المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "لصوص" الديموقراطية.. "سراق" الإرادة الشعبية


Eng.Jordan
04-13-2012, 02:27 PM
http://t1.hespress.com/cache/thumbnail/article_medium/moulaythamibhtat_922101328.jpg
هسبرس - مولاي التهامي بهطاط
الجمعة 13 أبريل 2012 - 01:08




ما يحدث هذه الأيام في مصر يحتاج لأن نقف عنده مطولا، ليس لأن ما يجري في "أم الدنيا" يجري على غيرها من "الشقيقات" بالتبعية، بل لأن الأضواء المسلطة على هذا البلد، حجبت مشاهد مماثلة تتكرر في الدول المجاورة، ومنها تونس والمغرب على وجه التحديد.
بعض المحللين يعتبرون تونس محظوظة لأن العالم بشرقه وغربه، انشغل بمصر وليبيا مما ترك المجال للتونسيين لشق طريقهم نحو الديموقراطية دون تدخلات أو مناورات حتى الآن، بدليل غياب تونس عن عناوين الأخبار رغم أنها أجرت انتخابات سيطر عليها الإسلاميون والقوميون (وأعداء الليبرالية والإمبريالية) ورغم بعض المناوشات المتقطعة التي يقودها بعض المتشدقين بـ"الحداثة".
مبرر الانشغال بليبيا هو نفطها الذي عاد للتدفق بسرعة قياسية، أما مبررات الانشغال بمصر فكثيرة، ليس أقلها الجوار مع الكيان الصهيوني، واليقين التام بأن استعادة مصر لعافيتها هو بعث جديد لأحلام كبيرة أجهضت في الماضي أكثر من مرة، بفعل فاعل خارجي أو عميل داخلي.
اليوم، أفرزت الانتخابات في مصر اكتساحا لتيارات معينة (إسلامية وقومية تحديداً) رابطها الأساسي عداؤها للغرب وإسرائيل، بغض النظر عن كل ما يقال عن الصفقات والتفاهمات الجارية والممكنة.
وكما كان متوقعا، فإن بعض الجهات لم يعجبها هذا المآل، فرفعت الصوت عالياً، في محاولة لا يمكن أن يفهم منها سوى أنها سعي للانقلاب على الثورة ومصادرة حق الشعب في تقرير مصيره.
ولعل من يتابعون الإعلام المصري يدركون أن هناك مستويين للعمل السياسي:
مستوى العمل على الأرض الذي يثمر مقاعد في البرلمان بغرفتيه، ومن ثم في السلطة التنفيذية.
ومستوى الفرقعة الإعلامية الذي يثمر ضجيجا ويقود نحو التهويل والسعي لإجهاض الثورة في خطواتها الأولى، سواء عبر وضع العسكر يده مرة أخرى على السياسة أو عبر تسلل "الفلول" إلى مؤسسات ما بعد الثورة لنسفها من الداخل، ولا أدل على ذلك من ترشح بعض أقطاب النظام السابق لمنصب الرئاسة دون استحياء.
والعنوان الحاضر هنا هو التخويف مما أصبح يعرف بـ"ديكتاتورية الأغلبية"، التي تقتضي بمفهوم المخالفة أن هناك "ديمقراطية الأقلية".
بعبارة أخرى، هناك إلغاء "ممنهج" لنتائج الانتخابات التشريعية الشفافة والنزيهة، لأن الأقلية التي لم تحصل على ما يؤهلها من الأصوات لفرض رؤيتها، أو لم تشارك أصلا في الانتخابات، تريد أن تنقلب على حكم صناديق الاقتراع، وأن تخترع ديموقراطية من نوع جديد.
ولا غرابة في أن يتكرر هذا السيناريو ، وإن بدرجات متفاوتة، في تونس وحتى المغرب..، الذي لم يشهد ثورة بالمعنى المتعارف عليه، وإن كان حراك 20 فبراير قد حقق بعض ما كان يطالب به الآخرون، لكن دون إراقة دماء، بل لا غرابة في أن يتبادل رموز هذه الأقليات من كل الجنسيات رسائل عبر البريد الإلكتروني وتجد طريقها إلى النشر على الملإ، من أجل تنسيق المواقف في مواجهة "إرادة الأغلبية الديكتاتورية".
