموغرافي العربي. وبالتالي الخضوع لشروطها التي قد تبدو مبالغة إذا لم ننظر لعنصر الخوف هذا ؟ وهذا المنطق يتجاهل وجود الإتحاد السوفياتي وخطوطه الحمراء. التي ساهمت في الحد من قدرة إسرائيل على استخدام قوتها العسكرية ومن قدرة الولايات المتحدة على التحرك بحرية في المنطقة. وأيضاً على إجراء تغييرات في جغرافية المنطقة و إذا كان بعضهم يضيف التسامح الأميركي في توزيع عائدات النفط والذي حوّل العرب إلى أثرياء فإن هذا التسامح كان مفروضاً فبدونه كان يمكن للإتحاد السوفياتي أن يعطي شروطاً أفضل وأن يتسلل إلى المنطقة.
لكن المصرين على هذا السيناريو يقولون بأن الإتحاد السوفياتي كان القطب الأضعف وبأنه كان يعاني دوماً من مشاكل اقتصادية. الأمر الذي كان يسمح للولايات المتحدة باعتماد سيناريو مضاد للعرب لو هي أرادت.
واختصاراً للجدل نسأل عن المواقف الأميركية بعد نهاية الشيوعية فنجد تغييراً جذرياً في هذه المواقف إذ ورطت أصدقاءها العرب في صراع عسكري مع عرب آخرين. وهي الورطة التي بدأت بعاصفة الصحراء ولم تنتهي بها. وبمعنى آخر فإن الولايات المتحدة قد عمقت التزامها بحماية هذه الدول على حساب تراجعها عن ضمان حيادها. والمصلحة الأميركية غير خافية في هذا التعميق إذ يمكن التأكيد على أن الولايات المتحدة كانت الرابح الوحيد من هذه الحرب. (ومعها إسرائيل طبعاً).
عند هذا الحد يمكن التساؤل عما إذا كان الربح (المكاسب الاقتصادية والتواجد العسكري) هو الدافع الأميركي الأوحد لعاصفة الصحراء ؟ ويسهل الجواب على السؤال بعد مضي كل هذه السنوات حيث نعيش ما خلفته هذه الحرب من فوضى عربية استراتيجية - شاملة ومن تجلياتها :
1- تحولت أنظمة الحكم في المنطقة إلى مهددة. وهو تهديد لا تمكن مواجهة إلا بالدعم الأميركي أو على الأقل فإن الولايات المتحدة باتت تملك القدرة على التهديد المباشر لأنظمة الحكم في المنطقة. وتحت وطأة هذا التهديد تم اقتياد الدول العربية إلى مؤتمر مدريد واستدراجها إلى ملحقاته. وإذا أردنا أن نكون أكثر ديبلوماسية فإننا نختصر القول بأن أنظمة الحكم العربية تأمركت بعد عاصفة الصحراء.
2- عدم تنفيذ قرارات إعلان دمشق. بِما يعكس عدم جدية النظر لأي تكامل عربي.
3- التوتر داخل التجمعات العربية القائمة بما يقطع الطريق أمام أية جهود عربية جامعة ويبقي على قابلية الخلافات العربية – العربية للإنفجار.
4- تطبيق سياسة الحصار الاقتصادي الأميركية على عدة دول عربية. مع عدم وجود موقف عربي جامع حول هذه الحصارات.
5- العجز عن عقد قمة عربية بالرغم من الزلازل العاصفة التي تتعرض لها المنطقة.
6- بروز خلافات جديدة تستند إلى مبدأ علاقة الأخ الغني بالأخ الفقير. وهي خلافات تجذر الشقاق العربي وتنقله من حيز السياسة إلى مستوى التعصب القطري الذي يحول العداء من السياسي إلى الفردي.
7- تحول الدول العربية الغنية إلى دول مدينة بما يعكس تسرب ثروات هذه الدول وفقدانها لوضعها كعمق استراتيجي – اقتصادي عربي وإسلامي.
وباختصار شديد فإن هذه الفوضى جعلتنا عاجزين عن التوجه في الزمان والمكان ومعه العجز عن تحديد موقفنا من الآخرين (بما فيهم إسرائيل) وأيضاً من بعضنا البعض وهذا هو الأخطر. الذي يبشر بخلافات جديدة بدايتها فقدان التوجه في العلاقة مع الجارتين الإقلميتين الكبيرتين : تركيا وإيران وبما يستتبع السؤال عن إمكانية توجهنا توجهاً صحيحاً في المفاوضات مع إسرائيل ؟
8- المستقبليات ودول المنطقة .
تنعكس الفوضى الاستراتيجية الأميركية على العالم ومنه دول المنطقة. بحيث يرتبط بمستقبل هذه الدول بقدرة الولايات المتحدة على تكوين إطار استراتيجي جديد لمصالحها في المنطقة. ولعله من الممكن اعتبار الشرق الأوسط أحد أوضح مناطق العالم في الرؤية الاستراتيجية الأميركية. الأمر الذي يتيح إمكانية تطبيق مبادئ علم المستقبليات على كل دولة من دوله على حدة أو على كل مجموعة منها على حدة ونبدأ بـ :
1- تركيا: لقد كانت تركيا دائماً بمنْزلة الصديق المزعج للولايات المتحدة. فأهميته تجعلها تتمسك به ومشاكله ونزاعاته تنفرها منه وتجعلها تتحمل التبعات والأعباء. فتركيا تعاني من جملة مشاكل داخلية بينها الأقليات العرقية (الأكراد) والدينية والمذهبية. إضافة إلى تناقض التوجهات الاجتماعية التركية وتوزعها ما بين قومية طورانية وإسلامية ويسارية وعلمانية. وذلك بحيث يحتاج ضبط الوضع الداخلي التركي إلى رقابة عسكرية مباشرة واستعداد دائم لتدخل العسكر في الحكم.
