المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الغدر والعزل السياسي‏..‏ بين الشخصنة والمبدأ العام


يقيني بالله يقيني
04-17-2012, 08:34 PM
http://www.shatharat.net/vb/mwaextraedit4/extra/74.gif

الغدر و العزل السياسي‏..‏ بين الشخصنة والمبدأ العام
بقلم: د.عاصم الدسوقى

في المعركة الدائرة حول انتخاب رئيس للجمهورية من بين عدد من المرشحين‏,‏ وفي إطار السباق المحموم بين الطامحين في الفوز بالمنصب‏,‏ فوجئنا بقانون صدر عن مجلس الشعب ذي الأغلبية الإسلامية.



تم إعداده والتصويت عليه في أقل من أربعة وعشرين ساعة يقضي بحرمان كل من عمل مع نظام مبارك خلال السنوات العشر السابقة علي11 فبراير2011( تاريخ إعلان مبارك التخلي عن الحكم), أي من11 فبراير2001, وهو تاريخ ليس له مغزي فيما يتعلق بالمحاسبة علي إفساد الحياة السياسية لأنه يعني أن هذا الفساد لم يبدأ إلا من11 فبراير2001 وهو تاريخ لا دليل عليه بواقعة معينة.

وسرعان ما اتضح أن القصد من هذا القانون إبعاد عمر سليمان عن سباق الرئاسة مما يؤكد شخصنة القوانين ووقوع مجلس الشعب في نفس الخطأ الذي كان يؤخذ علي مجلس فتحي سرور ألا وهو تفصيل القوانين علي مقاس الزبون.
ولو كان مجلس الكتاتني يستهدف المصلحة العامة والاحتفاظ لمنصب رئاسة الجمهورية بالنقاء والأمانة والطهارة الواجبة لكان قد أصدر هذا القانون قبل الإعلان عن فتح باب الترشح للرئاسة, وكانت القوي الوطنية تطالب بذلك ليس فقط لرئاسة الجمهورية بل لكافة المسئوليات السياسية والتشريعية والقضائية.

لكن المجلس ساعتها لم يستجب بحجة أنه لا يريد إحياء قانون الغدر الذي أصدرته ثورة يوليو.1952 ثم أثبتت الوقائع أن المجلس لم يتحرك إلا بعد أن شعر الاخوان بالخطر من عدم فوزهم بالرئاسة. علي أن هذا الاندفاع الشديد لإصدار قانون لإستبعاد شخص بعينه من حلبة السباق يؤكد خوف الإخوان المسلمين من أن يفوز عمر سليمان بالمنصب بنفس الأسلوب الذي حصلوا هم بمقتضاه علي الأغلبية والذي أصبح معروفا بتزييف الإرادة بواسطة الورقة الدوارة. ولو كانوا علي ثقة بأنفسهم لتركوا الأمر للناخبين يسقطونه بإرادتهم الحرة دون تمييع لهذه الإرادة بوسيلة أو بأخري.

وبهذه المناسبة قد يكون المفيد استعادة الإجراءات التي قام بها ثوار يوليو1952 لحماية الثورة من أن يتسلل لها عناصر النظام الذي قامت ضده حيث يتأكد الفرق بين وضع مباديء تستهدف حماية الثورة وبين مباديء تستهدف أشخاصا بعينهم.

والحاصل أنه بنجاح الضباط الأحرار في الاستيلاء علي سلطة الحكم في مصر ليلة23 يوليو1952 أصبحت مقاليد الأمور في أيديهم, ومن ثم عملوا علي التخلص من آثار العهد السابق وعدم تمكين رجاله من المشاركة في الحكم بطريقة أو بأخري.

وكانت أولي خطوات تحقيق ذلك الهدف صدور مرسوم بقانون رقم(241) بتاريخ16 أكتوبر1952 أي بعد أقل من ثلاثة أشهر من قيام الثورة, يقضي بالعفو الشامل عن الجرائم السياسية التي وقعت في المدة من توقيع معاهدة26 أغسطس1936 مع الإنجليز إلي يوم23 يولية1952, أو المتهمين في قضايا سياسية خلال هذه المدة ولم تزل قضاياهم أمام المحاكم. وهؤلاء وأولئك هم الذين ناضلوا بشرف ضد الإنجليز وضد السياسيين المصريين الذين تعاونوا معهم أو مع الملك علي حساب الوطن وكانوا ضحايا الحركة الوطنية. وبناء علي هذا تولي النائب العام إذاعة أسماء المفرج عنهم تباعا وبلغ عدهم اجمالا934 بطلا.

