المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المواجهة الفاصلة بين الإسلام والنصرانية في إندونيسيا


Eng.Jordan
04-19-2012, 10:01 PM
د . توفيق محمد علوان
كنا قد تناولنا في مقال سابق
الأسباب التي دعت إلى ذلك التفوق النسبي
ونجاح التنصير في إندونيسيا ، وبينَّا أن الأسباب التي أدت إلى هذه النائبة هي
أسباب عديدة ومتشابكة ، وتشمل كافة جوانب الحياة العملية والاقتصادية السياسية
وغيرها من جوانب الحياة ، وحددنا الأسباب الجغرافية والأسباب التاريخية
والأسباب الثقافية والأسباب السياسية وناقشناها . ونواصل في هذا المقال تناول بقية
الأسباب التي من وجهة نظرنا وعبر مشاهداتنا الواقعية تعتبر من أكبر الأسباب التي
أدت إلى هذه النازلة الكبرى التي نزلت بالإسلام والمسلمين في إندونيسيا المسلمة
وهي :
أولاً : الأسباب الاقتصادية .
ثانياً : الأسباب الاجتماعية .
ثالثاً : الأسباب العقائدية .
رابعاً : الأسباب الإعلامية .
فهذه الأسباب مجتمعة مع الأسباب السابقة قد تضافرت على الإسلام هنالك ،
وأدت إلى كل ما أنت راءٍ أمامك من تحلل وتمزق وانهيار بلغ ذروته في سلخ
تيمور الشرقية نهائياً من الجسد الإسلامي ، ولكن الطامة الكبرى لا تكمن ها هنا ،
بل إنها تكمن في أنه إذا انفرط هذا العقد فلسوف تتتابع حباته سراعاً إلى الزوايا
السحيقة والضياع التام ، وكم هنالك من تيمور بعد تيمور لا يدري العالم شيئاً عنها ،
وهي كثيرة وعديدة في إندونيسيا تتربص بها العيون الصليبية تمدها من ورائها
المعاول الباترة جغرافياً وسياسياً وتنصيرياً ودولياً لوضع كلمة الختام على سفر هذه
المأساة التي نسيها الجميع في غمار النكبات المتلاحقة على أطراف العالم الإسلامي .
أولاً : الأسباب الاقتصادية :
إن جميع المؤسسات الاقتصادية المتحكمة في الاقتصاد الإندونيسي تقع بغير
استثناء في قبضة النصارى والصينيين الذين يجثمون بنيرهم الثقيل على أعناق
المسلمين ، ويأكلون أكلهم ويشربون شربهم ، ويعتصرون دماءهم . وقد تصاب
بصدمة هائلة ومفاجأة كبرى عندما يتبين لك أن هذه البنايات الشاهقة والتي تبشر
بنهضة عالية وضعت إندونيسيا في حقبة معينة بين النمور الاقتصادية التسعة التي
هددت الاقتصاد الأوروبي والأمريكي ، إن هذه النهضة بلحمها وشحمها قد حصد
ثمارها وجنى جناها النصارى وحدهم ، بينما تحكموا دون رحمة أو هوادة في
أرزاق الملايين الكثيرة التي بقيت تتضور جوعاً وتقاسي أشد حالات الحرمان
والإذلال اليومي بحثاً عمَّا يقيم حياة الكفاف . هذه الجموع المنهكة التي ثارت في
نهاية الأمر ثورة عاتية شعواء حرقت في لهيبها كل ما يمت إلى النصارى بصِلَة :
بيوتهم ، ومؤسساتهم ، وشركاتهم ، وبنوكهم ، وقبل ذلك أنفسهم وأسرهم .
( قبيل سقوط سوهارتو عام 1998م ) ، الأمر الذي بدا ظاهراً للعيان أنه ناجم عن
الشعور الجسيم بالإحباط والهوان من التحكم الذي لا يرحم من النصارى ، وخاصة
ذوي الأصل الصيني منهم . وكم كانت ملاحظة جديرة بالتأمل والتحليل أنه في
أثناء الهياج الكامل للناس وحرق كل ما تقع عليه أيديهم ومن أراد إنقاذ نفسه أو
مؤسسته أو أمواله أو بيته من الهجمات العارمة ، فليس عليه إلا أن يكتب بخط كبير
ظاهر : « أنا مسلم » أو « الله أكبر » ، وغنيٌّ عن البيان الدلالة الحاسمة لذلك ،
ألا وهي أن المسلم الجائع والذي أخذ ينهب كل ما تقع عليه يده إنما يدرك دون
غموض من هم الذين امتصوا دماءه ، وأحرقوا فؤاده [1] .
إن النصارى يسيطرون على النصيب الأعظم من كل أنواع التجارة بمساعدة
الدولة ، وعلى سبيل المثال ، فإن الحكومة إبان النهضة الاقتصادية العامة في جنوب
شرق آسيا في السنوات العشر الأخيرة قد صرحت في أكتوبر عام 1988م ، بقانون
تنظيم البنوك الأجنبية والخاصة ( Pakta 1988 ) ، ومنذ ذلك التاريخ وحتى
ديسمبر عام 1995م تم تأسيس 165 بنك خاص ، ولهذه البنوك 3458 منفذ بنكي
غالبيتها الساحقة بأيدي النصارى ( إن لم تكن جميعها ) . كما تم التصريح لعدد 41
بنكاً أجنبياً بعدد منافذ ومكاتب يبلغ 83 ( كلها للنصارى الأجانب ) . إن البنوك
الخاصة التي تتحكم في اقتصاد البلاد مثل : البنك المركزي لآسيا ، بنك بالي ،
BDNI,BLL ، بنك دانامون ، بنك دوتا ، بنك نيجا ، بانين بنك . أو البنوك
الأجنبية مثل : بنك أمريكا ، بنك هونج كونج ، بنك طوكيو ، بنك بنكوك ، بنك
تشيس مانهاتن ، وغيرها ، كلها تقريباً بأيدي غير مسلمة . إن الشركات المالية
الاقتصادية قد بلغت 252 شركة في عام 1995م باستثناء شركات رأسمالية الدولة .
أما شركات التأمين فقد بلغت حتى أغسطس عام 1996م عدد 173 شركة للتأمين
وإعادة التأمين ، كما أن الشركات المدعمة لها 115 شركة .
هذه الأعداد الهائلة والتي تتحكم في مليارات الدولارات تحكماً كاملاً غالبيةُ
أتباعها من بنوك وشركات وتأمينات هم من النصارى ( بعض التقارير تؤكد أنهم
جميعاً من النصارى والصينيين ) فهذا كله من الأسباب الرئيسة للأزمة الاقتصادية
من جانب ، وأزمة الإسلام في مواجهة التنصير من جانب آخر [2] .
ولا يغربن عن بالك أن النصارى الذين بلغوا هذا القدر من الثراء والغنى لن
يضنوا على إخوانهم المنصرين القادمين من أقصى الأرض بالأموال الطائلة عوناً
لهم على أداء الدور الذي جاؤوا من أجله . كل هذا والمسلمون يدورون دون رحمة
تحت النير النصراني الثقيل ، بينما يكدحون مواصلين الليل بالنهار بحثاً عن حفنات
الأرز الكفاف .
