المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أسباب سقوط الدولة الأموية


Eng.Jordan
04-18-2012, 09:26 PM
جعل ولاية العهد لاثنين
كان أول من سن هذه السنة مروان بن الحكم فقد عهد بالخلافة إلى ولديه عبد الملك وعبد العزيز, على أن تكون من بعدهما لعمرو بن سعيد بن العاص الملقب بالأشدق . ولما تولى الخلافة عبد الملك بن مروان أراد خلع أخيه عبد العزيز وتولية ابنه الوليد, لولا أن توفي عبد العزيز قبل الإقدام على خلعه, وعندئذ تقدم عمرو الأشدق وطلب من عبد الملك تجديد العهد له بالخلافة من بعده كما أوصى أبوه, فما كان من عبد الملك إلا أن قتله على نحو ما تقدم, وعهد بالخلافة لولديه الوليد ثم سليمان.

ولما تولى الوليد الخلافة أراد عزل أخيه سليمان من ولاية العهد ليعهد بها إلى ابنه عبد العزيز, وطلب من أخيه أن يعزل نفسه فأبى, وأبى أن يجعل الخلافة من بعده لعبد العزيز على الرغم مما عرض عليه أخوه من أموال طائلة, وعندئذ طلب الوليد من عماله أن يبايعوا لابنه عبد العزيز فبايعه ثلاثة منهم وهم: الحجاج الثقفي أمير العراق, ومسلم بن قتيبة أمير خراسان ومحمد بن القاسم الثقفي أمير السند وكلا الاثنين مرتبطان إداريا بالحجاج, كذلك دعا الوليد الناس لبيعة ابنه فلم يستجب له إلا خواصهم. وتوفي الوليد قبل أن يتم له ما أراد .

وتولى سليمان الخلافة من بعده وفي قلبه حنق على الذين استجابوا لبيعة ابن أخيه عبد العزيز, وعزم على الانتقام منهم, فأرسل إلى قتيبة بن مسلم من اغتاله , وعزل محمد بن القاسم وأمر بحمله إلى واسط وكتب إلى يزيد بن المهلب وكان قد ولاه على العراق, أن يميته تحت العذاب, فوكل به من أماته تحت العذاب , وهكذا كانت نهاية بطلين من أبطال الإسلام وقائدين شهيرين فتحا ما وراء النهر والسند ونشرا الإسلام فيهما.

وأما الحجاج الثقفي فكان قد مات قبيل تولي سليمان الخلافة, فصب نقمته على كل من اتصل بالحجاج بسبب. وكان عبد الملك قد أوصى ابنه سليمان أن يعهد بالخلافة من بعده إلى أخيه يزيد ثم إلى أخيه هشام, ولكنه تجاوز وصية أبيه وعهد بالخلافة إلى ابنه أيوب, ولكن ابنه توفي قبله , ثم أرادها لابنه محمد ولكنه كان صغيرا لم يبلغ الحلم , أما أخواه يزيد وهشام, فقد استبعدهما وقال عنهما: إنهما لم يبلغا أن يؤتمنا على الأمة , فشاور رجاء بن حيوة وكان شيخ الشام في زمانه, فأشار عليه بعمر بن عبد العزيز, فوافق على أن تكون الخلافة من بعده لأخيه يزيد ثم لهشام .
وقد أراد عمر أن يعهد بالخلافة لرجل في مثل ورعه وتقواه, ولكن الأجل لم يمهله. وتولى يزيد الخلافة بعد عمر ومن بعده تولاها أخوه هشام ومن بعده تولاها ابن أخيه الوليد بن يزيد

أثر العصبية القبلية في الصراع على الخلافة
ظهر أثر هذه العصبية بعد وفاة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان وتخلي ابنه معاوية (الثاني) عن الخلافة, فقد نصرت قبيلة كلب اليمانية مروان بن الحكم حين رشح نفسه للخلافة, وقاتلت معه الضحاك بن قيس الفهري, زعيم القيسية في الشام وكان يدعو لعبد الله بن الزبير. وانتصر مروان في وقعة (مرج راهط) سنة 64هـ بسواعد الكلبيين, وقتل الضحاك بن قيس في الموقعة وهزم القيسية, ومن بعدها تأصلت العداوة بين اليمانية والقيسية (المضرية), وظل اليمانية حلفاء بني أمية حتى خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك حين ثار عليه يزيد بن المهلب بن أبي صفرة زعيم اليمانية.

