المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سقوط بغداد في يد التتار وأثره


Eng.Jordan
04-22-2012, 08:51 AM
د / علي الصلابي
تحرك الجيوش المغولية نحو بغداد:
بعد أن قضى هولاكو على طائفة الإسماعيلية، سار لتحقيق هدفه الثاني، الذي رسمه له أخوه منكو خان، وهو الاستيلاء على بغداد، والقضاء على الخلافة العباسية، التي أدركتها الشيخوخة وظهرت عليها مظاهر الضعف والانهيار، والواقع أن جذور الضعف والتفكك قد امتدت إلى جسم الخلافة العباسية قبل مجيء المغول بمدة طويلة بسبب عوامل كثيرة ، فلقد تفككت الروابط القوية التي كانت تربط الخلافة العباسية بمختلف الأمصار الإسلامية، حيث نشأت دول عديدة وإمارات مستقلة في قلب الخلافة العباسية وأطرافها ، وعندما بدأ المغول زحفهم على الممالك الإسلامية في الشرق كان الخليفة العباسية في ذلك الوقت هو المعتصم بالله (640/ 1242م/656هـ/1258م) .
ـ سير الحملة إلى بغداد:
بعد أن حقق هولاكو خان هدفه الأول، وهو القضاء على طائفة الإسماعيلية سار لتحقيق هدفه الثاني وهو القضاء على الخلافة العباسية وفي رمضان سنة655هـ/1257م أرسل هولاكو رسولاً إلى الخليفة مصاغة في قالب من التهديد والوعيد جاء فيها: لقد أرسلنا إليك رسلنا وقت فتح قلاع الملاحدة وطلبنا مدداً من الجند، ولكنك أظهرت الطاعة ولم تبعث الجند وكانت آية الطاعة والاتحاد أن تمدنا بالجيش عند مسيرنا إلى الطغاة، فلم ترسل إلينا الجند والتمست العذر ، ولا بد أنه قد بلغ سمعك على لسان الخاص والعام، ما حل بالعالم والعالمين على يد الجيش المغولي، منذ عهد جنكيز خان إلى اليوم، والذي حاق بأسر الخوارزمية والسلجوقية وملوك الديالمة والأتابكية وغيرهم ممن كانوا ذوي عظمة وشوكة، وذلك بحول الله القديم الدائم، ولم يكن باب بغداد مغلقاً في وجه أية طائفة من تلك الطوائف، واتخذوا منها قاعدة ملكاً لهم، فكيف يغلق في وجهنا رغم ما لنا من قدرة وسلطان؟ ولقد نصحناك من قبل، والآن نقول لك احذر الحقد والخصام ولا تضرب المخصف بقبضة يدك ولا تلطخ الشمس بالوحل فتتعب، ومع هذا فقد مضى ما مضى، فإذا أطاع الخليفة، فليهدم الحصون ويردم الخنادق، ويسلم البلاد لابنه، ويحضر لمقابلتنا، وإذا لم يرد الحضور فيرسل كلاً من الوزير وسليمان شاه، والدواتدر، ليبلغوه رسالتنا دون زيادة أو نقصان فإذا استجاب لأمرنا فلن يكن واجبنا أن نكن له الحقد، وسنبقي له على دولته وجيشه ورعيته، أما إذا لم يصغ إلى النصح وآثر الخلاف والجدال، فليعين الجند وليعين ساحة القتال فإننا متأهبون لمحاربته وواقفون له على استعداد، وحينما أقود الجيوش إلى بغداد، مندفعاً بثورة الغضب، فإنك لو كنت مختفياً في السماء أو في الأرض ... فسوف أنزلك من الفلك الدوار وسوف ألقيك من عليائك إلى أسفل كالأسد، ولن أدع حياً في مملكتك ، وسأجعل مدينتك وإقليمك وأراضيك طعمة للنار، فإذا أردت أن تحفظ رأسك وأسرتك فاستمع لنصحي بمسمع العقل والذكاء، وإلا فسأرى كيف تكون إرادة الله .
