المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المحاصيل الزراعية في بلاد الشام خلال العصر العباسي ومظاهر ازدهارها


Eng.Jordan
04-20-2012, 09:29 PM
د / أحمد عبد الحميد عبد الحق *
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين .. وبعد ...
فقد شهدت بلاد الشام خلال العصر العباسي نهضة زراعية واسعة ، وغدت بفضلها من أكثر بلدان العالم غنى ورفاهية ، وقد تنوعت محاصيلها الزراعية ما بين الحبوب ، مثل القمح والشعير والذرة والأرز ، وما بين البقوليات ، مثل الفول والعدس والحمص والحلبة والترمس واللوبياء والفاصولياء ، وما بين الخضراوات ، مثل الخيار والخس والجزر والبصل والثوم والقلقاس والكراث والكزبرة والملوخيا ، وما بين الفواكه ، مثل التين والزيتون والرمان والجوز واللوز والسماق والعنب والفستق والتفاح والمشمش والكمثرى والنارنج والليمون ، وما بين الزروع الصناعية ، أي التي كانت تزرع من أجل الاستفادة من منتجاتها في مجال الصناعة ، مثل قصب السكر والقطن والنيل والسمسم والسامان والزهور والورود والرياحين ، وما بين الأشجار الخشبية ، مثل الصنوبر والسرو والبُطم والبلوط والأرز والسنديان ، وكل ذلك ورد مفصلا في ثنايا البحث .
وقد بزت بذلك سائر الأقطار الإسلامية الأخرى في هذا العصر بما فيها مصر التي كان يقال لها : جنة الله في ارضه .
وكانت تلك المحاصيل الوفيرة سببا في أن يعم الرخاء سائر مدنها وقراها في هذا العصر ، وأن ينعم به سائر السكان ، والأمثلة على ذلك كثيرة نقتبس منها قول ابن جبير عن معرة النعمان : " سواد كلها شجر الزيتون والتين والفستق وأنواع الفواكه، ويتصل التفاف بساتينها وانتظام قراها مسيرة يومين" ..
وقول ابن حوقل عن نصيبين :" حضرت في سنة 358هـ وقد رفع تقديرها على توسط إلى أبي تغلب الغضنفر بالموصل ، فكان حاصل دخلها من حنطة وأرز وشعير وحبوب عشرة آلاف كُر، وأخرج تقويم أسعارها على خمسمائة درهم الكر، فكان المال عند التقدير المذكور خمسة آلاف ألف درهم ،... " علما بأن الدرهم وقتها كان يساوي واحدا على اثني عشر من وزن الدينار الذهبي ، أي حوالي ثلث جرام ذهبي .
هذا مقدار ما كان يحصل من الضرائب فقط فكيف بثمن المحصول كله !!.
وقوله عن طرسوس : " وكان بها من الغلات ما لا يوجد في ثغر من ثغور الإسلام"
وهذا ابن العديم يقول عن حلب : هي تربة حمراء وسنبلة صفراء وشجرة خضراء ... في ضياعها ما يجمع سائر الغلات النفيسة .. " ..
وهذا ابن بطلان الطبيب يقول: وخرجنا من حلب طالبين أنطاكية وبين حلب وبينها يوم وليلة، فوجدنا المسافة التي بين حلب وبينها أرضاً عامرة لا خراب فيها أصلاً، لكنها أرض زرع للحنطة والشعير"
وهذا الإدريسي يقول عن طرابلس : " كان بها من ضروب الغلات الشيء الكثير .
وهذا المقدسي يقول عن دمشق :" بلد قد خرقته الأنهار، وأحدقت به الأشجار، وكثرت به الثمار مع رخص أسعار .
وقال أيضا عن بيت المقدس : " فيها فواكه الأغوار والسهل والجبال والأشياء المتضادة كالأترج واللوز والرطب والتين والموز ..
كما قال أيضا عن الرملة: " واسعة الفواكه ، جامعة الأضداد بين رساتيق جليلة ، وليس في الإسلام .. ألذ من فواكهها ، وبها صنف من التين ليس أحسن منه في أي مكان ، يُصدر إلى جميع البلاد ، كما كانت الأعناب والتفاح تمتد مساحة نصف مرحلة حول مدينة الخليل ، وكانت عسقلان كثيرة الفواكه والجميز ، وكانت عمان كثيرة الفواكه وكذلك كانت طرابلس التي قال عنها ناصر خسرو : وقد رأيت بطرابلس ما رأيت في بلاد العجم من الأطعمة والفواكه، بل أحسن منه وكانت حارم تسمى من حسن فواكهها دمشق الصغرى ..
وقال شيخ الربوة عن دمشق : بساتينها في غوطتها ونواحيها فقط تصل إلى مائة ألف وواحد وعشرين ألف بستان ، وصارت من كثرة الفواكه لا تكاد الشمس تقع على أرضها؛ لغزارة أشجارها والتفاف أغصانها حتى سميت جنة الدنيا.
وهذا ناصر خسرو يقول عن مدينة قيسارية: " بها كثير من النخيل والأشجار والنارنج والأترج ، وكثر بالأماكن المحيطة بها التين والزيتون.
وكم أبهر هذا الازدهار الفرنجة عندما جاءوا بحملاتهم الصليبية ، فهذا أحد كتابهم يقول عن منطقة " رفنية:" وصلنا مدينة زاخرة بالذخيرة يسمونها رفنية، فلم يكد نبأ قدوم الفرنجة يترامى إلى سمع سكانها حتى غادروها وتركوا ما بها من البساتين الممتلئة بالبقول وخلوا مساكنهم المملوءة بمواد القوت وهاموا على وجوههم.. فافتتحها رجالنا ووجدوا بها كميات كبيرة من القمح والنبيذ والدقيق والزيت وكل ما يحتاجونه ".
