المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : آل روكفلر .. أحفاد البارون اللص


Eng.Jordan
04-25-2012, 12:12 PM
حين يبلغ أحد أبناء عائلة روكفلر الحادية والعشرين فإنه يقدم نفسه، أو نفسها، بصورة علنية إلى عائلة روكفلر الكبيرة في أحد الاجتماعات نصف السنوية التي تعقدها العائلة ـ في حزيران (يونيو) في بلاي هاوس في أملاك العائلة في وادي هدسون في نيويورك، أو في مدينة نيويورك خلال الكريسماس. وحسب بيتر جونسون، المستشار الخاص للعائلة "الفكرة هي أن تقول إنك جزء من العائلة".
شعيرة بلوغ سن الرشد هذه جزء من ثقافة قبلية أوسع أتاحت لآل روكفلر، بعد أكثر من 70 عاماً على وفاة مؤسسها، أن تظل صاحبة نفوذ كبير في المجتمع المدني الأمريكي. ويقول ريتشارد هولبروك، ممثل الولايات المتحدة الأمريكية السابق لدى الأمم المتحدة، ورئيس جمعية آسيا التي أسسها أحد أبناء عائلة روكفلر: "لا توجد في الحياة الأمريكية عائلة مشابهة لعائلة روكفلر. لدى أفرادها إحساساً متطوراً بالمسؤولية. والأمر المدهش هو ذلك العدد الكبير من المؤسسات التي أثروا في مسيرتها من خلال جهودهم متعددة الجوانب".
وبينما يبدأ عصر الازدهار الأمريكي الجديد مرحلة من الاضطراب، تبقى عائلة روكفلر تشكل امتدادا قويا للعائلة نفسها في أوج أيامها، أي العقود الثورية البكر بعد الحرب الأهلية التي أرست قواعد الرأسمالية الأمريكية الحديثة. وورد وصف للجد المؤسس للعائلة، عملاق صناعة النفط، جون روكفلر في Titan، وهي السيرة الشخصية لرون شيرناو، بأنه "مزيج من الإيمان والجشع" وكان يجمع بين كونه "أشرس بارون لص" في البلاد و"أعظم محسنيها في الوقت ذاته". وقد تمت تجزئة شركة ستاندر أويل العملاقة التي أنشأها بقرار من المحكمة العليا عام 1911، غير أن روكفلر كرس نفسه في ذلك الحين للتبرع بمعظم أمواله.
يقول شيرناو في الوقت الراهن "النفط تاريخ قديم" بالنسبة لآل روكفلر، إذ أصبحت العائلة أكثر اهتماماً بالأعمال الجيدة والحميدة، أكثر من اهتمامها بالنشاط التجاري. واجتذبت هذه العائلة التي تتصف بالتحرك الهادئ، الأضواء أخيرا حين سلطت اهتماماتها الخيرية على شركة إكسون موبيل، أكبر وحوش الشركات التي فرّختها ستاندر أويل. وألقت عائلة روكفلر بقيادة نيـف روكفلر جودوين، الاقتصادية البالغة 63 عاماً من العمر، وحفيدة روكفلر المؤسس، التي تعيش في كامبريدج، والحفيد جون أونيل الذي يعمل في الحقل الاجتماعي، ويبلغ 45 عاماً من العمر، بثقلهما وراء ثورات حملة الأسهم الهادفة إلى تغيير نظام الإدارة في إكسون موبيل، أكبر شركة نفط في العالم غير مملوكة من قبل الدول. وحثوها كذلك على تكريس اهتمام أكبر بمصادر الطاقة المتجددة وبقضية الاحتباس الحراري.
وواحد من أهم الجوانب المدهشة لهذا الجهد هو ما كشف عنه من تطور في الشبكات الخاصة بعائلة روكفلر. وأيد، حتى الآن، 66 من أصل 78 شخصاً من الأحياء البالغين من سلالة روكفلر المؤسس هذه الثورة، داعين إلى الفصل بين دوري رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي. ويعتقد أونيل أن حصيلة المؤيدين النهائية ستكون أعلى. ويقول: "ردود الفعل من جانب العائلة مستمرة". وسبق له أن أرسل أوراق الاقتراع قبل أسبوعين، ولم تصل بعد جميع الردود الخاصة بالتصويت.
إنه في موقع يسمح له بالتدقيق في أصوات أقاربه، لأن أونيل كما يقول جونسون يترأس لجنة العائلة الخاصة بالاستثمار المسؤول اجتماعياً، التي تمثل واحدة من عشرات الهيئات التي أنشأتها العائلة لمساعدة كل فرد في عائلة روكفلر على أن يصبح محسناً فعالاً، وموجهاً لثروته الخاصة.
