المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الوكالة الأمريكية لمراقبة الأغذية والأدوية


Eng.Jordan
04-25-2012, 02:33 PM
د محمد يوسف عدس

في هذه السلسلة من المقالات لا أكشف للقارئ فقط مجرد حقائق أو معلومات عن حالة الإنسان المعاصر الذي قُدّر له أن يحيا تحت سطوة التكتلات الاحتكارية مُستغَلاً مُروّعاً مذعوراً من هواجس الفقر والمرض والأوبئة واستلاب الحرية.. إنما أحاول أن أكشف عن الأوضاع التي آلت إليها حضارة عالمية أرى أنها أوشكت على الانهيار.. وليتذكر هذا عني من قُدّر له أن يشهد السنوات العشر أو العشرين القادمة مٍِِِن تغيّرات متسارعة...!


(1)

الوكالة الأمريكية لمراقبة الأغذية والأدوية: في مارس 1972 وبعد استفسارات ملحّة من جانب بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي اضطرت هذه الوكالة إلى الكشف عن معاييرها وشروطها التي تطبقها على صناعة الأغذية الأمريكية وهي المعايير التي تُلحق بها دائماً وصف "المعايير النظيفة..!" في هذه المعايير النظيفة التي تقوم بتطبيقها على الصناعات الغذائية أشياء تثير العجب فهي مثلاً: تسمح بوجود فضلات فئران بنسبة (ذبلة) واحدة في كل باَيِنْت من القمح وعشرة بيضات ذباب لكل 8.5 أوقية من عصير الفاكهة المعلّبة، وخمسين نتفة من حشرات ميتة أو شعرتين من القوارض في كل 3.5 أوقيّة من معجون الفول السوداني..

ولسنوات عديدة ظلت معايير هذه الوكالة تسمح بوجود هرمون (DES) لتسمين العجول، ثم اكتشفت بعد ذلك أن أي آثار مهما كانت طفيفة من هذا الهرمون في لحم العجول يصيب آكلها بالسرطان، فاضطرت أخيراً إلى تحريم استخدامه.. ولكنها في نفس الأسبوع الذي أعلنت فيه هذا القرار الجديد سمحت بوجود نفس الهرمون في أقراص منع الحمل للنساء بنسبة خمسين ملليجرام في كل قرص، تتناولها السيدة المتزوجة يومياً لمدة خمسة أيام في الشهر.. وقد علق أحدُ مُربيّ العجول ساخراً فقال: إن الوكالة قد سمحت للنساء بتناول كمية من الهرمون في خمسة أقراص تعادل كمية الهرمون الموجود في 262 طن من كبد البقر الذي يضاف إلى غذائه هرمون (DES).

وطبقاً للدراسات المسحية يوجد ثلاثة آلاف من أنواع الكيماويات تستخدم في صناعة المنتجات الغذائية وتلوينها وحفظها.. وبصفة عامة لتغيير خصائصها.. بعض هذه المواد المضافة بالمقادير المعلن عنها لا بأس به.. ولكن معظمها تشكل خطراً حقيقياً على الصحة (مع الاستخدام طويل الأمد) كما هو الحال بالنسبة لهرمون (DES) والأدلة على هذا كثيرة.. وقد أثيرت هذه الاعتراضات وترددت كثيراً في الإعلام الأمريكي..! فماذا كان رد فعل الوكالة المسئولة عن مراقبة الأغذية والأدوية...؟

كان الردّ صادماً.. فبدلاً من أن تندفع لفتح معركة لحماية الإنسان الأمريكي المستهلك كما فعلت في حملتها ضد الأطعمة الصحية الطازجة والفيتامينات التي قيّدت استخدامها بشروط وكميات محدّدة وحرّمت بعضها تحريماً مطلقاً.. بدلا من ذلك تراخت وأهملت النقد.. وبهذا الموقف السلبي دعّمت الوضع الراهن.. وستجد أن الوكالة في كلتا الحالتين الدعم أو الحظْر كان دائماً استجابة وتأكيداً لاحتكارات صناعة الأغذية والأدوية الكيميائية.. ذلك لأنها تعلم أن رفضها أو معارضتها لهذه الإضافات الضارة في الأطعمة المصنّعة يترتب عليها تدمير هذه الصناعة.. فلا الشركات بقادرة على الاستغناء عن هذه المواد ولا الناس مستعدّون للمخاطرة بصحتهم إذا وعوْا هذه الحقائق..

انظر إلى تصريح لأحد كبار موظفي الوكالة نعرضه كعيّنة تبرز حقيقة الاستهانة والاستخفاف بعقول الناس وصحتهم يقول: "الفروق بين الأطعمة المصنّعة والأطعمة الطبيعية الطازجة فروق طفيفة.." وكالعادة يستند إلى نتائج أبحاث علمية يصعب التحقق من صحتها.. ثم يضيف ببجاحة فيقول: ".. كما أن المخصّبات الكيماوية لا تسمّم أرضنا الزراعية كما يزعم البعض.. فهذه المخصّبات الحديثة مطلوبة لإنتاج غذاء كافٍ لشعبنا.. أما المبيدات الحشرية فإنها وإن تركت بعض الآثار على المحاصيل الغذائية فإن الوكالة تؤمن أن كمية هذه الآثار تظل في حدود المأمون بالنسبة لصحة المستهلك.. كما أن الفيتامينات المركّبة كيميائياً تفيد الصحة شأنها في ذلك شأن الفيتامينات التي تأتي من مصادر طبيعية..".

(2)

وفي نوفمبر 1971 أصدرت الوكالة نشرة خاصة عن تعريف الغشّ والشعوذة تقول فيها: "يجمع مصطلح الشعوذة كُلاَّ من الناس والمنتجات.. وبصفة عامة فإن الشعوذة تنطوي على معلومات خاطئة عن الصحة".. وهنا نسأل: هل ما تسمح به معايير الوكالة من هرمونات وقذارات في الأطعمة.. وحديثها عن السماد الكيمائي والمبيدات الحشرية وعن الفيتامينات المركّبة كيماوياً من قبيل المعلومات الطبية الصحيحة..!؟ من ناحية أخرى نجد أن قاموس أكسفورد العالمي يحدّد المشعوذ بأنه الشخص الذي يقدّم معلومات عن موضوعات يجهلها..." ويعلق جي إدوارد جريفين على ذلك بقوله: " بأي واحد من هذين التعريفين ستجد أن المتحدث باسم الوكالة المحترمة هو أكبر مشعوذ في العالم.. وإذا مضينا خطوة أبعد في هذا الاتجاه يمكن أن نقول: يوجد فارق هام بين المشعوذ والدّجال.. فالمشعوذ يمكن اعتباره في بعض الأحيان شخصاً أميناً.. ذلك إذا كان يعتقد فعلاً أنه بكلامه يساعد مريضه على الشفاء.. أما الدجّال فهو يعلم أن الأدوية التي يقدّمها أو يوصي بها لا تؤدي إلى علاج أو شفاء، ومن ثمَّ يمكن أن يوصف شخص ما بأنه مشعوذ أو دجال ولكن من المحتمل أيضاً أن يكون الشخص مشعوذاً ودجّالاً في نفس الوقت، ويبدو أن المتحدث الرسمي للوكالة يتمتع بالصفتين معاً.