وليس غريبا أيضاً أن يتحلق حول هذا "المفهوم الجديد للديموقراطية" كل الذين كانوا يعتبرون أنفسهم "استئصاليين" في السابق، وموكلين للحديث باسم الديموقراطية الحقة وتوزيع صكوكها.
نعم هم لا ينكرون أنهم أقلية، وأن الانتخابات التي جرت نزيهة، لكنهم يريدون موقعا متقدما على مستوى صناعة القرار، دون اللجوء إلى الآليات المتعارف عليها كونيا..بدعوى لجم "الأغلبية"..
لماذا لم تطرح هذه المقاربة في المغرب مثلا عند الإعلان عن تشكيل لجنة تعديل الدستور؟ ألم يكن واضحا ساعتها أنها من لون واحد؟ ألم يتم تغييب التيار الإسلامي بالمرة ولم يؤخذ بعين الاعتبار حتى شطره "المعتدل" المتواجد داخل المؤسسات المنتخبة؟ ألم يغيب حتى العلماء من موظفي الأوقاف الذين لا يعصون الإدارة ما أمرتهم؟
العجيب أنه رغم عدم ديموقراطية الآلية المتبعة في تشكيل تلك اللجنة، لم يقل أحد ساعتها إنها ينبغي أن تمثل جميع الحساسيات، خاصة منها تلك التي لها حضور فعلي في الساحة السياسية.
بعبارة أخرى، كنا أمام مظهر من مظاهر اغتيال الديموقراطية، ليس فقط عبر القفز على ضرورة انتخاب جمعية تأسيسية، بل من خلال عدم احترام الحد الأدنى من التمثيلية التي يفترض أن تراعي التنوع الإيديولوجي والتعددية السياسية.
ولعل ما يكشفه بعض أعضاء تلك اللجنة بين الفينة والأخرى -من خبايا-، كفيل بوضع الرأي العام في صورة طريقة اشتغالها، خاصة ما نقل مؤخرا عن الأستاذ الطوزي حول سعي بعض الأطراف إلى تقوية اختصاصات "المخزن" على حساب الإرادة الشعبية، وهذا ليس من باب النفاق أو ادخار درهم أبيض ليوم أسود، بل لأن بعض الذين أنزلوا بالمظلات في اللجنة كانوا يدركون أكثر من غيرهم حقيقة توجهات الرأي العام، ولذلك كان همهم الأول هو تزيين الماضي وليس تغييره.
ولماذا لم تطرح هذه المقاربة عند الإعلان عن تشكيلة المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي استبعد التيار الإسلامي بشكل مبدئي، رغم أنه يفترض أن يقف على نفس المسافة من جميع المكونات السياسية، بل إن رئيسه خرج في أكثر من مرة ليعلن اصطفافه مع طرف في مواجهة طرف آخر بما لا يتفق مع منصبه وصفته؟
إن هذه الفلسفة في غاية الخطورة، لأنها تكشف أن من يرفعون شعار الديموقراطية وحقوق الإنسان والحريات بكل أنواعها، هم أشد أعدائها شراسة في الممارسة الواقعية.
وقد لا يكون مفاجئا في المستقبل القريب إذا ارتفعت أصوات بعض هؤلاء للمطالبة بتعديل الدستور بحيث يعين رئيس الحكومة "وجوباً" من صفوف الحزب الذي حصل على أقل عدد من الأصوات أو المقاعد، بل وتخصيص "كوطا" حكومية.
للجهات التي لفظتها صناديق الاقتراع، هذا دون أن ننسى "إيجاد" دور لـ "الشخصيات المستقلة" -هنا أيضا- ممن تعتبر نفسها فوق الشعب وفوق مؤسساته المنتخبة.
في جميع البلاد التي أنعم الله عليها بحد أدنى من الوعي السياسي، الديموقراطية هي لغة الأرقام، وهي الوسيلة الأقل سوءا لفض الاشتباك بين المتنافسين والطامحين في تحمل المسؤولية العظمى.
لكن في هذه المنطقة الجغرافية التي نحن جزء منها، هناك منطق معكوس : فنتائج الانتخابات لا تأثير لها، على اعتبار أن الذين لم يخضعوا أصلاً لامتحان صناديق الاقتراع هم من يفترض أن يحددوا السياسيات ويرسموا خريطة طريق تدبير الشأن العام، في الصغيرة قبل الكبيرة.