أما على الصعيد الخارجي فإن لتركيا مشاكل جدية مع كافة جيرانها (اليونان وإيران وسوريا والعراق وحتى دول بحر قزوين). ويضاف إلى هذه المشاكل عجز تركيا عن الإيفاء بشروط الإنضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة. مع ما يعكسه هذا العجز من رفض أوروبي جماعي يحرج الولايات المتحدة.
في المقابل فإن تركيا خاضعة، منذ بداية عهد أتاتورك خضوعاً كلياً للتوجهات الغربية وتالياً الأميركية وهي بذلك تقدم نموذجاً للدولة التابعة لكنه نموذج سيء ومنفر. لأنه لا يشجع بقية الدول على حذو حذوها. فقد انتهجت تركيا سياسة علمانية بحتة (بقوة العسكر أحياناً) وتخلت عن جهاز قيمها لصالح القيم الليبيرالية الأميركية. لغاية استبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني. ومع ذلك فقد عجزت عن تحقيق تنمية صحيحة لتبقى في الإطار الدول الفقيرة ولتبقى ديمقراطيتها بحاجة إلى العسكر ؟!.
وإذا كانت الولايات المتحدة مضطرة أيام الحرب البادرة لتحمل كل هذه الإزعاجات التركية فإنها لم تعد كذلك بعد نهاية الحرب الباردة فهل تفكر الولايات المتحدة بالخلاص من هذا الصديق المزعج ؟ أو تكتفي باحتوائه جزئياً لخفض سقف طموحاته ؟
أن الموقع الإستراتيجي لتركيا وإتمامها للحزام الآواراس يجعل الولايات المتحدة بعيدة عن التفكير في التخلي عن تركيا. خصوصاً بعد أن تحدد مستقبل المصالح الأميركية في منطقة القوقاز الواقعة على تخوم تركيا الشرقية. وهكذا فإن دعم الولايات المتحدة للحلف التركي مع إسرائيل هو بمثابة تعويض عن عدم قبول تركيا في السوق الأوروبية المشتركة.؟
من هنا نجد أن من مصلحة الحلف العالمي الجديد الإبقاء على تركيا أسيرة تناقضات وباحثة عن حلول لأزماتها وذلك بحيث يسهل توظيفها لمصلحة الحلف ولخدمة استراتيجياته المستقبلية. وبمعنى آخر فإن من مصلحة الحلف وضع تركيا في حالة الحرب الباردة مع جيرانها مما يجعلها بحاجة دائمة لتدخل الحلف ووساطته ودعمه. وبما يحد من جموحها في آن معاً.
2- إسرائيل : عندما يكون هذا البلد في حالة عداء مع العرب فإنه يكون صاحب حقوق والتزامات أميركية غير قابلية للجدل. فإنهاء حالة العداء هذه يعني فقدان إسرائيل للدعم والإنحياز الأميركي لصالحها. وإسرائيل غير مستعدة أن تقبل مجرد التفكير في خطوة من هذا النوع في ظل الفوضى الاستراتيجية الأميركية. فهي تريد أولاً أن ترى بوضوح تام استراتيجية أميركية حاسمة لفترة ما بعد الحرب الباردة كي تحدد مواقفها. وبانتظار ذلك فإن التفكير بسلام عربي – إسرائيلي هو مجرد سراب. ففي المرحلة الراهنة لا يوجد لدى إسرائيل أي سبب يدفعها لاستعجال أي حل نهائي لصراعها مع العرب. وأن كانت الفوضى العربية الراهنة شديدة الإغراء بالنسبة لَها. وهي ستستغلها من أجل تسويات مؤقتة تحقق لها الأهداف الإستراتيجية التالية.
‌أ- الأمن الإسرائيلي : حيث قوة الردع العسكري تضمن أمن إسرائيل في وجه الحروب مع الجيوش العربية. ويبقى الأمن الإسرائيلي في مواجهة الحركات ذات الطابع الفدائي (الإرهاب العربي كما تسميه إسرائيل) وهذا يقتضي تحقيق تسوية تلزم الدول العربية بعدم احتضان هذه الحركات (حتى لا تجد لها مقراً للإنطلاق) وعليه فإن الإنسحاب من لبنان سيكون من الأولويات الإسرائيلية ويتبعه تعهدات عربية بعدم احتضان زعماء هذه الحركات.
‌ب- حرق الأوراق العربية : بمعنى تسجيل اختراقات في المواقف العربية المبدئية تجاه إسرائيل (مثال السعي الأميركي – الإسرائيلي الحثيث لاستغلال جنازة ملك المغرب الحسن الثاني لالتقاط صورة ومصافحة بين الأسد وباراك. لكن الأسد تغيب وتجنب هذا الفخ الذي يعني الكثير (ومِما يعنيه تقديم إذن سماح لكافة العرب الراغبين في الاتصال مع الاسرائليين). وهذه الورقة فائقة الأهمية بالنسبة لإسرائيل لأنها تفتح أمامها أبواب اختراقات إسرائيلية اقتصادية وثقافية. لذلك فإنه من غير المستبعد أن يتعجل باراك ترتيب لقاء له مع الأسد سواء عبر وساطة أميركية أو عربية أو حتى بإعلان رغبته بزيارة دمشق.
‌ج- وهذه الأوراق قد لا تبدو بالأهمية الحقيقية لها. إلا أن العارفين ببواطن الأمور يدركون أن مثل هذه المواقف هي من معايير التوجه القليلة الباقية لدى الرأي العام العربي الفاقد توجهه وعليه فإنّ التسوية مع العرب تتيح لإسرائيل حرق هذه الأوراق العربية. مِما قد يحول الرأي العام العربي إلى ما يشبه الفوضى الكلية.