(3)

سنة 1960 جرى تحقيق في الكونجرس الأمريكي.. وكان تحقيقاً مشهوراً في ذلك الوقت.. موضوعه تقارير صحفية عن تلقَّي القيادات الكبرى في الوكالة هدايا كبيرة من الشركات التي كان من المفترض أنهم (بحكم عملهم وواجباتهم) يقومون بالرقابة عليها.. ومن أمثلة ذلك: دكتور هنري ولْش مدير قسم المضادّات الحيوية في الوكالة الذي تلقّى رشوة قدرها 287 ألف دولار.. في حفلات تكريم مشبوهة، وكان رؤساؤه يعلمون ذلك ولكنهم أغمضوا أعينهم في بادئ الأمر.. فلما فاحت رائحة الرشوة خارج نطاق الوكالة.. وبدأت الصحافة تنشر عنها معلومات مفصّلة وتأكدت التهمة في تحقيقات الكونجرس طلبوا إليه تقديم استقالته..

(4)

قبل ذلك في سنة 1940 كانت قد تفجّرت فضيحة أكبر تبيّن فيها أن هدف الوكالة ليس هو حماية الشعب الأمريكي كما تدّعي ولكن حماية الكارتلاّت.. ففي ذلك الوقت كانت مصانع (وِنْثروب) للكيماويات تحت هجوم صحفي عاتٍ لتصديرها أربعمائة ألف قرص عليها عنوان (سلفا ثيازول) ولكن وُجد بكل قرص خمس حبّات من عقار (لومينال) كانت الحبة الواحدة منها تؤدي إلى نوم المتعاطي إلى الأبد.. وتبين بالفعل أنها تسبّبت في موت 17 ضحية في مناطق مختلفة بالولايات المتحدة. ومع ذلك لم تسارع الشركة بإخطار الجمهور مباشرة بالخطورة المحقّقة من تعاطي هذه الأقراص.. وبدلاً من ذلك استدعت رصيدها من الأصدقاء في الجمعية الأمريكية للأطباء وفي مجلس الدواء والكيماويات لتعزيز موقفها.. وبذلك زاد أعداد الضحايا وتفاقمت المشكلة.. وكانت الوكالة متعاطفة مع شركة ونْثروب وداعمة لها على طول الخط.. مستخدمة سلطاتها الإدارية.. فمثلاً دكتور كِلمْب Klump مدير قسم العقاقير ودكتور كامْبل مدير الوكالة نفسه ماطلا في تقديم الشركة للمحاكمة على مسئوليتها عن الضحايا الذين فقدوا حياتهم بسبب تناول العقار.. وعلّقت الوكالة وقف شحن السفينة لمدة ثلاثة أشهر حتى غرقت السوق بمبيعات الشركة، فلما أصدرت الوكالة قرارها بالإيقاف كان قراراً مفرّغاً من المعنى والفاعلية.. ونال دكتور كلمب جائزته كاملة حيث قبل أولاً وظيفة الأمين العام لمجلس إدارة العقاقير والكيمياء ثم أصبح رئيساً لمجلس إدارة شركة ونثروب.

(5)

بعد ذلك ببضع سنوات ظهر مضاد حيوي باسم "كلورمفنيكول" من إنتاج وتوزيع شركة (بارك ديفز).. واكتسب شهرة عالمية مهولة.. ثم ظهرت تقارير طبية تؤكد أن هذا العقار كان مسئولاً عن تسمم دموي ولوكيميا.. كما أنه تسبب في العديد من حالات الموت بأنيميا (A plastic).. كان الرجل الذي مُفترض فيه أن يأمر شركة بارك ديفز بسحب هذا العقار القاتل من السوق هو دكتور "جوزيف سادوشك" ولكنه بدلاً من توجيه سلطته ضد الشركة وقف في وجه سحبه من السوق.. بل منع صدور قرار بوضع (ليبل) على الدواء يحذّر من مخاطره.. وأخيراً في سنة 1969 بعد أن حققت الشركة ملايين الدولارات من مبيعات هذا العقار وبعد أن توصّلت إلى إنتاج بديل عنه يحل محله.. كل ما فعلته (باسترخاء شديد) أن أرسلت نشرةً للصيدليات تقول: إن "كلورمفينيكول" لم يعد بالضرورة الاختيار الفعّال لأي إصابة مكروبية...!"

بعد ذلك خرج الحليف المخلص دكتور "جوزيف سادوسك" من الوكالة ليعمل أستاذاً في جامعة جون هوبكنز، وفي خلال عام واحد جاءته جائزته الكبرى ليُعيّن نائباً لمدير شركة بارك ديفز.. وعيُن مكانه في الوكالة مديران آخران سرعان ما تركا الوكالة لوظائف على نفس المستوى من الأهمية والمرتّب في شركات أدوية بالولايات المتحدة الأمريكية..!

ومن خريجي هذه الوكالة المباركة شخصيات محظوظة أخرى مثل: دكتور "هوارد كوهين" الذي ذهب إلى مركز رفيع في شركة سيبا للصناعات الدوائية ودكتور "هارولد أندرسون" الذي ذهب إلى معامل وينْثروب، "وموريس ياكوويتز".. وكذلك "ألين رايفيلد" الذي أصبح مستشاراً لإحدى شركات الأدوية الكبرى...!

وفي سنة 1964 وتحت ضغوط من الكونجرس اضطرت الوكالة لإصدار قائمة بأسماء موظفيها الذين سبق لهم العمل في الوكالة ثم تركوها للالتحاق بوظائف في الشركات الصناعية الخاصة.. وقد تبين من تحليل هذه القوائم أن 83 من أصحابها البالغ عددهم 813 موظفاً (أي بنسبة أكثر من 10% منهم) قد تقلّدوا مناصب في شركات كانت في الماضي تحت رقابتهم وإشرافهم.. وكان هؤلاء هم الذين يتخذون القرارات الهامة في الوكالة، وهم الذين يصدرون توجيهاتهم الرسمية إلى الشركات.. وعندما كانوا على رأس وظائفهم في الوكالة أتيحت لهم الفرصة للاطلاع على معلومات متعلقة بالبحوث العلمية لشركات أخرى وعلى العمليات الصناعية المختلفة فيها، وعندما ذهبوا للعمل في واحدة منها كان في الذهن دائماً أن المعلومات التي في حوزتهم عن إنتاج هذه الشركات الأخرى لها قيمتها في تطوير عمل الشركة التي انتقلوا إليها.. وعلى ذلك كانت الشركة مستفيدة دائماً من سيادة الموظف الكبير وهو داخل الوكالة أو خارجها...!

هنا يجب أن يلفت نظرنا بشدة الطريقة العبقرية التي تستغل بها شركات الأدوية السلطات البيروقراطية الحكومية وتسخيرها في خدمة مصالحها الاحتكارية وتعظيم مكاسبها على حساب مصلحة المواطنين وصحتهم.. وعلى الأخص تسخير الحكومات في القضاء على المنافسة في مجال الصناعات الدوائية.. وهكذا.. حتى في البلاد التي يبدو لنا أن الناس يختارون حكوماتهم بأصواتهم الحرة عبر صناديق الانتخابات لا تعمل هذه الحكومات لمصالح هؤلاء المواطنين وترعاها وإنما لمصالح الاحتكارات والقضاء على المنافسة الشريفة فما بالك بدولنا التي آخر ما تحترمه صناديق الاقتراع وآخر ما تُعنى به مصالح مواطنيها أو صحتهم...! نعم.. في هذه النقطة بالذات حيث تلتحم مصلحة السلطة مع مصلحة أصحاب الشركات الاحتكارية لم أجد فارقاً كبيراً بين حكومة ديمقراطية وحكومة فاشية إلا في الدرجة وفي القدر المطلوب لعملية الإخفاء والتمويه على الجماهير...! ففي الديمقراطية الأمريكية وقد أطلقتُ عليها (الفاشية الناعمة) يتطلب الأمر كثيراً من الدهاء والكياسة والنعومة في التعامل مع الجماهير، أما في الفاشية الغليظة فإننا نرى حكومات تتمتع بكثير من البجاحة والاستخفاف وبلادة الحس.. وكثيراً ما تلجأ إلى استفزاز المشاعر والقمع بلا حساب...!