بعد مرور ستة عقود، لم يعد آل روكفلر يهيمنون على قائمة الأكثر ثراء في أمريكا. وكان ديفيد روكفلر الحفيد الوحيد ممن هم على قيد الحياة الذي ظهر اسمه ضمن قائمة أثرياء فوربس. لكن عائلة آل روكفلر البالغ عدد أفرادها 242 شخصاً، بمن فيهم الزوجات والقصّر، ظلوا يتمتعون بقوة ذات نفوذ كبير في القضايا التي تراوح بين الدفاع عن البيئة وقيادة المجتمع المدني لتبني ورعاية العلوم والآداب. ويمثل جاي روكفلر ولاية فرجينيا الغربية في مجلس الشيوخ. أما ديفيد روكفلر الأكبر (92 عاماً) فحصل على لقب "مواطن نيويورك الأول" الذي أطلقه عليه صديقه الحميم، ملياردير شركات الأسهم الخاصة، بيت بيترسون، الذي قال عنه إنه يظل أبرز المحسنين في هذه المدينة ومثالاً على الثروات الجديدة فيها. وفي الأسبوع الماضي منح جامعة هارفارد 100 مليون دولار تمثل أكبر منحة منفردة في تاريخ هذه الجامعة.
يقول مورت زكرمان، الناشر وعملاق العقارات وصديق للشخصيتين الحاملتين لاسم ديفيد روكفلر: "هذه العائلة لم تكتف بنشر الثروة بين أفرادها، بل كذلك نشرت القيم، الأمر الذي يمثل إنجازاً حقيقياً".
ويعتقد جونسون أن أحد أسباب استمرار نفوذ عائلة روكفلر هو أن تاريخ العائلة عمل على حماية أفرادها من آثار القرارات الكبرى حول من يدير شركات العائلة، أو متى يجب أن يتم بيعها، أو كيفية توزيع العوائد، وهي الأمور إلى أدت إلى تمزيق سلالات أخرى. ويضيف "لم يتصارع آل روكفلر على أي شركة على الإطلاق. ولم يكونوا مضطرين إلى الصراع حول من يملك ماذا. وليتني أستطيع أن أخبرك بمدى أهمية هذا الأمر".
أما هنري كيسنجر، صديق الحفيدين، فيقول: "في بعض الأحيان كانت هناك ثورة ضد الأجيال الأكبر، لكن ظل ذلك يدور في إطار الحرص على التقدمية، أو زيادة التحرر، ولم يسبق لي أن شهدت فرداً عابثاً في هذه العائلة".
والواقع أن آل روكفلر يبذلون جهوداً واعية لتعليم أطفالهم المحافظة على أموالهم واستخدامها من أجل تحسين العالم. ومن الدروس الرئيسية في هذا المجال، كما يقول جونسون "أن الأخذ من رأس المال خطيئة كاردينالية، وأن عليك أن تحاول العيش بدخلك".
ووصف أحد الناشطين في المنظمات غير الحكومية، ممن عملوا لعائلة روكفلر، أفراد هذه العائلة "بأنهم جادون، ويؤدون أعمالهم بتصميم وجد". كما أن لديهم عادات ذكية ومتطورة في إنجاز الأمور. ومن أمثلة ذلك قاعدة عدم الطلب التي تمنع أفراد العائلة من طلب الإحسان الشخصي من بعضهم البعض.
ويواجه آل روكفلر في شركة إكسون موبيل تحدياً غير معتاد، وهو أخذهم بجدية. وهم يصفون أنفسهم بأنهم أقدم حملة أسهم مستمرين في الشركة، لكن لم يصبح أي من أفراد العائلة عضواً في مجلس إدارة الشركة منذ عام 1911. وتمثل أسهم شركة إكسون موبيل أكبر ملكية لدى بعض أفراد هذه العائلة، بمن فيهم أونيل، لكن جونسون يقدر أن الملكية الجماعية للعائلة تراوح بين 0.5 و1 في المائة من أسهم الشركة.
ويقول أونيل إنهم يأملون من خلال الإعلان عن آرائهم تحريك المساهمين الآخرين لإثارة قضيتهم في اجتماع حملة الأسهم في 28 أيار (مايو). وهم لا يبدأون من الصفر، إذ أيد 40 في المائة من حملة الأسهم، العام الماضي، تحركاً لفصل دور رئيس مجلس الإدارة عن دور الرئيس التنفيذي. وبينما يستعد ريكس تيلرسون الذي يشغل هذين المنصبين، لمحاربة هذا المطلب مجدداً، فإن المفارقة تكمن في أن الأحفاد البيولوجيين لأكبر بارون لص في أمريكا يحشدون الناس العاديين لإرغام الرجل الذي يدير الشركة التي أسسها جون روكفلر، على تخفيف سيطرته عليها.

