المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من تاريخ الحروب الصليبية ..صلاح الدين يفاوض الإنجليز


Eng.Jordan
04-20-2012, 09:05 PM
للأستاذ أحمد أحمد بدوي

استعاد صلاح الدين بيت المقدس سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، بعد أن ظل في أيدي الصليبيين زهاء تسعين عاماً، وقد أثارت عودتها إلى حظيرة الإسلام ثائرة إفرنج أوربا، وبذل رجال الدين كل جهد، ليوقظوا غضب الجماهير، وليشركوا ملوك أوربا وأمراءها في حرب صليبية جديدة، وأرسل صاحب صور صورة المقدس في ورقة، وصور فيها صورة كنيسة القيامة التي يحجون إليها ويعظمون شأنها، (وفيه قبة قبر المسيح، وصور على القبر فرسا، عليه مسلم قد وطئ قبر المسيح، وبال الفرس على القبر، وأبدى هذه الصورة وراء البحر في الأسواق والمجامع، والقسوس يحملونها ورءوسهم مكشوفة، وعليهم المسوح، وينادون بالويل والثبور. . .) وقد كللت جهودهم بالنجاح، فأقبل على القتال جند كثير، على رأسه أعظم ملوك أوربا، وهم إمبراطور ألمانيا فردريك بارباروس، وملك فرنسا فليب أوغسطوس، وملك إنجلترا ريتشارد قلب الأسد.

أقبل الصليبيون على فلسطين من كل مكان بالبر والبحر والتأم شملهم في صور، التي أوى إليها الصليبيون من جميع أنحاء سوريا وفلسطين، وقر رأيهم على مهاجمة عكا، لحصانة موقعها، لأن الطريق إليها شاطئ البحر، حيث تحميهم سفنهم، وكان البحر أعظم مساعد لهم، يحمل إليهم المواد الحربية والمؤن والرجال، وقد وصلوا أمام عكا في 15 رجب سنة 585هـ، ووضعوا عليها الحصار.

عندما سمع صلاح الدين بحركة الفرنج جمع أمراءه للاستشارة، كان رأيه أن يهاجمهم في الطريق قبل أن يصلوا إلى عكا، ولكن أمراءه أقنعوه بأن الخير في أن تدور المعركة أمام عكا ، وعندما ذهب صلاح الدين إلى عكا وجد الفرنج قد أحاطوا بها، ومنعوا كل اتصال بها، فعسكر صلاح الدين في مواجهتهم.

ويقول المؤرخون: لو أن صلاح الدين عمل تبعا لرأيه الخاص، وهاجم الصليبين قبل أن يحاصروا المدينة لأنقذها، ولكن تلك إرادة الله.

صمدت عكا أمام الفرنج زهاء عامين، نال أهلها فيهما الضر، وأنهك الضعف فيهما رجالها، وبلغ منهم العجز إلى غاية لم يجدوا بعدها بدا من التسليم، وكانت قوى صلاح الدين يومئذ تتمثل في أمير إنطاكية، وآخر مقيم في الرها مواجه لطرابلس للدفاع عن الحدود، وثالث يراقب صور، ورابع في دمياط والإسكندرية، ليحتاط ضد الصليبيين القادمين من البحر، ولذلك كان جيش السلطان أقل عددا من الصليبيين، وبرغم طول الحصار لم ير صلاح الدين أن يسلم البلد للعدو، وعمل أهل عكا ما استطاعوا للاحتفاظ بمدينتهم، ولكنهم أمام كثرة العدو اضطروا إلى أن يصالحوه على أن يسلموا إليه البلد وجميع ما فيه، ويقدموا إليه ضريبة مالية كبيرة، ويخرجوا بأنفسهم سالمين هم وذراريهم ونساؤهم.

ولما علم صلاح الدين بذلك أكره إنكاراً عظيماً، وعزم على أن يحول بين أهل عكا وبين التسليم، ولكن ما راعه إلا أعلام الفرنج تنصب على أسوار المدينة يوم الجمعة 17 جمادى الآخرة سنة 587هـ، ولم يف ملك الإنجليز بما وعد به أسرى المسلمين، بل أحضرهم مكبلين بالحبال، وحمل عليهم هو وجنده حملة الرجل الواحد، فقتلوهم ضرباً وطعناً بالسيف، ولم يطق ملك فرنسا المقام مع ريتشارد، فعاد إلى بلاده، وبقي ريتشارد يعمل وحده.