ولنا وقفة أخرى مع هذه الوكالة إن شاء الله...

Eng.Jordan
04-25-2012, 02:36 PM
(1)


لا أذكر على وجه الدقة من قائل هذه العبارة التي وجدتها مدونة عندي في بعض مسودات بين أوراقي يقول صاحبها: إذا خرجت حكومة ما عن دائرة وظيفتها المبدئية في حماية حياة مواطنيها و***** حرّياتهم وممتلكاتهم.. وفرّطت في ثروة الأمة لصالح الأغنياء والأجانب فستقع لا محالة في أيدي قوى مستغلة تدفع الحكومة إلى تقنين عمليات النهب لصالح هذه القوى..!.

(2) وكالة الأغذية والأدوية:

في ظل هذا المعنى ظهرت وكالة الأغذية والأدوية الأمريكية التي يرجع تاريخ نشأتها إلى سنة 1906 بعد حملة قومية كبرى كان وراءها شخصية قوية باسْم "هارفي واشنطون وايلي" من رجال روكفلر، استطاع أن يدفع الحكومة للتدخل في مراقبة صناعة الأغذية والأدوية وتولى هو مركز أول رئيس لهذه الوكالة.. نأتي بعد ذلك إلى عجائب ممارسات هذه الوكالة في مراقبة الصناعات الغذائية والدوائية:

أول مثال نذكره وربما أشهر الأمثلة في زمنه: أن إحدى شركات الأدوية طرحت في السوق مضاد حيوي باسْم "إلِكْزير أوف سلفا نيلامايد" Elixir of Sulfanilamide.. وقد تم اختبار المركب الكيميائي من حيث مظهره الخارجي وطعمه ورائحته فقط..! ولكن الوكالة المحترمة لم تعبأ بإجراء اختبارات الأمان من ناحية الاستخدام الآدمي.. وإنما حولت للشركة المنتجة مهمة أن تقوم هي بالتأكّد من صلاحية أي مركب دوائي جديد للاستخدام الآدمي.. ثم تقدم تقريرها للوكالة فتسمح لها بعرضه في الأسواق مباشرة للتداول.. وكانت نتيجة استعمال هذا العقار على نطاق واسع مأساوية.. وعلى ذلك رأت الحكومة الأمريكية أن علاج هذا الخلل هو أن تتوسع في منح الوكالة صلاحيات أكبر من أهمها أن تقوم بسحب أي دواء من السوق ترى أنه غير صالح للاستخدام.. فماذا كانت النتيجة من واقع الممارسات العملية...؟

كانت النتيجة كارثية فإن بعض العقاقير التي سُمح ببقائها على رفوف الصيدليات وكذلك البعض الذي سُحب منها لم يكن على أساس أي بحث علمي على الإطلاق.. وفي هذا الصدد نشرت مجلة العلوم Science Magazine كلاماً تقرر فيه أن وكالة الأغذية والأدوية ليست بالمكان السعيد الذي يمكن أن يعمل فيه العلماء، فقد أبدى الكثير منهم تأفّفاً شديداً من تدخّل قيادات الوكالة في أبحاثهم ووضع العقبات في طريقهم.. خصوصاً في مشروعات الأبحاث طويلة المدى خوفاً من أن تأتي النتائج بحقائق تحرج الوكالة أمام شركات الأدوية.. كما انتقدوا الوكالة في مواقفها غير المبرّرة من معاقبة العلماء الذين يعارضون مواقفها...

(3)عقار ثاليدومايد Thalidomide:

اشتهر هذا العقار في أوائل الستينات من القرن العشرين، و ظهرت بعد ذلك حالات كثيرة من المواليد المشوهين ممن تعاطت أمهاتهن الثاليدومايد أثناء الحمل.. وقد أعطى القانون الجديد الوكالة سلطة سحب مثل هذه العقاقير وتدميرها حيث أعلنت أنه غير فعّال.. ولكنها تراخت في اتخاذ أي إجراء لمواجهة خطره خصوصاً أنه كان قليل الاستخدام في الولايات المتحدة.. وإن انتشر استخدامه في البلاد الأخرى مثل أستراليا.. وقد كنت حاضراً هناك في (السبعينات من القرن العشرين) ورأيت ضحايا الثاليدومايد أطفالاً مشوهين على شاشات التلفزة.. رفعت أمهاتهم قضايا أمام المحاكم على شركة الأدوية المنتجة للعقار.. النقطة الجوهرية هنا هي أن الأضرار التي نتجت عن هذا العقار لم يكن سببها أنه غير فعال فقط كما وصفته الوكالة ولكن لأنها لم تؤدَّ واجبها لإثبات استخدامه الآمن فلم تقم بإجراء أي بحوث أو اختبارات حقيقية.. معتمدة فقط على تقارير معامل الشركة المنتجة..

ومما يؤكد تواطؤها مع الشركة علمها بأن آثار العقار لا تظهر إلا بعد فترة طويلة من تاريخ استخدامه.. أما حكاية أن العقار فعّال أو غير فعال فالوحيد الذي يستطيع أن يقرر ذلك بيقين هو المريض الذي يتعاطى العقار.. والمهمة التضامنية بين الوكالة والشركات فهي البحث والفحص والتقرير بأن العقار ضار أو غير ضار بصحة الإنسان.. بمعنى أنه لا يحتوي على عناصر كيميائية ضارة وأن الكميات الموجودة نسبها فيه آمنة.. ولأن الوكالة تقاعست عن أداء هذا الواجب تعرضت لانتقادات شديدة واتهّمت بالفساد الضارب في أطنابها.. هذا الفساد كما يؤكد (جريفين) كان السبب في وفاة الملايين.. عندما منعت وجود واستخدام فيتامين بي 17 في الولايات المتحدة بدون مبرر علمي أو بحث موضوعي وإنما تحت ضغوط شركات الأدوية التي تحتكر صناعية أدوية علاج السرطان.. يقول (جريفين): لا شك أن هناك كثير من الشرفاء في وكالة الأغذية والأدوية ولكن هؤلاء موظفون صغار لا يملكون التأثير على سياسة الوكالة.. فالقادة الكبار فقط هم أصحاب الرأي والقرار وهم المستفيدون من توجيه سياسة الوكالة.. وهم الذين يلعبون لعبة السياسة على حساب الحقيقة العلمية في معظم قراراتهم وأنشطتهم.

في صورة كاريكاتيرية ساخرة ولكنها صادقة يتناول (إدوارد دي جرينفيلد) موقف وكالة الأغذية والأدوية عندما يتبيّن لها وجود عقار في السوق ينبغي سحبه من الصيدليات فإن الوكالة تستدعي الصحافة والإعلام للتصوير والترويج للحدث الهام.. وتتعلق أنظار الجمهور بالحدث البطوليّ الجلل الذي ستقوم به الوكالة من أجل حماية صحة المواطنين، ثم تذهب إلى صيدلية صغيرة ليفتش رجالها رفوفها ويجمعون علب العقار الممنوع تداوله تحت عدسات التصوير، ويأخذ الصحفيون أقوال قائد الحملة لنشره على أوسع نطاق، ثم يتابع قائلاً: إن رجال الوكالة يتجنبون الصيدليات الكبرى ومخازن شركة الدواء الممنوع.. لماذا؟ والإجابة عنده أنها تمهل الكبار وتمنحهم الوقت والفرصة لتوزيع الدواء أو التخلص منه على مهل.. إنها تبادر بالإجراءات الفورية القاسية مع الدكاكين الصغيرة لأن الصغار لا يملكون السلطة ولا المال للاعتراض في المحاكم.. حيث تكاليف القضاء باهظة، فالوكالة مستعدة وقادرة فقط على قمع الصغار من أصحاب الأعمال وتدويخهم في المحاكم وتعريض أعمالهم للإفلاس، أما الكبار فلا تملك المساس بهم..