ثانياً : الأسباب الاجتماعية :
هناك أسباب اجتماعية تفسر ظاهرة التنصير المستشرية ، ألا وهي حرص
الأبواق الحكومية ، وبصورة ملحة على ضرورة تنظيم النسل ، ولا شك أن
الكثيرين من المسلمين ، نظراً للظروف الاقتصادية القاهرة ، مضافاً إليها الإلحاح
الإعلامي ، سرعان ما تستجيب لهذه الدعايات ، مما أدى إلى التناقص المستمر في
نسل المسلمين عبر العقود الأخيرة . بينما النصارى في أماكن تجمعاتهم لا يلقون
بالاً لهذه الدعايات ؛ ذلك أنهم يلتزمون بصورة صارمة بالتعاليم الكنسية
البروتستانتية والكاثوليكية التي تحرضهم على الزيادة في النسل بكل وسيلة ممكنة ؛
مما دعا بعض المحللين إلى اعتبار هذا الخلل الجسيم في التوازن السكاني
( حيث كانت النسبة 100% للمسلمين منذ نصف قرن فقط ) ، إنما يرجع إلى هذه
الأسباب ، لا إلى النجاح في عمليات التنصير .
ثالثاً : الأسباب العقائدية :
عقيدة الدولة الإندونيسية علمانية ، أي أنها لا تلقي بالاً إلى الديانات عند
تخطيط وتوزيع الخدمات أو الامتيازات ، ولقد أدى هذا المذهب الأعمى إلى إيقاع
أشد الظلم بالمسلمين ؛ حيث تم فتح الأبواب والفرص دون تمييز بين الأغلبية
الساحقة من المسلمين ، وبين الأقلية التي لا تكاد تذكر من النصارى على رغم
القاعدة المعتمدة في جميع أنحاء العالم والتي بموجبها تخضع الأقليات لرأي الأغلبية
وإن لم تعتنقه ، وإلا لزم العكس وهو غير معقول ، إلا في حالة الأغلبيات المسلمة
والأقليات النصرانية كما هو الحال في إندونيسيا ؛ حيث يتوجب على الأغلبية
المسلمة أن تعطل كافة أعمالها احتفالاً بالأعياد النصرانية الكثيرة ، وعلى الأغلبية
المسلمة أن تنصت بإمعان إلى البرامج المتتالية والتي لا تنقطع فيها الدعوة إلى
الديانة النصرانية والتنصير المعلن الصريح الذي يذاع دون مداراة في التلفزيون
الإندونيسي . وعلى الغالبية المسلمة أن تنصت بإعجاب إلى البطولات الخارقة لدعاة
التنصير في التلفزيون الإندونيسي ، مثال الأم تيريزا التي واصل التلفزيون
الإندونيسي في حالة من الإبهار والاستعراض الكامل عرض تفاصيل حياتها
التنصيرية على أعين الجمهور المسلم وأسماعه لساعات طوال ، وكنت واحداً من
المنكوبين بهذه البرامج ؛ حيث رأيت التضخيم الذي لا يعقل في بعض الأحيان
لأعمال هزيلة تافهة يمكن دون جهد مشاهدة أضعاف أضعافها من صغار الدعاة من
الشباب الإسلامي ، كذا تصوير الترف الذي تمارسه المنصرات على أنه شظف
وجهاد ونبذ للحياة الدنيا ، فضلاً عن الكذب والخداع وتقليب الحقائق والأمور ، دع
عنك الدعاية طوال هذا جميعه إلى أدلة كون الحق المبين في الديانة النصرانية ،
هذا الذي على الغالبية المسلمة في إندونيسية المسلمة أن تعيه وأن تسمعه ، وخاصة
في يوم الأحد ؛ حيث إن يوم الجمعة يوم عمل لا يهدأ ؛ بينما الأحد هو الإجازة
الرسمية في أنحاء البلاد التي يقطنها مائتا مليون من المسلمين الذين ما زالوا بعدُ
يحتفظون بشعائرهم يوم الجمعة وعلى رأسها شعيرة صلاة الجمعة .
رابعاً : الأسباب الإعلامية :
الإعلام الإندونيسي خاصة التلفزيون يركز بصورة أساسية على البرامج
النصرانية التنصيرية الصريحة خاصة في أيام الأجازات والعطلات الرسمية ، كذلك
في أوقات الذروة الهامة من البث التلفزيوني .
وإنني ومع أني مسلم مضطر إلى الإنصات لساعات طويلة مشاهداً الكنائس
من داخلها ، وسماع المواعظ الطويلة وكأني أحد النصارى هذا على الأقل مرة
أسبوعياً . وكما ذكرنا فإن يوم الأحد هو يوم الإجازة الرسمية في البلاد ، بيد أن
مائتي مليون من المسلمين ملزمون بالخضوع لهذه الخطة الشنعاء التي تخضع فيها
الأغلبية على صورة مؤلمة لرأي الأقلية التي لا تكاد تذكر ، بل الخضوع للأذقان
لعقيدتها وديانتها . والأدهى من ذلك أن الكثير من المؤسسات تعتمد يوم السبت
مضافاً إلى الأحد يوم عطلة أسبوعية مجاملة لعيون اليهود الذين لا وجود لهم أصلاً
إن يوم الجمعة هو اليوم الوحيد الذي لا خلاف على العمل فيه بغاية الجد
والإخلاص ودون توقف إلا من أراد أن يصلي الجمعة فإنه يحصل على فترة انقطاع
تساوي قدر الصلاة على أن يعود إلى العمل فور الانتهاء منه . بل إنني لاحظت أنه
كلما كان الموظف أكثر التزاماً أو حتى أراد أن يبدو هكذا أمام رؤسائه فإنه يحرص
غاية الحرص على الانتظام يوم الجمعة . إن العمل يوم الجمعة بالذات هو الدليل
الذي لا تشوبه شائبة على ولاء الموظف والتزامه بالنظام العام في الدولة ، وهو
الجواز الذي عبره يحصل على رضى الرؤساء ، ولما كان عملي في جامعة إسلامية
تدرس العلوم الشرعية ، ولما كان هذا هو النظام المتبع فيها ، فلا تسل عن غيرها
من المؤسسات الحكومية الأخرى غير المعنية بشؤون الإسلام ، بل لا تسل عن
المؤسسات الخاصة التي يترأسها عادة الصينيون والنصارى والتي لا ترعى فيه
لمشاعر المسلم أدنى اهتمام .
إني لأعجب من هذا النظام وممن يقرره : من الذي يعطل الأعمال يوم الأحد ؟
ولماذا يطبق بهذه الصرامة ؟ ولماذا كان لا بد على المسلمين بأجمعهم أن يعطلوا
أعمالهم حتى تذهب القلة النصرانية إلى كنائسها هانئين ؟ ألم يكن كافياً أن يسمح لهم
مثلاً بالذهاب إلى الكنائس يوم الأحد في الوقت المخصص لعبادتهم ، بينما يجازون
مع المسلمين يوم الجمعة ؟ وهل يعقل أن يعطل تسعمائة مسلم من كل ألف أعمالهم
كل أسبوع من أجل ذهاب مائة إلى أداء طقوسهم الدينية ؟ إن يوم الجمعة هو اليوم
المعلوم على مستوى العالم الإسلامي ومهما كانت العقيدة التي تتبناها الدولة فيه .
ودون النظر إلى مدى وجوبه شرعاً أم لا ، بيد أن هذه الظاهرة هي الظاهرة اللافتة
للنظر ، والتي تشير دون لبس أو خفاء إلى حالة التحكم النصراني في شؤون الحياة
السياسية والعقائدية في إندونيسيا المسلمة .
وكل يوم أحد يجلس المسلمون في البيوت لكي يستمعوا إما إلى برامج فاحشة
جداً ، أو إلى مواعظ نصرانية منوعة في كل أسبوع من كنيسة جديدة ، أو خطبة
ووعظ نصراني ، أو فيلم عقائدي نصراني ، أو سيرة أحد رجال نشر المسيحية
المشهورين .
