المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أحكم إغلاق بيتك


يقيني بالله يقيني
04-15-2012, 07:31 AM
http://www.shatharat.net/vb/mwaextraedit4/extra/09.gif



أحكم إغلاق بيتك
بقلم: فاروق شوشة

لم يكن واعيا‏,‏ ولا كان مذهولا‏,‏ ولكن كأنه بين بين‏.‏ كانت الأرض تحتويه‏,‏ بما يحمل‏,‏ تاريخ أمة يجتويه‏,‏ وأفق يشده للنهايات‏,‏ ووجه قد لونته التجارب‏,‏ وعقل مخبل الفكر‏,‏ حائر‏.‏



إنه التابع الأمين لما يحمل, تعلوه حكمة العيش والموت, فينأي, عن دربه, ويحاذر. كلهم حاسدوه, لا يدرك الواحد منهم أن الذي يتصباه بعيد عن جمعهم, وغريب في طعمه, لم يذوقوه, وأن الذي يحاكيه في لحظة النهاية خاسر!
<<<

إنه الآن في مواجهة البحر, يناجيه, ويدنو من صمته, ويحاذر. مدركا أنه ضئيل إذا قيس إليه, وقطرة من أواذيه, حصاة مقذوفة في رمال, تئن عطشي, وهي تعري في الشمس, تستقبل اليود, وتطغي الأمواج في ساعة المد, فيدنو ملامسا, والرغاوي البيض أعناقها تشب, كأطفال صغار, يستمسكون بما هاء, وحلم يشده ونداء يجتاحه: هل تسافر؟
<<<

الرمال, النخيل, والبحر, والشمس: هي الواحة التي أفيء إليها, وأشد الرحال حين يضيق الصدر, عل حورية من الماء أرتاح إليها, تضيء النهار والليل, تسعي لوصل آصرة البحر, فأنسي ما يحمل الموج إن ثار غضوبا, وداهم الرعب والذعر, وطاشت أورادنا والخواطر. لكنه البحر خؤون, يظل يخفي نواياه, وأسراره البعيدة في القاع, ويعلو في غيه ويكابر.
<<<

مثل موج البحار حالك, يضنيك, ويبقيك تائها بين حالين, تود السلام والأمن والحب, وتربيتة تهدهد دنياك, وشوقا لهيبه في حناياك, وفي قلبك المضرج. شاعر. إنه الجمع بين ماء ونار, يتجلي ما بين ثلج وجمر, واشتباك مع الحياة وإيثار لبال خلي, وإيقاع دهشة واكتئاب, ونوم- في يقظة- إذ يخامر!
<<<

لا تكن مثلها, وحاذر تشظيك بنيرانها, ولهوك في شتي رؤاها, وقل للذي تدس ليقصيك: سلاما, ولكن هيهات ترسي مراسيك, وتمضي في سعيك الخاسر المذموم, إن الذي تروم محال, والذي تبتغيه لا ينطلي الآن, كبرنا, ولم نعد مثلما كنا صغارا, والرأس شاب, وما عادت تلك البروق التي خايلتنا, عمرنا, ولا الأفق ماطر. قد أفقنا وأدلج الطيش في ليل مواجيده ظماء, شواغر. والحديث الذي كان شهيا, كأنه *****, ما عاد, ولم يبق مستهام وساحر, والمكان الذي احتوانا ظليلا, سوف يبقي, لكنه الآن شاغر!
<<<

خذ إليك الخلاء والليل والظلمة والهمس والنجوي, وعطرا ينساب عبر النسيمات, وغصنا يهتز من تحت طائر. إنه كونك الجميل يناديك, لحب يضيء شتي العناصر. ليس فيه وشاية أو جحود, أو مروق مفاجئ, أو كؤوس شرابها المر دائر. ليس فيه مسعي يخيب, ولا ظل احتيال, أو غيبة للضمائر. ليس فيه ما يشغل البال بالبال, ولا ما يضيع الوقت والحلم, ولا ما تخيب فيه المصائر. فتعلم درس الحياة, كما تهوي, وأسرع إلي حماها وبادر!
<<<

تعب كلها الحياة فهل كان مصيبا أبو العلاء, وهل كان عنيفا في وصفها وهي تشقيه, وهل كان يشتكيها أم الضعف, كما قال شاعر العرب الأكبر: ما مل حياة وإنما الضعف ملاس.

وابتعد عن سبيلهم, فهو بالشر ملآن, وهذي قلوبهم تضمر اللؤم, فلا تترك زمام صدرك عريانا, وأحكم إغلاق بيتك, فالليل طويل, وحاذر أسيافهم والخناجر!
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
دمتم بخير