المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشاعر صلاح عبد الصبور


مهند
01-10-2012, 03:41 PM
http://www.adab.com/photos/41259899.jpg

يُعدّ صلاح عبد الصبور (1931 - 1981) أحد أهم رواد حركة الشعر الحر العربي. ومن رموز الحداثة العربية المتأثرة بالفكر الغربي !! كما يعدّ واحداً من الشعراء العرب القلائل الذين أضافوا مساهمة بارزة في التأليف المسرحي, وفي التنظير للشعر الحر.

تنوعت المصادر التي تأثر بها إبداع صلاح عبد الصبور: من شعر الصعاليك إلى شعر الحكمة العربي, مروراً بسيَر وأفكار بعض أعلام الصوفيين العرب مثل الحلاج وبشر الحافي, اللذين استخدمهما كأقنعة لأفكاره وتصوراته في بعض القصائد والمسرحيات. كما استفاد الشاعر من منجزات الشعر الرمزي الفرنسي والألماني (عند بودلير وريلكه) والشعر الفلسفي الإنكليزي (عند جون دون وييتس وكيتس وت. س. إليوت بصفة خاصة). ولم يُضِع عبد الصبور فرصة إقامته بالهند مستشارا ثقافياً لسفارة بلاده, بل أفاد ـ خلالها ـ من كنوز الفلسفات الهندية ومن ثقافات الهند المتعددة.

وقد صاغ الشاعر ـ باقتدار ـ سبيكة شعرية نادرة من صَهره لموهبته ورؤيته وخبراته الذاتية مع ثقافته المكتسبة من الرصيد الإبداعي العربي ومن التراث الإنساني عامة. وبهذه الصياغة اكتمل نضجه وتصوره للبناء الشعري.

وُلد الشاعر في إحدى قرى شرقيّ دلتا النيل, وتلقى تعليمه في المدارس الحكومية. ثم درس اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا), وفيها تتلمذ على الرائد المفكر الشيخ أمين الخولي الذي ضم تلميذه النجيب إلى جماعة (الأمناء) التي كوّنها, ثم إلى (الجمعية الأدبية) التي ورثت مهام الجماعة الأولى. وكان للجماعتين تأثير كبير على حركة الإبداع الأدبي والنقدي في مصر.

كان ديوان (الناس في بلادي) (1957) هو أول مجموعات عبد الصبور الشعرية, كما كان ـ أيضًا ـ أول ديوان للشعر الحديث (أو الشعر الحر, أو شعر التفعيلة) يهزّ الحياة الأدبية المصرية في ذلك الوقت. واستلفتت أنظارَ القراء والنقاد ـ فيه ـ فرادةُ الصور واستخدام المفردات اليومية الشائعة, وثنائية السخرية والمأساة, وامتزاج الحس السياسي والفلسفي بموقف اجتماعي انتقادي واضح.

وعلى امتداد حياته التي لم تطُل, أصدر عبد الصبور عدة دواوين, من أهمها: (أقول لكم) (1961), (أحلام الفارس القديم) (1964), (تأملات في زمن جريح) (1970), (شجر الليل) (1973), و(الإبحار في الذاكرة) (1977).

كما كتب الشاعر عددا من المسرحيات الشعرية, هي: (ليلى والمجنون) (1971) وعرضت على مسرح الطليعة بالقاهرة في العام ذاته, (مأساة الحلاج) (1964), (مسافر ليل) (1968), (الأميرة تنتظر) (1969), و(بعد أن يموت الملك) (1975).

كما نُشرت للشاعر كتابات نثرية عديدة منها: (حياتي في الشعر), (أصوات العصر), (رحلة الضمير المصري), و(على مشارف الخمسين).