Eng.Jordan
04-25-2012, 02:16 PM
د محمد يوسف عدس

نعود إلى إمبراطورية روكفلر: فنقول: لقد بدأت قصة هذه الإمبراطورية سنة 1891 عندما أصبح "ناشيونال سيتي بنك أوف نيويورك" تحت إدارة "جيمس ستيلمان" هو البنك الرئيس لأسرة روكفلر.. فبالأموال التي أودعتها فيه تحول إلى أكبر بنك في الولايات المتحدة.. ومن خلال هذه العملية ازداد اهتمام الأسرة بالبنوك وبالاحتكارات البنكية كوسيلة لمضاعفة أرباحها من توظيف أموالها في هذا المجال.. بدأت القصة باثنين من أبناء روكفلر يتزوجان اثنتين من بنات جيمس ستيلمان.. وهكذا امتزج روكفلر وستيلمان في كيان واحد..

عندئذ شرعت أسرة "جون دي روكفلر" تحوّل معظم مصالحها المالية إلى بنك خاص بها ولكن بقي أبناء أخيه وليام روكفلر وأحفاده يعتبرون هم الغالبية من حاملي أسهم "ناشيونال بنك".. ولم يكن تحويل جزء من ثروة الأسرة إلى بنك آخر راجعاً إلى شعورهم بعدم الرضا ولا بسبب صراع داخلي بين أجنحة الأسرة للسيطرة على البنك وإنما لامتصاص المنافسة بين البنوك.. وهكذا أُدرجت مجموعة من البنوك تحت لواء بنك اشترته الأسرة باسم" تشيس ناشيونال بنك".. ثم ضمّت إلى ذلك مجموعة أخرى من البنوك تحت اسم مانهاتن.. ثم جمعت كل هذه البنوك سنة 1955 تحت ملكية الأسرة.. في واحد من أشهر بنوك العالم هو " تشيس مانهاتن"..

فما هو حجم تشيس مانهاتن هذا؟ لا أحد خارج الإدارة العليا لهذا البنك يعرف الإجابة الصحيحة على هذا السؤال.. كل ما يعرفه العالم الخارجي عن هذا البنك أنه أشبه ما يكون بدولة ذات سيادة.. أكثر منه مجرد بنك مالي وأن به أموالاً أكثر مما لدى معظم دول العالم.. عدد العاملين فيه لا يقل عن خمسين ألف موظف يعملون كسفراء للبنك في أنحاء العالم.. ولدى البنك ممثل فوق العادة متفرغ كل الوقت في مبنى الأمم المتحدة.. ومن هناك يقوم البنك بكل العمليات البنكية لهذه المنظمة العالمية الكبرى..

لا تنس أن مبنى الأمم المتحدة نفسه كان مشروعاً لأسرة روكفلر فقد أقيم مبنى هذه المنظمة العالمية على أرض أهدتها مؤسسة روكفلر.. وليس من المستبعد أنهم ينظرون إلى الأمم المتحدة باعتبارها الآلية المطلقة لبسط قوتهم الاحتكارية في أنحاء العالم..

ولا تنس كذلك أن إمبراطورية روكفلر المالية لم تقتصر على بنك تشيس مانهاتن على ضخامته وهيمنته الهائلة فإن هذا التجمع البنكي تحت سطوة روكفلر مع مجموعة بنك مورجان استطاعت أن تنشئ بنك الاحتياط الفدرالي Federal Reserve System فهل معنى هذا أن هذا البنك المركزي الذي يصك النقود في الولايات المتحدة ويهيمن على البنوك الأخرى كأي بنك مركزي آخر في العالم هو بنك خاص تملكه بعض أسر تحت سيطرة أسرة روكفلر وليس بنكاً حكومياً كما يوهمنا اسمه الفدرالي...؟والإجابة نعم هو بنك خاص مستقل وليس بنكاً تملكه الحكومة الأمريكية وتسيطر علي سياسته أو توجهه..!! ولمعرفة بقية القصة وأبعادها الأسطورية اقرأ كتاب: Edward Griffin – The Creature from Jekyll Island.
A second Look at the Federal Reserve.
Village, C.A.: American Media, 1995.