وبلغ من اهتمامهم بالقمح الذي كان ولا يزال محصولا استراتيجيا لكل الأمم أنهم كانوا يزرعونه في موسمين ، موسم الشتاء ، وموسم الربيع، فأما القمح الشتوي فكان يزرع عادة مع نهاية أشهر الصيف أو بداية الخريف، والقمح الربيعي تبدأ زراعته عادة في أواخر الشتاء أو مع بداية الربيع ..
ولم يعمر الشاميون بالزراعة السهول فقط بل عمروا بها حتى الجبال العالية ، إذ استغلوها في زراعة الفواكه التي لا تحتاج إلى كثير من المياه ، مثل اللوز والتين والرمان والفستق والآس والزعرور والعناب ، كما زرعوا تحت تلك الأشجار البقول والزهور .
فهذا جبل لبنان يقول عنه ابن العديم : تَنبت البقول به ، وهي مباحة لا مالك لها، يتقوَّى بها الزهاد المنقطعون للعبادة مع سائر الفواكه والثمار ..
وقال أيضا عن جبال طرابلس : كانت أشجار الزيتون تغطي سفوح جبالها والمناطق السهلية والمرتفعة المحيطة بها ..
وهذا جبل حصن الجوزات ـ الذي بينه وبين طرسوس ثمانية فراسخ ـ يقول عنه: به شجر جوز مثمر مسافته ثلاثة أميال في عرض ميل ، تمتلئ منه بيوت الجوزانيين كلهم ، يرتفقون به مدة أيام الشتاء ، ويتهادون به إلى أهالي طرسوس من ذوي مودتهم وقرباتهم. ..
ولا ننسى في زحمة الحديث جبال بيت المقدس الذي ندعو الله أن يُعجل بتحريره ، إذ يقول عنه الإصطخري: " والمدينة في وهدة من الجبال كثيفةُ الأشجار والثمار، وهذه الجبال وسائر جبال فلسطين وسهلها كلها زيتون وجميز وسائر الفواكه أقل من ذلك..
هذا وقد كان ثمة عوامل عدة ساعدت على هذا الازدهار الزراعي الذي لاحظنا بعض مظاهره بالشام ، وقد تمثلت في :
- وفرة الأمطار ووجود العديد من الأنهار والجداول الصغيرة .
- تنوع تضاريسها ما بين سواحل ووديان وجبال ؛ مما كان له أثر في تنوع المحاصيل الزراعية ...
- جودة التربة الزراعية بها وملاءمتها لأكثر المحاصيل الزراعية ؛ إضافة إلى اختلاف نوعها وسماكتها من منطقة لأخرى..
ـ تنوع المناخ ، وهذا أيضا ساعد بدوره على تنوع المحاصيل الزراعية ، فالأراضي الساحلية في سواحل غزة ويافا وغيرها تعد صالحة لنمو محاصيل المنطقة تحت الحارة، فيما تعد أراضي وادي الأردن صالحة لزراعة محاصيل المنطقة الحارة ، مثل القطن وقصب السكر والأرز والمانجو والموز، أما وديان الناصرة ونابلس والخليل وأراضي مرج ابن عامر فهي صالحة لزراعة الشعير والقمح والسمسم.
ولكن هذه العوامل السابقة مجتمعة ما كانت لتكفي وحدها لتحويل الشام إلى الرقي والازدهار الزراعي الذي وصلت إليه في ذلكم العصر لولا همة أهلها والنشاط الدءوب من ولاة أمرها في ذلكم الحين ، فقد أقاموا المشاريع الزراعية العظيمة ، مثل شق الأنهار والقنوات وحفر الآبار العميقة ، والتوسع في غزو الصحراء وخاصة ناحية بادية الشام ، وتخفيف الخراج على الزراع ليشجعوهم على الاهتمام بزروعهم ، واستصلاح الأراضي البور وتوزيعها على الفلاحين دون مقابل ، واستحداث الوسائل غير التقليدية للري والزراعة التي كانت ولا تزال موضوع التقدير والإعجاب.. حتى قال الأستاذ محمد كرد : "وكم في البلاد من آثار القنوات العجيبة التي تركوها..".
هذا بالإضافة إلى الجهود الخاصة من أصحاب رءوس الأموال ، والتي يقول عنها الدكتور عبد العزيز الدوري : " كانت الزراعة خير مورد للاستثمار الآمن، وقد اقتنى الموظفون وغير الموظفين من الذين كانت حالتهم المادية حسنة الضياع؛ لأنها كانت تعتبر ملكية مستقرة … فامتلك الكبراء الضياع بالشام، حتى من لم يسكنوا بها، فقد كان الوزير علي بن عيسى يمتلك ضياعاً في ديار ربيعة ودمشق...".
وكل تلك الأمور وغيرها من مظاهر الازدهار الزراعي بالشام سيجدها القارئ ـ إن شاء الله ـ مفصلة في ثنايا البحث ..
وأخيرا أقول : إن هذا الازدهار الزراعي الذي شهدنا بعض آثاره في الشام في العصر العباسي ممكن أن يعم ربوعها الآن لو أخذت الزراعة قسطها من الاهتمام لدى المسئولين كما حدث في القديم.. ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مدير موقع التاريخ الالكتروني
المصدر : موقع التاريخ الالكتروني