المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اللعب في الزمن الضائع


جاسم داود
04-20-2012, 02:44 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اللعب في الزمن الضائع

في عالَم كرة القدم - تلك الكرة التي سلبتْ عقولَ وقلوبَ شبابنا - عندما ينتهي الزَّمن الأصليُّ للمباراة، يقوم الحكم باحتساب الزَّمن بدل الأصلي للمباراة، وهذا بمثابة إعطاء فرصةٍ كافية للفريقين، سواء كان أحد الفريقين غالبًا أو مغلوبًا، فإذا سجَّل أحد الفريقين هدفًا كانَ هدفًا قاتلاً في مرمى خَصمه، فإنه يُحتسب من الحَكَم؛ لأنَّه في زمنه المحدَّد.


ومقارنةً بهذا العالم، فإنَّ حياة الإنسانِ كمثل هذه المباراة، فما أن تنتهي حياة الإنسان في الدنيا، فلا مجالَ للرُّجوع والتَّوبة، أو طلب زمن إضافيٍّ كما في كرةِ القدمِ، فالأمر عظيم، ولا مجالَ للمساومة، قال - تعالى -: ﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ ﴾ [القيامة: 26 - 28]


قال الشيخُ عبدالرحمن السعدي: "يعظُ - تعالى - عبادَه بذِكر حال المحتضَر عند السِّياق، وأنَّه إذا بلغت رُوحه التَّراقيَ، وهي العظامُ المكتنفة لثغرة النَّحر، فهنا يشتدُّ الكربُ، ويطلب كلَّ وسيلة وسببٍ يظنُّ أن يحصل به الشِّفاء والراحة؛ ولهذا قال: ﴿ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ﴾ [القيامة: 27]؛ أي: من يَرقيه، من الرُّقية؛ لأنهم انقطعت آمالُهم من الأسباب العادية، فلم يبقَ إلا الأسبابُ الإلهيَّة، ولكن القضاء والقدر إذا حتم وجاء فلا مردَّ له: ﴿ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ ﴾ [القيامة: 28] للدنيا؛ اهـ.
ثم قال في موضع آخر: "فهذا الزَّجر يسوق القلوبَ إلى ما فيه نجاتُها، ويزجرُها عمَّا فيه هلاكُها، ولكنَّ المعاند الذي لا تنفع فيه الآيات لا يزال مستمرًّا على بغيِه وكفره وعناده"؛ تفسير السعدي صـ "900".


فهنا لن يأتيَ إليك الحَكَم لكي يحتسب لك زمنًا إضافيًّا؛ لكي ترجعَ وتتوب إلى الله، لا ولله المثل الأعلى، فما هي إلا لحظاتٌ إلا وقد أصبحتْ روحُك قد اكتنفتْها الملائكةُ، فحينها لن ينفعَك النَّدمُ إلا أن يتغمَّدَك اللهُ بواسع رحمته.


فهذا فرعون أعلن توبتَه حين غرغرت رُوحه عند الفراق قائلاً: ﴿ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: 90].


فردَّ عليه - سبحانه -: ﴿ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [يونس: 91]؛ فلم يقبل منه - سبحانه - توبتَه؛ لأنَّه تاب في الزَّمن الضائع، فلم تُحتسب له توبتُه وإنابتُه؛ لأنَّه لم يتُبْ قبل أن تغرغرَ روحُه.
أمَّا فرعون، فقد هلك مع الهالكين، وجعل - سبحانه - قصَّة فرعون عبرةً لمن يعتبرُ ويتذكَّر ويُنيب إلى الله طائعًا تائبًا منيبًا إليه؛ فانفُضْ عنك غبارَ الغفلة، وفرَّ إلى ربِّك، وتُبْ إليه، ومرِّغْ أنفَك في التراب؛ عسى أن يتوبَ عليك، بل سيتوب عليك: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 16]، وقالَ - تعالى -: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53]، فهذه الأبواب أمامك مشرَعة، فادخُلْها آمنًا مطمئنًا بإذنِ اللهِ تعالى، فإن دخلت تلك الأبواب، فإنك لن تفارقَها أبدًا بإذن الله؛ لأنَّك إن صدقت في التوبة، فإنك ستذوق حلاوةَ الإيمان، تلك الحلاوة التي لا تباع في الأسواق والملاهي، بل تباع في المساجد وحلقات الذِّكر.



فهل ذقت حلاوتَها يومًا ما؟
أم ما زلتَ تسوِّف وتسوِّف إلى أن تتوبَ في الزَّمن الضائع؟
حينها فلا تلومنَّ إلا نفسَك!




دمتم برعاية الرحمن وحفظه