ومع تطور مؤسسات الاستثمارات البنكية في أمريكا أصبحت مدينة نيويورك مركز التمويل العالمي.. حتى نظام الأرقام والحسابات السرية التي كانت تميز البنوك السويسرية لم تعد ترقى إلى مستوى حجم الأموال والسلطة المتداولة في الولايات المتحدة.. بل إن لندن التي كانت مركز إمبراطورية روتشيلد ومورجان في السابق أصبحت تحتل المركز الثاني بعد نيويورك..

(3) تركيز الثروة بأرقام فلكية:


إذا نظرت إلى واحدة من الشركات الكبرى التي يسمونها عابرة القارات أو متعددة الجنسيات مثل: ستاندرد أويل أو فورد أو جنرال موتورز أو (آي تي تي) فستجد أن ممتلكاتها المالية تفوق مجموع ما تملكه كثير من دول العالم.. وهناك مؤشرات على ضخامة تعاملات وعمليات هذه الشركات حول العالم فمثلاً : لدى "آي تي تي" موظفين وممثلين بالخارج أكثر من موظفي وزارة الخارجية الأمريكية.. ولدى سْتاندرد أويل أسطول من ناقلات البترول أكبر من مجموع أساطيل الاتحاد السوفييتي الحربية والتجارية في زمانه الغابر.. وتزيد ميزانية البحوث والتطوير لشركة"آي. بي. إم "على مجموع عائدات الضرائب لكل دول العالم مجتمعة باستثناء عدد قليل منها لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة..

والمشهد في أمريكا يصيبك بالذهول والدوران: حيث تجد أن واحداً بالمائة من السكان يملكون 70% من الصناعات الأمريكية.. وستجد أن بنوك أمريكا المتركزة في (وول ستريت).. نصفها تملكه مجموعة من الناس لا يزيد عددهم (أيضاً) على عدد أصابع اليد الواحدة.. ويمثل هذا أعظم تركيز للثروة والسلطة شهده العالم في كل عصور التاريخ حتى هذه اللحظة الراهنة...! فكيف حدث هذا...!؟: هل هو نتيجة التجارة الحرة كما يزعمون..؟ هل هو نتيجة توفر منتجات وخدمات تنافسية وبالتالي حصل أفضلها وأرخصها على أكبر نصيب من الرواج في الأسواق..؟ هل هو نتيجة عمليات الإنتاج الكبير وتقدم أساليب التوزيع التي جعلت أسعار بيع السلع تنخفض، ومن ثم جذبت أكبر عدد من المستهلكين...؟ ربما كان لهذه العوامل بعض التأثير.. ولكن التأثير الأكبر لتركيز الثروة على هذا النحو المذهل يرجع إلى الاحتكارات والقضاء على المنافسة بأساليب مكيافيلية بل إجرامية...!

(4) روكفلر النموذج الأعلى

بشكل أو بآخر ( والله وحده يعلم ) خضعت كل شركات التأمين لسيطرة مجموعة روكفلر الاحتكارية.. ويوجين بلاك المدير الأعلى لهذا القطاع هو في نفس الوقت مدير إحدى شركات روكفلر.. وطبعاً أموال شركات التأمين ليست ملكاً ليوجين بلاك ولا لروكفلر (إنما هي عبارة عن الأقساط المالية التي يدفعها المؤمّنون).. ومع ذلك فيوجين بلاك يشغّلها لحساب روكفلر في البورصة ويحصّل عليها أرباحاً.. فكرة جهنمية لتحصيل أرباح من الهواء الطلق...!


( كان جحا هو الوحيد في تاريخ الثقافة الشعبية الذي استطاع بعبقريته توليد النقود من النقود) أما دافيد روكفلر عميد إمبراطورية روكفلر الحالي فإنه يستطيع أن يفخر بإنجازاته، ونجاحه أن يولّد أموالاً من الهواء الطلق.. تحدث أمام أحد المؤتمرات العالمية للاستثمار في باريس فقال: "كان من الحكمة أن نستثمر في شركات التأمين على الحياة وعلى المخاطر والمعدات التجارية وغيرها.." وأيّ حكمة.. فهذه صناعة لا تكلّف صاحبها رأس مال..!!

