المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التنصير إفريقياً.. جهد كاسح ونتائج كسيحة


Eng.Jordan
04-20-2012, 08:40 PM
حظى القارة الإفريقية باهتمام قوي في إطار المخططات التي تحيكها الهيئات الكبرى المعني بنشر النصرانية (المسيحية) في العالم، وفي مقدمتها: مجلس الكنائس العالمي، والفاتيكان؛ حيث أخذ مجلس الكنائس العالمي على عاتقه مهمة نشر المسيحية الأرثوذكسية والبروتستانتية في إفريقيا، وفق مقررات مؤتمر التنصير الأشهر في كلورادو عام 1978.

فيما ينظر الفاتيكان إلى القارة باعتبارها الأرض الخصبة الملائمة لكي تكون موطنا صالحا للمذهب الكاثوليكي، خاصة مع تراجع المقبلين على الكنيسة الكاثوليكية في الدول الغربية، ومن ثم نظم الفاتيكان مؤتمر روما التنصيري في 19 فبراير1993 تحت شعار "تنصير إفريقيا عام 2000"، كما بلغ اهتمام المنظمات المسيحية بإفريقيا درجة جعلت بعض الدوائر الكنسية تتنبأ بأنه في نهاية القرن العشرين سيكون واحد من كل اثنين في إفريقيا مسيحيا.

ويسلك المعنيون بنشر المسيحية في إفريقيا طريقين أساسيين هما: التنصير، والتبشير، والتنصير هو تحويل المسلمين عن دينهم إلى اعتناق النصرانية (المسيحية)، أما التبشير فهو نشر المسيحية بين غير المسلمين، لاسيما أتباع الديانات التقليدية غير السماوية، أي أن التنصير والتبشير يتفقان في الغاية النهائية، ولكنهما يختلفان من حيث الجمهور المستهدف.

وبينما يعتبر الكثيرون التبشير حقا لكل مسيحي، فإن الأمر يختلف كلية بالنسبة للتنصير الذي يمثل تهديدا حقيقيا للإسلام، خاصة مع انتشار البؤر التنصيرية في مناطق عديدة في القارة مثل: إثيوبيا، وكينيا، وجنوب السودان، ومنطقة القبائل في الجزائر.

أهداف التنصير في إفريقيا

التنصير هو حركة دينية سياسية ظهرت بعد فشل الحروب الصليبية، وتسعى المنظمات التنصيرية في إفريقيا إلى تحقيق أهداف عديدة أهمها: إقناع المسلمين باعتناق المسيحية، أو على الأقل صرفهم عن التمسك بمبادئ الدين، وتشكيكهم في عقيدتهم، حتى ولو لم يدخلوا في النصرانية، وإقصاء الإسلام من مناطق انتشاره، ووقف امتداده في القارة من خلال تشويه حقيقته، والإيحاء بأن التقدم الغربي إنما جاء بفضل تمسك الغرب بالنصرانية، بينما يعزى تأخر المسلمين إلى تمسكهم بالإسلام.

كما يسعى المنصرون إلى توسيع دوائر النفوذ السياسي الغربي في إفريقيا، بهدف نهب ثرواتها واستعباد شعوبها، وكذا يستثمر المنصرون الجهود التنصيرية في تكوين الثروات؛ حيث يكون التنصير في بعض الأحيان تجارة مربحة، تبدأ بإنشاء منظمة تنصيرية، وجمع التبرعات من المتحمسين لنشر كلمة الرب، حيث يستخدم جزء منها في دعم الأنشطة التنصيرية، فيما يذهب معظمها إلى القائمين على تلك المنظمات.

أساليب التنصير في إفريقيا

لم يترك المنصرون فرصة إلا حاولوا استثمارها في سبيل خدمة أغراضهم، فالقاعدة لديهم أن الغاية تبرر الوسيلة مهما كانت، سواء أكان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر.

وبالنسبة للأساليب المباشرة فتعتمد على الدعوة الصريحة إلى نشر المسيحية في المجتمعات المستهدفة، وأما الأساليب غير المباشرة فتعتمد على نشر المسيحية من خلال التسلل إلى تلك المجتمعات ومحاولة تشكيكها في عقيدتها عبر إلصاق الافتراءات بالعقيدة الإسلامية والرموز الدينية التي يعتز المسلمون بها.