ج- تشجيع الفوضى الديموغرافية : استناداً إلى تاريخ الشتات اليهودي هنالك قناعة إسرائيلية راسخة مفادها قدرة الفيتو اليهودي في بلدان العالم على تحقيق مكاسب تفوق حجمه بأضعاف مضاعفة. لذلك فإن إسرائيل مستعدة دائماً للتورط في مناطق الفوضى الديموغرافية. كونها تحسن جني مكاسب هذه الفوضى. ومن هنا عملها الدائب على إثارة مشاكل الإقليات في كل بقاع العالم. أما في الداخل الإسرائيلي فإن بناء المستوطنات هو أداة الفوضى الديمغرافية التي قامت إسرائيل على أساسها. على أن تشجيع إسرائيل لِهذه الفوضى لا يقف عند حدود بناء المستوطنات بل يتعداه إلى سلسلة من التحركات الفوضوية في هذا الإتجاه منها :
1- استغلال التسوية القادمة من أجل مطالبة إسرائيل (بوصفها ممثلة لحقوق اليهود في العالم) بحقوق اليهود في الدول العربية. على غرار ما تفعله في مصر.
2- تسجيل اختراقات عربية بتحريك اليهود العرب تمهيداً لإعادة تصديرهم (ربما كانت بداية إعادة التصدير ستبدأ باليهود الإيرانيون).
3- إغراء الأقليات المتواجدة في الدول العربية لفتح وتعميق قنوات اتصالها بإسرائيل وذلك وفق النموذج الأميركي – الكردي (يحول الأقلية إلى مجرد ورقة للضغط).
4- تحقيق اختراقات عربية عبر المنظمات الدولية وعبر مؤسسات المجتمع المدني (خصوصاً المعتمدة منها على التمويل الأجنبي).
د- الهروب من السلام : إن الثمن المطلوب دفعه من قبل إسرائيل لتحقيق السلام يعتبر زهيداً بالقياس مع الثمن الذي كان مطلوباً خلال الحرب الباردة. لكن اليهود متخصصون في لعبة العرض والطلب. وعليه فإنّهم يجدون هذا الثمن باهظاً في الزمن الراهن. وهم يدركون أن تحقيق التسويات يؤمن لَهم غاية الأمن الإسرائيلي. ويدفع العرب باتجاه ترتيب أوضاعهم الداخلية. ونسيان سيرورة السلام. بِما يتيح لإسرائيل انتظار الظروف الملائمة وتحديد الوقت المناسب لإنهاء مفعول التسويات والعمل على استبدالها. إما بتسويات أخرى أو ربّما بسلام شبه تلقائي وشبه مجاني. ولعل ما يسمى بتفاهم نيسان (عقب عملية عناقيد الغضب في لبنان) خير نموذج للسلوك الإسرائيلي. حيث كان التفاهم في بدايته يكاد يعادل الإعتراف الإسرائيلي بالهزيمة. لكن إسرائيل نجحت تدريجياً في تحويله إلى ذريعة للعدوان وإلى ورقة ضغط على جميع الأطراف العربية الموقعة عليه. وصولاً إلى مطالبتها بسحب المقاومة إلى مسافة 45 كم شمال الحدود الإسرائيلية (بما يعادل نهاية المقاومة).
ه – مستقبل إسرائيل في المنطقة : لم يتخلى الإسرائيليون عن حلمهم الأسطوري بتحقيق إسرائيل الكبرى. لكنّهم يقدمون عليه حلماً أكثر واقعية هو حلم تحويل إسرائيل إلى دولة كبرى. حيث تمكن العرب بالرّغم من ظروفهم السلبية وضعفهم العسكري من الحؤول دون تحقيق هذا الحلم لغاية الآن. حيث لا يزال الإقتصاد الإسرائيلي اقتصاد معونات. وإسرائيل تريد استغلال الفوضى العالمية الراهنة (بِما فيها العربية) للخروج من هذه الوضعية. هذا الخروج الذي يقتضي إلصاق المصالح الإسرائيلية بالأميركية (تتجه التوظيفات والاستثمارات اليهودية بذات اتجاه الاستثمار الأميركي. حيث تتركز راهناً في منطقة القوقاز) بما يجعل إسرائيل مستفيدة من أي استراتيجية يمكن للولايات المتحدة اعتمادها. خصوصاً وإن البوادر تشير إلى الرغبة الأميركية بتخطي المفهوم الجغرافي للشرق الأوسط. عن طريق إلصاق مناطق النفوذ الأميركية الجديدة فيه. كما عن طريق فصله عن شمال أفريقيا الذي اعتبر لفترة طويلة امتداداً استراتيجياً للشرق الأوسط.
هذا التصور يحقق لإسرائيل مكاسب عديدة وفي طليعتها نهاية السيطرة العربية (اقتصادياً وديموغرافياً وثقافياً) على الشرق الأوسط. وهذا من شأنه أن يساعد إسرائيل على اختراق حاجز العزلة العربي القائم في وجهها منذ إعلانِها. وهكذا فإن السعي الإسرائيلي يتجه باتجاه المحاصصة مع النفوذ الأميركي. حيث إسرائيل شريكة في الحرب الباردة وفي المخاطرة بالاستثمار وبالتالي فإنّها تستمر في دور الشريك الاستراتيجي للولايات المتحدة. هذه الشراكة التي تؤمّن لَها التغذية من الدماء الأميركية. سواء عن طريق المعونات أو عن طريق تقاسم الأسواق الجديدة.
3- مصر : إن رغبة الولايات المتحدة بخفض معوناتِها تنعكس على مصر بصورة أساسية. إذ تأتي مصر في المرتبة الثانية (بعد إسرائيل) في قائمة المعونات الأميركية. وبالنظر إلى الفوضى العربية والشرق أوسطية الراهنة (والمتفاقمة خلال السنوات القادمة) فإن التوجيه الأفضل لمصر هو باتجاه دول المغرب العربي (شمال أفريقيا) حيث اعترفت الولايات المتحدة لأوروبا بمصالحها الاستراتيجية في هذه المنطقة. وهو اعتراف تكرس عبر الإعلان عن الأهداف الجديدة لحلف الأطلسي. وكان من مقدمات هذا الإعتراف قيام الولايات المتحدة بتسوية أوضاع المنطقة. إذ قبلت بفك الحصار عن ليبيا عن طريق قبولها بحل لازمة لوكربي. وتركت للجزائريين فرصة العمل للخروج من الصراع الدامي. وغيرها من إعفاءات الهيمنة الأميركية في الشمال الإفريقي. مِما يعطي الفرصة لِهذه المنطقة كي تعيد استغلالَها لثرواتها النفطية والخروج من الفقر الذي داهمها بذرائع مصطنعة وغير مقنعة. لكنّه التسلط الأميركي الذي لا يحتاج إلى مبررات.