ورفض المعتصم بشدة ورد على هولاكو برسالة كلها احتقار قال فيها: أيها الشاب الحدث ... المتمني قصر العمر، ومن ظن نفسه محيطاً ومتغلباً على جميع العالم مغتراً في يومين من الإقبال، متوهماً أن أمره قضاء مبرم، وأمر محكم، لماذا تطلب مني شيئاً لن تجده؟ ألا يعلم الأمير أنه من الشرق إلى الغرب وأنه من الملوك إلى الشحاذين ومن الشيوخ إلى الباب ممن يؤمنون بالله ويعملون بالدين، كلهم عبيد هذا البلاط وجنود لي.
إنني حينما أشير بجمع الشتات سأبدأ بحسم الأمور في إيران ثم اتوجه منها إلى بلاد توران، وأضع كل شخص في موضعه، وعندئذ سيصير وجه الأرض مملوء بالقلق والاضطراب، غير أني لا أريد الحقد والخصام ولا أن أشتري ضرر الناس وإيذائهم، كما أنني لا أبغى من وراء تردد الجيوش أن تلهج ألسنة الرعية بالمدح أو القدح خصوصاً وأنني مع الخاقان هولاكو خان قلب واحد ولسان واحد، وإذا كنت مثلي تزرع بذور المحبة فما شأنك بخنادق رعيتي وحصونهم، فاسلك طريق الود وعد إلى خراسان، وإن كنت تريد الحرب والقتال، فلا تتوان لحظة ولا تعتذر، إذا استقر رأيك على الحرب، إن لي ألوفاً مؤلفة من الفرسان والرجالة وهم متأهبون للقتال، وأنهم ليثيروا الغبار من ماء البحر وقت الحرب والطعان .
وصل رسل الخليفة إلى هولاكو، فلما اطلع هذا على رسالة الخليفة، وعلم بما لحق رسله من أذى العامة في بغداد، غضب غضباً شديداً، وأعاد رسل المعتصم، وحملهم رسالة أخرى تتضمن إنذاراً نهائياً له، صيغ في لهجة شديدة عنيفة، إذ يقول: لقد فتنك حب الجاه والمال، والعجب والغرور بالدولة الفانية، بحيث إنه لم يعد يؤثر فيك نصح الناصحين بالخير وإن في أذنيك وقراً، فلا تسمع نصح المشفقين ولقد انحرفت عن طريق آباك وأجدادك، وإذن فعليك أن تكون مستعداً للحرب والقتال فإني متوجه إلى بغداد بجيش كالنمل والجراد، ولو جرى سيل الفلك على شاكلة أخرى فتلك هي مشيئة الله العظيم ، وقبل أن يقدم هولاكو على غزو بغداد، استشار المنجمين، فيما يتعلق بأحكام النجوم وطوالع السعد والنحس، أما الفلكي حسام الدين الذي جاء برفقة هولاكو من قبل خان المغول الأعظم ((منكوقاآن)) فقد كان سنياً يعطف على الخليفة العباسي ويحرص على أن يمنع هولاكو من الاقدام على غزو بغداد، فراح يؤكد له أن هذه الحملة تحدث خلالا في نظام الكون، فضلاً على أنها سوف تكون وبالاً على الخان نفسه، فكان مما قاله له: الحقيقة أن كل ملكٍ تجاسر ـ حتى هذه اللحظة ـ على قصد الخلافة والزحف بالجيش على بغداد لم يبق له العرش ولا الحياة، وإذا أبى الملك أن يستمع إلى نصائحي، وتمسك بمشروعه فسينتج عنه ستة مصائب كبيرة:
تموت الخيول كلها، ويمرض الجنود.
ـ لن تطلع الشمس.
ـ لن ينزل النبات في الأرض.
ـ لن ينزل المطر.
ـ تهب رياح شديدة، ويعاني العالم من الزلازل.
ـ يموت الخان الأعظم في هذا العام .