ومن أهم الأساليب المباشرة للتنصير: التوسع في بناء الكنائس، والإرساليات في كل مكان، وخاصة بجوار المساجد، وعلى سبيل المثال يوجد في إفريقيا حوالي 111 ألف إرسالية، ويتجاوز عدد الكنائس في الخرطوم وحدها 400 كنيسة، كما تعتمد المنظمات التنصيرية على بث أفكارها باللغات الإفريقية المحلية من خلال الكتب والمطبوعات ووسائل الإعلام، التي تأتي المحطات الإذاعية في مقدمتها، ومن أهمها محطة "صوت الإنجيل" التي تعد المحطة الأشهر في القارة، والتي تبث إرسالها من أديس أبابا بثلاث عشرة لغة إلى دول الشرق والجنوب والغرب الإفريقي.

ويقوم المنصرون أيضا بزيارات متكررة مصحوبة بالهدايا والاحتياجات الأساسية للمستهدفين في المنازل، ومخيمات اللاجئين، والجمعيات الأهلية، ودور الأيتام، والأسواق، والسجون، وغيرها.

أما الأساليب غير المباشرة فمن أهمها: تقديم الخدمات التعليمية والطبية والاجتماعية، ومحاربة اللغة العربية، ومنع انتشارها باعتبارها لغة القرآن الكريم، وذلك مقابل تشجيع اللهجات المحلية وتدوينها بالحروف اللاتينية، بالإضافة إلى تقديم الخمور والجنس، وإنشاء المراقص، خاصة بالقرب من المساجد، ومن الجمعيات التنصيرية التي تستخدم هذا الأسلوب جمعية أبناء الرب، وأسرة الحب، وهو من الأساليب الرائجة في كينيا وإثيوبيا.

ويحرص المنصرون على التنسيق بين أساليب التنصير المختلفة، ودراسة إمكانية تطويرها أو الجمع بينها، وذلك بالاعتماد على الدراسات التي توفرها المراكز البحثية التابعة للهيئات التنصيرية العالمية والإفريقية، ومن أهمها: مركز البحوث التابع للفاتيكان، ومركز البحوث التابع لمجلس الكنائس العالمي، ومراكز المعلومات المسيحية في معظم العواصم الإفريقية.

عوامل دعم التنصير في إفريقيا

هناك العديد من العوامل التي ساهمت ولا تزال في دعم جهود التنصير في إفريقيا، أهمها: الحملات الاستكشافية والاستعمارية، ودعم الهيئات الكنسية الكبرى في العالم لجهود التنصير في القارة، والدعم المالي السخي، وظروف الفقر، والجهل، والمرض في المجتمعات المستهدفة، وتخاذل القيادات والعلماء والمثقفين عن مواجهة المخططات التنصيرية.

وبمراجعة تلك العوامل في إفريقيا يلاحظ أن الحملات الاستكشافية مهدت السبيل لتغلغل الاستعمار في القارة، وهو ما وفر بدوره المناخ لدفع جهود التنصير في المناطق التي لم يصلها المنصرون من قبل، خاصة بعد أن تمكن المستعمرون من إلحاق الهزيمة بحركات المقاومة الإسلامية في إفريقيا، ومن ثم يعتبر التنصير والاستعمار وجهين لعملة واحدة.

كما تقف الهيئات الكنسية الكبرى بقوة خلف جهود التنصير والتبشير في إفريقيا، فلا يمكن لأحد أن يتجاهل دعم مجلس الكنائس العالمي لجهود التنصير في جنوب السودان ودول إفريقية عديدة، ولا يمكن أيضا إغفال الاهتمام الخاص للبابا يوحنا بولس الثاني بابا الفاتيكان بإفريقيا؛ حيث بلغ إجمالي زياراته للقارة خلال المدة من 1980 إلى 2000 اثنتي عشرة زيارة في الوقت الذي لم يسجل لإفريقيا قبل ذلك إلا زيارة بابوية واحدة، وبالطبع كان دعم جهود التنصير، وفق مقررات مؤتمر روما 1993، موضوعا أساسيا على جدول أعمال تلك الزيارات.

وبالنسبة للدعم المالي فإنه يتوفر بشكل دائم للحملات التنصيرية، وعلى سبيل المثال خصص مؤتمر روما عام 1993 ميزانية أولية قدرها 5.3 مليارات دولار لأجل نشر المسيحية في إفريقيا، ويأتي أغلب هذه الأموال من الحكومات، والشركات، والأفراد الغربيين، بل ومن المسلمين الذين يتم خداعهم لأجل المساهمة في التبرعات التي تقدم للمستهدفين باسم الصليب الأحمر والمنظمات التنصيرية الأخرى.