وهكذا بات من الطبيعي أن تتجه مصر باتجاه هذه الدول التي ستستعيد غناها لتتحول إلى أسواق غنية مفتوحة في وجه الإقتصاد المصري. وهذا الإنفتاح كفيل بحل أزمات مصر الإقتصادية بِما يجعلها قادرة على التخلي عن المساعدات الأميركية ويزيح العبء عن الخزينة الأميركية. لكن هذا الإتجاه نحو الدول المغاربية لن يعني القطيعة مع المشرق العربي وإن كان يعني محدودية الدور المصري فيه مع إعطاء دور أكبر للأردن. بِما في ذلك اقتراحات حل المسألة العراقية ومفاوضات السلام.
لكن الولايات المتحدة ستعيد مصر إلى عضوية كاملة في الشرق الأوسط بعد مضي الفترة اللازمة لتأمين المصالح الأميركية في القوقاز. ومع هذه العودة سيتم اتباع كل من السودان والصومال بالشرق الأوسط الجديد. فهذه الدول الثلاث تملك ثروات من اليورانيوم (المحظر الإعلان عن وجوده عداك عن استغلاله). والولايات المتحدة لن تترك هذا اليورانيوم تابعاً لمنطقة النفوذ الأوروبي.
4- العراق : يشكل العراق لغزاً عصياً على الفهم الأميركي. فالولايات المتحدة لا تجرؤ على تحميل مواطنيها أعباءً ضريبية جديدة لعدم ثقتها باستعداد المواطن للتخلي عن جزء من بحبوبته الإقتصادية. مع التأكد على أن أزمة إقتصادية أميركية جدية يمكنها أن تؤدي إلى الانهيار الأميركي. أما بالنسبة لإسرائيل فإن أزمة شبيهة من شأنها أن تخلق موجة هجرة معاكسة (من إسرائيل إلى الخارج) تزداد حدّتها بازدياد حدة الأزمة.
أمام هذه المعطيات يطرح السؤال : كيف استطاع العراق المقاومة مع أنّ الحصار أصابه بانهيار اقتصادي كامل ؟
هذا السؤال لا يعدم قائمة من الأجوبة على غرار العصبية العشائرية والحكم الديكتاتوري…إلخ. ومع ذلك فإن اللغز يبقى محيراً. وعلى أية حال فإن الولايات المتحدة باتت مقتنعة بعدم جدوى الإستمرار في حصار هذا البلد. وهي تعد العدة لإيجاد سيناريو لفك هذا الحصار. وإن كانت تؤجّله إلى ما بعد التسوية العربية الإسرائيلية. وإلى ما بعد المتغيرات التي ستشهدها دول المنطقة خلال هذه المدة. وهي متغيرات لا تقف عند حدوث المستجدات المرافقة للأوضاع الجديدة بل تتعداها إلى تغيرات جذرية في علاقة دول المنطقة بعضها بالبعض الآخر.حيث الحلف التركي – الإسرائيلي سيجد إنعكاسه ورد فعله الطبيعي في حلف يقابله في المنطقة (على أن لا يتعارض هذا الحلف الجديد أو يهدد المصالح الأميركية في المنطقة). فإذا ما تأمنت عضوية العراق في الحلف الجديد فان ذلك سيكون أحد السيناريوهات المقبولة أميركياً. فإذا ما تعذر ذلك أمكن لقمة عربية، تستدعيها ظروف التفاوض مع إسرائيل وضرورات التنسيق العربي، أن تسهل عودة العراق وإخراجه من الحصار. فالولايات المتحدة تعلم أن الرأي العام العربي في حالة سبات ولكنه لم يمت بعد.
وان القاعدة العربية وان كانت لا تبالي كثيراً بما يجري على المستوى القمة. إلا أنها تتألم لما يجري للشعب العراقي. وأستطيع التأكيد بان المخابرات الأميركية تملك نص دراسة نفسية أجراها الدكتور الكويتي عويد سلطان المشعان وعرضها في مؤتمر عقد في الكويت في أبريل العام 1994. وتؤكد هذه الدراسة على أن المواطن الكويتي لا يزال يستشعر مشاعر الاخوة والتعاطف مع المواطن العراقي بغض النظر عن أية اعتبارات سياسية.
في المقابل علينا أن لا نتوقع أن تكون عودة العراق مجانية بل هي ستتضمن شروطاً ملزمة يتم طرحها وفق قنوات وصيغ تختلف باختلاف السيناريو المعتمد للحل العراقي. ولسنا بحاجة للتوقع كي نقول بان العراق سيكون خلال الفترة المقبلة في حالة انشغال تام بعلاج آثار فترة الحصار وانعكاساتها. بحيث سيتحول إلى الحاضر-الغائب بعدان أن كان الغائب-الحاضر.
5- سوريا: بقي هذا البلد العربي متمسكاً بمبادئ التفاوض المعلنة رافضاً السلوك التفاوضي الإحتيالي المتبع من قبل الإسرائليين. و كان لِهذا الموقف أثره في إحراج الإسرائليين كونه يفضح واقعة التحفظ الإسرائلي على السلام عبر دفع إسرائيل لإعلان شروط غير موضوعية لتحقيقه. واتباع سلوك مشبوهة للتهرب منه. وهذا يعطي انطباعاً معاكساً لصورة الحمل الإسرائيلي الوديع الباحث عن السلام.
