المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "ترمي بشرر" لعبده خال.. تأملات في نص أرعن


Eng.Jordan
04-18-2012, 08:53 AM
الجمعة, 19 مارس 2010 01:42

سميحة خريس نصوص ابداعية

أصدر الكاتب السعودي عبده خال عدداً من الروايات سابقاً كرست اسمه على الساحة الإبداعية العربية، ، إذ صدر له من الروايات: الموت يمر من هنا ، الأيام لا تخبئ أحداً ، الطين ، النباح ، مدن تأكل العشب ، فسوق ، وقصص كثيرة، لكن روايته الأخيرة ترمي بشرر سلطت الضوء ساطعاً على تلك التجربة الخارجة من جزيرة العرب، التي تقول إن هناك فناً إبداعياً متميزاً.

ولما كنت إذا أصبت باهتمام أو إعجاب برواية أو استحسان نص أدبي، أكتفي بكتابة مقالة، أحاول تحميلها ما قل ودل، ضمن العمود المحدود في مساحته في الرأي الثقافي ، وعادة ما أنأى بنفسي عن اقتحام عالم النقد، إذ أعدّ كل ما أقدمه توصيفاً أو وجهة نظر خاصة لا أرفعها إلى مصاف المنهج النقدي، وهذا يدفعني إلى التعامل بحذر مع النص الروائي تحديداً، خصوصاً أنني أشتغل في المساحة نفسها، لكنني أصاب أحياناً بلعنة نصوص تستدعيني بقوة لتشريحها. حدث معي ذلك وأنا أقرأ رواية ترمي بشرر ، واشتد الإلحاح على نفسي بعد فوزها بجائزة بوكر، واكتشافي أن الأوساط الثقافية تكاد لا تعرف شيئاً عن صاحبها، فما بالك بقراءته، لهذا أقدمت على مغامرة الكتابة التفصيلية هذه، واضعة نصب عيني الابتعاد عما يثير حنقي في النقد، وهو إعادة سرد الحكاية بأسلوبي.

يسمي عبده خال السردَ في روايته البوح القذر . قد يوحي هذا الاستهلال بأن الكاتب على وشك تقديم مرافعة تربوية أخلاقية يدين فيها عالماً قذراً، وعلى مدى الصفحات التي انثال فيها البوح الجريء المخيف أحياناً، لم أعثر على تلك الخاصية التربوية، لكني كنت أمام نص إبداعي فني بامتياز، إنه أكثر من بوح خفيض الصوت، وقح اللامبالاة، إنه كشف جريء، وتعرية لواقع مر.

في العتبة الأولى للرواية هناك جسد يقف في حجرة التعذيب، التصور الأول إننا سنتعامل مع ضحية، ولكن ذلك الواقف يبوح قائلاً إن روحه الخاسئة انزلقت إلى الإجرام بخطى ثابتة، قد يوحي وجسده العاري ملطخ بآثار آثامه، أنه الضحية التي استحقت عذاباً لإثم غابر، لكن العجيب في تلك اللحظة التي تفتتح فيها الرواية أنها وحدت بين الجلاد والضحية، ذلك الشخص يوقع عذاباً على طرف آخر، وطوال تلك الرواية لن تجد تفصيلاً دقيقاً للضحية، وإنما للجلاد فقط.
ربما مرت معالجة موضوع الجلاد في الأدب العربي والغربي عموماً مروراً عابراً، وقد تعرضت له نصوص كثيرة، لكن كان المتعارف عليه والنمطي، أن الأدب من شأنه الانحياز الكامل للضحية، ولو أضاء على بعض الزوايا الخفية نفسها للجلاد، فالأدب عموماً، تمثل وشرح حالة الضحية وسبر أغوارها، إنها البطل الذي يصول ويجول، لأننا نتعاطف مع المظلومين على الأرض، وكلما اقتصّت الحياة من تلك الضحية، ونكلت بها وعذبتها، صارت أكثر إغراءً وإغواءً للكتابة، إنها نصر كتابي، أو كنز نمسح الغبار عنه ونستغله بسادية كبيرة.