فإذا كان نشاط روكفلر في هذا القطاع الاقتصادي ظاهراً.. فإن تغلغلها في قطاع الصناعات الدوائية هو الأكثر خفاء.. وهو الذي يجرى في سراديب سرية بعيداً عن الأعين أكثر من أي نشاط آخر لها في كل الصناعات والسبب في ذلك يرجع إلى أمرين الأول: أنه قبل الحرب العالمية الثانية بسنين عديدة كانت ستاندرد أويل مقيدة باتفاقية كارتل تمنعها من التدخل في الحقل الواسع للصناعات الكيميائية إلا كشريك مع "آي جي فاربن" الألمانية.. وفي المقابل ألا تتنافس هذه الأخيرة في الصناعات البترولية مع روكفلر.. أما الأمر الثاني: فهو أن فاربن لم تكن قبل الحرب العالمية الثانية مقبولة في أمريكا وكانت تحتاج إلى عمليات تمويه على نشاطها وممتلكاتها الأمريكية.. وقد قامت روكفلر بهذه العمليات التمويهيـّة بمهارة فائقة باستخدام وجوه مزورة وحسابات مالية غامضة كان بنك تشيس مانهاتن هو الذي يتولاها.. وهو كما تبين لنا مجرد جزء من إمبراطورية روكفلر الاقتصادية..

(5) عالم بلا أدوية:

أرباح الأدوية شيء مهول يصعب على الخيال تصوره.. وطبيعة هذا المنتج في حد ذاته يجعله من أنسب المجالات لتلاعب الاحتكارات والكارتيلات.. فالإنسان عندما يكون مريضاً أو شاعراً بخطر الموت لا يتساءل أبداً عن ثمن الدواء.. إنه يشتريه فقط.. هذه واحدة.. أما النقطة الثانية: وهي الأهم فهي أن صرف الدواء لا يتم إلا بروشتة طبيب.. وهذا الإجراء مع إجراءات أخرى كفيل بمنع المنافسة تماماً بين الأصناف المختلفة.. فاختيار الطبيب لدواء ما متأثراً في اختياره بقوة الدعاية وتأثير مندوبي التوزيع ومهارتهم في فن العلاقات العامة.. والهدايا التي يتلقاها من شركات الدواء.. هذا الاختيار هو الذي يحسم القضية لصالح دواء ما دون الأصناف الأخرى المماثلة.. وبذلك تنعدم المنافسة في سوق الدواء تماماً.. وبهذه الطريقة تتضاعف الأرباح العائدة من بيع الدواء.. لا للطبيب ولا الصيدلية وإنما للشركة المنتجة.. وهذا هو السبب الجوهري وراء إصرار جمعية الأطباء الأمريكية على ضرورة ألا تصرف الفيتامينات إلا بروشتة طبيب. وإذا كانت الروشتة شرطاً أساسياً لصرف الدواء فرضته هذه الجمعية فإن شركات التأمين الصحي أيضاً تشترط في تعاملها مع المرضى (المستهلكين) وجود الروشتة، وفي هذا المناخ الاحتكاري تستطيع شركات الأدوية رفع أسعار الدواء من وقت لآخر دون شكوى من الزبون المستهلك.. علماً بأن المستهلك في النهاية ( واعياً بذلك أو غير واع) هو الذي يدفع الثمن ويتحمل الزيادة فيه إما من خلال رفع أقساط التأمين التي يدفعها أو من خلال ضريبة الدخل السنوية.. وهذا نموذج لاستخدام شركات الأدوية للحكومات في إلغاء المنافسة ورفع الأسعار ضد مصلحة المستهلك...

والسؤال الآن:

هل رحلنا بعيداً عن هدفنا الأصلي ودخلنا في متاهة من التفاصيل ومعلومات لا علاقة لها بموضوعنا الأصلي المتعلق بقضية استخدام الفيتامينات في علاج مرض السرطان...؟! أقول: لا.. إننا لم نرحل بعيداً بل نقترب أكثر وأكثر من صميم الموضوع...! لقد رأينا كيف أن الصناعات الدوائية ليست بمنأى عن خطط التكتلات الاحتكارية.. بل هي في الصميم منها.. وهذه حقيقة بالغة الأهمية لا ينبغي أن ينساها من يحاول دراسة هذه القضية ليضع يده على الحقائق المجردة والمذهلة.. هذا من ناحية.. أما من الناحية الأخرى فإن المعارضة الشرسة الواسعة المتعددة الأبعاد لعلاج السرطان بالفيتامينات يستحيل فهمها فهماً صحيحاً بدون فهم دور هذه التكتلات الاحتكارية وتأثيرها الشامل والعميق في صنع القرارات الحكومية والمهنية المتعلقة بالدواء والعلاج..

Eng.Jordan
04-25-2012, 02:19 PM
(1) مازلنا نتحدث عن إمبراطورية روكفلر..

