المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ديموقراطية أمريكاني


Eng.Jordan
04-25-2012, 02:03 PM
د.محمد يوسف عدس


هزمت الولايات المتحدة اليابان وألمانيا في الحرب العالمية الثانية ، وأعادت صياغة الدولتين على صورة النموذج الأمريكي: قُوى رأسمالية ودستور رأسمالي وديمقراطية وصحافة حرة، وظلت أمريكا تتباهي بهذا الإنجاز، باعتبارها مصدّرةً للديمقراطية إلى العالم .. ولكن هذا الإنجاز لم يتكرر بعد ذلك في أي دولة من دول العالم الثالث .. بل وقفت أمريكا دائماً منحازة إلى الدكتاتوريات المستبدّة ضد الشعوب، وساعدت على الإطاحة بكل النظم الديمقراطية التي برزت رغماً عنها في هذه الدول، أمثلة كثيرة على هذا تجدها في أمريكا اللاتينية.

واليوم تزعم أمريكا أنها جاءت إلى أفغانستان وإلى العراق لا غازية ولا نهّابة وإنما للقضاء على دكتاتورية شريرة لتحرير الشعبين ونشر الديمقراطية في المنطقة كلها.

سوف نفترض جدلاً أن هذا الهدف المعلن هو حقاً ما تعنيه أمريكا وما تريد تنفيذه في بلاد العرب والمسلمين .. ولكن أليس من حق أي باحث عن الحقيقة أن يسأل: أي ديمقراطية هذه التي تقصدها أمريكا؟ والإجابة – في أغلب الظن – هي أن المقصود هو النموذج الأمريكي في الديمقراطية، الذي تعرفه أمريكا من واقع التجربة والممارسة. ومن حسن الحظ أن الكتابات في هذا المجال من الكثرة والإفاضة ما يجعلها بحاجة إلى ببليوجرافية حصرية.

أود أن أقرر بادئ ذي بدء أن كاتب هذا المقال ليس لديه ذرة من شك في أن شعوب هذه المنطقة متعطشة فعلاً للحرية متلهّفة على ديمقراطية حقيقية كارهة لتلك الأنظمة التي لا تعبّر عن إرادة هذه الشعوب تعبيراً صحيحاً .. ولكن لديه شك كبير أن يكون هذا هو الهدف الحقيقي لأمريكا في المنطقة، ولديه شكوك أكبر في النموذج الديمقراطي الذي تمارسه أمريكا .. وهذا المقال محاولة لعرض هذه الوجهة من النظر.

أقرب الأمثلة:

انتخابات الرئاسة الأمريكية عادة ما تجتذب أنظار العالم بقوة ويتابعها الناس بانبهار وإجلال إلا أن انتخابات عام 2000م بين "أَلجْور" الديمقراطي و(جورج دبليو بوش) الجمهوري كانت حالة فريدة أذهلت العالم بقدر ما أضحكته عجباً وسخرية، حتى أن بعض الظرفاء اقترح إرسال مراقبين كوبيّين إلى فلوريدا للإشراف على الانتخابات الأمريكية وإخراجها من المأزق الذي تورطت فيه.

كان الناس في أنحاء العالم يتابعون نتائج الانتخابات لحظة بلحظة.. فلما علموا أن "ألجور" يتقدم على بوش بحوالي خمسمائة ألف صوت أيقنوا أن الفائز في السباق هو ألجور، ولكنهم فوجئوا بإعلان فوز بوش وكان السبب في هذه النتيجة غير المتوقّعة هو ما أسفرت عنه عملية.. أو بالأحرى ( قضية ) فرز الأصوات باليد في ولاية فلوريدا. وقد تساءل الناس باندهاش شديد وخاصة في أوربا: أي ديمقراطية هذه التي تتجاهل إرادة الأغلبية من الناخبين..؟ وعندما عرف الصحفيون خارج أمريكا أن ولاية فلوريدا هذه يحكمها أخٍٍٍ للمرشح بوش لم يلتزموا الصمت أو الحياء الذي التزمت به الصحافة الأمريكية .. بل صرّحوا علانية بأن الأمر لا يخلو من تلاعب بالأصوات .. ثم تضاعفت شكوكهم عندما علموا أن المحكمة العليا التي يسيطر عليها قضاة جمهوريون قد أصدرت حكماً بأغلبية صوت واحد (خمسة إلى أربعة) لإيقاف عملية إعادة فرز الأصوات في فلوريدا بدون أي سند قانوني، ثم أعلنت فوز بوش بالرئاسة فى ظروف إعلامية غامضة..