لكن هذا الموقف السوري يصطدم اليوم بِجملة متغيرات دولية وإقليمية وحتى داخلية تجتمع على إضعافه. حتى يمكن القول بان هذا الموقف يحتاج الآن إلى تحرك الرأي العام العربي الضاغط في دعمه لهذا الموقف وفي رفضه لتعديلاته. فها هو باراك يبدو بطل سلام يتجه نحو المفاوضات بعزيمة تجعله يواجه احتمالات قيام المتشددين اليهود بأعمال تعرقل السلام وربما محاولاتهم اغتياله و مع ذلك فـهو يمضي في طريق السلام. وهذه الصورة صالحة لسيناريو فيلم أميركي مؤيّد لإسرائيل لكنّها لا تمت إلى الواقع بصلة. فقد رفع باراك لاءات ثلاث لا يمكن تفسيرها إلا في سياق واحد. وهو سياق البحث عن الأمن الإسرائيلي عبر تسوية مقابل رفض تام لأي حل نِهائي. وسوريا تقع اليوم تحت وطأة التفسير الإنتقائي لمصطلح "سلام". فالمفاوض الإسرائيلي اليوم يطلب تفسيراً لمبدأ "الأرض مقابل السلام" ويقول بأنّ الأرض عنصر مادي قابل للقياس. أما السلام فهو مصطلح معنوي غير قابل للقياس. وهذه الجدلية لا تعكس فقط الرفض الإسرائيلي للعودة بالمفاوضات مع سوريا إلى حيث انتهت (كما هو المطلب السوري). وإنّما هو يعني رفض المبدأ الذي قام عليه مؤتمر مدريد. بمعنى أنّها عودة إلى ما قبل مدريد.
وهذا الوضع يجعلنا نرسم صورة للرئيس السوري شبيهة (أو شديدة الشبه) بصورة الرئيس عبد الناصر. حيث يستطيع الرئيس كسب تعاطف الرأي العام في الأقطار العربية أكثر من قدرته على كسب تعاطف الرأي العام في بلده. دون أن يعني ذلك أن الرّأي العام المحلي معارض للرئيس. بل هو يعني أن الرّأي العام المحلي مستقيل من السياسة الخارجية (مسلماً ذمامها للرئيس) ومنشغل في الأمور الداخلية والمعيشية. التي لا يمكنها أن تكون مثالية في بلدٍ نامي يخوض صراعاً مع قوى كبرى. لذلك رأينا سوريا تعاني من وطأة ضغوطات خارجية عصية على الاحتمال (حصار اقتصادي جزئي لتسجيلها في جدول الدول الداعمة للإرهاب مع جهود حثيثة لتفجير مشاكلها الداخلية وتهديدات تركية متكررة ومدعمة… إلخ).
يضاف إليها ضغوطات داخلية يصعب التعامل معها. وفوق هذا وذاك فقدان العمق الاستراتيجي.
هذه الأمور مجتمعة لا تمكن مجابَهتها إلا برفض سوري لأية تسوية عداك عن السلام. فالتسوية في هذه الظروف تمنح الأمن لإسرائيل وتنتهك الأمن السوري. وموقف الرفض هذا يحتاج إلى حركة جماهيرية واسعة ومنظمة تبدأ برفض استمرار العدوان الأميركي على الشعب العراقي. وتمر برفض أية مشاركة سورية في المفاوضات ما لَم تستعيد سوريا توازنَها وتتخطى الضغوطات. وبدون دعم مثل هذه الحركة فإن الموقف السوري سيتحول إلى لعبة تجاذبات يصعب التكهن بنتائجِها.
6- الولايات المتحدة : يمكن التأريخ لاستراتيجية أميركية جديدة ابتداءً من احتفال الحلف الأطلسي بيوبيله الذهبي. الذي ترافق مع إعلان أهداف استراتيجية جديدة له. حيث تمكن قراءة هذه التغيرات على النحو التالي :
أ-تخلي الولايات المتحدة عن الآحادية القطبية بضم الشركاء الأوروبيين والاعتراف لَهم بمناطق مصالح سواء داخل أوروبا أو في شمال أفريقيا. بِما يعادل سقوط مصطلح "النظام العالمي الجديد".
ب -عودة إلى المفهوم الاستعماري القاضي بتقاسم مناطق النفوذ. حيث أعلن الأوروبيون قبل سنوات عن رغبتهم بإنشاء قوة أوروبية للتدخل السريع في شمال أفريقيا. وجاءت المباديء الأطلسية الجديدة تلبي الرغبة في مقابل تحديد مناطق نفوذ أميركي في الشّرق الأوسط وآسيا الوسطى وأوروبا.
ج- اعتماد مبدأ ترك المشاكل الصعبة للوقت والتصدي للمشاكل الأقل صعوبة. حيث ترك الأطلسي فراغاً جغرافيّاً أهم مناطقه الشرق الأقصى (في رغبة لعدم إثارة المشاكل مع الصين راهناً) والإقرار الأطلسي بِهذا الفراغ يعني التراجع عن "العالمية" وربّما عن "العولمة" إذا نحن أمعنّا النّظر في العلاقة بين العولمة وبين الأمركة.
ج - استدراج دول الفراغ الجغرافي (آسيا وأفريقيا) وتشجيع القوية منها على الدخول في لعبة "شرطي المنطقة" أو في لعبة الأحلاف. بِما يعتبر تكريساً لمناطق نفوذ الأطلسي ويعطل دور الأمم المتحدة فيها.
د - الالتفاف على احتمالات نشوء الأحلاف الغاطسة (أي الأحلاف التي تقوم ثم ينفرط عقدها في مراحل تاريخية معينة. بحيث تتوقع نظريات "الاستقراء التاريخي" المستقبلية قيامة هذه الأحلاف من جديد في ظروف ملائمة وأخطر هذه الأحلاف الحلف الروسي – الصيني – الأوراسي. وهو الحلف الذي يشكل تَهديداً جدّياً، في حال قيامه، لمصالح الأطلسي.