إن المسلمين يُحرَمون من أعمالهم يوم الأحد لمشاهدة التنصير على كافة
القنوات ، وهؤلاء المنصرون والمنصرات في أيديهم الأناجيل يقرؤونها ، ولا ندري
على من يقرؤونها ؟ أعلى رعاياهم من النصارى أم على المغلوبين على أمرهم من
المسلمين ؟
ولماذا يجب على جميع المسلمين أن ينصتوا طوعاً أو كرهاً وأن يلتزموا ؟
وبالطبع فإن وسائل الإعلام تعرض المواعظ الإسلامية أيضاً والبرامج
الإسلامية ؛ غير أن أوقاتها تكون على الغالب غير مناسبة ، وكلها تقريباً بعد صلاة
الفجر في التلفزيون ، وهو وقت كما هو معلوم مشحون بالاستعداد للمدارس أو
الاستعداد للخروج للوظيفة أو العمل ، علماً بأن اليوم في إندونيسيا يبدأ فعلياً عند
صلاة الفجر أي أن السوق وشراء الحاجيات المنزلية اليومية والسلع الغذائية وغير
ذلك يتم عند الفجر أو قبله بقليل ؛ بحيث لا يمكن أن يُرى في السوق أحد في
العاشرة صباحاً مثلاً .
والمقصود أن الأوقات التي يعرض التلفزيون فيها برامجه الإسلامية هي
أوقات أضعف بما لا يقارن بالتوقيت الذي يعرض فيه البرامج النصرانية ، وأين
وقت الفجر من وقت الإجازة الأسبوعية بكاملها .
ومما سبق يتبين أن التنصير إنما يتم بأموال المسلمين النازفة في أجهزة
الإعلام ، ولقد رأيت ساعة كاملة يوم الإجازة الرسمية ومن بعد صلاة العصر
الاختيار الدقيق لأفضل الأوقات لبطولات الأم تيريزا مصورة في كل مكان نصَّرت
فيه ، مع عرض النتائج الباهرة لآثار تنصيرها والجموع التي تسير من ورائها إلى
النصرانية ، ذلك الشرف الذي لم يحظ به أحد من كبار دعاة الإسلام الذين قضوا
أعمارهم فداء للدعوة ومنهم في بلاد المسلمين المختلفة ، ومنهم من قضاها في بلاد
بعيدة سائحاً في سبيل الله تعالى ، بل ومنهم من كان في إندونيسيا نفسها السنوات
الطوال يعلِّم ويعظ ويدعو ، ولعل في الصورة التي بيناها لك يتبين ما وراءها ،
وقس على ذلك بالطبع الصحافة وغيرها من وسائل الإعلام .
إن التنصير ها هنا لا يتم في زاوية نائية بعيدة ، إنه يبث على وسائل الإعلام
ظُهراً وفي رابعة النهار وعلى كل القنوات ، وفي جميع الأوقات .
هذا بالطبع عدا أعياد النصارى ؛ حيث تتفرغ نشرات الأخبار المرئية
والمسموعة والمكتوبة لعرض الاحتفالات وتصوير الكنائس والجموع النصرانية في
جميع أنحاء العالم في الاحتفالات الهائلة في أوروبا و أمريكا و الفاتيكان وغيرها في
تقارير تفصيلية ومطولة جداً ومنقولة بتمامها من البلاد التي تمت بها .
إن هذه الدعوة القهرية لهي واحدة من أعظم الأسباب ، لا أقول في نجاح
التنصير ، ولكن لدورها المعنوي الهائل الذي لا ينكر في إشعال مس الجنون في
عقول النصارى .
بركان النار في الجزر الإندونيسية :
بدأت وكالات الأنباء العالمية تنشر بصورة شبه يومية أخباراً عن اشتباكات
بين المسلمين والمسيحيين في بقاع شتى من أنحاء إندونيسيا ، هذه السياسة التي
صارت الآن في عداد المسلَّمات المقررة عند بدء أي مخطط دولي لتمزيق أية بقعة
إسلامية على وجه الأرض ؛ فهي المقدمة للتدخل الدولي في الصومال عن طريق
نشر أنباء الحرب والمجاعات ، وهي الطريق للتدخل السابق في تيمور لفصلها ،
وغير ذلك مما هو معلوم من البدايات الإعلامية للاقتحام والتدخل الدولي السافر في
الشؤون الداخلية للدول الإسلامية دون غيرهم من طوائف العالم أجمع . والآن تبدأ
من جديد المقدمة الممجوجة والمكررة نفسها لبدايات التدخل الدولي المزمع للمرة
الثانية في إندونيسيا ، الأمر الذي بات المسلمون منه على أشد حالات الفزع
والترقب والارتياب من خطط ونوايا الأمم المتحدة . ويضاف إلى تلك الصورة
المأساوية الحالة المزرية التي تتعامل بها الحكومة الإندونيسية مع الأحداث الجسام
التي تمثل الحياة أو الموت بالنسبة لإندونيسيا ووحدتها وحاضرها ومستقبلها ، حيث
يشلها الرعب القاتل من الغرب عامة ومن الولايات المتحدة الأمريكية خاصة ،
والذي تتراخى تحت وطأته أمام خطر داهم محدق بصورة ماثلة لا خفاء فيها ، فقد
بدأت « إيريان جايا » في عقد مؤتمر تحت إشراف الحكومة ، وهي المحافظة التي
سلمتها الأمم المتحدة في عام 1963م إلى إندونيسيا معتبرة إياها محافظة إندونيسية
خالصة بعد معارك طاحنة بين الحكومة الإندونيسية وبين المتمردين من النصارى
في عام 1961م مع اشتراط إجراء استفتاء عام لسكان الجزيرة وهو ما تم تحت
إشراف الأمم المتحدة في أغسطس عام 1969م ، وصارت بناء عليه « إيريان جايا »
هي المحافظة السادسة والعشرين من إندونيسيا . ولكن الدول الأوروبية بقيت تقدم
الدعم العسكري والمالي للمتمردين ، وتولت أستراليا كبر الفتنة غير عابئة بقرارات
أو مواثيق . وفي المؤتمر الذي عقد في 29 مايو2000م في « إيريان جايا » قرر
المؤتمرون الانفصال عن إندونيسيا أسوة بتيمور ، ووجهوا نداءاً إلى الأمم المتحدة
بسحب قرارها رقم 2504 ( 1969م ) في حالة خداع معلن للرئيس عبد الرحمن
وحيد بعد أن تناقلت الأنباء على أنه دعم المؤتمر بناءاً على وعود من قادة
الانفصاليين بأن يكون مؤتمراً حقيقياً خالياً من أية تدخلات أجنبية . والواضح أن
عبد الرحمن وحيد الذي فوجئ بالذي حدث قد مضى في التنازل على صورة مستفزة ؛
بحيث سمح لأول مرة في تاريخ هذه المنطقة للانفصاليين برفع أعلامهم عالية
جنباً إلى جنب مع الأعلام الإندونيسية ، مما أثار ثائرة مجلس النواب الإندونيسي
الذي أعلن رئيسه أكبر تانجونج أن الشعب الإندونيسي لن يتسامح في شبر واحد من
الأراضي الإندونيسية ، وأن الجميع مستعدون للموت دون ذلك .
ثم كانت أحداث بوسو و جزر الملوك في سولاويسي الوسطى ؛ حيث قامت
المجموعات الصليبية بتحريض من الرهبان في الكنائس بالهجوم على المسلمين مما
أدى إلى مقتل مائتين منهم ، ولكن الجديد في السيناريو هو الصورة البشعة التي
يصر العالم المتحضر على تقرير أنها أسلوب ناجع في إرهاب المسلمين وإثارة
الذعر في قلوبهم ، ألا وهي التمزيق الوحشي للأجساد والتعذيب البشع للأحياء منهم .