مهند
01-10-2012, 03:43 PM
رؤيا


في كل مساء،
حين تدق الساعة نصف الليل،
وتذوي الأصوات
أتداخل في جلدي أتشرب أنفاسي
و أنادم ظلي فوق الحائط
أتجول في تاريخي، أتنزه في تذكاراتي
أتحد بجسمي المتفتت في أجزاء اليوم الميت
تستيقظ أيامي المدفونة في جسمي المتفتت
أتشابك طفلاً وصبياً وحكيماً محزوناً
يتآلف ضحكي وبكائي مثل قرار وجواب
أجدل حبلا من زهوي وضياعي
لأعلقه في سقف الليل الأزرق
أتسلقه حتى أتمدد في وجه قباب المدن الصخرية
أتعانق و الدنيا في منتصف الليل.
حين تدق الساعة دقتها الأولى
تبدأ رحلتي الليلية
أتخير ركنا من أركان الأرض الستة
كي أنفذ منه غريباً مجهولاً
يتكشف وجهي، وتسيل غضون جبيني
تتماوج فيه عينان معذبتان مسامحتان
يتحول جسمي دخان ونداوه
ترقد أعضائي في ظل نجوم الليل الوهاجة و المنطفأة
تتآكلها الظلمة و الأنداء، لتنحل صفاء وهيولي
أتمزق ريحا طيبة تحمل حبات الخصب المختبئة
تخفيها تحت سراويل العشاق.
و في أذرعة الأغصان
أتفتت أحياناً موسيقى سحرية
هائمة في أنحاء الوديان
أتحول حين يتم تمامي -زمناً
تتنقل فيه نجوم الليل
تتجول دقات الساعات
كل صباح، يفتح باب الكون الشرقي
وتخرج منه الشمس اللهبية
وتذوّب أعضائي، ثم تجمدها
تلقي نوراً يكشف عريي
تتخلع عن عورتي النجمات
أتجمع فاراً ، أهوي من عليائي،
إذ تنقطع حبالي الليلة
يلقي بي في مخزن عاديات
كي أتأمل بعيون مرتبكة
من تحت الأرفف أقدام المارة في الطرقات

مهند
01-10-2012, 03:44 PM
زيارة الموتى

زرنا موتانا في يوم العيد
وقرأنا فاتحة القرآن، وللمنا أهداب الذكرى
وبسطناها في حضن المقبرة الريفية
وجلسنا، كسرنا خبزاً وشجوناً
وتساقينا دمعاً و أنيناً
وتصافحنا، وتواعدنا، وذوي قربانا
أن نلقى موتانا
في يوم العيد القادم.
يا موتانا
كانت أطيافكم تأتينا عبر حقول القمح الممتدة
ما بين تلال القرية حيث ينام الموتى
و البيت الواطئ في سفح الأجران
كانت نسمات الليل تعيركم ريشاً سحرياً
موعدكم كنا نترقبه في شوق هدهده الاطمئنان
حين الأصوات تموت،
ويجمد ظل المصباح الزيتي على الجدران
سنشم طراوة أنفاسكم حول الموقد وسنسمع طقطقة الأصوات كمشي ملاك وسنان
هل جئتم تأنسون بنا؟
هل نعطيكم طرفاً من مرقدنا؟
هل ندفئكم فينا من برد الليل؟
نتدفأ فيكم من خوف الوحده
حتى يدنو ضوء الفجر،
و يعلو الديك سقوف البلدة
فنقول لكم في صوت مختلج بالعرفان
عودوا يا موتانا
سندبر في منحنيات الساعات هنيهات
نلقاكم فيها، قد لا تشبع جوعاًن أو تروي ظمأ
لكن لقم من تذكار،
حتى نلقاكم في ليل آت.
مرت أيام يا موتانا ، مرت أعوام
يا شمس الحاضرة الجرداء الصلدة
يا قاسية القلب النار
لم أنضجت الأيام ذوائبنا بلهيبك
حتى صرنا أحطاب محترقات حتى جف الدمع الديان على خد الورق العطشان
حتى جف الدمع المستخفي في أغوار الأجفان
عفواً يا موتانا
أصبحنا لا نلقاكم إلا يوم العيد
لما أدركتم انا صرنا أحطاباً في صخر الشارع ملقاة
أصبحتم لا تأتون إلينا رغم الحب الظمآن
قد نذكركم مرات عبر العام
كما نذاكر حلماً لم يتمهل في العين
لكن ضجيج الحاضرة الصخرية
لا يعفنا حتى أن نقرأ فاتحة القرآن
أو نطبع أوجهكم في أنفسنا، و نلم ملامحكم
ونخبئها طي الجفن.
يا موتانا
ذكراكم قوت القلب
في أيام عزت فيها الأقوات
لا تنسونا .. حتى نلقاكم
لا تنسونا .. حتى نلقاكم

مهند
01-10-2012, 03:45 PM
ذلك المساء

حدثتموني عن سنابك مجنحه
تفتق الشرار في أهلـّة المآذن
عن عصبة من السيوف لا تفـل
قد أُغمدت في الصخر لاتـُسل
إلا إذا قرأتم دونها أسماءكم
ياعصبة الأماجد
الأشاوس
الأحامد
الأحاسن
وقلتم:
يا أيها المُغني غننا
مُسـَمل العينين في حضرتنا
لحناً يثير زهونا
ويذكر انتصارنا
(إذا تحين ساعة موعودة
نغيم في أشراطها
لم تنخلع عن غيمها إلا لنا
الساعة التي تصير فيها خَوذةَ الشيطان
كأسا لخمر سيد الفرسان .