ه-تفسر لنا النقطة السابقة أسباب السماح بمشاركة روسية محدودة في قوة حفظ السلام في كوسوفو. والتخلص السريع من رئيس الوزراء الروسي بريماكوف لأنّه صاحب أحلام من هذا النّوع.
إنهاء بعض الأدوار الوظيفية لما أصطلح على تسميته بـ "الإتحاد الأوروبي"
وبناء عليه فإننا نستنتج بأن الرؤية الاستراتيجية – الأميركية للشرق الأوسط الجديد تتلخص بالنقاط التالية :
1.تأمين استمرارية السيطرة التامة (المدعومة عسكرياً) على النفط العربي الخليجي.
2.ربط رفع الحصار عن إيران بتأمين المصالح الأميركية فيها (حتى ولو أدى ذلك إلى تغيير النّظام).
3.فرض تسوية تستجيب لدواعي الأمن الإسرائيلي. مع إعطاء فرصة زمنية كافية لإسرائيل لانتظار المتغيرات الإقليمية القادمة. التي قد تتيح لإسرائيل فرض حل نهائي مناسب لَها في صراعها مع العرب.
4.إبقاء تركيا مشغولة بأزماتِها وربّما توريطها في أزمات جديدة. بِما يمنعها من المطالبة بحصص أكبر في منطقة القوقاز أو في البلقان. وربّما تسمح الظروف بتعويضها عن ذلك بغض النّظر الأميركي عن أطماعها في شمال العراق وسوريا.
5.التفرغ الأميركي لاستثمار ثروات دول بحر قزوين (آسية الوسطى). بِما يدعم الحزام الأوراسي الإستراتيجي لمجابهة أي تحرك صيني مستقبلي.
6.تأجيل الإهتمام بحقول اليورانيوم الصومالي (والمصري والسوداني) إلى مرحلة لاحقة. حيث لا داعي للتعجل في كشف ثروات جديدة في المنطقة.
7.بناءً على ما تقدم يصبح من الأسهل على الولايات المتحدة تغيير الحدود الجغرافية الراهنة للشرق الأوسط. وذلك على صعيدين.
一- الخارجي : بضم الإمتدادات التركية (دول القوقاز والبلقان) إليه مع تثبيت عضوية أفغانستان وباكستان فيه. ثم لاحقاً إضافة مصر والسودان والصومال إليه.
二- الداخلي : التدخل لمنع التفكك العنقودي لدول المنطقة مع تشجيع انفجار المشاكل الأقليات فيها.
8.إيجاد مخرج مقبول للمسألة العراقية من شأنه أن يخفي الوجه البشع للولايات المتحدة في ممارساتِها السياسية والأخلاقية والعسكرية على هذا البلد.

Eng.Jordan
04-12-2012, 08:56 PM
1-الدور المستقبلي للملكة العربية السعودية.
إن المراجعة المتأنية لمواقف المملكة تبين أن السعوديين لَم يَتَخَلّوا يوماً عن مسؤولياتِهم تجاه القضايا العربية. ومواقفهم تنطلق من مبادئ ثابتة تشكل استراتيجية بحد ذاتِها. فموقفهم من الإتحاد السوفياتي لَم يكن موقفاً سياسياً أو تكتيكياً بَل كان موقفاً مبدئِياً قوامه رفض الإلحاد الشيوعي والتصدي لَه. وبالتالي فإنّه لَم يكن موقفاً لخِدْمة الغرب والولايات المتحدة تحديداً. ومثله الموقف السعودي في أفغانستان. فصحيح أن هذه المواقف تقاطعت مع المواقف الأميركية لكن ذلك لا ينفي مبدئيتها. وإن كان يكرس لقاء مصالح استراتيجي.
واليوم إذ أدركنا الزَمن الصعب فإننا ننكص لمراجعة المواقف المفصلية منذ قيام إسرائيل وحتى اليوم فنجد أن العالم العربي كان منقسماً كما كل أرجاء المعمورة إلى : 1- أصدقاء الولايات المتحدة و 2- أصدقاء الإتحاد السوفياتي. فإمّا المجموعة الثانية فقد وقعت في الفراغ والفوضى منذ انْهِيار الشيوعية في العالم (1989). أمّا المجموعة الأولى فهي وجدت نفسها (بعد هذا الإنْهِيار) أمام متطلبات أميركية جديدة. وذلك عوضاً عن مشاعر العرفان ومظاهره مِما يمكن للصديق توقعه بعد تقديم العون والدّعم لصديقه. على أن هذا الإنقلاب الأميركي لَم يبدأ بعد نِهاية الحرب الباردة بل قبلَها بسنوات طويلة. فالإطاحة بشاه إيران لَم تكن لتَتُم بدون تخلي أميركي عنه. ولَم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن توريط السعودية والعراق والمنطقة كلَها في الحرب مع إيران. بل إنّه من المستبعد تبرأة الولايات المتحدة من مسؤولية تمديد أمد هذه الحرب التي شهدت نِهاية غير مكتملة. بِما يوحي بأنّ حرب الخليج الثانية إنّما جاءت تَتِمّة لَها. وبات من المعروف اليوم جهود السعودية للحيلولة دون اندلاع هذه الحرب وللتوفيق بين العراق والكويت. وندرك اليوم أن نجاح هذه الجهود كان مَمنوعاً أميركياً. ومع ذلك فقد بَقِيَ اللوم للسعودية شديداً بِهذا الخصوص. بَل إنّه تعمق بالسّماح بتواجد أجنبي في الأراضي المقدسة الإسلامية. لكن هذا اللوم يفقد حدّته عندما نَرى الإتحاد الأوروبي ينساق للتورط في كوسوفو مع ما في هذا التورط من أخطار تهدد بلدانه في إقتصاديتها واستقرارها وأيضاً في إجبارها على تعديل استراتيجياتِها. وهذا الموقف لَم يكن سوى تكراراً لانسياق هذه الدول