ونحن لا ندري كيف اقتنع الغرب بأن هذه المناظر البشعة يمكن أن تحدث آثارها
في إندونيسيا التي تقطنها أكبر أغلبية مسلمة على وجه الأرض ؟ إن هذه المناظر
المقززة الكالحة لم يعد لها من فائدة إلا إثبات السعار المحموم الذي يتلمظ في أتونه
الحارق الرهبان الذين فعلوا من الأفاعيل ما لم يجرؤ الكفار الشيوعيون في
الستينيات على فعله ، وإذا صحت هذه الأنباء عن هذه الوقائع الوحشية من الجثث
التي عرضتها وكالات الأنباء فإن تداعياتها سوف تعود على النصارى أنفسهم في
إندونيسيا بأوخم العواقب . ومهما تناولت الأمم المتحدة قضيتهم وأعدت المخططات
السرية أو المعلنة لها ، فإن إندونيسيا ليست البوسنة أو كوسوفا أو الشيشان ، وإن
النصارى بها ليسوا أغلبية حتى يقطعوا الأجساد ويحرقوا القرى ، كما أن الشعوب
لا تفهم كثيراً في لهجات ومخططات وألاعيب الأمم المتحدة .
إن المسلمين البسطاء الذين يطالعون هذه الصور والأخبار وبغاية البساطة
ودون كثير فلسفة أو تحليل سوف يحرقون قرى النصارى الذين يمثلون الأقليات في
الغالبية العظمى من الجزر الإندونيسية ، وسوف يمزقونهم كذلك بحسب الدروس
الإعلامية المرسلة إليهم من العالم المتحضر بالليل والنهار من أجل الثأر لإخوانهم .
كما أن الضعف المزري في سلوكيات وتصرفات حكومة عبد الرحمن وحيد لن
يؤدي إلى تنصير إندونيسيا أو انفصال « إيريان جايا » ، بل سيؤدي إلى حرب
أهلية منفلتة لا تحكمها إلا معايير تقطيع الأشلاء وتمزيق الجثث وحرق البيوت
والقرى والاغتصاب ، والقيم المجيدة التي ميزت عصر الشرعية الدولية ، والدروس
البليغة التي علمتها وكالات الأنباء للمسلمين في كيفية التعامل مع الخصوم وتحت
دعوى النصرانية والإنجيلية ، وسترتكب الأمم المتحدة والعالم الحر الجريمة الكبرى
التي لن تؤدي إلى تنصير إندونيسيا كما ظل الرهبان والبابوات يحلمون به لمدة
ثلاثة قرون من الزمان ، وإنما ستؤدي إلى سحق النصارى عن بكرة أبيهم .
والأغرب من كل هذا أن البابا الذي لزم الصمت المطبق المميت عندما
اغتصبت النساء المسلمات بعشرات الآلاف على مرمى حجر من بيته في أوروبا ،
وأعلنت شاهرة جاهرة على جميع القنوات الفضائية ، نراه اليوم يرفع عقيرته من
أجل إنقاذ النصارى في إندونيسيا توطئة بالطبع للتدخل العسكري الدولي في شؤونها
الداخلية ، وهي اللعبة التي استمرأتها الهيئات الدولية لَمَّا لم تقف في وجهها أمة
مسلمة تدفع عن شرفها وتفضل الموت الكريم على الحياة المستذلة المهينة .
والأغرب منه أن بعض المسلمين الذين ما زالوا يوجهون النداءات للبابا المتسامح
المسالم بتعليم النصارى التعاليم السمحة للإنجيل ، وهو الذي حرضهم باسم الإنجيل
على أن يقوموا بالحرق والاغتصاب وتمزيق الأجساد ، وهو الذي أزَّهم أزّاً وألهب
مشاعرهم وعلمهم أشد التعاليم توحشاً وهمجية .
إن على المسلمين اليوم سواء في إندونيسيا أو في غيرها أن يدركوا أن خطر
الرهبان الصليبية الوالغة في دمائهم على الإسلام أشد وطأة وأكثر ضراوة من غلاة
الملاحدة الشيوعيين إبان أحقاب العربدة الكافرة في ديار المسلمين ، وعليهم أن
يعلموا أن الخلاص لن يكون عبر إرسال النداءات للأمم المتحدة أو مجلس الأمن
الذي ليس من بين وظائفه تحقيق أي أمن لأي مسلم على وجه الأرض . ولا يغرنك
القرارات التي صدرت بأن إيريان جايا جزء لا يتجزأ من إندونيسيا ، فلسوف تنعقد
الأمم المتحدة وتلغيها إن رأت إمكانية تدمير إندونيسيا . ولكن على الجميع أن
يذكروا هجمة الغرب القريبة في لبنان عندما ظنوا أن النسبة السكانية المسيحية فيه
يمكن أن تؤدي إلى انتزاع السيادة لهم والحكم بالعبودية على المسلمين ، وقامت
المجزرة الكبرى في لبنان حتى أتت على الأخضر واليابس ، ثم لم تثمر إلا الآلام
المضنية والجراح الغائرة العميقة ، وعادت الأمور سيرتها الأولى .
وإن ما يجري الآن في إندونيسيا من ألاعيب لا مسؤولة وعبث مدمر بالنار
يفعله الرهبان الذين يحملون أشد الوجوه سماحة ووداعة ، وأشد القلوب سواداً
وضغناً وحقداً ، يتعجلون تنصير إندونيسيا عن طريق الدم والحرق والنار لن
يحرقوا إلا أيديهم ، وسيلقنون أهالي إندونيسيا شرائع الغرب المتحضر في البوسنة
ثم كوسوفا ثم الشيشان على مرأى العالم وسمعه ، وستطبق هذه الشرائع كذلك دون
الرجوع لأحد على نصارى إندونيسيا ولن يستطيع مجلس الأمن أن يفصل إندونيسيا
عن إندونيسيا ، ولا إندونيسيا عن جاوة ولا سومطرة ولا غيرها من الجزر الهائلة
التي تشمل عشرات الملايين من المسلمين الجاهزين معنوياً ودينياً للدفاع عن
إسلامهم حتى الموت .
إن إندونيسيا ليست البوسنة ، كما أن النصارى فيها ليسوا هم الصرب . وإذا
ظن العالم أنه بالسهولة التي تم بها قطع تيمور الشرقية سيتم ذلك في سولاوسي أو
وادي الملوك أو إيريان جايا فهو واهم . ولن يفيد ضعف الحكومة الإندونيسية
الحالي في التعجيل بالهدف النصراني المعلن ، بل سيؤدي إلى أوخم العواقب إذا
تداعت الأمور ونفد صبر الشعب الإندونيسي على فصول المهزلة التي تدور
شاخصة أمام ناظريه بإسقاطه لهذه الحكومة العاجزة الهزيلة ، ومن ثم ينفتح الباب
المتضرم على مصراعيه لصنوف من التطرف والاندفاع والتهور الذي لا تُشبع
نيرانه الجامحة إلا مفاخر الحروب المتحضرة التي لقنها الغرب للمسلمين ، فهي
مفخرة جديدة وإنجاز عظيم من سلسلة الإنجازات الكبرى التي أتحفت الشرعية
الدولية والأمم المتحدة عالمنا البائس المبتلى بها ، وانتظروا فإنا منتظرون .. !
مناطق سقطت في قبضة التنصير :
أولاً : نوساتنجارا الشرقية :
- العاصمة : كوبانج .
- المساحة : 47876 كيلو متر مربع .
- تتكون من 111 جزيرة أكبرها تيمور .
- بها أقل مستوى لسقوط الأمطار في جميع أنحاء إندونيسيا .
- بها حيوانات ما قبل التاريخ ( زواحف عملاقة ) .
- عدد السكان : 274,577,3 نسمة .
- الكثافة السكانية : 75 فرداً لكل كيلو متر مربع .
- توزيع أصحاب الديانات :
- المسلمون : 12,9% .
- بروتستانت : 16,33% .
