المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل صناديق الثروة السيادية «سيادية» حقا؟


Eng.Jordan
04-17-2012, 09:02 PM
هل صناديق الثروة السيادية «سيادية» حقا؟



ليون برخو
لم يكن مقررا أن تكون الصناديق السيادية موضوع جمعتنا المباركة هذه. قررت الكتابة في هذا الموضوع بعد مشاهدتي اللقاء الذي أجرته شبكة بلومبرك على الهواء مع وزير الخزانة البريطاني جورج أوسبورن. كان اللقاء حاميا من حيث نوعية الأسئلة والأجوبة. وجرى على خلفية الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون للولايات المتحدة.
ووزير المالية في بريطانيا شخصية قد تأتي بعد رئيس الوزراء مباشرة؛ ولهذا كان معظم الأسئلة يدور حول الشؤون السياسية، ولا سيما الوضع في سورية وفلسطين المحتلة ومسألة البرنامج النووي الإيراني وما يسمى بالربيع العربي. وكمتابع ومهتم بشؤون العرب والمسلمين تركت الكتاب جانبا وبدأت بالإصغاء بتمعن لكل كلمة كان ينطقها أوسبورن.
وما أدهشني كانت النبرة الفوقية والمتعالية في حديث الوزير البريطاني نحو كل ما يتعلق بالعرب والمسلمين، وقد لا يرى البعض في هذا أي سبب للدهشة. بريطانيا دولة لم تفقد وزنها الدولي بعد. تملك وتنتج أسلحة فتاكة ولها اقتصاد قوي نسبيا ولها حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن.
ولكن ما أثار استغرابي الشديد كان التحول المفاجئ في نبرة الوزير عندما واجهه مقدم البرنامج بسؤال حول الصين وكيفية التعامل مع صناديقها السيادية. فجأة اختفت النبرة الفوقية ودخل الوزير في خطاب تستشف منه أن بريطانيا صارت تتوسل إلى الصين كي تنعش اقتصادها، وذلك بتوجيه استثمارات صناديقها السيادية صوب بريطانيا. ووصل الأمر بالوزير إلى الطلب من الصين علانية أن تقرض بريطانيا من خلال صناديق ثروتها الاقتصادية وستقوم بريطانيا بتلبية شروطها كافة.
والصين أظهرت خلال العقدين الأخيرين أنها من أذكى المستثمرين الذين عرفهم العالم. فما كنزوه من مال وما اقتنوه من فضة وذهب يجب أن يستفيد منه أولا وآخرا الشعب الصيني، وأن يساهم في المحصلة النهائية في إدامة النمو الاقتصادي الذي تشهده ويؤدي إلى تطور وازدهار البلد، ولا سيما المناطق الداخلية والنائية التي لم يلحقها التمدن والتطور بعد.
ولهذا ترى أن الشروط التي تضعها الصين للاستثمار الخارجي تفيد شعبها أكثر بكثير من الشعوب أو الاقتصادات التي تتلقى هذه الاستثمارات. وفي حالة بريطانيا فإن الصين، كما قال وزير الخزانة البريطاني، على استعداد لضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد البريطاني شريطة أن تُنفق لشراء البضائع الصينية. وكان الوزير سعيدا لتلبية هذا الشرط. وهذا معناه أن الصناعة الصينية هي التي ستزدهر وأن الصادرات الصينية إلى بريطانيا ستشهد نموا ملحوظا، وأخيرا فإن المليارات الصينية ستبقى دينا في ذمة بريطانيا.
إلى هنا المسألة قد تبدو تجارية بحتة، ولكن ما قد لا يستوعبه البعض ولا سيما من المهتمين بالشأن العربي والإسلامي من أمثالي هو: لماذا يخشى الغرب الثروة السيادية الصينية وهي بالكاد تساوي خمس الثروة السيادية لدول مجلس التعاون؟ موجودات الصناديق السيادية العربية تساوي تقريبا 1800 مليار دولار، أي نحو نصف موجودات صناديق الثروة السيادية في العالم.
لماذا يتوسل وزير الخزانة البريطاني إلى الصين بهذا الشكل ويوافق على شروطها التعجيزية من حيث التجارة والاقتصاد، بينما لا يكترث العالم الغربي لما يملكه العرب من ثروات سيادية هائلة؟ لماذا باستطاعة الصين لي ذراع بريطانيا من خلال صندوق سيادي يعد قزما عند مقارنته بموجودات الصناديق العربية، بينما لا يفلح العرب ليس في لي ذراع الغرب، بل حتى في دفعه لاتخاذ سياسات متوازنة وعادلة تجاه قضاياه؟ أترك الجواب للقراء الكرام وأعدهم بالعودة للموضوع في الأسبوع المقبل.