وفي هذا يقول عمر جاريسون (Omar Garrison) كلاماً لا يحدث عادة إلا في الدول القمعية من العالم الثالث: "من القضايا التي انخرطت فيها وكالة الأغذية والأدوية وكانت مدمّرة لصاحب القضية.. ولكنها بدت في أول الأمر وكأنها ستنقلب على الحكومة بالخسارة.. هنا كشّر واحد من كبار موظفي الوكالة أنيابه وهدّد موكّل صاحب القضية قال له: إذا خسرنا هذه القضية فسوف نخرج لكم قانوناً آخر يدينكم ولن تفلتوا منا عندئذ...!.. ولم يكن هذا التهديد في الهواء" يقول جاريسون متابعاً حديثه: هناك أدلة كثيرة في قضايا من هذا النوع تمكنت الوكالة بأساليبها في تمطيط القضايا والدفع والاستشكالات المتجدّدة من تحطيم خصومها ودفعهم إلى حافة اليأس والإفلاس.. وإذا حدث وظل الخصم يتحدى الوكالة وقراراتها فعليه أن يتوقع منها مزيداً من الغضب وأن يظل هدفاً متصلاً للاضطهاد.. وهذه عينة من ألوان الاضطهاد: يجد الضحية في اليوم التالي رجال الضرائب يطرقون بابه ويحاولون الوصول إلى أخطاء ما في ملفّاته المالية.. وإذا باع مُنتجاً فسيجد على أكتافه المفتش التجاري يسائله.. وإذا قام بالإعلان عن مُنتج ما اتصلت الوكالة بالراديو والتلفاز لتهديدهما بأنهما معرضان بهذا الإعلان المشبوه إلى المساءلات القانونية.. وهكذا تمضي سلسلة المواجهات وتشويه السمعة حتى تنهار الضحية..

ملاحظة هامة:

ظن بعض القراء أن لديّ حلولاً أو إجابات على استفسارات مثل: ماذا يفعلون لتجنيب أطفالهم مخاطر التطعيم؟؟ إلى غير ذلك من استفسارات.. وأود أن أقرر هنا أنني أعتبر نفسي مجرد باحث مجتهد رأيت أخطاراً تحيط بالأمة، أخطاراً حقيقية تساندها شواهد وأدلة، وأردت بما كتبت وأكتب أن أنبه المخلصين من أبناء هذه الأمة المستباحة إلى ضرورة الفحص والتدقيق في اللقاحات والأدوية التي ترد إلينا من الخارج والتأكد من سلامتها قبل استخدامها.. وامتلاك الأجهزة والأدوات اللازمة والمهارات التقنية المناسبة لإجراء هذه الفحوص.. حتى يأتي الوقت الذي نستغني فيه عن هذه المواد المستوردة الملوثة، بعلاجات ننتجها نحن بعقولنا وأيدينا وفي مصانعنا.. وإذا كنتُ قد تحدثتًًُ عن فيتامين بي 17 كعلاج بديل للسرطان فأنا لم أقصد الترويج لدواء معين دون دواء آخر. وإنما أقصد دعوة الأطباء المخلصين المؤمنين أن ينظروا في الطبيعة التي خلق الله فيها دواء لكل داء.. وأضعف الإيمان أن يحاولوا تجريب فيتامين بي17 في علاج السرطان.. وهو دواء اكتشفه إخوان لهم في أمريكا وجربوه في سبعينات القرن العشرين على آلاف المرضى فنجحوا في العلاج.. ولذلك انقضّت عليهم شركات الأدوية واستعانت بأجهزة الدولة للقضاء عليهم فسحبت منهم تراخيص مزاولة المهنة الطبية وأغلقت عياداتهم ومستشفياتهم وقدمتهم إلى المحاكم ووضعت بعضهم في المعتقلات..

عرفت قصّتهم وتعاطفت معهم وكتبت عن تجربتهم وصمودهم أمام البغي وأمام الحملات الإعلامية المأجورة.. وحاولت أن أنزع هالات القداسة الزائفة عن وجه مؤسسات ضالعة في خدمة المصالح الاحتكارية لشركات الأدوية مثل منظمة الصحة العالمية والجمعية الطبية الأمريكية ووكالة الأغذية والأدوية الأمريكية وجمعية السرطان الأمريكية، شاركت جميعها في الحملة الظالمة على أطباء العلاجات الطبيعية البديلة لمرض السرطان..

أنا ليس هدفي إذن أن أصف علاجاً ولا من شأني أن أقدّم نصيحة طبية ما.. ولقد فوجئت مساء الأربعاء 8 أكتوبر الجاري بأحمد منصور يقدم في برنامجه الشهير (بلا حدود) واحداً من أشهر الأطباء الأمريكيين متخصص في اللقاحات والأمصال يحذر من لقاح أنفلونزا الخنازير بصفة خاصة ويضع كل التطعيمات في دائرة الشك.. ويرى أن هذا المرض الخنزيري يمكن الوقاية منه بعلاجات طبيعية بديلة.. ويمكن للقارئ أن يطّلع على هذا اللقاء في قناة الجزيرة على شبكة الإنترنت..

وقد علمت أيضاً أن خبراء آخرين في العلاج الطبيعي ينصحون من يضطر إلى التطعيم اضطراراً أن يتحصن بجرعة مركزة من فيتامين سي لا تقل عن ثلاثة جرامات قبل التطعيم ومثلها بعد التطعيم.. وأن يحافظ على جرعة أقل بعد ذلك يومياً لمدة أسبوع أو أسبوعين.. فإن (فيتامين سي) يقلل من التأثيرات الضارة للتطعيم.. وهم يشترطون ألا يُؤْخذ فيتامين سي على معدة خالية من الطعام..

ولكن إذا أصر القراء على معرفة موقفي الشخصي مثلاً من التطعيم بصفة عامة فأنا لا أقترب منه مطلقاً منذ عرفت احتمالات مخاطره.. ولا أنصح به أحداً ولا أشجع أحداً عليه... كما أنني أفضل الموت على العلاج بالبتر والحرق بالأشعة أوالتسمّم بالكيماوي.. ورحم الله صديقي الحميم أحمد رمزي سليمان الذي عانى ما عانى من هذه العلاجات الوحشية قبل وفاته.. وكذا صديقي الراحل دكتور عبد الوهاب المسيري الذي ظل متماسكاً شامخاً رغم ما كان يعانيه من آلام المرض والنفقات الباهظة حتى آخر لحظة في حياته.. أما صديقي ورفيق عمري في الدراسة منذ المدرسة الابتدائية الدكتور رشاد قاسم الأستاذ السابق بكلية الطب جامعة الأزهر.. و كان قد أمضى فترة تدريب وهو نائب في القصر العيني في قسم جراحة السرطان في أوائل الستينات من القرن الماضي.. أذكر أنه قال لي: لو حدث وأصبت بهذا المرض فإنني أتمنى على الله أن يقبض روحي ولا أتعرض لهذه الجراحات البشعة.. ويشاء الله وهو في قمة نجاحه العلمي والأكاديمي أن يدخل العناية المركزة وهو لم يكد يبلغ من العمر سبعة وثلاثين عاماً.. فلما تبين له أن إصابته في الكبد خطيرة استسلم لإرادة الله وتهيّأ للقاء ربه.. وقال لهم: أخرجوني من العناية المركزة فلعل هناك مريض آخر هو أولى مني بهذا المكان.. يرحمك الله يا أخي ******.. بعد ستة وثلاثين عاماً تنساب دموعي كلما تذكرتك وتذكرت هذا الموقف الإنساني النبيل في أحرج لحظة من لحظات حياتك...