بل أقول: بالغة الشذوذ والغرابة.. ذلك لأن الوكالة الإعلامية الوحيدة التى كانت تتابع عملية فرز الأصوات فى فلوردا بالذات هى (فوكس) وهذه جزء من إمبراطورية الإعلام التى يملكها الصهيونى الكبير "روبرت موردوخ" وهو الصديق الحميم لديك تشينى .. وقد أخذت عنها الخبر كل شبكات التلفزة فى الولايات المتحدة بدون مراجعة لأنها لم تهتم بإرسال مندوبيها إلى فلوريدا كما اهتمت شركة فوكس .. وتلك مؤامرة صغيرة من سلسلة مؤامرات ديك تشينى وعصابته (أتابع بعض تفاصيلها فى موضع لاحق)...كانت صدمة الناس في العالم الخارجي عارمة .. ذلك لأن واشنطون دأبت على التفاخر بأنها تملك أعظم ديمقراطية في العالم وأن نموذجها الديمقراطي هو النموذج الأمثل الذي يجب أن يحتذيه الآخرون .. ولكن مهزلة فلوريدا جعلت أمريكا تتضاءل كثيراً في نظر العالم الخارجي، فقد أصبح الناس يعرفون بوضوح أن الرجل الذي يجلس في البيت الأبيض لم يُنتخب لهذا المنصب انتخاباً صحيحاً وإنما تمّ تعيينه بقرار من المحكمة .. وغلبت على الكتابات الصحفية تساؤلات محيّرة: هل كانت انتخابات عام ألفين نكتة أم كانت جريمة؟!.

الإعلام الأمريكي وحده هو الذي انشغل وشغل الناس بمسائل فنية لا علاقة لها بصلب القضية حيث خاض كثيراً في عيوب برامج فرز الأصوات التي استخدمتها آلات حاسبة قديمة تجاوزها الزمن، ووضع عليها أكبر اللوم، وتحدث بعضهم عن خطأ الإعلام الذي كان يتسابق في إعلان نتائج لم يتم البتّ فيها بصفة حاسمة .. لكن الإعلام الأوربي ركز على الجوانب القانونية والأخلاقية للقضية واعتبرها الفشل الأكبر الذي تورطت فيه أمريكا.

في ذلك الوقت لم يكن أحد يملك دليلاً قاطعاً، ولكن رُصدت إشارات وملاحظات كثيرة على أن عملية التصويت في فلوريدا شابتها كثير من الانتهاكات وأن إجراءات مريبة اتخذتها جهات رسمية لحرمان المواطنين السود في الولاية من حقوقهم الانتخابية وتم منع كثير منهم بالقوة أو الحيلة من الوصول إلى صناديق الانتخابات، وكأن المشهد ليس في أمريكا وإنما في دولة متخلفة من دولة العالم الثالث.

سرّ انحياز المحكمة العليا:

منذ أقل من أربعين سنة كان السود يُضربون في الشوارع وهم يسيرون في مظاهرات سلمية مطالبين بحقوقهم الانتخابية، فتكتيك الذراع القوية كان هو الوسيلة شائعة الاستخدام لقوات الأمن في الجنوب الأمريكي طوال الفترة السابقة على صدور قانون الحقوق المدنية سنة 1964م ..واشتهر في ذلك الوقت محامي أبيض بعنصريته وعدوانيته ضد السود .. لم يترك فرصة لمنعهم من التصويت في الانتخابات إلا استغلّها..