الحروف والكلمات والأضواء والاهتمام والمحبة والتعاطف، بل خبرات الكاتب من لغة ودراية بعلم النفس، أو تقَصٍّ للمجتمع وإعلاء للحقيقة وصوت مسموع، كلها في تلك اللحظة تسخَّر لخدمة بطل النص، الضحية، المجني عليه. نحن نترافع عن الأضعف، وإذا استكملنا الصورة، عرضنا ظلال الطرف الآخر المشارك في لحظة التعذيب، الجلاد، أو الظالم، عندها نتبارى في تهميشه أو تسخيفه وإدانته واتهامه، وإذا فاضت إنسانية الكاتب، فإنه يلامس بوجل بعض المفاتيح المضيئة في النفس الشريرة على عجل وحذر، لا نعتنق الظلام، حذرين مثلما ننظر إلى وحش كاسر في قفص، وراء القضبان الفكرية التي ينسجها الكاتب لا يمكن تلمس فراء الوحش، أو وصف ملاحته ونعومته دون إحاطتها بالشك، وكل إطراء إنما نقصد به أن يقودنا إلى اتهام.

لهذا كان عجيباً تسيُّد الجلاد بطولة رواية ترمي بشر ، الجلاد، الفاسق المعربد، ميت الضمير، هو جوهر الرواية الحقيقية، تمت إضاءة جوانب نفسه وتفاصيل حياته بحرْفية مذهلة، جعلت الفن يبدو محايداً وإن توزعت عبارات الإدانة والاتهام، لكن صدروها من فم الجلاد نفسه الذي يبوح بمعاصيه، تبدو مثل زهو المجرم بالجريمة، أو اعتراف المقترف ذنباً بذنبه، وهو بقيافته وكبره كله، وبلا أدنى نية لتقديم التوبة أو صحوة الضمير، فإذا وصف بوح نفسه بالقذارة، وأوغل في وصف تشوهاته وقسوته وافتقاره إلى الإنسانية، فإنه يفعل ذلك بفخر شيطاني.
إنه بطل بعيد عن النمطية، وأول خاطر يرد في البال إثر الانتهاء من الرواية: أية جسارة ذهبت بعبده خال إلى الجحيم ليمسك بتلابيب شخوصه، وبالتحديد الشخصية البطل طارق فاضل، فيسحبها بكل جرائمها وتفاصيل حياتها الحافلة بالسقوط المتسارع إلى قعر الهاوية والتمرغ بأوحال الرذيلة، فيقبض عليها بذلك الاقتدار الحرفي في أوراقه؟.

الرواية بشكل عام مغامرة، وقفز أرعن في المجهول، وتحدي للصورة المستقرة الثابتة في الحياة، هذه الرواية تتوج الرعونة الجميلة، موضوعاً ولغة، فهي مغامرة لغوية حقيقية، حيث اللغة ثرية، تنداح طازجة، تعبق بالحياة، وحيث العبارة رشيقة تقود إلى ما تلاها دون عناء، تدحرجك على نتوءاتها النحوية وسبكتها الجزيلة دون عقبات، إلا توقفك لدهشة تعتريك.. إنها لغة فنان قادر على التصوير ببراعة يُغبط عليها، براعة تمنحك متعة القراءة، ولا تقصد تعجيزك واختبارك، مع ذلك تختبرك في تقصي الخفي من دلالات الكلمات، وقد تصيبك بارتباك لوقوع تكرار يعاين الصورة نفسها من زوايا عديدة، كأنما الكاتب يخشى أن التصوير الأول لم يفي بنقل المشهد كاملاً، وقد تكون تلك هنة من هنات الرواية، لكن إصرار خال عليها يستوقفك، ربما للشك عما يريد قوله عبر التكرار، وهل يشك بقدراتك كقارئ، أم إنه يستعرض إمكانيات اللغة، أم إنه لم يكتفِ ككاتب من التوصيف!.

مع وجود تلك الهنات، فإن ترمي بشرر نص فني لا يمكن التشكيك بجماليته ، هذه عبارة اعتراضية، سببها أني سمعت من يتمتع بجرأة عالية ليقول: فازت رواية عبده خال ببوكر لأنه سعودي . أية ترهات يمكننا التفوه بها قبل قراءة النص؟ نأتي بها من تصورنا لخلل يعتري نظام منح الجوائز، أو لتصورات فقيرة معيبة مسبقة عن استحالة إنجاب الجزيرة العربية فناً راقياً على سوية الفن الذي يخرج من المراكز الثقافية العربية، والمدن العريقة في تاريخ الأدب والفكر.