وأما الأمراء فقد قالوا: إن الذهاب إلى بغداد هو عين المصلحة، وبعد ذلك استدعى هولاكو خان ((نصير الدين الطوسي)) لاستشارته، ولما كان يكره الخليفة، ويعمل على إسقاطه، فقد نقض كل ما قاله حسام الدين، وطمأن هولاكو بأنه لا توجد موانع تحول دون إقدامه على الغزو، ولم يقف عند هذا الحد، بل يؤيد وجهة نظره بالحجج القوية التي تكذب نبوءة حسام الدين، فذكر أن الكثيرين من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ماتوا في الدفاع عن الدين، ومع ذلك لم تقع أية كارثة، وإذا قيل إن ذلك خاص ببني العباس، فإن الكثير من الناس قد خرجوا على هذه الأسرة وقتلوا منهم بعض الخلفاء، دون أن يحدث أي خلل، وأخذ نصير الطوسي يتمثل بطاهر بن الحسين قائد المأمون الذي قتل محمد الأمين، وبالأمراء الذين قتلوا المتوكل والمنتصر والمعتز وغيرهم .
ـ حصار بغداد: وعلى إثر ذلك أصدر هولاكو أمره بأن تتحرك جيوش المغول من أطراف بلاد الروم عن طريق إربل والموصل متجهة نحو بغداد لتحاصرها من الجهة الغربية، وتنتظر حتى تصل إليهم جيوش هولاكو من الناحية الشرقية، أما كيتوبوقا أحسن قواد هولاكو فقد اتجه بالجناح الأيسر إلى العاصمة العباسية عن طريق لورستان، وخوزستان، كما أنفذ إليها بعض أمراء المغول عن طريق كروستان الحالية، وفي أوائل المحرم سنة 625هـ/1257م نزل هولاكو من همذان إلى دجلة عن طريق كرمانشاه وحلوان، وكان معه في تلك الغزوة الأمير أرغون والخواجة نصير الدين الطوسي والوزير سيف الدين البينكجي ، وعلاء الدين عطاء الجويني، وقد استطاع هولاكو أن يستميل إلى جانبه سكان الأماكن الجبلية المتاخمة للعراق بواسطة الأموال التي كان يبذلها لهم، كما استطاع أن يضم إليه كثيرا من جنود سليمان شاه .
وكان بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل والأتابك أبو بكر في إقليم فارس ممن أمدوا هولاكو بالمال والرجال، ولما انتهى حشد القوات المغولية وأقام هولاكو معسكره في ظاهر بغداد من الرق، حاول الجيش الذي أعده الخليفة بقيادة مجاهد الدين آيبك الدواندار الصغير أن يحول دون استقرار المغول في أماكنهم، فكان نصيبه الهزيمة المنكرة، وقتل عدد كبير من الجنود لقوا حتفهم على يد المغول، فلم يسع مجاهد الدين إلا الحرب مع قليل من أتباعه، وفي يوم الثلاثاء 22 من المحرم 656هـ/1258م أحكم الحصار حول مدينة بغداد، واستمر حتى نهاية هذا الشهر، وفي خلال تلك الفترة كان المغول يطلقون يد التخريب في المدينة، ويفتحون الأبراج حتى استولوا بهجماتهم على القسم الشرقي من التحصينات .
ـ مفاوضات النهاية: ولما رأى الخليفة حرج موقفه، أراد أن يهد المغول ويثنيهم عن عزمهم على إتمام الفتح وذلك بإرسال الرسل والهدايا، ولكن هولاكو لم يستجب لهذا النداء ، ولجأ الخليفة إلى صديقه مؤيد الدين العلقمي الشيعي وسأله ماذا يفعل؟ وأشار إليه الوزير أن يخرج لمقابلة هولاكو بنفسه لكي يجري معه مفاوضات، وذهب الرسل إلى هولاكو تخبره بقدوم الخليفة، فأمر هولاكو أن يأتي الخليفة ولكن ليس وحده، بل عليه أن يأتي معه بكبار رجال دولته، ووزرائه وفقهاء المدينة، وعلماء الإسلام، وأمراء الناس والأعيان، حتى يحضروا جميعاً المفاوضات وبذلك تصبح المفاوضات ـ كما يزعم هولاكو ـ ملزمة للجميع، وجمع الخليفة كبار قومه، وخرج بنفسه في وفد مهيب إلى خيمة هولاكو خارج الأسوار الشرقية لبغداد، خرج وقد تحجرت الدموع في عينيه، وتجمد الدماء في عروقه، وتسارعت ضربات قلبه، وتلاحقت أنفاسه، لقد خرج الخليفة ذليلاً مهيناً، وهو الذي كان يستقبل في قصره وفود الأمراء والملوك، وكان أجداده الأقدمون يقودون الدنيا من تلك الدار التي خرج منها الخليفة الآن، وكان الوفد كبيراً يضم سبعمائة من أكابر بغداد، وكان فيه بالطبع وزيره مؤيد الدين العلقمي، واقترب الوفد من خيمة هولاكو، ولكن قبل الدخول على زعيم التتار اعترض الوفد فرقة من الحرس الملكي التتاري، ولم يسمحوا لكل الوفد بالدخول على هولاكو بل قالوا: إن الخليفة سيدخل ومعه سبعة عشر رجل فقط، أما الباقون فسيخضعون ـ كما يقول الحرس ـ للتفتيش الدقيق، ودخل الخليفة ومعه رجاله وحجب عنه بقية الوفد، ولكنه لم يخضعوا لتفتيش أو غيره، بل أخذوا جميعاً ... للقتل!! قتل الوفد بكامله إلا الخليفة والذين كانوا معه ، قتل كبراء القوم ووزراء الخليفة وأعيان البلد، وأصحاب الرأي، وفقهاء وعلماء الخلافة العباسية، ولم يقتل الخليفة لأن هولاكو كان يريد استخدامه في أشياء أخرى، وبدأ هولاكو يصدر الأوامر في
عنف وتكبر واكتشف الخليفة أن وفده قد قتل بكامله وعرف أن التتار وأمثالهم لا عهد لهم ولا أمان "لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمةً" التوبة: آية، 10 ..
وصدرت الأوامر من هولاكو إلى الخليفة:
أ ـ على الخليفة أن يصدر أوامره لأهل بغداد بإلقاء أي سلاح، والامتناع عن أي مقاومة، وقد كان ذلك أمراً سهلاً، لأن معظم سكان المدينة لا يستطيعون حمل السلاح، ولا يرغبون في ذلك أصلاً.
ب ـ يقيد الخليفة العباسي، ويساق إلى المدينة، يرسف في أغلاله، وذلك لكي يدل التتار على كنوز العباسيين، وعلى أماكن الذهب والفضة والتحف الثمينة وكل ما له قيمة نفيسة في قصور الخلافة وفي بيت المال .
جـ ـ يتم قتل ولدي الخليفة أمام عينيه، فقتل الولد الأكبر أحمد أبو العباس وكذلك قتل الولد الأوسط عبد الرحمن أبو الفضائل ... ويتم أسر الثالث مبارك أبو المناقب، كما يتم أسر أخوات الخليفة فاطمة وخديجة ومريم.
د ـ أن يستدعي من بغداد بعض الرجال بعينهم وهؤلاء هم الرجال الذين ذكر ابن العلقمي أسماءهم لهولاكو، وكانوا من علماء السنة، وكان ابن العلقمي يكن لهم كراهية شديدة، وبالفعل تم استدعاؤهم جميعاً ، فكان الرجل منهم يخرج من بيته ومعه أولاده ونساؤه فيذهب إلى مكان خارج بغداد عينه التتار بجوار المقابر، فيذبح العالم كما تذبح الشاة، وتؤخذ نساؤه وأولاده إما للسبي أو للقتل، لقد كان الأمر مأساة بكل المقاييس وذبح على هذه الصورة أستاذ دار الخلافة الشيخ محيي الدين يوسف بن الشيخ بن الفرج بن الجوزي، وذبح أولاده الثلاثة عبد الله، عبد الرحمن، وعبد الكريم، وذبح المجاهد مجاهد الدين آيبك زميله سليمان شاه اللذان قادا الدعوة إلى الجهاد في بغداد، وذبح شيخ الشيوخ ومؤدب الخليفة ومربيه صدر الدين علي بن النيار، ثم ذبح بعد هؤلاء خطباء المساجد والأئمة وحملة القرآن، وكل هذا والخليفة حي يشاهد ، ورأى أن هولاكو يتعامل تعاملاً ودياً مع ابن العلقمي الوزير الخائن ، وأدرك بوضوح العلاقة بينهما ، وانكشفت أمامه الحقائق بكاملها، وعلم النتائج المترتبة على توسيد الأمر لغير أهله، ولكن بعد فوات الأوان .