وتمتد جذور هذه الثورة إلى أيام الحجاج الثقفي حين كان أميرا على العراق والمشرق. فقد كان الحجاج يكره يزيدا بن المهلب, لأنه كان يتيه عليه, فهو ابن المهلب بن أبي صفرة والقائد الشهير الذي أخمد ثورات الخوارج وقارعهم تسعة عشر عاما, أفنى الكثير منهم, وكان من قادة عبد الله بن الزبير ثم تحول إلى عبد الملك بن مروان بعد مقتل مصعب بن الزبير سنة 71هـ في وقعة (دير الجاثليق), فولاه عبد الملك على خراسان وبعد وفاته سنة 82هـ خلفه ابنه يزيد في إمارة خراسان . وفي سنة 85هـ طلب الحجاج من الخليفة أن يأذنه في خلعه, وادعى أنه يميل إلى آل الزبير وأنه اختان أموالا من خراج خراسان فوافقه الخليفة ولكنه أمره أن يولي على خراسان أخاه المفضل بن المهلب, فامتثل أمر الخليفة وولاه وهو كاره .

ولما توفي عبد الملك خلفه ابنه الوليد, فسارع الحجاج إلى عزل المفضل عن خراسان وولى عليها قتيبة بن مسلم ثم قبض على يزيد بن المهلب وعلى أخيه المفضل وسجنهما وعزل أخويهما عبد الملك وحبيب ابني المهلب عن أعمالهما . وتمكن السجينان من الهرب من سجن الحجاج وتوجها إلى فلسطين ودخلا على سليمان في (الرملة) مستجيرين فأجارهما, وكتب إلى أخيه الوليد بذلك فأقره على ما فعل . ولما تولى سليمان الخلافة بعد وفاة أخيه الوليد سنة 96هـ, ولى يزيد بن المهلب أميرا على العراق وولى أخاه عبد الملك أميرا على خراسان , فاشتد بذلك عضد اليمانية.

ولكن عمر بن عبد العزيز الذي خلف سليمان سنة 99هـ عزل يزيد ابن المهلب عن العراق وقبض عليه وسجنه وطالبه بالأموال التي اختانها من خراسان حين كان أميرا عليها, ولما مرض عمر المرض الذي توفي فيه, هرب من سجنه, خشية من يزيد بن عبد الملك الذي سيخلف عمر بعد موته, لأنه كان ناقما عليه, وذلك أن سليمان بن عبد الملك حين ولاه على العراق أمره أن يصادر أموال آل ابن أبي عقيل وأن يعذبهم لقرابتهم للحجاج الثقفي , وهم أصهار الخليفة يزيد بن عبد الملك . وتوجه يزيد بن المهلب بعد هربه إلى العراق, فاجتمع حوله اليمانية, واستولى على البصرة . فلما تولى الخلافة يزيد ولى على العراق أخاه مسلمة بن عبد الملك وأرسله على رأس جيش من أهل الشام لقتال يزيد بن المهلب .

وفي الموقعة الجارية بينهما سنة 102هـ قتل يزيد بن المهلب واجتمع بالبصرة من نجا من آل المهلب, فحملتهم السفن إلى السند . وبعد قتل يزيد بن المهلب وما حل بآل المهلب, انقلب اليمانية على الوليد بن يزيد فمال إلى القيسية. ولما تولى الخلافة هشام بن عبد الملك بعد وفاة أخيه يزيد سنة 105هـ, أراد أن يتقرب من اليمانية فولى خالدا بن عبد الله القسري على العراق, وكان من زعمائهم , وبعد خمس عشرة سنة من ولايته على العراق عزله هشام سنة 120هـ, لأنه بلغه أنه يذكره بسوء, وأنه أثرى ثراء فاحشا من أموال الخراج, وأنه ازدرى قرشيا من آل عمرو بن سعيد بن العاص وبسط لسانه عليه في مجلس العامة, محتقرا قدره, وأنه قدم أهل الذمة وقربهم, وبنى كنيسة لأمه النصرانية, وأنه تكبر وتجبر وذل أناسا بغير حق .