Eng.Jordan
04-25-2012, 02:39 PM
(1)

ما زال الحديث متّصلاً عن الوكالة الأمريكية للأغذية والأدوية في محاولة للكشف عن دورها الحقيقي في خدمة مصالح شركات الأدوية، لا مصالح الشعب الأمريكي كما تزعم.. ومن أخطر نتائج هذا الدور لعبها السياسي على حساب الحقيقة العلمية.. ويتجلى هذا واضحاً في معظم قراراتها وأنشطتها.. وقد رأينا في حلقة سابقة كيف تلاحق الوكالة خصومها الضعفاء بالاتهامات الزائفة والملاحقات القانونية والمحاكمات المصحوبة بحملات إعلامية حتى تلتصق بهم التهم والشبهات في أذهان الجماهير، ويصبح الواحد منهم موصوماً بسوء السمعة حتى بعد أن يُبرئه القضاء.. نعم سيخرج من المحكمة بريئاً ولكنه سيخرج مُفلساً منهاراً تماماً لا أمل له في استعادة سمعته وبراءته في نظر الجماهير...
(2)
نموذج عملي يتمثّل في حالة مسز ويلْش في الإعلام: كل جريمة هذه السيدة أنها كانت تملك فندقاً صغيراً على حدود المكسيك حيث كان يأتي إليه الأمريكيون من مرضى السرطان اليائسين من العلاجات التقليدية التماساً للعلاج في المكسيك عند أطباء يستخدمون فيتامين بي 17 كعلاج بديل.. فماذا فعل الإعلام بها..؟ أخذت الصحف كلها القصة كما روتها وكالة الأغذية والأدوية بتفاصيلها.. ولم يفكر أحد من الصحفيين للاتصال بالمتهمة لمعرفة الحقيقة منها وعرضها على الجماهير بل تم تغييبها عن أنظار الجماهير، وبرزت صحيفة "نيويورك تايمز" بعناوين صارخة: "القبض على عصابة عيادة السرطان في كاليفورنيا"..!! خبر مهول جعل الجمهور يعتقد أن الوكالة اليقظة قد جرّدت حملة هائلة وجريئة على عصابة من أخطر مجرمي القرن العشرين.. عصابة تقوم بتهريب عقارات محرّمة ومخدّرات إلى البلاد.. وأخذ جمهور القراء يعبّر عن أسفه وحزنه على الأبرياء التعساء من ضحايا السرطان اليائسين من العلاج الذين وقعوا فريسة للعصابة الإجرامية..
يقول الخبر المنشور: اتجه رجال الوكالة في كاليفورنيا هذا الأسبوع لتدمير [ما أسموه] قطار الأنفاق المظلمة الذي يتعامل أصحابه في تجارة سرية لنقل ضحايا السرطان الأمريكيين إلى المكسيك للعلاج بعقار محظور في الولايات المتحدة وكندا.. وقد وُجّهت تهمة التآمر الإجرامي والغش ضد السيدة ماري وينْشل التي جعلت من منزلها مأوى لمرضى السرطان يفدُون إليه من أنحاء الولايات المتحدة في طريقهم إلى المكسيك طلباً لعلاج غريب هناك يصفونه بأنه علاج مدهش.. ويمضي الخبر ليزعم بأن دولة المكسيك تراجع الآن أوضاع العيادات والمستشفيات التي أقيمت فيها لعلاج السرطان بأدوية بديلة,,". (المصدر نيويورك تايمز عدد 28 فبراير 1971).. تسأل الصحفية ضابط بوليس وهو بطبيعة الحال لا يفهم في الطب ولا في الأدوية ولكنه أخذ مزاعم وكالة الأغذية والأدوية مأخذ التصديق بلا مناقشة.. تسأله عن أسرار العملية فيقول: "إن من يتعاملون في هذا العقار المحظور لا يقلّون إجراماً عن بائعي ومروّجي الهيروين".. ويصبح هذا الكلام على لسان رجل الشرطة الكبير مصدراً آخر لمعلومات موثوق بها عن جريمة بشعة تتداولها الصحف في أنحاء البلاد...!!
والخبر التالي المنشور في "سيتل بوست إنتليجانس" نموذج آخر من هذه النماذج الغبية يقول: " على الأقل هناك خمسة من مواطني واشنطون، بينهم طبيبان مشتبه في صلتهم ببيع عقار محظور لعلاج السرطان يعرف باسم لاترايل (وهو الاسم التجاري لفيتامين بي 17).. وبعد بحث استمر شهراً كاملاً قام به رجال الشرطة صرحوا أمس بأنهم قد أمسكوا بخيوط أكبر عملية بيع أدوية مهرّبة لشبكة إجرامية منتشرة في الولايات المتحدة.. وطبقاً لكلام "بلْ إليس" رئيس فريق البحث الجنائي أن هناك دافعان وراء هذه العملية أولهما: أن بعض الناس يعتقدون أن العقار فعال في علاج أو إيقاف نمو السرطان ولكننا لا نستبعد دافع الكسب المالي، فهناك أموال كثيرة تُدفع للحصول على هذا العقار من السوق السوداء.. وهناك أدلة على أن المرضى مفروض عليهم أن يستخدموا هذا العقار مدى الحياة.. كذلك يعتقد رجال المباحث أن هناك احتمال أن الذين يروّجون لعقار "لاترايل" من أجل الكسب المادي يتخذونه غطاء للترويج لمخدّرات مستوردة بما في ذلك الهيروين.. ذلك أنه إذا كان الشخص يستطيع أن يهرّب بنجاح دواءً محظوراً في الولايات المتحدة بكميات كبيرة.. فما الذي يمنعه أن ينوّع في المواد التي يقوم بتهريبها...؟! تتفشّى هذه التكهّنات في الإعلام المقروء والمشاهد بلا تحفظ رغم أن التحقيقات التي أجريت على مدى شهر كامل لم يشر فيها إلى شذرة واحدة من المعلومات إلى احتمال تهريب مخدّرات على الإطلاق.. علماً بأن كل ما تجمع من شهادات الشهود يفيد بأن حقنة اللاترايل كانت تباع بثمن زهيد لم يزد عن عشرة إلى خمسة عشر سنْت فقط.. ولا يمكن أن تصنع هذه السنتات ثروة بأي معنى من المعاني.. وفي هذا يقول جى. إدوارد جريفين: "في وقت ظهور هذه الاتهامات سنة 1974، كان أجر الطبيب على حقْن جرام من عقار لاترايل لا يزيد عن أربعة دولارات وكانت هذه أرخص حقنة في كل عيادات الأطباء آنذاك.. ولم يحدث ارتفاع في سعر العقار إلا بعد أن صدرت قرارات الحكومة بحظره فأصبح يباع في السوق السوداء. ولو أنه كان يُنتج بحرية في أمريكا لانخفض سعره إلى الثلث تقريباً".
(3)
تكاليف العلاج في المكسيك: يقول الدكتور "كونتريرا" مدير مستشفى الأمل (في المكسيك) لعلاج السرطان بأدوية بديلة: إن أجر الطبيب في الزيارة الأولى عشرة دولارات وفي الزيارات التالية سبعة دولارات.. ويتكلف حقن الدواء لكل جرام ثلاثة دولارات فقط.. [ وفي سبعينات القرن الماضي] لم تزد تكاليف العلاج الكلّية عن سبعمائة إلى ألف دولار.. ولكن لأن معظم مرضاه كانوا يأتون إليه من خارج المكسيك يُضاف إلى هذه التكاليف أجرة الإقامة والوَجَبَات...
(4)
كيف تُدار البرامج المتلفزة للهجوم على العلاج البديل:
اتفق مجموعة من الأطباء المؤيدين لعلاج السرطان بـ (لاترايل) مع دكتور "ويلر ستاين" لعقد مقارنة بين العلاج التقليدي والبديل.. وبدأ يستعرض الفرق في التكاليف بين النوعين المختلفين.. وكان العلاج التقليدي لمرحلة واحدة يتكلف في ذلك الوقت ثلاثة عشر ألف دولار وكان العلاج (في أوائل السبعينات من القرن الماضي) لا يزال متخلفاً ولا يعطي نتائج ذات قيمة بينما وُجد في ذلك الوقت إلى جانبه علاج آخر متاح (لم يكن محظوراً في ذلك الوقت) أكثر فاعلية وأقل تكلفة.
وفي برنامج آخر إذاعي قام (إدْ ديلاني) في 2 مارس 1972 بعقد مقارنة بين مرضى العلاج التقليدي ومرضى العلاج البديل.. وبدأ في الظاهر محايداً وموضوعياً ولكن كان هناك تلاعب اتضح فيما بعد في اختيار الأشخاص الذين كانوا يمثلون كل عينة.. كما اتضح أن هناك أدواراً مرسومة تحدّد فيها من يقول ماذا؟ أما بالنسبة لعينة العلاج البديل فقد تم اختيارهم من بين أناس فقراء لا يجيدون الحديث باللغة الإنجليزية فلم يستطيعوا التعبير عما استفادوه بالعلاج البديل لركاكة اللغة وضعف الشخصية وبالتالي سوء التعبير. ثم تلا ذلك مقابلة محبوكة مع دكتور "جيسي ستاينفيلد" كبير الجراحين في الولايات المتحدة ومعه عدد من كبار الأطباء، ودكتور "تشارلز إدواردز" رئيس الوكالة. وطبعاً كانت النتيجة النهائية أن لايترايل ربما يبدو جميلاً من الناحية النظرية لأنه ليس فيه جراحة ولا آلام ولكنه علاج لا يؤدي إلى الشفاء من السرطان.. وأصيب فريق الأطباء من الطرف الآخر الذين بذلوا جهوداً كبيرة لإنجاح البرنامج على أساس أن يُعطوا فرصة متساوية للتعبير عن وجهة نظرهم.. ولكن غُدر بهم ومُنعوا من الإدلاء برأيهم من أول البرنامج إلى آخره.. لقد تحملوا من الفريق الآخر اتهامات متلاحقة وسمعوا بآذانهم أوصافاً بذيئة بأنهم كلاب وغشاشون، ثم انتهى وقت البرنامج فجأة دون أدنى فرصة للدفاع عن أنفسهم.. وهكذا انتهى المسلسل بتأكيد الهدف الذي رسم له وهو برمجة المشاهدين والمستمعين ضد العلاج البديل وأصحابه...