ـ استباحة بغداد: بعد أن ألقى أهل المدينة السلاح وبعد أن قتلت هذه الصفوة، وبعد إن إنساب جند هولاكو إلى شوارع بغداد ومحاورها المختلفة، أصدر هولاكو أمره الشنيع باستباحة بغداد ، وأتوا على كل ما فيها، فخربوا المساجد بقصد الحصول على قبابها المذهبة وهدموا القصور بعد أن سلبوا ما بها من تحف نادرة ، وأباحوا القتل والنهب وسفك الدماء، وكان استهتار المغول بالنفوس بالغاً حد الفظاعة، فيروى أن أحدهم دخل زقاقاً، وقتل أربعين طفلاً شفقة منه ورحمة حين علم أن أمهاتهم قتلن من قبل ، ويقدر المعتدلون من المؤرخين عدد القتلى بنحو ثمانمائة ألف نسمة ، ولم يقتصر التتار على قتل الرجال الأقوياء فقط، وإنما كانوا يقتلون الكهول والشيوخ، وكانوا يقتلون النساء إلا من استحسنوه منهن، فإنهن كانوا يأخذونها سبياً ، ولم يسلم إلا من اختفى في بئر أو قناة، وقد استمرت هذه الغارة أربعين يوماً، اندلعت فيها ألسنة النيران في كل جانب، فالتهمت كل ما صادفها، وأتت على الأخضر واليابس، وخربت أكثر الأبنية وجامع الخليفة، ومشهد الإمام موسى الكاظم، وقبور الخلفاء في الرصافة ،وعندما دخل هولاكو مدينة بغداد، قصد قصر الخلافة، وجلس في الميمنة، واحتفل مع الأمراء بذلك اليوم، وأمر بإحضار الخليفة، وقال له: أنت المضيف ونحن الضيوف فيجب عليك أن تقوم بواجب الضيافة، فصدق الخليفة قوله، وكان يرتعد فرقاً وخوفاً واستولت عليه الدهشة واعتراه الذهول، لدرجة أنه لم يعد يعرف أين وضع مفاتيح خزائنه، فأمر بكسر الأقفال، وإخراج ألفين من الثياب، وعشرة آلاف دينار، ونفاس ومرصعات، وجواهر عديدة، قدمها هدية لهولاكو خان الذي لم يعر تلك الأشياء التفاتاً، ووزعها على أتباعه، ثم قال للخليفة: هذه الأموال التي تملكها على سطح الأرض أمرها واضح، وهذه تعد غنيمة، فتكون من نصيب جنودنا، والآن نريد أن تكشف لنا عن الأموال والدفائن، فما هي وأين توجد؟ عندئذ اعترف الخليفة بوجود حوض مملوء بالذهب وسط القصر، فلما حفروا ذلك المكان وجودوه مملوءاً بالذهب الإبريز، وكانت كل قطعة منه تزن مائة مثقال، ثم أمر هولاكو بأن يحصوا حرم الخليفة وحاشيته، فوجدوا سبعمائة من النساء والسرايا وألفاً من الخدم ، وعندما وقف الخليفة على تعداد نسائه قال في تضرع: أمنحني تلك النسوة اللائي لم يكن يطلع عليهن ضوء الشمس ولا نور القمر، فأمر هولاكو بأن يختار من بينهن مائة من النسوة ممن هن من أقاربه والمحببات إليه، ثم رجع إلى معسكره ليلاً وفي الصباح كلف قائده ((سونجاق)) بأن يذهب إلى المدينة ليضبط أموال الخليفة ويخرجها، فجمع هذا كل ما كان الخلفاء العباسيون قد ادخروه خلال خمسة قرون .
وأخيراً بعد أن سفك هولاكو من الدماء ما سفك، وبعد أن خرب ما خرب، أصدر أمره بالكف عن القتل، وبأن ينصرف كل إلى عمله، يقول ابن كثير: ولما نودي ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، ولقد أنكر بعضهم بعضهم بعضاً فلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد، فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى .
5 ـ مقتل الخليفة المعتصم بالله: عامل هولاكو الخليفة معاملة سيئة للغاية، بحيث أنه حرم عليه الطعام، فلما أحس الخليفة بالجوع طلب طعاماً، فقدم له هولاكو طبقاً مملوءاً بالذهب، وأمره أن يأكل، فقال الخليفة: كيف يمكن أكل الذهب؟ ... فرد عليه هولاكو: إذا كنت تعرف أن الذهب لا يؤكل فلماذا احتفظت به ولم توزعه على جنودك حتى يصونوا لك ملكك الموروث من هجمات هذا الجيش المغير؟ ولم لم تحول تلك الأبواب الحديدية إلى سهام، وتسرع إلى شاطئ نهر جيحون لتحول دون عبوري؟ ... فأجاب الخليفة: هكذا كان تقدير الله. فقال هولاكو: وما سوف يجري عليك أنما هو كذلك تقدير الله. وفي رواية أخرى أن هولاكو عندما وجه هذه الأسئلة إلى الخليفة لزم الصمت ولم يحر جواباً .
وأما عن الكيفية التي قتل بها المستعصم، فإنها لازالت مسألة يكتنفها الغموض، إذا تضاربت فيها روايات المؤرخين، ولعل أبا الفداء يمثل لنا اختلاف الروايات بخصوص قتل المستعصم تمثيلاً واضحاً حين قال، ولم يقع الاطلاع على كيفية قتله، فقيل خنق، وقيل وضع في عدل ورفسوه حتى مات، وقيل غرق في دجلة، ويختم عبارته بقوله: والله أعلم بحقيقة ذلك ، واشتهرت بين المؤرخين قتل المستعصم في غرارة تم رفسه إلى إن مات.
والسؤال المطروح لم اختار هولاكو هذه الطريقة في قتل المستعصم، قيل في تبرير ذلك أمور منها:
أ ـ شق على مستشاري هولاكو خان من المسلمين أن يراق دم الخليفة وهو أمير المؤمنين وزعيمهم الديني فحذروا الخان المغولي أن يقدم على تلك الفعلة، حتى إنهم ليرون أن أحد المنجمين قال لهولاكو: إذا قتل الخليفة، فإن العالم يصير أسوداً مظلماً وتظهر علامات القيامة ، وفي هذه المرة أيضاً نفى نصير الدين الطوسي هذا الادعاء ، وأيد رايه ببراهين عملية تثبت أن عدة خلفاء من بني العباس قتلوا ولم يحدث خلل يذكر، فلما صمم هولاكو على قتله، احترز من أن يريق دمه فقتله بالطريقة السالفة الذكر.
ب ـ قتل هولاكو المستعصم دون أن يريق دمه، لا خوفاً من تحذير العلماء المسلمين وإنما جرياً على عادة المغول، كما اشار إلى ذلك النويري إذا يقول: وجيء بالخليفة إلى هولاكو فأمر أن يجعل في جولق ويداس بأرجل الخيل، ففعل به ذلك حتى مات، كما ذكرناه في أخبار الدولة العباسية، ومن عادة التتار أنهم لا يسفكون دماء الملوك والأكابر غالباً . ويقول ابن خلدون: وقبض على المستعصم فشدخ بالمعاول في عدل تجافياً عن سفك دمه بزعمهم .
كان جنكيز خان يمارس تقاليد قومه التي كانت تحرم إراقة دم زعيم أي قبيلة يجري في عروقه الدم الملكي ويستعملون طريقة خمد الأنفاس تحت ضغط أقمشة ثقيلة.
وعلى هذا يبدو أن السبب الثاني هو الأرجح، لأن المغول حتى في دفنهم للمستعصم، جروا على سننهم وتقاليدهم، إذ دفنوه في مكان مجهول، لدرجة أن السيوطي ينقل عن الذهبي قوله: وما أظنه دفن، ويقول ابن الغوطي: أمر السلطان ـ أي هولاكو ـ بقتله، فقتل يوم الأربعاء الرابع عشر صفر ولم يهرق دمه، بل جعل في غراره ورفس حتى مات ودفن وعفي أثر قبره.
