المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حصاد الفكر والقلم


محمد خطاب
04-15-2012, 07:54 PM
حصاد الفكر والقلم رأيت غزة(1)- بقلم:د.ديمة طهبوب
رأيت غزة(1)- بقلم:د.ديمة طهبوب
نُشرت بتاريخ: 20/03/2012
* بداية:
لا أحد يموت "ناقص عمر" و لكن من لم يزر غزة،بوابة فلسطين الجنوبية، و لم يعايش أهلها فقد مرت حياته دون إدراك معنى العظمة الحقيقية...

*معابر الأرض و معابر السماء
رفح، أرض عربية مقسمة مشتتة ككل أحوال العرب بين حدودهم التي اصطنعها العالم الذي فرقنا ليسودنا، فلا فرق بين رفح المصرية و الفلسطينية في الطبيعة، فالأرض الطيبة ذات الأرض و المناخ ذاته في الرفحين، حتى السكان يتكلمون تقريبا نفس اللهجة و بينهم عرى نسب و دوم وثيقة لم يقطعها الحاجز الحديدي.

معبر رفح كتاريخ العرب كان له نصيبه من لحظات الخزي يوم وقف الأخ كالعدو في وجه أخيه، و كذلك كان له أيام مجد يوم دكته أيدي نساء غزة طلبا للحرية و الحياة.

ساعات على المعبر موقوفون حتى بالرغم من تغير الأوضاع في مصر، و ما وراء الانتظار القسري هناك دروس أخرى تقول لنا: ينبغي لمن لا يجاهد أن ينتظر، ينبغي له أن يذوق ذلة القعود عن نصرة الدين، ينبغي على من لا ينهض ليزيل هوانه أن ينتظر، يجب عليه أن يتأدب حتى يدخل على المجاهدين و يتعلم دروسهم.

معابر البشر مغلقة أمام أهل غزة و غيرهم لا تُفتح الا بحدود و شروط، غير أن هناك في سماء غزة التي تكتحل بلحظات صفو قليلة معبر لا يُغلق أبدا و الملائكة فيه أكثر شغلا من شرطة الأرض، معبر سماوي إلهي يعرف أهل غزة و يعرفونه دون تصاريح و لا جوازات، يحتفل بقدومهم كل يوم و يختم على صحف عبورهم: أيتها النفوس الطيبة اخرجي الى روح و ريحان و رب غير غضبان.

إن للبلاد أقدارا و مقادير عند الله و قدر فلسطين و غزة أن تحضنها الأرض و روحها معلقة بالسماء من يوم إسراء نبيها صلى الله عليه و سلم و معراجه الى السموات العلى.

* البكاء على صدر ******
مرحبا بكم في فلسطين: لوحة ترحيبية تستقبلك عند دخول رفح الفلسطينية فتظن للوهلة الأولى أن الأمور اختلطت عليك فتعيد القراءة لتتأكد أن عيناك لم تخدعاك، و تلتقط المشهد بالكاميرا لتثبت لنفسك أنك وطأت أرض فلسطين يوما، و لم تعد هذه الفلسطين كلمة تقرؤها في كتاب و لا خارطة تراها في أطلس، و لا تاريخا و لا أناشيد و لا أثوابا و لا طعاما و لا تراثا! أنت الآن على أرض فلسطين بشحمك و لحمك و كيانك، فلسطين التي تؤمن أنها ستحرر يوما ما و لكن ليس في حياتك و يذهب حلم رؤيتها و العيش فيها حسرة معك الى قبرك.

لا يصف المشهد و لا يعالج الشوق و لا يروي الظمأ سوى سجدة تروي أرض فلسطين بدموعك الحرى،سجدة و دموع و شكر لله تستشعر فيها عظمة فضل الله عليك أن جعلك أهلا لهذا الموقف فينطق لسانك "أنت ربي خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وما استطعت وما استقلت به قدمي لله رب العالمين". فالأمن من الخوف من أبسط حقوق الإنسان و عالم دولي لا يرى ما بغزة هو عالم أعمى منفصم الشخصية و المعايير.

على أرض غزة-فلسطين،تستشعر لماذا أحنى رسول الله رأسه يوم الفتح على نعمة النصر التي جعلها الله نعمة محببة و أثيرة في نفس الإنسان فتقتدي به و تدخل غزة خافض الرأس لتقرأ في كتاب الله المنظور آيات عظمته في الأرض و الإنسان.