لما فرغ الفرنج من إصلاح أمر عكا ساروا مع شاطئ البحر إلى حيفا، وخرج المسلمون بإزائهم يضايقونهم، حتى وصلوا إلى يافا فملكوها، وكانوا على أن يملكوا عسقلان والقدس، فجمع صلاح الدين أمراءه، واستشارهم فيما يفعل، فأشاروا عليه بتخريب عسقلان، وقالوا له: قد رأيت ما كان بالأمس، وإذا جاء الفرنج إلى عسقلان، ووقفنا في وجوههم نصدهم عنها فهم لا شك يقاتلوننا، لننزاح عنها وينزلون عليها، فإذا كان ذلك عدنا إلى مثل ما كنا عليه على عكا ويعظم الأمر علينا، لأن العدو قد قوى بأخذ عكا وما فيها من الأسلحة وغيرها، ونحن قد ضعفنا بما خرج عن أيدينا، ولم تطل المدة حتى نستجد غيرها، فوافق صلاح الدين على تخريبها مرغما؛ وتركها صلاح الدين إلى القدس، وأمر بعمارة سوره وتجديد ما رث منه، وأما الفرنج فرحلوا إلى الرملة وأخذوا يجددون عسقلان، وأجمعوا أمرهم على المسير إلى بيت المقدس.

بدأ حديث الصلح يومئذ بين ملك الإنجليز وصلاح الدين، وكان العدو هو الذي بدأ بطلب الحديث في هذا لصلح، إذ أراد أن يتحدث إلى الملك العادل، وكان أول ما دار من حديث بين الفريقين أن قال الفرنج: (إنا قد طال بيننا القتال، وقد قتل من الجانبين الرجال البطال، وإنا نحن جئنا في نصرة إفرنج الساحل، فاصطلحوا أنتم وهم، وكل منا يرجع إلى مكانه)، ولما علم ملك الإنجليز بمقدم الملك العادل، واجتمع به وأبدى له الرغبة في الصلح، فقال له الملك العادل: أنتم تطلبون الصلح ولا تذكرون مطلوبكم فيه، حتى أتوسط بينكم وبين السلطان، وهنا بدأ ريتشارد بذكر أعلى شروطه للصلح، مظهراً صرامة وقوة إذ قال: (القاعدة أن تعود البلاد كلها إلينا وتنصرفوا إلى بلادكم)، ولم تكن هذه القاعدة بطبيعة الحال مما يقبله الملك العادل، فأخشن له في الجواب، وجرت بينهما منافرة، انصرفا بعدها على غير اتفاق، ثم دارت بين الفريقين بعض المعارك، عاد بعدها ملك الإنجليز يعجم عود الملك العادل في أمر الصلح عله يلين، على غير جدوى.

طلب ريتشارد إلى الملك العادل مرة أخرى أن يرسل رسولاً من لدنه ليتفاوض معه في أمر الصلح، فأرسل إليه رسولا يثق به، ظل يفاوض الملك حينا طويلا، ومع ذلك لم يتزحزح الملك إلا قليلاً عن موقفه، فقد عاد الرسول وأخبر العادل بما دار بينه وبين ريتشارد الذي قال للرسول: لا أرجع عن كلام أتحدث به مع أخي وصديقي - يعني العادل - فكتب العادل رقعة أنفذها إلى السلطان تتضمن شروط الصلح التي عرضها ملك الإنجليز وفيها: (إن المسلمين والإفرنج قد هلكوا، وخربت البلاد، وخرجت من يد الفريقين بالكلية، وقد تلفت الأموال والأرواح من الطائفتين، وقد أخذ هذا الأمر حقه، وليس هناك حديث سوى القدس والصليب والبلاد، والقدس متعبدنا ما ننزل عنه ولو لم يبق منا إلا واحد، وأما البلاد فيعاد إلينا ما هو قاطع الأرد، وأما الصليب فهو خشبة عندكم لا مقدار له، وهو عندنا عظيم، فيمن به السلطان علينا ونصطلح، ونستريح من هذا التعب).