- كاثوليك : 89,52% .
- هندوس : 19,0% . بوذيون : 04,0% .
ثانياً : إيريان جايا :
- المساحة : 421981 كيلو متر مربع .
- عدد السكان : 627,942,1 .
- العاصمة : جايا بورا .
- غنية بإنتاج البترول والنحاس .
- تشمل نصف جزيرة إيريان ( جينية ) وهي ثاني أكبر جزر العالم .
- تتميز بمنحدرات جبلية تنحدر تدريجياً ، ومناطق شاسعة من المسطحات
المائية .
- الكثافة السكانية : 5 أشخاص لكل كيلو متر مربع .
- توزيع أتباع الديانات :
- مسلمون : 15% .
- بروتستانت : 63% .
- كاثوليك : 20% .
- هندوس : 1,0% . بوذيون : 8,0% .
- تتميز بثقافتها الشعبية التقليدية والتي تميز المجموعات العرقية المختلفة .
ثالثاً : تيمور الشرقية :
- العاصمة ديلي .
- المساحة : 14874 كيلو متر مربع .
- غنية بالأخشاب المميزة : الخشب الأحمر ، خشب الحديد ، خشب الرقائق
وغيرها .
- عدد السكان : 839719 .
- الكثافة السكانية : 56 فرداً لكل كيلو متر مربع .
- توزيع أتباع الديانات :
- مسلمون : 7,1% .
- بروتستانت : 6,2% .
- هندوس : 3,0% .
- بوذيون : 1,0% .
- كاثوليك : 4,91% .
- كانت مسرحاً للحرب العالمية الثانية وبها كثير من الآثار الخاصة بالحرب .
ثانياً : مناطق في معارك فاصلة وانحسار مستمر للكثافة الإسلامية في
صالح الكثافة النصرانية :
أولاً : سومطرة الشمالية :
- العاصمة : ميدان .
- المساحة : 70787 كيلو متر مربع .
- الأنهار : 120 نهر .
- غنية بالثروات النباتية والحيوانية .
- عدد السكان : 667,114,11 حسب آخر إحصاء عام 1995م .
- الكثافة السكانية : 157 فرد لكل كيلو متر مربع .
- توزيع أتباع الديانات :
- مسلمون : 22,63% .
- بروتستانت : 27,96% .
- كاثوليك : 6,4% .
- هندوس : 41,0 % . بوذيون : 68,3 % .
ثانياً : سولا ويسي الشمالية :
- العاصمة : مانادو .
- المساحة : 19023 كيلو متر مربع .
- عدد السكان : 093,649,2 .
- الكثافة السكانية : 139 فرد لكل كيلو متر مربع .
- توزيع أصحاب الديانات :
- مسلمون : 1,44% .
- بروتستانت : 1,49% .
- كاثوليك : 9,2% .
- هندوس : 58,0% . بوذيون : 2,0% .
- من أغنى المناطق بالثروة السمكية للمياه العذبة ( مساحة 2678 هتكار ) .
- تحظى على اهتمام بالغ بها في كتب الإعلان عن إندونيسيا خاصة ارتفاع
دخل الفرد والصادرات والواردات بالدولار الأمريكي .
- غنية بالذهب والنحاس والحديد والكبريت .
وأود من القارئ الكريم أن يعي جيداً ما في الأرقام من دلالات ، وخاصة ما
يتعلق بالمساحات التي تحتلها كل طائفة من أرض إندونيسيا ، وعدد المسلمين
مجتمعين إلى عدد الديانات الأخرى مجتمعين ، وكثافة السكان في كل كيلو متر
مربع ، فإنها ناطقة بالمعاني الكبار التي قصدناها من هذا المقال ، والتي سنبدأ في
تحليلها ومناقشتها لاستجلاء الحقائق المجردة العارية ، وكشف النقاب عن الأخطار
الداهمة التي تهدد هذا الجزء العزيز من العالم الإسلامي ، وذلك في مقال قادم إن
شاء الله تعالى .
هذه هي شهادة الأرقام التي لا تكذب ولا تزيغ ، هذه هي المناطق النائية
المجهولة التي لم يسمع لها العالم ذكراً قبل اليوم . ومن يدري ؟ ! ربما هبت عاصفة
دولية مفاجئة من أجل تحرير ( نوستنجارا الحرة ) من تجاوزات وممارسات الجيش
الإندونيسي ، هذه المحافظة الإندونيسية التي لا يدري بها أحد حتى في العالم
الإسلامي ، ولكن العالم الصليبي يعرفها جيداً ويتلمظ لافتراسها كما فعل بتيمور
الشرقية من قبل ، هم الذين ما زالوا ينصِّرون هنالك منذ ثلاثة قرون توطئة لليوم
الموعود الذي تتدخل فيه الشرعية الدولية ولجان حقوق الإنسان والمقررات العالمية
والقوات الدولية من أجل إنقاذها من المسلمين على غرار ما تم في كل القضايا
المماثلة سواء في الماضي أو في الحاضر . ثم من يدري ؟ ! ربما خرج من بين
أطفال المسلمين المطرودين اليوم من يعي ويفهم جيداً حقيقة الإعصار المدمر الذي
يكتسح كل شيء أمامه ، فيعيد الأمور المختلة المائلة إلى نصابها ، ويقيم الحق مكان
الباطل وينقذ الأطراف الغالية من الجسد الإسلامي المثخن بالجراح ، من يدري ؟
ربما يكون الانتصار الآتي أقرب من عيوننا ، والفرج أدنى من المسافة بين أقلامنا
وصحائفنا ، يوم تتبدل أمور ظن الجميع أنها استعصت على السنن فلا تتبدل ولا
تتغير ، ظنوا أنها سبقت وأعجزت فلا تطالها سنة الله تعالى الصارمة الماضية دون
هوادة على مشارف الدهور الغابرة في الأولين والآخرين .
________________________
- إن الهدف الرامي إلى تنصير إندونيسيا يلقي تأييد بلاد قوية مثل
الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تتردد في إمداد الحركة التنصيرية بالمال في كل
مناسبة ، وهذه الحركة ( الحركة التنصيرية ) تلقى تأييد الأجهزة الأمريكية مثل
وكالة المخابرات المركزية ، كما تلقى تأييد أجهزة أخرى موزعة في أنحاء
العالم وخصوصًا في البلاد الإسلامية ، تحت غطاء المبشرين والتجار وخبراء
التعدين ... إلخ .
يجب علينا ـ نحن المسيحيين ـ أن نضمن أن تكون سياسة الحكومة موجهة
نحو الغرب دائمًا ، وخصوصًا نحو الولايات المتحدة الأمريكية . وعليكم أن تدركوا
أن حزب غولكار ( حزب سوهارتو ) وحكومته موجهان نحو أمريكا ، وهذا هو
السبب في توجيهنا لكل المسيحيين بالانضمام إلى حزب غولكار والعمل على فوزه
في كل الانتخابات . وعلى كل المسيحيين أن يعرفوا أن حزب غولكار هو حزب
المسيحيين . وهو الحزب المسؤول عن نجاح المسيحيين إلى هذا الحد في
إندونيسيا.
ويجب أن نتأكد دائمًا من أن الصحف الإندونيسية والإذاعة والتليفزيون تكتب
وتذيع الأحداث بصورة تخلق انطباعًا سيئًا حول الإسلام والمسلمين لزرع الفتنة في
صفوفهم لدفعهم إلى الاقتتال بينهم ( شتتوهم ومزقوهم ثم سيطروا عليهم واحكموهم )
هذه هي شعاراتنا وتكتيكنا لإخضاع المسلمين في إندونيسيا . ويجب أن نستغل
الصحف وغيرها من وسائل الإعلام الخاضعة لنا لنشر الدعاية الكفيلة بتمزيق وحدة
المسلمين في إندونيسيا .