والمعروف في سلاطين المغول وأمرائهم أنهم كانوا يدفنون موتاهم في موضع بعيد عن العمران، ويجعلون قبورهم من الأسرار المخفية ، وهكذا ظل المغول محافظين على هذا التقليد حتى جاء السلطان غازان خان (694 ـ 703هـ) واعتنق الإسلام، فأبطل هذه العادة، وبنى لنفسه مقبرة كبيرة لتكون مقر دفنه، فكان بذلك أول سلطان من سلاطين المغول، يدفن في مقبرة ظاهرة .
ـ الخراب الحضاري: بعد أن أتم هولاكو وجيشه المغولي التتاري، قتل أهالي بغداد، وعمرانها ومعالمها الحضارية ووسائل تلك الحضارة الإنسانية، فأمر هولاكو، قادته وجيوشه بعد القتل والذبح، نهب بغداد فعاث جند المغول والتتار فساداً في المدينة التي ما كفوا عن ضربها بالمنجنيقات إلا بعد أن رأوا أكثر مساكنها وأسواقها أصبحت ركاماً، حتى المساجد والجوامع والمدارس والمكتبات وأشعلوا النيران فيها أيضاً، بحيث ظلت النيران تتأجج ليالي عديدة تسطع وهاجة في حلك الظلام، وقد نهب المغول كل التراث الذي امتلكه الخلفاء العباسيون وأهالي بغداد من أثاث وسجاد وأقمشة من حرير وأقطان وكتان، وقساطيط، وسروج الخيل وأفرشة وبسط، ((ودام القتل والنهب أربعين يوماً وبعد هذه الأربعين يوماً من التخريب والتمزيق أصبحت بغداد في حالة من الدمار والخراب لا تصدقها العيون، حدثنا أحد العلماء الذين زاروها بعد تلك الكارثة الكبرى فقال: وافيتها بلدة خالية، وأمة بالية، ودمنة حائلة، ومحنة جائلة، وقصوراً خاوية، وعراصاً باكية، وقد رحل عنها سكانها وبات عنها قطانها وتمزقوا في البلاد، ونزلوا بكل وادٍ، وقصورها المشيدة مهدومة، ونعماؤها مسلوبة معدومة، موحشة لفقد قطانها باكية، تسفي عليها الرياح السافية ...
وقد استهدفت مكتبة بغداد العظيمة وهي أعظم مكتبة على وجه الأرض في ذلك الزمان، وهي الدار التي كانت تحوي عصارة فكر المسلمين في أكثر من ستمائة عام، جمعت فيها كل العلوم والآداب والفنون وعلوم شرعية كتفسير القرآن أو الحديث والفقه والعقيدة، والأخلاق ومن علوم حياتية، كالطب والفلك والهندسة والكيمياء والفيزياء والجغرافيا وعلوم الأرض، ومن علوم إنسانية كالسياسة والاقتصاد والاجتماع والأدب والتاريخ والفلسفة، وغير ذلك، هذا بالإضافة إلى ملايين الأبيات من الشعر، وعشرات الآلاف من القصص والنثر، فإن أضفت إلى كل ما سبق الترجمات المختلفة لكل العلوم الأجنبية سواء اليونانية أو الفارسية أو الهندية أو غير ذلك، علمت حجم الخسارة الحضارية التي منيت بها الإنسانية، لقد كانت مكتبة بغداد مكتبة عظيمة بكل المقاييس ولم يقترب منها في العظمة إلا مكتبة قرطبة الإسلامية في الأندلس، وسبحان الله لقد مرت مكتبة قرطبة بنفس التجربة التي مرت بها مكتبة بغداد، وعندما سقطت قرطبة في يد نصارى الأندلس سنة 636هـ قبل سقوط بغداد بعشرين سنة فقط قاموا بحرق مكتبة قرطبة تماماً، وقام بذلك أحد قساوسة النصارى بنفسه، وكان اسمه ((كمبيس)) وحرق ما وقعت عليه يده، من كتب بذلت فيها آلاف الأعمار وأنفق في سبيل كتابتها الكثير من المال والعرق والجهد.
المصدر : مقتبس من كتاب المغول [التتار] بين الانتشار والانكسار