كما دأب المنصرون على استغلال الفقر والمرض والجهل في اختراق المجتمعات المستهدفة عبر تقديم الخدمات إليها، لاسيما خلال فترات الصراعات والكوارث الطبيعية؛ حيث يكون التنصير -وليس التضامن الإنساني- هو الدافع الأساسي لتقديم تلك الخدمات، ولولا ذلك لما تكبد المنصرون الجهد في سبيل تقديمها، بدليل أن الآبار التي ساهم المنصرون في حفرها في شرق السودان تم هدمها بعد أن أخفقت في تحقيق غرضها الأساسي وهو تنصير مسلمي تلك المناطق.

وكان لتخاذل المسئولين وضعف دور مؤسسات العمل الدعوى في إفريقيا، والدور السلبي للمثقفين العلمانيين الذين تربوا في الغرب دور مهم في تشجيع الأنشطة التنصيرية، وعلى سبيل المثال لم يكترث المسئولون في الجزائر بالنشاط التنصيري المكثف في منطقة القبائل، بل إن وزير الشئون الدينية الجزائري أكد أن الأمر لا يمثل تهديدا، وأن لكل إنسان الحق في التحول إلى الديانة التي يجد أنها أقرب إلى نفسه.

كما يعتمد المنصرون على تضليل المسلمين وغيرهم من أجل تسهيل نشر المسيحية، لاسيما بين قطاعات الشباب والنساء، ومن أساليب التضليل: إقامة كنائس شبيهة بالمساجد، وعقد الدروس يوم الجمعة، واستدلال المنصرين بآيات من القرآن الكريم، واتخاذ المنصرين والإذاعات التنصيرية أسماء إسلامية، والاستعانة بقساوسة من الأفارقة، واستخدام اللغات الإفريقية في التنصير، والسماح للمسلمين المتنصرين بالاحتفاظ بأسمائهم الإسلامية، والقبول بتعدد الزوجات بالنسبة للمتنصرين.

نتائج التنصير في إفريقيا

بالرغم مما يملكه المنصرون من إمكانيات هائلة، وما يتوافر لديهم من ظروف مواتية لتحقيق أغراضهم، فإن الجهد الكاسح للمنصرين جاء في معظمه بنتائج كسيحة، فإلى الآن لم تحقق تلك الجهود النتائج المرجوة منها بين المسلمين، لاسيما المقيمين منهم في العواصم والمدن الإفريقية، وعلى سبيل المثال بالرغم من تركيز الفاتيكان على دول غرب إفريقيا، فإن كفة الإسلام لا تزال هي الأرجح في معظم تلك الدول مثل: نيجيريا، وساحل العاج، والكاميرون، وتوجو، وبوركينا فاسو.

أما النجاحات التي حققها المنصرون في إفريقيا فقد تركز جلها في أصحاب الديانات التقليدية وأعداد قليلة من المسلمين، وقد لوحظ أن معظم من استسلم لمخالب التنصير ينتمي إلى الشرائح الفقيرة وغير المتعلمة ذات العقيدة الضعيفة، والمقيمين في المناطق النائية ومخيمات اللاجئين والنازحين، وحتى هؤلاء فإن غالبيتهم يتنصرون لأسباب مرتبطة بسد الاحتياجات الضرورية من مأوى وعلاج وغذاء، وليس لأسباب دينية.

وتعود تلك النتائج المخيبة للآمال للحملات التنصيرية إلى وجود كثير من عوامل الطرد في إطارها، والتي تعمل في الوقت نفسه كعوامل جذب صوب الإسلام، ومن أهم تلك العوامل: الخلافات المذهبية بين المنظمات التنصيرية، وانتشار الكنائس المستقلة، والصهيونية، وانتماء معظم المنصرين إلى الدول الغربية، وهو ما يفسر جهلهم بواقع القارة وخصائص شعوبها؛ حيث يستهجن هؤلاء إيمان الأفارقة بالأرواح وعالم الغيب، وهو جزء أساسي من المعتقدات والقيم الإفريقية التي استمرت حتى بعد اعتناق كثير من الأفارقة للديانات السماوية، كما يمثل الاعتماد على أسلوب التنصير الفردي تجاهلا لطبيعة الانتماء الجماعي في إفريقيا، وهو ما أعطى انطباعا بأن الأفراد يجب أن يتركوا قبائلهم لينتموا إلى المسيحية، وخاصة أن التعميد يتطلب أحيانا إذنا كتابيا من القبيلة التي ينتمي إليها الفرد.