وقد أدلى أحد شهود العيان بتفاصيل مثيرة في هذه القضية نُشرت مؤخراً في مجلة "بيتسبورج بوست جازيت" في ديسمبر سنة 2000م، اسم الشاهد هو "ليتوبينا" وكان موظفاً يعمل في محاكم ولاية "أريزونا" لمدة ثلاثين عاماً .. ذكر أن المحامي الأبيض هذا كان يطالب بضرورة أن يمر المواطنون غير البيض باختبارات شخصية مختلفة، منها إجادة اللغة الإنجليزية، وذلك من خلال شرح أجزاء من الدستور الأمريكي قبل أن يُسمح لهم بالتصويت، اسم هذا المحامي العنصري الأبيض هو "وليام رينكويست"..والمفاجأة هنا هي أن "وليام رينكويست" هذا هو نفسه الذى أصبح رئيسا للمحكمة العليا .. وهو الذي حكم بعدم إعادة فرز الأصوات بولاية فلوريدا، وهو الذي أعلن فوز بوش.. في هذه المحكمة العليا يوجد قضاة آخرون يشاركونه في ميوله العنصرية المتأصّلة .. كما أن لهم مصالح وأهواء خاصة عرفناها بعد أن انكشف الغطاء عن اثنين منهم على الأقل. أحدهما هو القاضي "كلارينس توماس" والآخر هو القاضي "أنتونين سكاليا"..هذان القاضيان كانت لهما علاقة بأحد أطراف النزاع .. وكانت التقاليد القضائية تستلزم تنحّيهما عن النظر في هذه القضية احتراماً للحياد وحفاظاً على النزاهة .. كانت زوجة القاضي الأول مستشارة بوش في حملته الانتخابية.. وكان للقاضي الثاني "سكاليا" ولدان يعملان في مؤسسة قانونية هي التي مثّلت المرشح بوش الابن في قضية فلوريدا. فلا عجب أن ينحازا مع رئيس المحكمة لترجيح كفة بوش على ألجور، ومن ثم اعتبر خبراء القانون هذا موقفاً سياسياً وليس حكماً قضائياً صحيحاً...

ويبدو هذا واضحاً وفجَّاً في كلام القاضي "سكاليا" أدلى به إجابة على سؤال صحفي: لماذا اعتبرتَ مسألة فرز الأصوات غير مقبولة؟ فكان رده عجباً .. حيث قال: "إن إعادة فرز الأصوات من شأنه أن يُلقى بسُحب قاتمة على (ما ادعاه بوش) من شرعية انتخابه رئيساً .. وكأن مجرد ادعاء بوش بأنه يستحق منصب الرئاسة كان كافياً في حد ذاته لتسوية النزاع وإنهاء القضية..!"

فلماذا السود وما هي قيمة أصواتهم؟

"ألان جي ليتشمان" وهو أستاذ بجامعة واشنطن كلّفته وكالة الحقوق المدنية بالولايات المتحدة بتحليل أصوات الناخبين في فلوريدا وتقديم تقرير عن ذلك .. قال: "إن أصوات الناخبين السود التي تم فرزها وبلغ عددها ستين ألف صوت قد اُستبعدت كلها من العدّ بحسبانها أصواتاً خاطئة .. ولأن 93% منها كان مؤيّداً لألجور فمعنى هذا أن هذا المرشح قد فقد بضربة واحدة 54 ألف صوت زيادة عن بوش كان يمكن أن تمنحه الأغلبية اللازمة للفوز بالرئاسة .. (مقال ليتشمان منشور في 5 مارس 2002م بصحيفة Baltimore sun "بلتيمور صن").

لم يتوقف الاستبعاد العنصري في فلوريدا عند هذا الحد .. فقد كشف الصحفي الإنجليزي "جورج بالاست" الذي تابع عملية التصويت بمراكز الانتخابات في فلوريدا – عن تدابير سبقت عملية الانتخابات قام بها حاكم الولاية "جيب بوش" خلال عامي 1999 و 2000م.. بدت المسألة في ظاهرها عملية قانونية تستهدف استبعاد أسماء الموتى والأسماء المتكررة في جداول الناخبين وكذلك استبعاد أسماء الذين صدرت ضدهم أحكام قضائية .. ولكن الحقيقة أن الذين حُذفت أسماؤهم كانوا من السود الأبرياء الذين لم تصدر ضدهم أي أحكام تمنعهم من الإدلاء بأصواتهم .. تم نشر هذه الوقائع في صحيفة الأبزرفر البريطانية وفي التليفزيون البريطاني (BBC)..أثناء عملية الانتخابات ولكن تجاهلتها الصحافة والإعلام الأمريكيين فلم تتحدث عنها الصحافة إلا بعد ثمانية أشهر، فكأنه كان سكوتاً مقصوداً، ولو نُشرت الوقائع في حينها بأمريكا لتغير الموقف تماماً لصالح ألجور (انظر أيضاً كتاب لاست الذي نشرته بلوتو بريس سنة 2002م – "The Best Democracy Mony Con buy").