وهذا مشهد آخر من سلسلة المشاهد العجيبة نتطلع إليه فتصيبنا الدهشة: فرؤساء دول العالم الذين يذهبون إلى الولايات المتحدة في زيارة رسمية هناك دائماً بند مقرر عليهم في برنامجهم أن يقوموا بزيارة شخصية إلى المقر الرئيس لإدارة إمبراطورية روكفلر ومقابلة عميد الأسرة الأكبر.. حتى إمبراطور اليابان ورئيس الاتحاد السوفييتي لم يُستثنيا من هذه الزيارة المقدّسة.. والأغرب من هذا أنه عندما يتوجه عميد أسرة روكفلر لزيارة أي دولة أجنبية فإنه يُمنح استقبالاً رسمياً كرؤساء الدول... بينما الشعب الأمريكي لا يلقى بالاً لأهمية روكفلر.. وهنا يصدمنا هذا التناقض ويجعلنا نتساءل عن السر في ذلك...!

والإجابة البسيطة التي يستخلصها الدارس الفاحص هي أن روكفلر وصحبه وإن كانوا هم الذين يقبضون على زمام السلطة الحقيقية في الولايات المتحدة إلا أنهم قد اختاروا بحكمة أن يجلسوا خلف الكواليس.. ولذلك نادراً ما تظهر أسماؤهم في الأخبار.. أما من نراهم يتحركون على المسرح، ويظهرون أمام الجماهير، وتملأ تصريحاتهم عن سياسة الدولة الصحافة والإعلام، فهؤلاء في حقيقة الأمر الأتباع الذين يدينون بالولاء لروكفلر وصحبه ويخدمون مصالحهم.. إنهم أتباع بدرجات مختلفة تبدأ أو تنتهي بمنصب رئيس الجمهورية.. وهذه إحدى عجائب هذا الزمن...!

ولكن علينا أن نفهم.. وحتماً سيأتي اليوم الذي يتبين لنا فيه أن هؤلاء الناس الذين يقبضون على زمام السلطة الحقيقية في الولايات المتحدة يفضلون أن يتجنبوا الإعلانات والمظهريات تاركين لأتباعهم السياسيين المتخصصين في هذه المهمة بحكم تعليمهم وتدريبهم على الظهور والكلام والإقناع الجماهيري.. قد لا تكون سطوة ديفيد أو جون روكفلر على مستوى ما يظهر من نفوذ وسطوة رئيس الولايات المتحدة.. ولكن الرؤساء هناك عندهم (وليس عندنا) يظهرون ثم يختفون في بضع سنوات قليلة تتراوح بين أربعة إلى ثمانية سنوات بلا زيادة.. ثم يختفي الرئيس ويصبح شخصية عادية يأكل الطعام ويمشى في الأسواق مثل بقية البشر.. و إذا كان مرْضيّاً عنه قد يُنتدب لمهمة توفيقية أو استطلاعية إلى مواقع الاضطرابات في العالم مثل دارفور أو البوسنة لمدة محدودة ولغرض مرسوم، أما [الإمبراطور] روكفلر فهو باق خارج هذا المشهد السياسي الإنساني كله.. يبقى مراقباً محركًا للقوى الفاعلة من وراء حجاب...! ربما تذكر كتب التاريخ هؤلاء الرؤساء.. ويُقدم بعضهم للمحاكمات على خطاياهم وجرائمهم.. وبعضهم وربما أفضلهم يتم اغتياله ولا يعرف أحد بعد ذلك أبداً المجرم الحقيقي ولا من كان وراء جريمة الاغتيال.. ثم يكنس الزمن كل من سبق من الرؤساء فيخرجون من ذاكرة البشر بعد أن انتهت صلاحياتهم.. أما سلطة روكفلر فتنتقل من جيل إلى جيل مثل ألقاب النبالة.. وتصبح في حد ذاتها واقعاً أبديّاً حيّاً ونامياً حتى يرث الله الأرض ومن عليها...!

(2) روشتة الطبيب:

كما سبق أن رأينا كارتلة (روكفلر - فارْبـِن) أصبحت هي صاحبة السطوة الشاملة على صناعة الدواء.. وأصبح هذا الواقع يفرز لنا حقائق ثابتة على الأرض من أهمها وأخطرها انعدام المنافسة في الأسعار الاستهلاكية بين الأدوية الموصوفة.. ولم يعد هناك من منافسة سوى ما نشاهده من إعلانات لا سبيل للتحقّق من صحتها مثل: " لقد أثبتت المختبرات المعملية أن (باير) هو الأفضل".. أو أن "البحث العلمي قد أثبت أن ( أناسين) هو الأسرع مفعولاً"...إلخ. وعلى مر الأيام وصلت شركات صناعة الأدوية إلى اتفاقيات فيما بينها تقضى بأن تبقى كل شركة في حدود تخصصها الضيق وأن تمتنع عن محاولة المنافسة في السوق المستقر لمنافسيها الآخرين.. يعني صناعة منظمة ومهذبة وتحت سيطرة الكبار الأقوياء...!