ولما وصلت الرسالة إلى السلطان استدعي أرباب المشورة في دولته، وشاورهم في الأمر، وانتهى التشاور إلى موقف حازم، إذ أرسل السلطان في جواب الرسالة يقول لملك الإنجليز: (القدس لنا كما هو لكم، وهو عندنا أعظم مما هو عندكم، فإنه مسرى نبينا، ومجتمع الملائكة، فلا تتصور أن ننزل عنه، ولا نقدر على التفريط بذلك بين المسلمين، وأما البلاد فهي أيضاً لنا في الأصل، واستيلاؤكم كان طارئا عليها، لضعف من كان فيها من المسلمين في ذلك الوقت، وما يقدركم الله على عمارة حجر منها مادام الحرب قائما، وما في أيدينا منها نأكل بحمد الله مغله وننتفع به؛ وأما الصليب فهلاكه عندنا قربة عظيمة، ولا يجوز لنا أن نفرط فيها إلا لمصلحة راجعة للإسلام هي أوفى منها).

وفشل مشروع آخر للصلح عرضه ملك الإنجليز على العادل، إذ أراد أن يتزوج العادل بأخته، على أن يعطيها أخوها بلاد الساحل التي بيده من عكا إلى يافا وعسقلان وتكون ملكة الساحل، على أن يكون مستقر ملكها بالقدس، ويكون العادل ملك الساحل، وأن يسلم إليه صليب الصلبوت، وتكون القرى والحصون لطائفتين من فرسان الإفرنج هما الداوية والاسبتار، وأن يطلق أسرى الفرنج والمسلمين ، وإذا أستقر الصلح على هذه القاعدة رحل ملك الإنجليز على بلاده، وقد قبل صلاح الدين هذا المشروع، إذ به تكون بلاد الشام كلها تحت سيطرة صلاح الدين وأخيه، ويقال إن سبب الفشل يعود إلى أن أخت الملك لم تقبل أن تتزوج من العادل لأنه مسلم، وظن ريتشارد أن العادل يقبل أن يتنصر بإتمام هذا الزواج، ولهذا أبقى باب المفاوضات مفتوحاً.

وبرغم أن العادل لم يتنصر، ولم يتم الزواج، توثقت صلة المودة بين الملكين، وحدث في اجتماع تم بينهما أن سأل ريتشارد الملك العادل أن يلتمس من السلطان صلاح الدين الاجتماع به، فلما وصلت هذه الرسالة شاور السلطان الجماعة في الجواب عنها، وبدا له رأي ناجح موفق ذلك أنه قال: (الملوك إذا اجتمعوا يقبح منهم المخاصمة بعد ذلك، فإذا انقطع أمر حسن الاجتماع، والاجتماع لا يكون إلا لمفاوضة في مهم، وأنا لا أفهم بلسانك، وأنت لا تفهم بلساني، ولا بد من ترجمان بيننا نثق أنا وأنت به، فليكن ذلك الترجمان رسولاً حتى يستقر أمر وتستتب قاعدة، وعند ذلك يكون الاجتماع الذي يعقبه الوداد والمحبة).

قال الرسول: ولما سمع ملك الإنجليز هذا الجواب استعظمه، وعلم أنه ليس من الهين أن يظفر بما يريد من السلطان. وكان صلاح الدين لا يرى الصلح مع الفرنج، ويؤمن بأن المصلحة في دوام الجهاد حتى يخرجوا من الساحل، ويعتقد أن الفرنج لا تؤمن غائلتهم، ويرى أن هذا واجبة في الحياة وتحدثه نفسه بأنه لو حدث به حادث الموت لا تكاد تجتمع هذه الجيوش التي تحت قيادته.

مضت الرسل بين الفريقين تتحدث في الصلح لتقرير قواعده، مع قيام الحرب بينهما، ولم يستطع الطرفان أن يصلا إلى حل حاسم برغم كثرة الرسل، وكثرة ما عرض من مشروعات، وقر رأي العدو على مهاجمة القدس والاستيلاء عليها، ومضى بعد المدة لذلك، فأحضر السلطان الأمراء عنده، وقر رأيهم على الاجتماع عند الصخرة والتحالف على الموت، غير أن الفرنج وقد أشرفوا على القدس حدث بينهم خلاف، دفعهم إلى أن يعودوا ناكصين على أعقابهم، وفرح المسلمون بهذه العودة.

وتجدد حديث الصلح كرة ثانية، وأرسل ملك الإنجليز رسولاً يقول: قد هلكنا نحن وأنتم، والأصلح حقن الدماء، ولا ينبغي أن تعتقد أن ذلك لضعف مني، بل للمصلحة، ولا تغتر بتأخري عن منزلي، فالكبش يتأخر لينطح).