وفي فيلم آخر بعنوان رحلة في الظلام أعدته جمعية السرطان الأمريكية (acr) يعقد مقارنة بين مجموعة أخذت بنصيحة طبيبهم ومجموعة أخرى لم تقبل النصيحة وذهبت تجرّب علاجات فاشلة باللاتيرايل وكانت النتيجة صحة وحيوية عند مجموعة العلاج التقليدي وعذاب وضياع للذين جربوا العلاجات البديلة.. ولكن تأتي المفاجأة خارج الفيلم الخيالي المفبرك فقد مرض الممثل "روبرت رايان" بطل الفيلم المذكور.. سقط ضحية دعايته هو.. فمات بالسرطان في يوليه 1973 بعد عذابه من علاج مكثّف بالكوبالت ثم ماتت زوجته بنفس المرض بعد عذاب أليم...!
(5)
أسلحة أخرى في جعبة وكالة الأغذية والأدوية:
من هذه الأسلحة تهديد وابتزاز العيادات التي رفضت الخضوع رغم تأثير الرأي العام الذي تمّت برمجته.. وعمليات اضطهاد.. ووقف نشر وتوزيع أي مواد إعلانية للتعريف بالعلاج البديل بما في ذلك الكتب والكتيّبات مثل كتاب دكتور "وليام كيلي" (جواب واحد للسرطان) لمجرد أنه أوصى بنظام غذائي لعلاج السرطان بدلاً من العلاجات التقليدية.. وجاء حكم المحكمة مشتملاً على الحيثيات التالية: أن توزيع الكتاب ينطوي على خطر واضح على الرأي العام، وأن واجب الحكومة هو حماية صحة المواطنين ومصلحتهم، وهذا الواجب يتجاوز حقوق الطبيب في حرية الرأي والتعبير.. وانتهزت الوكالة صدور هذا الحكم وبدأت حملة لمصادرة الكتاب وإلقاء القبض على كُتّاب ومحاضرين في الصحة العامة لمجرد هذا الاتهام.. فإذا وصف أحدهم وصفة غذائية للتغلب على صداع بسيط فإنه بحكم القانون يُعتبر ممارساً لعلاج طبي بدون ترخيص رسمي، فإذا وصف فيتامين سي أو أي شيء آخر لمعالجة حالة خفيفة من البرد أو الزكام فإنه يكون ممارساً للعلاج الطبي بدون رخصة.. وإذا وصف الفاكهة أو غيرها من الأطعمة لمعالجة بعض الاضطرابات المعوية فهو يمارس الطب بلا ترخيص، فإذا اقترح أن المكونات الطبيعية الموجودة في الطعام الطبيعي يمكن أن تكون فعّالة في السيطرة على السرطان فبالتأكيد يكون ممارساً للطب بدون رخصة.. وكل هذه جرائم يعاقب عليها القانون..!
(6)
يعلّق جى. إدوارد جريفين فيقول: بالمقارنة إذا دعت شركة أدوية ممثلاً مشهوراً ليذهب إلى التلفاز (وهو بدون رخصة طبية) ليلقي على ملايين الناس أن أسبرين باير أفضل شيء في علاج الصداع أو أن أقراص فيكس أحسن علاج للبرد، أو أن دواء إكسلاكي أفضل علاج للإمساك فلن يرتفع حاجب الوكالة المحترمة استغراباً أو استنكاراً، ولن تقوم بأي عمل لوقف هذا الهراء الطبي"...
تعلم الوكالة أن عملها في مصادرة الكتب هو عمل من أعمال البربرية التاريخية في حرق الكتب، ومن ثم تحاول تبرير عملها بأنها لا تمنع الكتب لما فيها من أفكار، ولكن لأنها تُستخدم في الترويج لأنواع معينة من المنتجات.. فليس للوكالة أي سيطرة قانونية على الأفكار ولكن لها سيطرة قانونية على المنتجات الغذائية والدوائية.. ومن هذه الثغرة تسلل رجال الوكالة إلى القاعات لمراقبة المحاضرات ومنع المحاضرين والقبض عليهم بحجة ممارستهم للطب بدون ترخيص أو لأنهم يروّجون لسلعة محظورة..
ويمثل هذه الحالة واقعة حدثت لـ (بروس باتْ تَتْ) وهو شيخ مُسنّ قُبض عليه لمجرد أنه عرض فيلماً في (كارلس بنسلفانيا) يبين فوائد فيتامين بي17 في علاج السرطان.. وبعد محاكمة طويلة استغرقت عامين ونصف عام أسقطت المحكمة كل التهم الموجهة ضده ولكن بعد أن أنفق كل ما يملك في الدفاع عن نفسه وأصبح (على الحديدة) وبعد أن هدّته الدعايات الصحفية البذيئة واتهمته بأنه مخرّف ودجّال.. وهكذا ثبتت صورته إلى الأبد في عقول الجماهير.. وتستخدم الوكالة مكاتب البريد باعتبارها إدارة من إدارات الحكومة لمصادرة كل المطبوعات الصحية والإعلانات بحجة أنها ليست في مصلحة الشعب حيث يختم عليها بخاتم خاص عبارة (احتيال ونصب)..
(7)
اتهامات أخرى موجّهة إلى العلاج البديل:
أنه يحتوي على مواد سامة، وفي هذا يقول جريفين: الحقيقة أن كل المواد يمكن أن تكون سامة إذا أُخذت بكميات زائدة عن حاجة الجسم، وينطبق هذا على الأسبرين والسكر واللاترايل، وغاب عن الجميع أن الأدوية الكيميائية التقليدية في علاج السرطان ليست سامة فقط إذا أُخذت بكميات أكبر من الموصوفة، ولكنها سامة في أثرها المباشر بصرف النظر عن الكمية قليلة كانت أو كثيرة.. أحد خصائصها أنها سامة وعلى المريض الذي يتناولها أن يدفع ثمناً باهظاً من الآلام المروعة التي تترتب على استخدامها.. ومشكلة هذه الأدوية أنها لا تميّز بين الخلايا السليمة والخلايا السرطانية فتتجه إلى المريضة وتترك السليمة جانباً.. لا.. إنها تميز بين نوعين فقط من الخلايا: خلايا سريعة النمو وخلايا بطيئة النمو أو ضعيفة أو عديمة النموّ نهائياً.. فالخلايا سريعة الانقسام هي وحدها الهدف ومن ثم فإن الكيماوي يدمر كل الخلايا الحية الضرورية لحيوية للجسم فلا يفلت منه شيئاً.. فتسميم الجهاز الخلوي هدف جوهري لهذه الأدوية.. وينتج عن ذلك آلام أشد ومرض أشرس من المرض الأصلي نفسه، فالتوكسينات تدمر خلايا الدم وتسبب له التسمم.. وتظهر على المريض آثار التقلصات في المعدة والأمعاء مسببة القيء والإسهال وفقدان الشهية والمغص والإنهاك المستمر.. ولأن خلايا الشعر من نوع الخلايا سريعة النمو تموت ويسقط شعر المريض أثناء العلاج، والأعضاء التي تحتاج إلى النمو تتأثر بذلك وتستجيب بالعقم والضمور.. والحقيقة أن كل وظيفة حيوية في الجسم تضطرب.. مع آلام رهيبة تزلزل كيان المريض، حتى أن بعض المرضى يفضل الموت بالسرطان على أن يستمر في علاجه......
(8)
العجيب أن المعالجين بالكيماوي من أطباء وممرضين يأخذون كل احتياط ممكن حتى لا يتعرضوا هم أنفسهم لمخاطره وسمومه وإشعاعاته.. ولديهم تعليمات تحذرهم من تداول هذه الأدوية بأيديهم وتجنب ملامستها لأجسامهم.. ونصائح للمريض الخاضع للعلاج بعدم مخالطة أطفال الأسرة حتى لا يتأثرون بملامسة جسمه.. وفي تعليمات الأطباء ستجد 16 وسيلة وقائية للقائمين بالعلاج لوقاية الأنف والعينين والجلد من عبوّات هذه الأدوية.. وإجراءات للتخلص من الحقن والإبر وبقايا الأدوية كلها تحت عنوان (الفضلات الخطرة)، ثم حاول الآن بعد أن عرفت كل هذا أن تتصور أن هذه المواد تُحقن مباشرة إلى دم مريض السرطان المسكين.. يقول جريفين: إن معظم هذه الأدوية لها خصائص إشعاعية ومن ثم فهي تدمّر جهاز المناعة فتساعد بذلك على انتشار السرطان في مواضع أخرى من الجسم المُعالج...