أحد أسباب انعدام المنافسة أن معظم الأدوية قد سجلت براءات اختراعها وأصبحت متاحة فقط عند منتِج أو صانع واحد.. أما السبب الآخر فهو أن الروشتة (الموصوفة) يصدرها طبيب.. أكبر همّه هو فاعلية الدواء أو كفاءته بصرف النظر عن ثمنه.. ومع ذلك فإن شركات الأدوية أصبحت تقذف في السوق بفيض من أصناف الأدوية حتى أن الطبيب لم يعد قادراً على التمييز بينها لمعرفة أكثرها كفاءة في العلاج.. وكل ما يعرفه أنه رأى إعلانات عن هذا الدواء أو ذاك في مجلة طبية.. أو أنه قد تسلم إعلاناً من ورق مصقول يحتوي على بعض المعلومات، من أحد مندوبي مبيعات شركات الأدوية.. أو أنه قد لاحظ بعض النجاح في استخدام هذا الدواء أو ذاك على بعض المرضى.. ولأنه (مجرد ممارس عام أو أخصائي أو حتى مستشار) وليس باحثاً، لا يمكن أن يقوم بتجارب محكمة لكي يتأكد بنفسه من الكفاءة النسبية للدواء الجديد مقارنة بالأدوية القديمة أو الأدوية المماثلة التي تنتجها شركات أخرى.. وكل ما يستطيع أن يعرفه أو يقرره هو: أن هذه الأدوية قد ساعدت بعض مرضاه على الشفاء.. وفي حالة ما إذا لم يأت الدواء بنتيجة سريعة فإن كل ما يفعله الطبيب هو أنه يصف دواء آخر للمريض على سبيل التجربة.. وبهذه الطريقة يضطر المريض لشراء أدوية عديدة من شركات مختلفة.. كل شركة تأخذ نصيبها من جيب المريض المسكين على أمل أن يجد الشفاء في واحد من هذه الأدوية المتعددة...

عبّر عن هذه الحقيقة بصراحة جارحة دكتور "جورج بائير" في مؤتمر طبي عقد بجامعة هوبكنز قال : "كنت مستشاراً لسنوات طويلة لأطباء في عياداتهم الخاصة.. وقد لاحظت أن كثيراً من الأطباء سواء منهم الممارسين العامين أو الأخصائيين قد اعتادوا على التنقل المتكرر ( بدون ضرورة ظاهرة ) من دواء إلى دواء آخر في علاج مرضاهم.. وعرفت أن السبب في ذلك كان تأثرهم بالإعلانات والزيارات التي يقوم بها رجال التسويق التابعين لشركات الأدوية".. و إذا ذهبنا نفحص شعور الطبيب وهو يفعل هذا لوجدنا أنه لا يشعر بأن ما يفعله أمر غير لائق.. بل يشعر أنه إنما يفعل كل ما يستطيعه لمساعدة مريضه على الشفاء.. [ومع قليل من تحليل الموقف ستجد أن الطبيب في واقع الأمر يساعد مرضاه بما أخبره به الآخرون، وأعني بهم أصحاب المصلحة في تسويق الدواء بزعم أنهم يبيعون آخر ما توصّلت إليه الأبحاث في تكنولوجيا الأدوية].. وهنا يجب أن نتنبه إلى أن الطبيب ليس هو الذي يكسب من وراء كتابة الروشتة..!! فإذا مضينا أكثر قليلاً في تحليل الموقف لوجدنا الكاسب الأكبر هو شركات الأدوية الكبرى التي تحصد الملايين بل البلايين من الدولارات.. والطبيب إنما هو مجرد مروّج أو بائع بلا أجر.. مع أنه يقوم بخدمة حيوية لهذه الشركات لا يمكن الاستغناء عنها..