مهند
01-10-2012, 03:46 PM
أغنية للشتاء

ينبئني شتاء هذا العام
أنني أموت وحدي
ذاتَ شتاء مثله, ذات شتاء
يُنبئني هذا المساء أنني أموت وحدي
ذات مساء مثله, ذات مساء
و أن أعوامي التي مضت كانت هباء
و أنني أقيم في العراء
ينبئني شتاء هذا العام أن داخلي
مرتجف بردا
و أن قلبي ميت منذ الخريف
قد ذوى حين ذوت
أولُ أوراق الشجر
ثم هوى حين هوت
أول قطرة من المطر
و أن كل ليلة باردة تزيده بُعدا
في باطن الحجر
و أن دفء الصيف إن أتى ليوقظه
فلن يمد من خلال الثلج أذرعه
حاملة وردا
ينبئني شتاء هذا العام أن هيكلي مريض
و أن أنفاسيَ شوك
و أن كل خطوة في وسطها مغامرة
و قد أموت قبل أن تلحق رِجلٌ رِجلا
في زحمة المدينة المنهمرة
أموت لا يعرفني أحد
أموت لا يبكي أحد
و قد يُقال بين صحبي في مجامع المسامرة
مجلسه كان هنا, و قد عبر
فيمن عبر
يرحمُهُ الله
ينبئني شتاء هذا العام
أن ما ظننته شفاىَ كان سُمِّي
و أن هذا الشِعر حين هزَّني أسقطني
و لستُ أدري منذ كم من السنين قد جُرحت
لكنني من يومها ينزف رأسي
الشعر زلَّتي التي من أجلها هدمتُ ما بنيت
من أجلها خرجت
من أجلها صُلبت
و حينما عُلِّقتُ كان البرد و الظلمة و الرعدُ
ترجُّني خوفا
و حينما ناديته لم يستجب
عرفتُ أنني ضيَّعتُ ما أضعت
ينبئني شتاء هذا العام أننا لكي نعيش في الشتاء
لابد أن نخزُنَ من حرارة الصيف و ذكرياتهِ
دفئا
لكنني بعثرتُ في مطالع الخريف
كل غلالي
كل حنطتي, و حَبِّي
كان جزائى أن يقول لى الشتاء انني
ذات شتاء مثله
أموت وحدي
ذات شتاء مثله أموتُ وحدي .

مهند
01-10-2012, 03:47 PM
أغنية ولاء

صنعت لك
عرشا من الحرير .. مخملي
نجرته من صندل
ومسندين تتكّى عليهما
ولجة من الرخام ، صخرها ألماس
***ت من سوق الرقيق قينتين
قطرت من كرم الجنان جفنتين
والكأس من بللور
أسرجت مصباحا
علقته في كّوة في جانب الجدار
ونوره المفضض المهيب
وظله الغريب
ِ

في عالم يلتف في إزارةالشحيب
والليل قد راحا
وما قدمت أنت ، زائرى ******
هدمتُ ما بنيت
أضعتُ ما اقتفيت
خرجتُ لك
علّى أوافي محملك
ومثلما ولدتُ . غير شملة الإحرام. قد خرجت لك
أسائل الرواد
عن أرضك الغريبة الرهيبة الأسرار
في هدأة المساء ، والظلام خيمة سوداء
ضربت في الوديان والتلاع والوهاد
أسائل الرواد
( ومن أراد أن يعيش فليمت شهيد عشق)
أنا هنا ملقي على الجدار
وقد دفنتُ في الخيال قلبي الوديع
وجسمي الصريع
في مهمه الخيال قد دفنت قلبي الوديع
يا أيها ******
معذبي ، أيها ******
أليس لي في المجلس السنّى حبوة التبيع
فإنني مطيع
وخادم سميع
فإن أذنت إنني النديم في الأسحار
حكايتي غرائب لم يحوها كتاب
طبائعي رقيقة كالخمر في الأكواب
فإن لطفت هل إلىّ رنوةُ الحنان
فإنني أدل الهوى على الأخدان
أليس لي بقلبك العميق من مكان
وقد كسرت في هواك طينة الأنسان
وليس ثمّ من رجوع .