Eng.Jordan
04-25-2012, 02:40 PM
(1)
ما زال الحديث موصولاً عن [ الوكالة الأمريكية للأغذية والأدوية ]، ودورها في خدمة التكتلات الاحتكارية.. ولاحظ أننا نتحدث عن نوعين مختلفين تماماً من أنواع العلاجات أحدهما مصدره الطبيعة ويطلق على منظومته (المقترب الغذائي في الصحة والعلاج) والآخر وهو الشائع، مصدره المصانع التي تنتج أدوية ولقاحات مركبة كيميائياً ولا تخلو أبداً من آثار جانبية قد تكون قاتلة في بعض الأحوال، ولا تخلو من خطر على الصحة في كل الأحوال..
وقد رأينا أن حملات الوكالة لا تنقطع في هذا المجال ضد الفيتامينات والمكمّلات الغذائية وضد العلاجات (الطبيعية) عموماً، وهناك تحذيرات مستمرة للجمهور ضد المقترب الغذائي فقد أصدرت الوكالة نشرة عامة تهوّن من شأن الآثار الجانبية للأدوية المركبة كيميائياً تقول فيها: "هل ينبغي أن يخاف الناس من هذه الأدوية بسبب ما يترتب عليها من أعراض جانبية..؟ لا.. فالأدوية يجب أن تكون موضع احترام بدلاً من أن تكون موضع خوف وتوجّس، فقرار الطبيب هو المحكّ، ومن الأفضل للمريض أن يتناول الدواء الذي يصفه الطبيب بدلاً من إهمال العلاج، فهناك خطر أكبر على صحته إذا لم تتناول الدواء..".
ويعلق جي إدوارد جريفين صاحب كتاب (عالم بلا سرطان) على هذه النشرة فيقول: "إن الوكالة لم تكن متّسقة مع نفسها في تطبيق هذا المبدأ على الأطباء الذين وصفوا لمرضاهم لاترايل (الاسم التجاري لفيتامين بي17) لعلاج السرطان.. وهكذا تتدخل الحكومة لتحدّد للطبيب نوع الدواء الذي يجب وصفه لمرضاه.. وهنا تتجلى ازدواجية المعايير.. وهو ما عبر عنه رجل الكونجرس "كريج هوسمار" في انتقاداته اللاذعة للوكالة حين قال: لقد عرفت أنه لم تحدث حالة وفاة واحدة بسبب تعاطي جرعات كبيرة من الفيتامينات، ولكني علمت أن هناك شخصاً يموت كل ثلاثة أيام بسبب تعاطي جرعات كبيرة من الأسبرين.. وبرغم ذلك ورغم أن الأمريكيين يشترون في العام الواحد عشرين مليون رطل من الأسبرين فإن الوكالة لم تفكر في وضع إجراءات تنظيمية لتعاطيه أو اشترطت وضع ملصق تحذيري عليه، وعلى عكس ذلك أنفقت الوكالة معظم وقتها وأنفقت ملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب لتحديد كمية الجرعات التي لا يجب تجاوزها من مواد لا ضرر فيها مثل الفيتامينات والأملاح المعدنية، مع أن الخطر على الصحة العامة لا يأتي من المكمّلات الغذائية العضوية ولا من الفيتامينات التي تباع في محلات الأغذية الصحية، إنما تأتي المخاطر من بعض الأدوية السامة المصنّعة والمكدّسة على رفوف الصيدليات وفي المستشفيات"..
(2)
ويعلق جي. إدوارد جريفين قائلاً: "الحقيقة أنه لا شيء مما أشاد به المحاضرون عن العلاج بالغذاء الطبيعي تسبب كوارث صحية كالتي نتجت عن استخدام دواء مثل (ثاليدومايد) في تشويه المواليد.. كما أن 5% من المرضى الذين يدخلون المستشفيات كان نتيجة لأعراض جانبية لأدوية وُصفت قانونياً لهؤلاء المرضى، ولقد قُدّر عدد الذين يُحوّلون إلى المستشفيات سنوياً بما لا يقل عن مليون ونصف المليون مريض بسبب تعاطي أدوية تقليدية وصفها الأطباء لعلاجهم.. أما ضحايا الأمراض التي تسببها الأدوية الكيميائية بخلاف الأعراض الجانبية فهم أكثر من الضعف إذ يبلغ عددهم ثلاثة ملايين ونصف المليون مريض في السنة.. والعدد في تزايد مستمر..".
ثم يعود جريفين مرة أخرى إلى ضحايا الأسبرين بتفصيل أكثر فيقول: "المعروف أن تناول الأسبرين خطر على الصحة، والجرعة الزائدة منه ليس من الضروري أن تكون في مرة واحدة، فالأسبرين له تأثير تراكمي مع الاستخدام المستمر، ويتسبب تناوله تسعين حالة وفاة كل سنة، وليس هذا بالعدد القليل، ولم تحرك الوكالة بإزاء ذلك ساكناً، بينما بالنسبة للمكمّلات الغذائية يبدو تعسّفها واضحاً، ففي نوفمبر 1973 أصدرت قراراً بحظر إنتاج مادة غذائية اسمها أبريكيرن Aprikern وهو اسم تجاري لمستخلص (مر الطعم) من نواة المشمش مطحون ومعصور على البارد لإخراج الزيت منه واستبعاده، ثم يوضع في كبسولات أو أمبولات للحقن، ويحتفظ المنتج بمادة فعالة هي نيتريلوسايد Nitriloside وهو ما يطلق عليه فيتامين (B17).. اسُتخدم هذا العقار في سبعينات القرن العشرين بالولايات المتحدة على نطاق واسع، ولم ينتج عنه أي أضرار ولم يشْكُ منه المرضى، ومع ذلك استندت الوكالة إلى