مثل هذه الأحكام تثير عجبي، لأنها ببساطة ، تفتقر إلى الموضوعية، وتصدر عن عقول تحجرت وارتضت بقياسات عامة، أقل ما يقال فيها إنها تعكس إصرار أصحابها على جهل بتفاصيل ما يحدث على الساحة، وإن أراد هؤلاء التدليل على صحة ما يذهبون إليه، ذكروا على عجل ودون تمحيص أسماءً لروايات سعودية نالت الاهتمام والشهرة رغم تواضعها وافتقارها للفن، معتمدة على الاستجابة لشروط العالم الفضولية في الاطلاع على خفي الحياة في تلك البقعة، بذلك يُقْصون كل إبداع فني يمثل قيمة في حد ذاته، صدر أو سيصدر عن تلك المنطقة.

ليست هذه مرافعة تنتصر للأدب السعودي بقضه وقضيضه، وليست جمعاً ساذجاً لكل التجارب في سلة واحدة، ولكنها قطعاً ذود عن تلك الرواية تحديداً، لأنها باختصار تستحق التفات النقد، والقراء، والجوائز إليها.

كثيراً ما يغذي الجنس، بوصفه تابوهاً ترويجياً ناجحاً، روايات ونصوصاً متواضعة، يحدث هذا في العالم العربي والغربي على حد سواء، و ترمي بشرر تكتظ بالجنس، لكنه ليس جنساً مقحَماً على الرواية، إنه في قلبها، أو عمودها الفقري، الحدث الأساسي في معمارها، وإن جاء قاسياً وحاداً ومباشراً حد استخدام كلمات تصفع الذائقة الاجتماعية، إلا إنه مسخَّر في كشف وتعرية الحياة ورغبات الإنسان، والإيغال في الوصول إلى معرفة الحدود القصوى التي يذهب إليها في تنفيذ مآربه وتحقيق غاياته.

ليس الجنس في تلك الرواية متفحش وإن كان مكشوفاً، ولم يسخَّر لمتعة غرائزية، حتى في تلك المقاطع التي وصف فيها علاقة البطل الناشئة عن رغباته السوية مع امرأة، لا نتصور أن الكاتب البارع في الوصف عاجز عن تصوير دقيق للمشهد، لكنه لم يفعل هنا، فمرت مشاهد العلاقة دون إثارة تلذذات ومتع شهوانية لدى القارئ، مما يدلل على أن الجنس بإغرائه وقدرته على الإشهار الإعلامي، وتحقيق الرواج لم يكن هدف الرواية. ولكن الجنس هنا وسيلة المجرم وأداته للتعذيب.
تفصيلة التعذيب بالاغتصاب أو الاعتداء الجنسي معروفة بقدر يسير في الرواية العربية، يُستغل الجنس لإذلال الرجال ومسخ رجولتهم، ولقهر النساء وسلب كرامتهن، وقد تم تناوله في هذه الرواية بصورة جديدة، إنه مهنة البطل. احتراف يفتح لنا أبواباً واسعة للاطلاع على عالم بالغ الوحشية، حيث تصبح الضحية والجلاد آثمين على رقعة حياة لا ترحم.
يحدث ذلك في أجواء أسطورية مخيفة، يُظن لوهلة أنها بعيدة عن الواقع، حيث يستخدم القوي الثري أسلحة الجنس في سحق خصومه وإذلالهم، وفي تحقيق تسلية من نوع بشع أقرب إلى السادية، والحصول على وثيقة تضمن له البقاء في موقع المسيطر على عالمه.

لست هنا بصدد كشف تفاصيل دقيقة في الرواية، أو إعادة السرد كما يفعل النقاد الانطباعيون، فالرواية عمل تجدر قراءته، لا قراءة تلخيص مبتور مشوَّه عنه، ولكني أعرج على نقطة أعتقدها في غاية الأهمية. عبده خال يقيم في السعودية، ولا يقفز فوق الحواجز والعقبات مسمياً موقعاً بعينه بلدة بلا اسم، أو مدينة واق الواق، إنه يصف مدينة جدة القابعة على شاطئ البحر الأحمر بعينها واسمها، ببشرها وخريطتها المعمارية وطرقها، وما وقع فيها.
يدخل معركة تحدٍّ اجتماعية، إذ يعري مجتمعاً محافظاً شديد التكتم، خفياً، غامضاً، لا يظهر منه للعيان إلا صورة نموذجية، مثل جبل الجليد، ما خفي منه أكبر مما برز، ولعل تلك المكاشفة والتعرية لم تكن حكراً عليه، فسبقه لها كتّاب عرب ألمحوا بوقار إلى حياة سرية ماجنة في العتمة، بل وإن بعض الأعمال السعودية، بالتحديد التي كتبتها النسوة وعالجت الحياة السرية الفاضحة لمجتمعها، نالت شهرة طبقت الآفاق بناءً على كشف جزئي، فوُصفت الكاتبات بالجرأة والمغايرة، وتم صرف النظر عن السوية الفنية.