ويتعامل معظم المنصرين مع الأفارقة بمنطق استعلائي يسعى إلى نقل مظاهر الحضارة الغربية إلى إفريقيا، وهو منطق نابع من الإحساس بتفوق المجتمع الغربي الذي جاؤوا منه، ومن ثم لم يندمج معظم المنصرين في المجتمعات الإفريقية، فلم يتزوجوا منهم، وإنما حافظوا دائما على مسافة بينهم وبين الأفارقة، كما عاشوا في مستويات معيشية مرتفعة مقارنة بهم، وهو ما أدى في نهاية الأمر إلى ارتباط صفة التغريب والاستعلاء في أذهان الأفارقة بالمسيحية.

وقد دأبت معظم المنظمات التنصيرية أيضا على تقديم صورة سيئة عن إفريقيا والأفارقة في أوروبا وأمريكا لأجل استمرار جذب الأموال اللازمة للتنصير، وهو ما أثار استياء الأفارقة، ونال بشدة من مصداقية تلك المنظمات.

وفي مواجهة ذلك تحرص المنظمات التنصيرية على نشر أرقام مزيفة عن أعداد ضخمة يتم تنصيرها من مسلمي إفريقيا، فيما ازداد تركيز البعض الآخر على التبشير بالمسيحية بين أتباع الديانات التقليدية في القارة، كما اضطر الفاتيكان إلى تأجيل مشروعه لتنصير إفريقيا عام 2000 إلى عام 2010، ثم إلى عام 2015، بل إن كثيرًا من المنظمات الكاثوليكية العاملة في إفريقيا دعت إلى مشروع "لأفرقة منصب بابا الفاتيكان"، وذلك بهدف إنقاذ جهود التنصير في القارة، وبالفعل رشحت تلك المؤسسات القس النيجيري "فرنسيس آرينز" لخلافة بابا الفاتيكان عقب وفاته، وذلك في سابقة تعتبر الأولى من نوعها في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية.

وفي المقابل يحرز الإسلام تقدما واسعا في إفريقيا، بدون الحاجة إلى الكهنة والقساوسة؛ حيث ينظر الأفارقة إلى الإسلام باعتباره جزءا من الأصالة الإفريقية، وخاصة أن اعتناقه لا يتطلب بالضرورة الانتماء إلى الحضارة العربية، كما يرتبط الإسلام في أذهان الأفارقة بالوقوف في وجه الاستعمار والعنصرية، فيما ترتبط الحملات التنصيرية بالاستعمار، والاستعلاء على الأفارقة.

سبل مواجهة التنصير

تعتبر مواجهة المخططات التنصيرية من الأمور الواجبة، ويتطلب ذلك التحرك على مستويين، هما: مستوى العقيدة، ومستوى الممارسات الفعلية.

فعلى مستوى العقيدة تبدو الأهمية الكبرى لتصحيح العقيدة الإسلامية مما لحق بها من بدع، وممارسات خاطئة، وتطرف فكري، وخلاف حول المسائل الفرعية، وكذا من الضروري عقد المناظرات مع المنصرين بهدف نقد وإظهار بطلان عقائدهم، وإبراز حقيقة الإسلام بشكل موضوعي في الوقت ذاته.

وعلى مستوى الممارسات الفعلية، فإن السبيل الأول لمواجهة التنصير يتمثل في تبني حكام الدول الإسلامية لمشروع حضاري- ثقافي ينهض بأوضاع المسلمين الأفارقة، مع العمل على نشر اللغة والثقافة العربية في القارة، وعدم الاكتفاء بتقديم مواد الإغاثة الإنسانية فحسب.

وكذا يجب الاهتمام بإقامة وتدعيم المؤسسات الإسلامية الدعوية مثل: جمعية الدعوة الإسلامية العالمية في ليبيا، ومنظمة الدعوة الإسلامية في الخرطوم، مع تزويدها بالدعاة المؤهلين، والتوسع في الاعتماد على أبناء القارة، لا سيما الشباب والنساء، في حمل لواء العلم والدعوة، وفي هذا الإطار رفع البعض شعار "المدرسة قبل المسجد".

ومن المهم أيضا تكوين روابط إسلامية في الدول ذات الأقليات الإسلامية، أو التي يتوزع فيها المسلمون بشكل متناثر، كما هو الحال بالنسبة لكينيا التي أدى تناثر توزيع المسلمين فيها إلى إفقادهم التأثير في مجريات الأمور في البلاد، بالرغم من كونهم يمثلون أكبر تجمع ديني في كينيا (35% من السكان).



مدرس مساعد العلوم السياسية، معهد البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة

المصدر: إسلام أون لاين

السبت. يوليو. 26, 2008