أما الخطوة الثانية في هذا المقام فجاءت مباشرة بعد إلغاء دستور عام1923 في10 ديسمبر1952 والذي ينص في مادته الأولي علي أن.. حكومة مصر ملكية وراثية... ففي22 ديسمبر(1952) صدر مرسوم بقانون بشأن محاكمة المسئولين عن جرائم الغدر واستغلال النفوذ من الموظفين العموميين, أو أعضاء البرلمان, أو كل شخص كان مكلفا بخدمة عامة, أو كانت له صفة نيابية وارتكب بعد أول سبتمبر1939 جريمة من جرائم الغدر. والعقوبة هي الحرمان من الحقوق السياسية, وتولي وظائف الشركات, ورد الأموال. وهذا ما عرف في الأدبيات المتداولة بقانون الغدر بمصير الوطن ومصالح الشعب, أو قانون العزل السياسي.

أما مغزي تحديد فترة العمل السياسي محل المساءلة بعد أول سبتمبر1939, فإنه يشير إلي قيام الحرب العالمية الثانية وانتهاز كثير من المسئولين والمحاسيب فرصة الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد في الإثراء علي حساب الشعب حتي لقد شاع بين الناس آنذاك مصطلح ثري حرب لوصف كل من كون ثروة بطرق غير مشروعة.
وأما الخطوة الثالثة فقد جاءت بعد نهاية أزمة مارس المشهورة(1954) في الصراع علي السلطة بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر حيث أصدر مجلس قيادة الثورة في5 أبريل(1954) ستة قرارات أولها وهو ما يتصل بموضوعنا: محاسبة المسئولين عن الفساد السياسي في العهود الماضية وطرق إبعادهم من العمل في محيط السياسة وحرمان عدد منهم من حقوقه السياسية, وتطهير الصحافة, وبحث إصدار قانون لحماية الثورة.

وبعد عشرة أيام من صدور تلك القرارات وفي15 أبريل(1954) قرر مجلس قيادة الثورة: يحرم من حق تولي الوظائف العامة ومن كافة الحقوق السياسية وتولي مجالس إدارة النقابات والهيئات لمدة عشر سنوات كل من سبق أن تولي الوزارة في الفترة من6 فبراير1942 إلي23 يوليو1952 وكان منتميا إلي حزب الوفد أو حزب الأحرار الدستوريين أو الحزب السعدي( الهيئة السعدية).

أما من لم يكن منهم منتميا إلي أحد هذه الأحزاب فلا يحرم إلا بقرار من مجلس قيادة الثورة. ومغزي تحديد تلك الفترة الزمنية( من6 فبراير1942 إلي23 يوليو1952) يشير إلي حادثة4 فبراير1942 الشهيرة التي فرض فيها السفير البريطاني علي الملك فاروق تكليف مصطفي النحاس باشا برئاسة الحكومة وقبول النحاس هذا التكليف رغم علمه بمحاصرة الدبابات القصر الملكي لإرغام فاروق. وكانت تلك بداية عدم استقرار سياسي إذ تشكلت اثنا عشر حكومة خلال عشر سنوات فقط من حزب الوفد أو الأحرار الدستوريين أو الهيئة السعدية فضلا عن شخصيات أخري تابعة للقصر الملكي, ووقعت عدة اغتيالات لشخصيات سياسية, وانفجرت عدة مظاهرات ضد الحكم, واشتدت أزمات التموين.

وبمقتضي ذلك القرار تم تأمين الثورة وحمايتها من السرقة بمعرفة رعايا النظام الملكي الذين أخذوا يتربصون بالثورة, وأصبحوا عماد الثورة المضادة الذين ظل جمال عبد الناصر يحذر منهم حتي أبريل(1954).
بل لقد تم استبعاد تسعة أعضاء من لجنة الخمسين المكلفة في13 يناير1953 بوضع الدستور لانتمائهم إلي أحد الأحزاب الثلاثة المشار إليها أبرزهم عبد الرازق السنهوري( الهيئة السعدية), ومكرم عبيد والدكتور محمد صلاح الدين( الوفد).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دمتم بخير