[ من وثيقة مجلس الكنائس الإندونيسي في مؤتمر بجاكرتا عام 1979م - عن
مجلة الإصلاح العدد : 380 ]
- البيان -
________________________
(*) مقال تيمور الشرقية والذئاب الصليبية ، العدد : (144)
(1) (كاتب هذه السطور عايش هذه الأيام ؛ وحيث كنت أعمل أستاذاً بالجامعة فقد قام البوليس بتحذيري من النزول إلى الشارع من منزلي حتى لأداء الصلاة في المسجد القريب الذي تعودت الصلاة فيه ، ومع ذلك فإن الجموع الهائمة في كل مكان كانت ترفض الاقتراب من بيتي ؛ لأنه « بيت عالم » ويقصدون بالعالم : (رجل الدين الإسلامي) .
(2) ملاحظة : التقارير والأرقام المذكورة كلها من مصادر حكومية معلنة .
العدد(154) جمادى الآخرة 1421 - سبتمبر 2000

Eng.Jordan
04-19-2012, 10:02 PM
إندونيسيا بين أمل الصعود وخطر التفكك

(http://www.albayan-magazine.com/files/tanseer/tanseer.htm)

د . يوسف بن صالح الصغير

لا شك أن إندونيسيا تقف اليوم على مفترق طرق سيكون له دور كبير في تحديد مستقبل هذه الدولة ، وهل ستتجه إلى البروز والاستفادة من قدراتها وثرواتها الهائلة ، أو أنها سترتمي في أحضان أعدائها الذين سيوردونها المهالك ، وتتجه نحو التفكك والزوال بعد المرور بمخاض عسير جداً من النهب المنظم للثروات وانتهاء بالحروب الدموية التي قد تؤدي إلى تقسيم البلد إلى دول متنازعة تسهل إدارتها من بعيد ؟
تعتبر إندونيسيا أكبر دولة إسلامية ؛ حيث يبلغ عدد سكانها نحواً من 225 مليون نسمة ، ونسبة المسلمين فيهم أكثر من 90% حيث تتفاوت التقديرات بين 88 % و 95% ، وهذا التفاوت ناتج عن محاولة تضخيم عدد النصارى الذين يقدرون بـ 7% ، وقد نقصت نسبتهم كثيراً بعد انفصال تيمور الشرقية ، وحوالي 2% هندوس ، 1% بوذيون ، وحوالي 1% ديانات أخرى وثنية . أما المجموعات العرقية فهي تتوزع بين الجاويين 45% والسندان 14% ، وماليزيين ساحليين 5,7% ، ومادوريين 5,7% وجميعهم مسلمون تقريباً .
وتتكون إندونيسيا من أرخبيل[1] يمتد في المحيطين الهندي والهادي لمسافة خمسة آلاف كيلو متر من الشرق إلى الغرب ، وحوالي ألفي كيلو متر من الشمال إلى الجنوب ، ويتكون من حوالي 17000 جزيرة ، ويعيش نصف السكان تقريباً في جزيرة جاوا ( 5% من مساحة إندونيسيا ) ، أما الثروات الطبيعية فهائلة ؛ فهي بالإضافة للمنتوجات الزراعية والسمكية تحتوي على كميات كبيرة من النفط والغاز الطبيعي والقصدير والنيكل والنحاس والذهب والفضة والفحم والبوكسايت والأخشاب .
إن توفر الطاقة البشرية والثروات الهائلة المتنوعة والموقع الاستراتيجي يؤهل إندونيسيا للعب دور إقليمي كبير بل تتعداه إلى إمكانية البروز عالمياً ؛ لكن مع ذلك تقف إندونيسيا في طابور الدول النامية وتتأرجح بين المقدمة والمؤخرة ، واستمرار الأحوال المضطربة قد يؤدي إلى استقرارها في ذيل القائمة ، وهو جل ما يتمناه الحريصون على البقاء في المقدمة والذين يريدونها بقرة حلوباً وسوقاً مفتوحة ولا يتحملون بروزها عسكرياً واقتصادياً ؛ فيا ترى ما هي أسباب تخلُّف إندونيسيا عن الريادة ؟ وما هي طبيعة العوائق الحالية والمتوقعة ؟ مع العلم أن كثيراً من هذه العوائق هي عينها في كثير من الدول الإسلامية المشابهة . إن الإحاطة بالمشكلات والعوائق غير ممكنة ولكن يمكن ذكر أهمها ، وهي كما يلي :
أولاً : أزمة الهوية :
إن محاولة مسخ هوية هذه الأمة ومحاولة تغييب هويتها الحقيقية هو أهم الأسلحة التي حرص الأعداء على استعماله وتفننوا في الإبداع فيه ؛ فهو يظهر تارة بصورة قومية عربية أو طورانية أو فارسية أو حتى فرعونية وبربرية ، و..وأحياناً بصورة أحزاب مستوردة المناهج والأفكار من اشتراكية أو ماركسية بائدة أو فرانكفونية أو ليبرالية أو حتى علمانية مجردة من كل فكر عدا عداوة الإسلام « أتاتوركية » ، وأحياناً تظهر بصورة تحطيم القيم الاجتماعية والتركيز على قضية المرأة ، على جبهتي تشجيع التفلت ومحاربة الالتزام ، وأن السماح بتكوين الأحزاب بشرط ألا تقوم على أساس ديني يصب في هذا الاتجاه ؛ فهو من جهة يشجع على الولاء لأي مبدأ وفكر ما عدا الفكرة الدينية . ويا ترى ما هو الدين الذي سيقوم على أساسه حزب ديني في تركيا مثلاً ؟ إن عملية مسخ الهوية في إندونيسيا قد اتخذت أشكالاً عديدة تتناسب مع خصوصية هذا البلد ؛ فقد تعرض البلد لحملة تنصير توجت بمحاولة فرض عقيدة موحدة لإندونيسيا وبالطبع سيكون الخاسر الأساسي في تبنيها هم المسلمين !
التنصير بين الماضي والحاضر :
لقد تعرض الوجود الإسلامي في جنوب آسيا لعملية تصفية منظمة على يد القوى الصليبية ؛ فقد كان الإسلام هو الغالب على ما كان يسمى : « جاوا » ، وهي المنطقة التي تشمل الآن الفلبين وإندونيسيا ، ولم يكن هناك أي وجود نصراني ؛ فقد زار ابن بطوطة الرحالة المغربي المنطقة ، وتجول في هذه الجزر ، وسكن فيها ، وتزوج ، وقابل الملوك ؛ ومع تغلب المسلمين في عصره وظهورهم على عدوهم فقد ذكر وجود ممالك للكفار الوثنيين ، ولم يرد في كتابه أيُّ ذكر لوجود نصراني ، وذلك في القرن الثامن الهجري ، ولكن مع مجيء الاستعمار الأسباني والبرتغالي ثم الهولندي والإنجليزي وجدت بؤر للنصارى بل تمكن الأسبان من فرض النصرانية على جزر الفلبين ، وتراجع المسلمون جنوباً ، وما زالت الحرب مستمرة في الفلبين إلى اليوم ، ومع ذلك فإنه يلاحظ مثلاً أن الفلبينيين من أكثر الشعوب استجابة للإسلام عند دعوتهم ، ومن العوامل المشجعة على ذلك إحساسهم بأن أصولهم إسلامية ، ولا يزال المسلم الذي قتل ماجلان قرب مانيلا يعتبر بطلاً قومياً في الفلبين .