وأرسل رسالة أخرى فيها رفق وخضوع ونزول عن كثير مما كان يطمع فيه، ويقول له في هذه الرسالة: (إني راغب في مودتك وصداقتك، وأنه لا يريد أن يكون فرعون يملك الأرض، ولا يظن ذلك فيه، ولا يجوز لك أن تهلك المسلمين كلهم، ولا يجوز لي أن أهلك الإفرنج كلهم، وهذا ابن أختي الكندهري قد ملكته هذه الديار، وسلمته إليك، ليكون هو وعسكره تحت حكمك ولو استدعيتهم إلى الشنق سمعوا وأطاعوا، ويقول: إن جماعة من الرهبان المنقطعين قد طلبوا منك كنائس فما بخلت عليهم بها، وأنا أطلب منك كنيسة، وتلك الأمور التي كانت تضيق صدرك مما كان يجري في المراسلة مع الملك العادل تركتها وأعرضت عنها، ولو أعطيتني خربة قبلتها).

فلما سمع السلطان هذه الرسالة جمع أرباب مشورته فأجمعوا على المحاسنة وعقد الصلح لما كان قد أخذ المسلمين من الضجر والتعب، فكتب صلاح الدين إليه: (إذا دخلت معنا هذا الدخول فما جزاء الإحسان إلا الإحسان. إن ابن أختك يكون عندي كبعض أولادي، وسيبلغك ما أفعل معه. . . وعسقلان وما وراءها يكون خرابا لا لنا ولا لكم. . .) وقد كاد الصلح يتم لولا إصرار ملك الإنجليز على أن تبقى عسقلان وبعض البلاد عامرة بيده، فقد أرسل إلى صلاح الدين رسالة يقول له فيها: (إن الملك يسأل ويخضع لك أن تترك له هذه الأماكن الثلاثة عامرة، وأي قدر لها في ملكه وعظمتك، وما من سبب لإصرار عليها، إلا أن الإفرنج لم يسمحوا بها، وقد ترك القدس بالكلية، فلا يطلب أن يكون فيه رهبان ولا قسوس، إلا في القيامة وحدها، فأنت تترك له هذه البلاد، ويكون الصلح عاما، فيكون لهم كل ما في أيديهم من الدارون وإلى إنطاكية، ولكم ما في أيديكم، وينتظم الحال، وإن لم ينتظم الصلح فالإفرنج لا يمكنونه من الرواح، ولا يمكنه مخالفتهم). وانقطعت مفاوضات الصلح عندما أعلن الملك أنه لا يمكن أن يخرب من عسقلان حجرا واحداً.

استعد صلاح الدين للحرب، ومضى بجيشه إلى يافا وافتتحها وكانت قلعتها على وشك أن تسقط في يده لولا أن أنجدها جيش الفرنج، وقد أعجب ملك الإنجليز بالسرعة التي استولى بها صلاح الدين على يافا، وقال: ما ظننت أنه يأخذ يافا في شهرين، فكيف أخذها في يومين. وأرسل رسولاً إلى السلطان يقول له: (بالله عليك أجب سؤالي في الصلح، فهذا الأمر لابد له من آخر، وقد هلكت بلادي وراء البحر، وما في دوام هذا مصلحة لنا ولا لكم) فأجابه السلطان: (إنك كنت طلبت الصلح أولاً على قاعدة، وكان الحديث في يافا وعسقلان، والآن قد خرجت يافا، فيكون لك من صور إلى قيسارية)؛ فجاء رسول الملك يقول: (إن قاعدة الإفرنج أنه إذا أعطى واحد لواحد بلدا صار تبعه وغلامه، وأنا أطلب منك هذين البلدين: يافا وعسقلان، وتكون عساكرهما في خدمتك دائماً، وإذا احتجت إلى، وصلت إليك في أسرع وقت، وخدمتك كما تعلم خدمتي)، فأجابه صلاح الدين: (حيث دخلت هذا المدخل، فأنا أجيبك بأن نجعل هذين البلدين قسمين: أحدهما لك، وهو يافا وما وراءها، والثاني لي، وهو عسقلان وما وراءها)؛ فأرسل إليه الملك يشكره على إعطائه يافا، ويجدد السؤال في عسقلان، ويقول: (إنه إن وقع الصلح في هذه الأيام سار إلى بلاده، ولا يحتاج أن يشتي هاهنا)، فأجابه السلطان في الحال إجابة المؤمن الواثق بقوله: (أما النزول عن عسقلان فلا سبيل إليه وأما تشتيه هاهنا، فلا بد منها، لأنه قد استولى على هذه البلاد، ويعلم أنه متى غاب عنها أخذت بالضرورة، كما تؤخذ أيضاً إذا أقام، إن شاء الله تعالى. وإذا سهل عليه أن يشتي ها هنا، ويبعد عن أهله ووطنه مسيرة شهرين وهو شاب في عنفوان شبابه، ووقت اقتناص لذاته، أفلا يسهل على أن أشتي وأصيف، وأنا في وسط بلادي، وعندي أولادي وأهلي، ويأتي إلى ما أريد، وأنا رجل شيخ، قد كرهت لذات الدنيا، وشبعت منها، ورفضتها عني، والعسكر الذي يكون عندي في الشتاء غير العسكر الذي يكون عندي في الصيف، وأنا أعتقد أني في أعظم العبادات، ولا أزال كذلك حتى يعطي الله النصر لمن يشاء).