إلى حرب الخليج الثانية، مِمّا يعني بأن للشراكة الإستراتيجية حدودها أميركياً. ويجيء الإعلان الأميركي عن "صدام الحضارات" بفرعية الصيني والإسلامي. فنجد أنّ السعودية تحولت إلى رمز مهدد للمصالح الأميركية وإلى متصادم معها. إذ أن إيران في وضع احتواء أميركي يجعلها عاجزة عن تهديد هذه المصالح إلا عبر النافذة السعودية التي تبقى المعنية بطرح "صدام الحضارات". مع أن السعودية لم تظهر يوماً في موقف المتصادم مع الحضارات. فهي تعاملت مع المسيحيين واليهود (العرب والأجانب) من منطلق إسلامي بحت باعتبارهم "أهل كتاب". بل إنّها قدّمت لبعضهم دعماً حيوياً لإستمراريتهم. وهذا أمر يدعونا إلى تحري سبب إلصاق هذه التَهمة بالسعودية تحديداً ؟. حيث نَجد قدرة سعودية فائقة على الخوض في بِحار المتغيرات العالمية والإنسانية العاصفة. ونبدأ بـ :
أ‌-على الصعيد الإنساني : أدركت السعودية أن دور الأفراد في التاريخ الإنساني غير قابل للإقالة أو للتقاعد. ولكنه قابل لتغيير صعد التأثير. فهو تحول من صعيد الفرد – القائد العسكري إلى صعيد الفرد القائد السياسي إلى صعيد الفرد – القائد اقتصادياً. وانطلاقاً من هذا الإدراك تمكنت السعودية من تخريج جيش من رجال الأعمال العرب والمسلمين الذين يجيدون اللعبة بحيث دخلوا بِمهارة في نادي الأفراد المؤثرين في تحديد اتجاهات المصالح.
كما تَمكّنت السعودية من التأسيس لمحطات اتصال إنساني وسيطة. وبذلك استطاعت المملكة المحافظة على النَّظام الإجتماعي وفق التصور الإسلامي. دون أن تنغلق على الأنظمة الأخرى وتفقد الإتصال بِها. وهي اعتمدت على جيل جديد من الأفراد المؤهلين لإقامة مثل هذه المحطات.
ب‌-على صعيد السياسة العالمية : لقد دخلت السعودية كعنصر مقرر وذي نفوذ إلى مسرح السياسة العالمية. فاكتسبت بذلك موقعها السياسي المميز. الذي يجعلها مرجعاً لا يمكن تجاوزه في المسائل الإسلامية والشرق أوسطية خصوصاً والعالمية عموماً. وهذا الوزن السياسي المتصاعد جعل الولايات المتحدة عاجزة عن تخطي الرؤية السياسية السعودية أو تجاهلها. ولعل حرب الخليج الثانية كانت بداية الإعلان الأميركي عن التصادم مع الإسلام (السعودية خصوصاً).
ولا شك أن السعودية، ومعها المنطقة العربية، قد دفعت ثمناً باهظاً لهذا الصدام. لكن الأهم أنّها تمكنت من الخلاص منه سالمة وأن بتضحيات.
ولكن ماذا عن المستقبل ؟ وسؤال المستقبل يستتبع معه السؤال عن مصير الحكم السعودي. وهو سؤال يتكرر طرحه في بعض المناسبات.
والجواب عليه يقتضي التعرف إلى منطلقات أساسية للحكم السعودي وأهمها :
1-أن السعودية لَم تَسعى يوماً لأن تكون قوة عسكرية ضاربة. بالرغم من الإغراءات التي وفرتها سياسات الحرب الباردة. فالمملكة موجودة في محيط إسلامي وهي تشكل قبلته. لذلك وجدت أن من واجبِها الترفع عن الدخول أو عن الاستعداد لخوض أية معركة كانت. لذلك فهي فضلت دائماً البقاء خارج الصراعات العسكرية. فاقتصر دورها على التدخل لمساعدة العرب والمسلمين في حماية أنفسهم.
2-أن للسعودية مفهومها الإنتقائي الخاص للأرض. فهي تهتم بالقدس تحديداً. وما دونها هي أراضي خاضعة لمباديء العرض والطلب. والتجاذبات السياسية.
3-أن التضحيات التي قدمتها السعودية ومعوناتها إلى العالمين العربي والإسلامي هي تضحيات لا توضع موضع الشك.
4-أن السعودية هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تملك القدرة على التعامل مع التحولات المرتقبة، بِما في ذلك التعامل مع إسرائيل، دون أن تحتاج لإجراء تعديلات أساسية في استراتيجيّتها.
5-لقد تمكنت الأسرة المالكة السعودية من التحول إلى مؤسسة حديثة قادرة على مواجهة مختلف الإحتمالات. بحيث تمكنت من توظيف طاقاتِها توظيفاً فاعِلاً بِما يضمن استمرارية هذه المؤسسة.
مِما تقدم يتبين لَنا أن السعودية ستكون المرشحة الإقليمية الوحيدة للمشاركة في ولادة المفهوم الجديد للشرق الأوسط. وهي تضع في المقدمة الإعتبارات التالية :
1-المحافظة على الحق الإسلامي في القدس الشريف.
2-وضع حد نِهائي لمأساة الشعب العراقي.
3-إيجاد حلول حاسمة للنـزاعات الحدودية في المنطقة.
4-التعايش الهاديء مع الظروف المستجدة في المنطقة.
5-الإستعداد للأزمنة القادمة نتيجة تدفق بترول القوقاز إلى السوق العالمية.
6-إعادة إدماج إيران في المنطقة بعضوية كاملة.
7-محاولة احتواء الدول الداخلة حديثاً إلى المنطقة.
8-العمل على الحد من جراحات البتر الجغرافي (التقسيم) المتوقعة في المنطقة.