لا أسمي ما قام به خال كشفاً للواقع وتشوهاته فحسب، إنه تدمير مذهل لذلك البنيان الذي ينخره السوس، تمزيق لستائر التقنع والتحجب والمداراة والادعاء، وتعرية شاملة ودقيقة لموقعين في الحياة، موقع الجاني، وموقع المجني عليه، في شارعين أحدهما يسمى الجنة ، والآخر النار . هناك قلب لمعاني الكلمات وتحريف مقصود لدلالتها.
هناك إقدام من الكاتب على تشريح ثنائيات مسكوت عنها، مثل الغنى والفقر، التدين والانحراف، كما أن هناك رصداً لما يوقعه الفقر بكل بشاعته في نفس الإنسان فيخربها ويدفع بها إلى هاوية تخالها الجنة فإذا بها قعر الجحيم، دون توجيه تربوي كما أسلفت، يمكنك رؤية الخراب والانهيار في اللونين معاً.

لا شك إن فوز ترمي بشرر بجائزة بوكر، يحصن الروائي والرواية من معارك الاتهامات، إذ يصير الكاتب نجماً محسوباً على حرية الفكر تتداعي جهات عدة للدفاع عنه، لكن لنتذكر أن الرواية صدرت قبل نيلها الجائزة، وأنها رسالة عبده خال التي يصر عليها في أعماله، ويتحمل من أجلها التصدي للعفن والكذب والرياء مستعداً لدفع فاتورة تلك المغامرة.

هي جهد ينضم إلى جهود المفكرين في إعادة تأهيل المجتمع، في خضّه وهزه وإدانته، دون التخلي عن جمالية الفن.
يبرع الكاتب في رسم الشخصيات، ليست المسألة وصفاً خارجياً للشخصية في لونها وطولها وهندامها، ولا مجرد سرد الوقائع التي حدثت لها فصاغت حياتها وقادتها إلى مصيرها، بل هناك قدرة على ولوج الروح من زوايا عديدة، ورصد تلك المتغيرات والأمواج المتتابعة التي تضرب شطآن النفس، لعل التكرار اللغوي لبعض الوقائع يأتي من هذه الزاوية، حيث تفتح فجوة لا تبدو واضحة تماماً في أعماق الإنسان، هناك حيث تتصارع القيم والعادات والرغبات، حيث يهدهد الضمير، ويعلى من شأن النرجسية والفردانية، وحيث تلعب المصالح عاكساً ذكياً لكل المفاهيم، باقتدار يلج الروائي تلك البقعة الخطرة، وينجح في إحياء أنماط من شخصيات غير مسبوقة، وأخرى معروفة أجاد في الإلمام بها، مثل صاحب القصر الغامض، والبطل الشاذ، وآخرين من أطراف اللعبة، لكن الشخصية التي علقت في ذهني مثل شيطان، شخصية العمة، إنها تستحق الوقوف عندها في دراسات مطولة، شخصية لم ألمس شبيهة لها في حدود ما اطلعت عليه من الأدب العربي، العمة التي تربي، العانس التي تغار، المحافظة التي تنهى عن المنكر فكأنها تحرض عليه، المتمردة التي لا تمثل ضميراً للمجرم ولكنها تقلق راحته، موقع ضعفه الفريد، المتشبثة بالحياة مثل حيوان خرافي قادر على التمثل أمامك كلما غيبته.

إذا كانت الرواية على هذا النحو، فهل من الممكن التعاطف مع مجرميها المشوهين؟ لا يحدث هذا على الصعيد القيمي، إنك تنشدّ جمالياً للفن، ولكنك تظل واعياً بالتهاوي العجيب للخلق، حتى لو لم تتم إدانته صراحة في النص، ذلك إن الكاتب يخبئ الإدانة للجلسة الأخيرة، هناك إدانة مخيفة تنسلّ في خاتمة النص، عندما يكتشف الشاذ أيّ علاقة تربطه بامرأته التي يحب، لا أرغب في كشف المزيد، ولكن أقول إنه كان واعياً عندما ختم بالإشارة إلى هول العقاب الاجتماعي الذي قد يحسب عقاباً ربانياً أو عدلاً لا بد من استحقاقه.