(3) التعليم الطبيّ:

تعلّم الطبيب على القيام بهذا الدور في كلية الطب وهو لا يزال طالباً يدرس.. تعلّم أداء هذه الخدمة بدون مقابل.. ففي مناهج التعليم بجميع كليات الطب الكبرى في أمريكا الطلاب معرضون لنوع من التدريب المكثف في استخدام الأدوية.. إنهم جميعاً يتعلمون ويتدربون لكي يستخدموا الأدوية الكيماوية كعلاج لجميع أمراض الإنسان باعتبارها الاختيار الأوحد.. والسؤال هنا: كيف استقرت جميع كليات الطب على تبني هذا المنهج الموحد في العلاج..؟؟

هذا هو السؤال الذي سنحاول الإجابة عليه.. ولكن الإجابة ليست من السهولة والبساطة بحيث تقدم مباشرة بدون مقدمات.. لأنها حينئذ لن تكون مفهومة.. ولن تكون مفتاحاً لحل مشكلة بل يمكن أن تزيد المشكلة تعقيداً.. وإذا قلت لك إن الإجابة على هذا السؤال تقتضي منا أن نفهم منظومة بنك الاحتياط الفدرالي الأمريكي؛ وأن نفهم قصة ضريبة الدخل والإعفاء الضريبي في الولايات المتحدة.. لو قلت لك إن هذه القضايا تضرب في صميم المشكلة التي نحن بصددها..! فماذا يكون رد الفعل عندك.."! لا أظن أن أحداً يمكن أن يمسك نفسه عن الدهشة والاستغراب وربما الاستنكار أيضاً.. وهو محقّ فيما يفعل.. فهذه مسائل مالية اقتصادية صرفة.. وقضيتنا هي قضية الطب والأطباء والعلاج و الاحتكارات الكبرى في الصناعات الدوائية.. يعني هذا مجال وذاك مجال آخر..! وأقول لك: لقد نسيت أنني أتحدث عن أمريكا.. وأمريكا هي بلاد العجائب.. هنا.. في هذه البلاد.. تلد العنقاء وتبيض وتفرخ.. وكل مستحيل آخر مما تتخيل ومما لا يستطيع خيالك أن يقبض عليه موجود هنا بزفرة خيالية..

أقول لك: إن الذين صمموا هذه المنظومات المالية والضريبية لأمريكا وللشعب الأمريكي هم أصحاب التكتلات الاحتكارية في الصناعة والمال.. لخدمة مصالحهم الخاصة ولنهب ثروة أمريكا وثروة العالم.. ثم وضعت في الكونجرس ليوافق عليها.. ثم تقوم حكومات الولايات المتحدة الأمريكية بتنفيذها رغم أنف بعض كبار مفكريها من الآباء الأوائل ورؤساء الجمهورية.. بعض هؤلاء وربما أشهرهم في التاريخ الأمريكي دُبرت مؤامرات لقتلهم.. وبعضهم تم اغتياله بالفعل.. وكان آخرهم "جون فيتزجيرالد كنيدي"..

ثم أضيف إن الذين صمموا هذه المنظومات المالية هم هم أنفسهم الذين صمموا مناهج الطب والعلاج في الولايات المتحدة.. والهدف (مرة أخرى) خدمة مصالح تكتلاتهم الاحتكارية في الصناعات الدوائية... وستعرف أن نظام ضرائب الدخل والإعفاء الضريبي تتداخل بشكل معقّد بمنظومة العلاج والطب في أمريكا.. فإذا عرفت تفاصيل ذلك كله لن تملك نفسك من الصياح ذهولاً: أي شيطان هذا الذي يدير هذه الشبكات الرهيبة.. ؟! وأي عقل هذا الذي يهيمن على كل تفصيلاتها ويقبض على ناصيتها بقبضة جهنمية...؟!

أمس فقط شاهدت على التلفاز مقابلة مع مدير جمعية الطب الأمريكية يتحدث عن محاولة أوباما تغطية خمسين مليون أمريكي بالخدمة الصحية الشاملة على غرار ما كان متّبعاً في دول أوربية.. إنه يعارض هذا الاتجاه أو يقترح تدعيم العاجزين عن الحصول على العلاج لتكاليفه الباهظة بالمال.. بحجة أن يكون أمامهم اختيارات بديلة مع شركات التأمين الصحي.. والسر في الاعتراض أن هذا الرجل وأمثاله ممن يديرون الجمعيات والمؤسسات ذات البريق والهالات ليسو أكثر من وكلاء أو أتباع للقوى الاحتكارية في مجال الصناعات الدوائية والتأمين الصحي.. والمروّجين للمصالح الخاصة لهذه القوى.. وإن غلّّفوا تصريحاتهم بمزاعم الدفاع عن مصالح الجماهير...!