ومضى السلطان يطلب فرصة يحارب فيها العدو، ولكن الملل كان قد دب إلى عسكر الفريقين، وكانت قد جدت أمور تستدعي عودة ملك الإنجليز إلى بلاده، فأرسل رسولاً إلى الملك العادل، وقال له: قل لأخي الملك العادل يبصر كيف يتوصل إلى السلطان في معنى الصلح، ويستوهب لي منه عسقلان، وأمضي أنا، ويبقى هو في هذه الشرذمة اليسيرة يأخذ البلاد منهم، فليس لي غرض إلا إقامة جاهي بين الإفرنج، وإن لم ينزل السلطان عن عسقلان، فيأخذ لي منه عوضا عن خسارتي على عمارة سورها.

فلما سمع السلطان ذلك سيرهم إلى الملك العادل، وأسر إلى ثقة عنده أن يمضي إلى الملك العال، ويقول له: أن نزلوا عن عسقلان فصالحهم، فأن العسكر قد ضجروا من ملازمة القتال، والنفقات قد قلت.

وانتهت المفاوضات بين العادل والملك بالنزول عن عسقلان وعن طلب العوض عنها، وتم توقيع المعاهدة على أن يسود السلام ثلاث سنين من تاريخها وهو الأربعاء الثاني والعشرون من شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، ونادى المنادي في الأسواق: ألا إن الصلح قد انتظم في سائر بلادهم، فمن شاء من بلادهم أن يدخل إلى بلادنا فليفعل، ومن شاء من بلادنا أن يدخل إلى بلادهم فليفعل. قال ابن شداد وكان حاضرا ذلك اليوم: (وكان يوماً مشهوداً، غشى الناس من الطائفتين فيه من الفرح والسرور ما لا يعلمه إلا الله تعالى).



أما موقف صلاح الدين من الصلح فقد أوضحه ابن شداد بقوله: (إن الصلح لم يكن من إيثاره، فإنه قال لي في بعض محاوراته في الصلح: أخاف أن أصالح، وما أدري أي شيء يكون مني، فيقوى هذا العدو، وقد بقيت لهم هذه البلاد، فيخرجوا لاسترداد بقية بلادهم، ونرى كل واحد من هؤلاء الجماعة قد قعد في رأس قلعته، يعني حصنه، وقال: لا أنزل فيهلك المسلمون. هذا كلامه، وكان كما

بالمخالفة، وكانت مصلحته في علم الله تعالى، فإنه اتفقت وفاته بعيد الصلح، ولو كان اتفق ذلك في أثناء الوقعات لكان الإسلام على خطر، فما كان الصلح إلا توفيقا وسعادة له).

أمضى صلاح الدين معاهدة الصلح مرغماً، لما شاهده في الجند من ملل، دل عليه إحجامهم عن منازلة العدو في مواقف عدة، وكان يأمل أن يجدد قواه في هذه المدة من السلم ليستخلص ما بقي في يد الفرنج، وبرغم طول الجهاد ومشقات القتال هذه المدة الطويلة في حرب الفرنج، وقف صلاح الدين للفرنج وقفات عنيفة حطمت آمالهم، فلم يظفروا بغير امتلاك عكا، واضطروا إلى النزول على ما شرطه السلطان، وفي ذلك يقول ابن الساعاتي بمدح صلاح الدين:

سل عنه قلب الأنكتير، فإن في ** *خفقانه ما شئت من أنبائه