ليست رواية خال خالية من الهنات، وذلك منطقي، قد يتعلق الأمر بذائقتي أو بواقع الرواية كعمل إبداعي، إذ بدا لي الحديث حول القضايا السياسية في الخاتمة مقحماً، كأنما الكاتب اكتشف أن الرواية مضت دون أن تؤشر إلى آفة العصر من سقوط سياسي، فراح يضع بعض الإشارات التي لو لم توضع لما أخلّت بالرواية وفنيتها العالية، لأننا كروائيين، لسنا ملزمين بالكتابة وفق منطق فكري يحتم إبراز مواقف إيديولوجية متقدمة أو منحازة، أو يعالج وضعاً سياسياً، إلا عندما يكون النص لهذه الغاية. إقحام السياسي براءة لم يكن من اللازم طلبها للنص، في حين أن وصف هول انهيار البورصة وأثره في شخوص الرواية كان أساسياً يصب في تبيان انهيار العالم القائم على رأسمالية مختلّة من كل جوانبها.

نبهني أحد الأصدقاء إلى جزئية أخرى رأى فيها إقحاماً، إذ إن النهاية التي تشير إلى شخص الكاتب ولقائه ببطل الرواية ليبدأ بالبوح له، كانت مفتعلة، وكأنما أراد الكاتب التشديد على نفي أن تكون الحكاية حكايته، ونحن نعرف الاستحقاقات الاجتماعية التي تترتب على استخدام صيغة المتكلم في النص. يفك الكاتب ارتباطه بالشخصية عبر تلك النهاية، لكن وجود ذلك الملحق أو عدمه لا يغير من الرواية شيئاً، إنها قائمة بذاتها، وعند القارئ الواعي لا خلط يستوجب تجريماً من نوع ما.
هناك إضافة أخرى، قد تبدو مقحمة، ولكني تلمست فيها لعبة الروائي الذكي وهو يحاول إيهامك بواقعية الأحداث حتى لتتلمس نفسك، وهي نشر تلك الصور والمعلومات المقتضبة عن الشخصيات والأحداث، ليست صور النسوة في ذلك الملحق إلا دفتر البطل الذي يحتفظ به لنساء القصر حتى يقوم بمهنته على نحو منظم، أما نشرها في ملحق بعد انتهاء القص الروائي، فيعطي إيهاماً قوياً بواقعية أصحاب الصور، وإن لم تكن شخصيات أساسية في أحداث الرواية، ولكنهن سلسلة الجواري المتشابهة التي تعمر القصر، أما صور أحداث وقعت ونشرت في الصحف فلربما كانت قد أوحت للكاتب ببعض الأحداث فسخّرها للتأكيد على القارئ أن كل ما يقرأه ليس تخييلاً، قد يرى ناقد أن تلك ليست من مهام الروائي، ولكن قد يستمتع قارئ، وتنفتح نوافذ كثيرة للتخييل والتوهم والتذكر وتقليب الحياة على وجوه عدة.

عندما تقلب الصفحة الأخيرة من الرواية يطالعك الغلاف الأخير، وفيه عبارة هل تحرُّزنا، وحذرُنا مما في الأرض، يقينا مما يلقى علينا من السماء! . تلك إشارة إلى العقاب الذي وقع على البطل المجرم الشاذ الذي لوث الدنيا بآثامه.

في الغلاف الأول، لوحة فنان تصور حصاة عملاقة يقوم فوقها قصر، تقع من السماء، توشك أن تلمس بحر جدة! والعنوان ترمي بشر إحالة على الآية الكريمة إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالات صفر .

هل نقول إن الكاتب وقع -رغم تحرزه- في فخ الرسالة الأخلاقية الاجتماعية؟ أم إنه أوفى الفن حقه، وفي الوقت نفسه أوفى المنطق حقه، من حيث استشراف الدمار والتأشير على جبروت العدالة حين تقتصّ من البشر، وحدّة العقاب حين يحل!... إنها مجرد تأملات.

سميحة خريس

الراي