فعزله الخليفة وولى مكانه يوسف بن عمر الثقفي, ابن أخي الحجاج, عدو اليمانية, وأمره بحبس خالد مع ابنه وأخيه وأبناء أخيه. وبعد أن لبثوا في السجن سنة أمره الخليفة بإخلاء سبيلهم, فقدم خالد إلى دمشق وأقام فيها. وفي سنة 126هـ حدثت حرائق في دمشق فاتهم بها خالد وأبناؤه, فقبض عليهم, كلثوم بن عياض القسري, نائب الخليفة في دمشق وحبسهم, ولما علم الخليفة (وهو مقيم بالرصافة) بالأمر, كتب إلى عامله بإطلاق سبيلهم فأخلاهم. وظل خالد مقيما بدمشق حتى توفي هشام سنة 126هـ وتولى من بعده ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك فاستدعى خالدا وطالبه بالأموال التي دخلت عليه من خراج خراسان وأرسل إلى عمر بن يوسف الثقفي أمير العراق, وأمره بتعذيبه, فمات خالد تحت العذاب .

نقم اليمانية على بني أمية قتل يزيد بن المهلب وما حل بآل المهلب من قتل وتشريد, وزاد في نقمتهم قتل خالد بن عبد الله القسري, فأتمروا بالوليد بن يزيد وقتلوه, بعد سنة من خلافته وبايعوا لابن عمه ومنافسه يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأطلق يدهم بالانتقام من القيسية (المضرية) فكان ذلك سببا لاشتداد النزاع بينهم وبين اليمانية, فأعلن القيسية الثورة في حمص وفلسطين والأردن بزعامة بعض أمراء البيت الأموي, ثأرا لمقتل الوليد. واستطاع يزيد, بمساعدة اليمانية قمع هذه الثورات. غير أن خلافته لم تطل أكثر من ستة أشهر وتوفي سنة 126هـ , وتولى الخلافة من بعده أخوه إبراهيم بعهد منه, فلم تتم له الخلافة إلا سبعين يوما, فقد أقبل مروان بن محمد بن الحكم وهو يومئذ شيخ بني أمية, على رأس جيش من القيسية, كانوا قد بايعوه, فدخل دمشق وهرب إبراهيم, وانتقم القيسية من اليمانية بكل أنواع الانتقام.

وتجمع اليمانية في حمص وأعلنوا الثورة على مروان وامتدت ثورتهم إلى تدمر, فتغلب عليهم مروان وهزمهم, فتجمعوا في غوطة دمشق بزعامة يزيد بن خالد القسري فقاد ثورتهم انتقاما لمقتل أبيه, فتغلب عليه مروان وقمع ثورته. ولم يكد يستتب الأمر لمروان حتى خرج عليه سليمان بن هشام بن عبد الملك مستعينا باليمانية, فسار إليه مروان وهزمه في معركة (خساف) سنة 127هـ ثم طلب أمانه فأمنه. وهكذا أثارت ولاية العهد الصراع بين المعهود لهم بها, وانتقل الصراع إلى بطاناتهم, وكان للعصبية القبلية أثر بارز في وقده وتشبيبه.


انتقال هذا الصراع إلى المشرق والمغرب
سرت العصبية القبلية بين اليمانية والقيسية إلى الأندلس وخراسان. ففي الأندلس ظهرت العصبية بتولي أبي الخطار حسام بن ضرار أميرا على الأندلس سنة 125هـ وكان زعيما لليمانية, فتعصب لهم. فثار عليه الصميل بن حاتم زعيم القيسية, سنة 127 هـ, وانتهت الثورة بمقتل أبي الخطار سنة 130هـ. وفي خراسان نشب الصراع بين القيسية واليمانية, وكانت بينهم وقعة بالبرقان - من أرض بلخ - سنة 106هـ وقد تزعم اليمانية عمرو بن مسلم الباهلي, أخو مسلم ابن قتيبة, وتزعم القيسية نصر بن سيار أمير خراسان وكانت الغلبة لنصر .

ولما تولى يزيد بن الوليد الخلافة انتقل الصراع إلى الولاة, فقد ولى منصور بن جمهور اليماني على العراق والمشرق, فعزل منصور نصر بن سيار عن خراسان وولى أخاه منظور بن جمهور مكانه, فامتنع نصر عن تسليم الإمارة ورد منظورا وأعلن استقلاله بخراسان. وفي سنة 127هـ ثار اليمانية في خراسان بزعامة جديع بن علي الأزدي, المعروف باسم الكرماني, على نصر بن سيار وبعد أن وادعه جديع خرج عليه ثائرا على ظلمه وجوره, فأتمر به نصر وقتله, فانضم اليمانية إلى المعارضة ومالوا مع أبي مسلم الخراساني ضد نصر بن سيار .
وقد أفاد أبو مسلم, القائم بالدعوة العباسية, من هذا الصراع القبلي, الذي أضعف الحكم الأموي في مقاومة الدعوة العباسية وكان من أسباب انتصارها.

المصدر موقع الاستاذة اسماء العمري