9-نزع فتيل مشاكل الأقليات المتفجرة.
10-الموافقة على توسيع المفهوم الجغرافي للشرق الأوسط لضم دول إسلامية جديدة إليه.
11-الضغط لإيجاد حل نِهائي للمسألة الفلسطينية.
12-الإستعداد لتحمل المسؤوليات التي يفرضها دور قيادة السعودية للعالمين العربي والإسلامي. حيث ستخرج معظم دولهما، من الفوضى الراهنة، وهي بِحاجة لترتيب أوضاعها الداخلية وإعادة إلتقاط أنفاسِها.
2-الخلاصة النهائية للتصور
تشكل تسوية الصراع العربي الإسرائيلي الحد الأدنى المقبول أميركياً لترتيب أوضاع المنطقة. وهذا يعني عضوية إسرائيلية (جزئية تتحول لاحقاً إلى كاملة) في الشرق الأوسط. ويكتمل التصور الأميركي لمستقبل المنطقة بتحويلها إلى كتلة كاملة تتبع لحلف الأطلسي استراتيجياً. أو بإقامة حلف يستبعد دول المنطقة الفقيرة ويضم إليه أعضاء جدد من أغنياء خارج المنطقة. مع ضمان عضوية إسرائيل في كلتا الحالتين (الكتلة أو الحلف). بِما يؤمن المصالح الأميركية في المنطقة تأميناً كاملاً بعيداً عن المتغيّرات العالمية المحتملة. بِما فيها احتمال بروز تحالف صيني مع المحيط الآسيوي أو الروسي.
وبِما أن مستقبل الشرق الأوسط مرتبط بأهميته الإقتصادية فإن هذا الربط يقتضي تصفية بؤر الصراع العسكري فيه. وهذا يعطي للسعودية موقع الصدارة في قيادة المنطقة. ويتعزّز هذا الموقع السعودي باستخدام المملكة نفوذها لإخراج العراق من حالته الإقتصادية. كما في استخدامها لِهذا النفوذ من أجل تصفية الصراعات المكبوتة في المنطقة. لكن هذا الدور السعودي لن يمر دون اعتراضات إسرائيلية. وفي مقدمتها إعلان إسرائيل عن خوفها من التَحول إلى سوبرماركت عربي (سعودي خصوصاً) في هذه الحالة.
أما من الناحية الجغرافية وبناءً على ما تقدم فإن خارطة الشرق الأوسط سوف تشهد متغيّرات عميقة خلال العقود القادمة. وستتم هذه التغييرات على مراحل هي :
1-انضمام إسرائيل إلى الشرق الأوسط بعد إبعاد مصر المؤقت عنه وإلصاقِها بالمغرب العربي.
2-عودة إيران لعضوية المنطقة بعد الدخول الإسرائيلي وفك الحصار عنها بشروط مناسبة.
3-إلحاق دول بحر قزوين (القوقاز النفطي) بالمنطقة بعد تأمين المصالح الأميركية فيها.
4-عودة مصر إلى عضوية المنطقة ومعها السودان والصومال بعد تسوية مشاكلهما الداخلية.
5-إعادة نظر جذرية في جغرافيا المنطقة وفق الإحتمالات التالية :
‌أ-في حال قدرة المنطقة على التحول إلى كتلة واحدة ونجاح تجربة إلحاقِها بالأطلسي يمكن تحويلها إلى متوسطية بضم دول شمالي إفريقيا إليها (حيث مصطلح المتوسطية كباقي المصطلحات فاقد لدلالاته الجغرافية الدقيقة).
‌ب-في حال إقرار مبدأ الحلف الشرق أوسطي يتحول الأمر إلى تفكيك الدول الباقية خارج إطار الحلف وضم أقسامها تدريجياً إلى الحلف.
‌ج-في حال قيام قطب بديل في مواجهة الولايات المتحدة تعود المنطقة للتفكك. حيث ستكون إسرائيل الدولة الوحيدة القادرة عسكرياً على التمرد واستغلال الفرص لإعادة إحياء حلم "إسرائيل الكبرى" وهذا الإحتمال يرسم نهاية شهر العسل الإسرائيلي – الأميركي (وربَّما قرن العسل).
في النَهاية لا بدّ من التذكير بأن علم المستقبليات، الذي حاولنا الإستناد إلى معطياته في الدراسة الحاضرة، لَم يستطع بعد أن يخرج من إطار التكهن. فهو عاجز عن الإحاطة بالإحتمالات الأكيدة للحوادث التي ستقع في الفترة الفاصلة بين الحاضر الذي ننطلق منه (ونستغل تراكماته المعرفية – التاريخية) وبين المستقبل الذي نحاول التكهن بملامحه. خصوصاً وأن كل حادث من حوادث هذه الفترة الفاصلة يمكنه أن يقلب كل التوقعات رأساً على عقب. كما لا بد لنا من الإعتراف بأن تصوراتنا قد أهملت مشهدين رئيسيين من مشاهد الراهن العالمي وهما : 1- التطرف : بوجوهه المختلفة من قومية ونازية وآرية وإسلامية ومسيحية ويهودية وغيرها. وكأنّ إهمالنا لِهذا العامل ناجماً عن كونه عاجزاً عن تخطي السيطرة المفروضة عليه راهناً. و 2- الجوع : وهو عامل مفجر للثورات عبر تاريخ البشرية. حيث تعاني منه اليوم دول تملك أسلحة الدمار الشامل مثل كوريا الشمالية والهند وباكستان. كما تعاني منه دول أخرى لا تملك ما تفقده وهي أقدر على المغامرة. ويكفينا، في هذا المجال، التذكير بقدرة الصوماليين الجوعى على تحدي المارينْز الأميركي. أما لماذا أهملنا هذا العامل فمرد ذلك إلى التصميم الأميركي على إقرار نفوذ يتوافق والقوة العسكرية الأميركية.