وفي كتاب آخر من تأليف "جون نيكولاس" بعنوان "Jews for Buchanan" ذكر أن كثيراً من السود أكدوا له أنهم عندما توجهوا إلى لجان الانتخابات طردهم رجال الشرطة بدعوى أن أسماءهم غير مسجلة بجداول الانتخابات. أما الصحفي والمراسل الإذاعي "ستاشى بوارز" الذي قضى يوم الانتخابات متجولاً بين اللجان المختلفة فقد قدّر أن آلافاً من السود قد حيل بينهم وبين الوصول إلى صناديق الانتخاب، وتؤيد ذلك تقارير أخرى تذهب إلى القول بأن الإكراه المادي قد استخدم على نطاق واسع وأن حواجز الشرطة التي أحاطت باللجان كانت ترهب السود حتى لا يتوجهوا إلى صناديق الانتخاب.

شركة فوكس تتلاعب بالأرقام:

يقول "مارك هرتسجارد" في كتابه "ظل النسر ..." الذي نشرته بلومسبرى سنة 2003: "كان من الصعب على الأمريكيين أن يفهموا ماذا حدث في انتخابات عام 2000 لأن أجهزة الإعلام نفسها كانت جزءاً من المشكلة .. وكانت أخطاؤها الفاحشة مثلاً حياً للمنظمات التي تضع الربح المادي فوق كل الاعتبارات والقيم .. بما في ذلك الالتزام المهني والمسئولية الأخلاقية والوطنية .. ففي ليلة الانتخابات وبينما عملية فرز الأصوات لا تزال قائمة أعلنت أولاً فوز ألجور .. ثم أعلنت التعادل بينه وبين خصمه ثم أعلنت فوز بوش. كان المصدر الأساسي لكل محطات التليفزيون هو شبكة فوكس للأخبار التي أعلنت نبأ فوز بوش الساعة الثانية وستة عشر دقيقة صباحاً، ثم تبعتها كل الشبكات الأخرى.

وشبكة فوكس هذه معروف أنها بوق الجناح اليميني في الحزب الجمهوري، وكان يرأس فريق المراسلين "جون إليس" أحد أقرباء بوش .. وقد أسست الشبكة حكمها على تحليلات رقمية ثبت فيما بعد عدم صحتها [أضيف هنا معلومة قد لا يعرفها القارئ وهى أن شركة فوكس ملك إمبراطور الإعلام روبرت موردوك وهو صديق ديك تشينى] ولم تكن الشبكات الأخرى في وضع يسمح لها بمراجعة هذه التحليلات لنقص في عدد مراسليها .. ومن ثَمّ لم يكن لها مراسلون في فلوريدا .. وكان الاندفاع والتسابق في نشر الأخبار الذي قادته بل هندسته شركة فوكس هو الذي أظهر بوش بمظهر الفائز وبدا ألجور على الطرف الآخر وكأنه يتمحك بإعادة فرز الأصوات ليدارى هزيمته أمام الجماهير .. وقد استغلت حملة بوش الانتخابية هذا الانطباع الزائف لتزعم أن إعادة فرز الأصوات هو نوع من الغش وأن عدّ الأصوات باليد سيؤدى إلى نتائج خاطئة .. وهكذا كان الاتجاه الإعلامي يضغط بثقله على ألجور لكي يعلن تنحّيه حتى لا يدفع بالأمة إلى الاضطراب والبلبلة، والحقيقة أن ألجور كان هو ضحية الغش وليس هو صانعه.