أما بالنسبة لإندونيسيا فقد ركز الاستعمار وجوده في جزر الملوك الغنية بالتوابل التي تعتبر السلعة الاقتصادية الرئيسية في المنطقة ، وقد تمكن المستعمر من تكوين بؤر نصرانية في المنطقة ، ولكن هناك ملاحظة مهمة وهو أن الاستعمار الهولندي الذي حل محل الاستعمار البرتغالي هو اقتصادي في أساسه ، وهو بهذا يختلف عن الاستعمارين الأسباني والبرتغالي اللذين يغلب عليهما أسلوب التنصير الإجباري ، ومن ثم فرضت النصرانية في الفلبين ومناطق الاستعمار البرتغالي في إندونيسيا مثل تيمور الشرقية التي استقلت عن البرتغال عام 1975م وضمتها إندونيسيا أيام سوهارتو برضى ضمني من الغرب ؛ ولكن سرعان ما فرض انفصالها عن إندونيسيا .
لقد كان التنصير رأس حربة للاستعمار ، وكان الاستعمار الهولندي حريصاً على تكوين جاليات نصرانية محلية مضمونة الولاء . ومع خروج المستعمر عام 1945م استمر النشاط التنصيري ، واعتمد على التحالف مع النخبة العلمانية الحاكمة التي تسلل إليها النصارى ، وقد تميز النشاط التنصيري بسعة انتشاره ؛ فقد حاول اختراق صفوف المسلمين ، وتمكن من استمالة بعض ضعاف النفوس الذين ارتدوا عن الإسلام ، وحاولوا التأثير على المسلمين عن طريق تقديم الخدمات الطبية والمادية واستغلال انتشار الجهل بحقيقة هذا الدين بين العوام نظراً لانتشار خرافات الصوفية ، وقد وصلت وسائل التدليس على البسطاء إلى حد نشر أشرطة للإنجيل مرتل باللغة العربية للإيهام بأنه من سور القرآن . ولا شك أن تميع الصوفية في قضية التوحيد يساهم في ضعف الحساسية تجاه التنصير ، ولا يخفى حالياً رفع النصارى لشعار وحدة الأديان وتوزيع البابا للاعتذارات .
لقد بلغ من توسع النشاط التنصيري في إندونيسيا واستعماله طاقات هائلة من الطائرات والسفن أن طرحت الكنائس شعار إندونيسيا نصرانية عام 2000م ، ولكن يمكرون ويمكر الله ؛ فقد انحصرت النجاحات التنصيرية في أوساط الوثنيين البدائيين ، وكان هذا الانسداد دافعاً لمطالبة النصارى بالانفصال كما حدث في تيمور الشرقية ، وكما يحدث الآن في جزر الملوك ، وكان أسلوبهم المعتاد والوحيد هو القيام بحملة تصفية للوجود الإسلامي في مناطقهم ، وقد قتل في البداية مئات المسلمين في مساجدهم وبيوتهم ، وقد استمرت الحرب الآثمة مع تعتيم إخباري شبه تام ، وكانت الأخبار تكتفي بذكر الحرب الطائفية في جزر الملوك ، ولكنها لا تفصِّل في : من هو الضحية ، ومن هو الجلاد ؟ ومع ذلك فقد بارك الله بجهود المخلصين ؛ حيث أدت هذه الأحداث ونشر صور المجازر التي ارتكبت بحق المسلمين إلى تأجيج المشاعر وقيام حركة جهادية مباركة ساهمت في حفظ الوجود الإسلامي في تلك الجزر ، وإذا تجاوزنا محاولة مراكز القوى النصرانية في الجيش والأمن مساعدةَ النصارى والوقوفَ في وجه المسلمين فإن النتيجة الأهم هي تأجج مشاعر المسلمين ضد النصارى في مختلف أنحاء إندونيسيا مما سيكون له أبلغ الأثر في الحد من النشاط التنصيري ؛ والله غالب على أمره .
البانكاسيلا :
بدلاً من تبني الإسلام دين الغالبية الساحقة في إندونيسيا ونظراً لغياب القومية الواحدة في إندونيسيا وقيام حركات مقاومة الاستعمار في إقليمي ( بساندا ) و ( أتشي ) بالمطالبة بإقامة دولة إسلامية ؛ فقد طرح سوكارنو وهو أول رئيس بعد الاستقلال دستوراً مصاغاً بعناية ؛ بحيث يتم استبعاد الإسلام ، وفرض عقيدة هجين تسمى ( البانكاسيلا ) تقوم بزعمهم على « الإيمان الكامل بالوحدانية الإلهية ، والتعامل الإنساني العادل والمتحضر ، ووحدة إندونيسيا ، والديمقراطية القائمة على الحكمة والتشاور ، وأخيراً مبدأ العدالة الاجتماعية » واعترف بأربعة أديان على قدم المساواة وهي : الإسلام ، والنصرانية ، والهندوسية ، والبوذية , وتساوى هنا التوحيد مع الشرك وأصبح ( 90 = 10 ) ! وضنوا على المسلمين حتى بنصِّ « أن دين الدولة الإسلام » المجرد .
إن فترة سوكارنو قد تميزت بكثير من حركات التمرد سواء في الأقاليم الإسلامية أو في المناطق النائية مع فتح المجال للتنصير وانتشار نفوذ الحزب الشيوعي الإندونيسي ، وكانت محاولة الشيوعيين السيطرة على الحكم واغتيالهم لبعض القادة المسلمين في الجيش قد أدى إلى استلام الجنرال سوهارتو للحكم والقيام بحملة تصفية دموية للشيوعيين قدر عدد ضحاياها بنصف مليون وسط ابتهاج غربي ، وقد استمر سوهارتو في تبني عقيدة ( البنكاسيلا ) مع تحالفه مع النصارى والصينيين ، وتكوَّن حزب الحكومة « غولكار » مع تزيينه لاحقاً بحزبين أحدهما الحزب الديمقراطي النضالي ( 1976م ) ممثلاً للاتجاهات اليسارية ، وحزب التنمية المتحد ( 1973م ) ممثلاً التوجه الإسلامي ، وقد أصدر سوهارتو قانون « التنظيم الجماهيري » عام 1985م ؛ فرض بموجبه عقيدة ( البانكاسيلا ) على جميع التنظيمات السياسية . وهنا نتساءل : إذا كان هذا النظام العقائدي قصد منه الحفاظ على وحدة إندونيسيا واجتماع الجميع على هذه العقيدة الوضعية ؛ فهل حققت أهدافها أم أن الأصل في الحقيقة هو تجاوز مبادئ الأكثرية وتفريغ الأمة من مصدر قوتها ؟ والجواب هو واقع الحال ؛ فقد أصبحت هذه العقيدة الفارغة تمثل الإطار الفكري لمسؤولي النظام وناشطي الأحزاب الحكومية ومفكري السلطة ، وفي المقابل انتشرت الحركات المسلحة المطالبة بالانفصال أو الحصول على بعض الحقوق ، ولم تكن هذه الحركات مقتصرة على المسلمين ، بل تعدتهم إلى النصارى في جزر الملوك وسكان بورنيو و إريان جانا الوثنيين ، وعلى ذلك فقد كانت هذه العقيدة ظاهراً مصدر وحدة وهي في الحقيقة لا تعني شيئاً سوى للنفعيين الذين هم على استعداد لاعتناق أي مذهب في سبيل مصالحهم الآنية ، ولكن الثمن الغالي هو فقدان الشعب لقوة دافعة عظيمة كانت الأساس في قيام الشعوب المسلمة في إندونيسيا بمقاومة الاستعمار واستمرارها في مقاومة السلطة التي قدمت لهم شعارات الوحدة والديمقراطية والعدالة وهم يشاهدون ثرواتهم تنهب وحرماتهم تنتهك ، وخير مثال على ذلك شعب ( أتشي ) الذي كان له دور كبير في مقارعة الاستعمار ولم تتغير أحواله كثيراً بعد الاستقلال .