* ليسوا من البشر و لا من ذات الكوكب
غزة التلفاز و الأخبار لا تساوي نقطة في بحر غزة الحقيقية و الواقع أكثر عظمة و إدهاشا و انجازا و تفوقا ..و أيضا أكثر معاناة و ألما.

تظن أنك ستفهم و تعرف أكثر برؤية غزة و أهلها و لكن البعض يكتشف أنه يخرج أكثر حيرة فمدى الفهم البشري يصل حدا تجاوزه أهل غزة منذ زمن في التضحية و البسالة و الإقدام و نحن ما زلنا على مفاهيمنا البسيطة الأولية في معاني الجهاد و الشهادة نقدم رجلا و نؤخر أخرى و نتمنى أن نحصل أجر الجهاد بغير ابتلاءات الجوع و الخوف و نقص الأموال و الأنفس و الثمرات!!

*سقط صاروخ،أُطلق صاروخ ...و تمضي الحياة
من كثرة الأصوات في سماء غزة نهارا و ليلا لا يميز المبتدؤون في المدرسة الغزية من الزائرين شيئا، و لكن أهل غزة يعرفون صواريخهم و من لهم و من معهم، و يعرفون صواريخ أعداءهم و من عليهم.

أنت تترقب و تصغي هذا غير عاصفة المشاعر التي تجتاح قلبك انتظارا للنتائج أو هربا من أن تكون هدفا محتملا لطائرة تضرب كل شيء و أي شيء، و أهل غزة يمضون في حياتهم بذات الاصرار و الاندفاع و كأن ما يحلق ليس أكثر من طائر قد يكون بشيرا أو نذيرا.

يدرسون تحت القصف، ينامون تحت القصف، يأكلون تحت القصف، يعملون تحت القصف، يتزوجون تحت القصف، ينجبون تحت القصف حتى أصبح القصف لازمة في حياتهم فقد تعلم أهل غزة الدرس من ابن تيمية الذي يئس العدو منه عندما قال: ماذا يفعل أعدائي بي؟ و عدد كل مناشط الحياة التي حتى لو ضيقها عليه العدو فلن يستطيعوا هزيمة إرادته.
حقا لا عدو مهما بلغت قوته و بطشه يقدر عليك إذا انتصرت على نفسك!

قست أحوال غزة و تصرفات أهلها بآخر ذكرى حرب عشنا إشاعات نذرها في حرب الخليج الأولى فحضرنا الملاجىء و الإسعافات و التموين و ألصقنا الشبابيك و غطيناها و كان صوت الرعد يفزعنا حد الرعب فعلمت أن أهل غزة في علياءهم متفردون.

* أنزلوهم من أنفسكم
لا يمكن أن تشعر بما يشعر به أهل غزة حتى تضع نفسك و حياتك و أهلك و أولادك مكانهم و تسأل نفسك: ماذا لو كانت حياتي دائما على المحك و الموت يحوطني في كل وقت و مكان دون لحظة هدنة أو راحة أو نسيان؟ ماذا لو كان أولادي لا يرقدون من الليل الا بضع ساعات و الطائرات تحوم فوق رؤوسهم و تقض مضاجعهم و تسرق الأمان من حضن أمهاتهم و آباءهم؟ ماذا لو مات الأب و الأخ و الأم و الابن و الزوج دون أن تجد فيهم ما يمكن احتضانه و توديعه؟

لائحة أسئلة طويلة و الأجوبة الصادقة ستثبت أنك ربما لست من أصحاب حديث رسول الله في وحدة الجسد المؤمن الذي إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالدعم و المساندة، الجواب الصادق يحتاج أن تجعل لأهل غزة من طعام أولادك نصيبا و من جهدك نصيبا لنصرتهم و من دعائك كذلك نصيبا أما الموسمية في النصرة المادية و المعنوية فلا تصنع نصرا و لا تقيم أودا و لا تحفظ دما و لا تثبت أخوة، و الله جعل الانسان من أسباب نصرة أخيه الإنسان.

هم صابرون صامدون مجاهدون، و لكن ما هذه الحياة التي يجب أن يعيشها البشر فالأمن من الخوف من أبسط حقوق الإنسان و عالم دولي لا يرى ما بغزة هو عالم أعمى منفصم الشخصية و المعايير.
و لنا عود إن شاء الله