كما أن إرادة الشعب لا تساوي شيئا حتى لو كانت توجهات الأغلبية صريحة وواضحة ولا تحتاج إلى تفسير أو تأويل.
وهذا المشهد يتكرر في مصر -وفي تونس بدرجة أقل-، كما يتكرر بنفس الشكل تقريباً في المغرب منذ الإعلان عن نتائج انتخابات 25 نوفمبر الماضي، والتي كانت صادمة لمن يخلطون التحليل العلمي بالتمنيات الشخصية.
الأسباب الكامنة وراء هذا الوضع -الذي سيزداد استفحالا حتماً مع الوقت- كثيرة ومتعددة، لكن على رأسها سيطرة رموز هذا التيار على وسائل الإعلام الخاص منه والعمومي، المرئي والمسموع والمكتوب وحتى الإلكتروني.
قد يتعب الإنسان جراء متابعة حجم الأكاذيب التي يتم إطلاقها من طرف فضائيات الفتنة في مصر، والمملوكة في الغالب لبقايا النظام "المخلوع" وفلوله، وقد يتعب أكثر إذا حاول فهم سر إصرار بعض قنواتنا المغربية على استضافة عينة محددة من "الموسوعيين" الذين يفتون في كل شيء، بل إن بعض الوجوه أصبح بإمكانها الحصول على شهادة السكنى من بلاطوهات التلفزة لأنها تدلي بدلوها في كل المواضيع : لغة، فكر ثقافة سياسية، اقتصاد، اجتماع، قانون..ولم لا الطبخ والموضة.. لكن هناك مثالا بسيطا يمكن أن يختزل الكثير..
فإحدى اليوميات البيضاوية، اختلقت كما هو معلوم خبرا كاذباً قبل أسابيع، مفاده أن "سلفيين" اعتدوا على مواطنة في قلب العاصمة بسبب لباسها "المتحرر"، ثم انطلقت بعد ذلك حملة المقالات والبيانات..وحتى عندما اتضح أن الأمر مجرد كذبة بلقاء، لم يكلف أحد ممن بنوا حملاتهم عليها، نفسه حتى عناء الاعتذار، ليس للسلفيين طبعا، بل للرأي العام الذي تابع هذا الموضوع باهتمام واستغراب.
كيف نفسر هذه الخطوة -وغيرها كثير جداً- سوى بأنها إفلاس جديد لمن يعتبرون أنفسهم حراسا على قيم الحرية والديموقراطية، ممن لا يتورعون عن اختلاق الأكاذيب لتصفية الحسابات الصغيرة مع خصومهم السياسيين والإيديولوجيين؟
والعجيب أن أية جهة رسمية لم تتطوع لإصدار بيان في الموضوع، خاصة وأن هذه "الكذبة" مست هيبة الدولة في الصميم، وأظهرت المغرب كما لو كان عبارة عن نسخة بالألوان من السعودية أو اليمن، حيث يمكن أن تسلخ مواطنة على مرمى حجر من المقرات السيادية للدولة، دون أن يتحرك أحد لنجدتها ما يجعل الفوارق منعدمة بين الرباط ومقديشو وتورا بورا..
إن الدليل الأكبر على إفلاس الفئات التي تريد أن تأخذ أكثر من حجمها، بل وتعطي لنفسها حق الاعتراض على إرادة الشعب، يتمثل في أنها أصبحت تكذب وتركب على الكذب لترويج بضاعتها.
لكن الخطير في الموضوع، هو أن البعض اعتقد أن حركة 20 فبراير وحراكها هما نهاية "الصداع"، أي السقف الذي يمكن أن يصله احتجاج الشعب المغربي..وبالتالي فالخطوات الاستباقية التي تم اللجوء إليها، والاستعانة بالإسلاميين المعتدلين كعجلة احتياطية لاجتياز المرحلة، مكنتا النظام في المغرب من ضمان الاستقرار لعقود مستقبلاً..
ويبدو أن هؤلاء لم يسمعوا أصلاً بالنظرية التي تقول :إن الذين لم يقرأوا التاريخ، أو قرأوه ولم يعوه، سيجدون أنفسهم مضطرين مرة أخرى لمعايشة الجانب السيء منه..
touhami69@hotmail.com