إن المسلمين لا يمكن أن يجتمعوا على غير الإسلام إذا فرقتهم العصبيات ، وأي دولة إسلامية متعددة الأعراق والعصبيات محكوم عليها بالتفكك إذا لم تربط الناس بالرباط الوثيق ألا وهو هذا الدين ، وخير مثال على ذلك باكستان التي أنشئت لتكون وطناً لمسلمي الهند ، وسرعان ما تفككت إلى جزأين هما باكستان الحالية ، و بنجلاديش بعد حوالي عقدين من الزمن ، وكان السبب الرئيس هو رفض المشروع الإسلامي ، ومن ثم الحكم بالإعدام على الشيخ أبي الأعلى المودودي لمطالبته بتطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية التي هاجر من أجلها من موطنه في الهند إلى بلاد الأطهار « معنى باكستان » .
إن رفض المشروع الإسلامي قد أدى إلى ظهور العصبيات وإحساس البعض بالغبن ، وهذا ما حصل من البنغاليين الذين انجروا مع دعايات حزب ( عوامي ) المدعوم من الهند ، وتم فصل البنغال الشرقي عن باكستان وتسمى ببنجلاديش . إن أكبر ضامن لوحدة إندونيسيا هو تبني الإسلام جامعاً للمسلمين ومظلاً غيرهم بظله الوارف .
ثانياًَ : فساد النخبة الحاكمة :
بعد خروج الاستعمار تحكمت بالبلاد نخبة من العسكريين من جاوا وبعض النصارى مع الارتباط مع الأقلية الصينية التي تتحكم بأكثر من 70% من الثروة ، وقد نتج عن ذلك التحالف وضع شاذ يتمثل بإحساس المسلمين من غير جاوا وخاصة سومطرة بسيطرة الجاويين . أما الجاويون فيحسُّون أن حقيقة الحكم هي بيد زمرة من العسكريين مع رموز الجالية الصينية التي ارتبطت بشبكة علاقات مع السلطة الجديدة بعد الاستقلال ، ومارست النهب المنظم لثروات الأقاليم ؛ ولا يبعد أن لهم أصبعاً في عملية إفقار الجالية الحضرمية التي كانت تنافسهم اقتصادياًَ وإبعادها بعد إصدار سوركانو قرارات ظاهرها التوزيع العادل للثروة وحقيقتها التخلص من منافستهم ، وفي آخر عهد سوهارتو برزت روائح فساد الدائرة القريبة منه ، وبرزت أسماء أبنائه وبناته في مجال الأعمال واستغلال السلطة ، ولم يسلم حتى الرئيس الحالي وحيد من الاتهامات بالفساد المالي .
ثالثاً : الظلم الاجتماعي وعدم العدالة في توزيع الثروة :
يبلغ معدل دخل الفرد بالنسبة لإجمالي الناتج القومي 2800 دولار أمريكي للفرد ، وهذا لا يعكس حال الفرد الإندونيسي ؛ حيث يعيش الكثير منهم تحت خط الفقر ، ويسيطر 4% من السكان من أصل صيني على 70% من الاقتصاد ، ولا يتجاوز الدخل الحقيقي لـ 80% من السكان 350 دولار في السنة ، وقد تفاقم الوضع بعد تدخل لرؤوس الأموال الغربية إلى البلد ، ومن ثم كانوا السبب في الأزمة المالية عام 1997م وانهيار الاقتصاد بسبب خارجي بحت ، وكانت الاستجابة لنصائح البنك الدولي وراء تفاقم الأزمة ، وتم إيقاف المشاريع الضخمة مثل صناعة الطائرات والصناعات الحربية .
رابعاً : التدخلات الأجنبية :
لقد كان التدخل الأجنبي مباشراً في أحداث تيمور الشرقية ، ولا يبعد العامل الأجنبي في طبيعة تعامل الحكومة مع أحداث جزر الملوك ؛ حيث ترك المسلمين لمصيرهم لأكثر من سنة قبل تدخل الحكومة . أما عملية مجازر قبائل ( الداياك ) الهمجية للمسلمين ( المادور ) فلا ينتهي العجب من وقوف قوات الحكومة تتفرج على المذابح التي تُمارَس بالأسلحة البدائية ، وكان دور الحكومة يقتصر على تيسير سبيل المغادرة ، ولا أستبعد أن عملية إخلاء المنطقة من المسلمين النشطاء اقتصادياً يقصد منه إحلال قوى اقتصادية أخرى مكانهم ؛ حيث إن ( الداياك ) لا يتعدى دورهم أن يمثلوا أداة تفريغ المنطقة انتظاراً للسيد الجديد ؟ ولنترقب جميعاً القادمين الجدد لمقاطعة ( بورنيو ) الغنية ، وقد بلغ مدى التدخل الأجنبي السافر مدى بعيداً دفع المتظاهرين إلى المطالبة بطرد السفير الأمريكي الذي بدأ يتصرف كأنه الحاكم الفعلي لإندونيسيا .
خامساً : قوة العسكر وضعف السياسيين :
لقد عانت إندونيسيا من عقود متطاولة من عسف العسكريين وفسادهم ومع ذلك فقد شهدت البلاد تطوراً اقتصادياً وصناعات متطورة معتمدة على الثروات الهائلة واحتكار السلطة لها ، وكان هذا من أسباب تداعي الاقتصاد ؛ لأنه بيد فئة قليلة ، ولم يتم استثمار هذه الثروات في تنمية المناطق الغنية ، بل يلاحظ أن أهل المناطق الغنية هم أفقر الناس ؛ مما فاقم حالة الغليان والإحساس بالغبن ؛ ولذلك فإنه لما وقعت الأزمة الاقتصادية التي تسبب بها المضاربون اليهود « كما جاء في تصريحات رئيس وزراء ماليزيا » فإن العسكريين انسحبوا من الساحة ، وحل محلهم مؤقتاً زعامات حزبية وجدت نفسها فجأة في مراكز السلطة بعد استبعاد طويل .
ملاحظات سريعة على الأحزاب :
إن عدد الأحزاب التي شاركت في الانتخابات يبلغ 48 حزباً ، وإذا استثنينا 27 حزباً علمانياً واثنين نصرانيين فإن البقية ترفع شعارات إسلامية ، ولكن الكبيرة منها تتخذ الإسلام منهجاً وتأخذ منه برنامجها ؛ وتكتفي من الإسلام بالزعامة الروحية التي يتمتع بها زعيمها بين الجماهير ، ويمكن أن نقول إنها أحزاب طرقية تشبه إلى حد كبير زعامة المهدي والميرغني في السودان .
إن الوضع السياسي في إندونيسيا مضطرب بسبب كثرة الأحزاب وضعف الزعامات الحزبية وعجزها ؛ فما أكثر صور الرئيس وحيد وهو يغط في نوم عميق أثناء الاجتماعات الرسمية ، ويبدو من شدة تمسك المتحزبين له بوجوده في السلطة أن هناك مجموعة تحكم باسمه تذكرنا بأيام يلتسن .
إن إندونيسيا بحاجة ماسة اليوم لزعيم قوي يجمع بين الحزم والعدل ، وإلا فإن الوضع السياسي المضطرب سيقود إلى حالة شبيهة بالباكستان التي تتنازعها القوى السياسية والعسكرية ويدفع ثمنها البلد غالياً .
________________________
(*) أستاذ مشارك في كلية الهندسة ، جامعة الملك سعود ، الرياض .
(1) الأرخبيل : مجموعة من الجزر .
مجلة البيان : العدد (163) ربيع الأول 1422 - يونيو 2001

ابراهيم الرفاعي
04-19-2012, 11:49 PM
جزاك الله خيراً
وأجزل مثوبتك
وكلل دربك بالسعادة
شكراً