دراسة علمية مزعومة أجريت لحسابها في كلية الصيدلة بجامعة أريزونا، زعمت أن الأبريكيرن يحتوى على سموم (يمكن أن تقتل) الصغار والكبار.. ولاحظ هنا أن التقرير يقول (يمكن أن تقتل) ولم يقل أن الأبريكيرن [ قتل] كما يقتل الأسبرين أناساً كل يوم.. لاحظ أيضاً أن العلماء الذين نُسب إليهم البحث أعلنوا في شهادتهم أمام المحكمة أنهم جرّبوا العقار على الفئران فقط وليس من حقّهم أن يعمموا الحكم على الإنسان كما أشاعت الوكالة.. ولذلك خرجت الوكالة بعد ذلك بتقارير جديدة مُفبركة ادعت فيها أنها من جانبها قامت بأبحاث علمية أثبتت أن العقار خطر على صحة الإنسان.. وخرج السيد وليام دكسون رئيس قسم حماية المستهلكين بتصريح على الصحفيين أعلن فيه قائلاً: لا أريد أن يكون مكتبي مسئولاً عن وفاة أحد بسبب تناول هذا العقار.. ويعلق جريفين على ذلك ساخراً: "هل مكتب السيد ديكسون مسئول أيضاً عن الوفيات التي تسببها الجرعات الزائدة من الأسبرين..؟! كما خرج دكتور لويس كاسوث مدير الصحة في ولاية أريزونا بتصريح أشد من ذلك غرابة قال: "إن نواة المشمش خطر على الصحة ولا يجب كسرها أو أكل ما بداخلها". وفي حملة دعائية للوكالة أصدرت نشرات حكومية رسمية تحذر من نوى المشمش واستخدام أي بذور أخرى ذات طعم مرّ أو إضافتها إلى أي مُنتج صناعي.
(3)
يفسر لنا جريفين هذه الحملات حيث يقول: قبل ذلك بعامين تلقيت رسالة في 26 ديسمبر 1971 من دكتور إرْنست كريلس Krelis يتنبأ فيها بأن أصحاب الكارتلات الدوائية قد تنبهوا إلى نجاح فيتامين بي 17 وأنهم قد بدأوا بالفعل يتآمرون مع جهات حكومية معينة للقضاء على هذا المنتج الجديد لإخلاء السوق من أي منافسة لأي أدوية في مجال علاج السرطان.. وأضاف ضع في اعتبارك أن هؤلاء الناس يعلمون أن الجمهور بدأ يهتم ويُقبل على هذا العقار، وأن الأجهزة الحكومية يمكنها ببعض قرارات تنفيذية وأحكام قضائية مُبتسرة وبعض نشرات تحذيرية، أن تدمر هذه الصناعة الوليدة.. وتجعل ملايين الدولارات التي أُنفقت عليها هباءً منثوراً..
لقد قامت الوكالة بتقدير مجموع ما ينفقه المرضى على العقار الجديد بثلاثة بليون دولار في العام وهي تستكثر هذا المبلغ، ولا تشير إلى أن شركات الأدوية التقليدية تحصد أكثر من 52 بليون دولار سنوياً ( لا حظ أن هذا الإحصاء ينتمي إلى سبعينات القرن الماضي)، يضاف إليها 14 بليون دولار أخرى ينفقها الأمريكيون على أدوية تباع في الصيدليات والسوبر ماركت بدون روشتة طبية.. يعني لا يهم الوكالة أن يذهب أكثر من 66 بليون دولار إلى حسابات الكارتلات الدوائية على ما يترتب عليها من كوارث صحية دون أن تنطق بكلمة. وقد ظهرت تقارير كثيرة من أطباء وكتّاب معنيّون بالصحة العامة يشكون فيها أن إعلانات الأدوية المذاعة والمتلفزة ليس كلها صحيح بل فيها كثير من المبالغات والتزوير ومع ذلك لم تحقق الوكالة في واقعة واحدة من الوقائع التي أشار إليها الأطباء.. وفي نفس الوقت اتجهت بكل قواها لمطاردة المحاضرين الذين يتحدثون عن فوائد الأغذية الطبيعية لصحة الإنسان.. وأطلقت كلابها في حرب على مواد تباع في محلات الأغذية الصحية مثل عسل النحل وأجنّة القمح ونوى المشمش.
(4)
فلوريد الصوديوم:
لقد أغمضت الوكالة عينيها عن مادة فلوريد الصوديوم التي تضاف إلى مياه الشرب منذ عشرين سنة بزعم أنها تحمي الأسنان من التسوّس، علماً بأن دكتور "إتش تريندلي دين" قد أثبت في دراسة له أن الولايات التي تستخدم هذه المادة المضافة إلى مياه الشرب ليست أقل إصابة بفساد الأسنان من الولايات التي لا تستخدم المادة إطلاقاً بل العكس هو الصحيح.. وليست هذه هي كل القصة ذلك لأن فلوريد الصوديوم يحذّر صانعوه المستهلكين بأن ملليجرام زيادة منه في كبسولة قد تؤدي إلى أمراض عند بعض الناس لا يُحمد عقباها.. وبالفعل أثبتت دراسات أخرى أُجريت في أنتيجو وسْكونس وفي جراند رابيدس وميتشيجان ونيويورك، كلها أثبتت أنه بعد شُهور قليلة من استخدام هذه المادة في المياه تضاعف عدد الموتى بأمراض القلب، وفي هذه المدن المذكورة كلها تأثرت حتى الحيوانات والطيور خصوصاً في حديقة حيوان فيلادلفيا..
وجاء الدكتور "بول إتْش فيلبس" أستاذ علم الكيمياء الحيوية بجامعة شيكاغو بعد 29 سنة من البحث العلمي في موضوع سُمّية الفلوريد أكدّ أن فلوريد الصوديوم حتى ولو أُخذ بكميات ضئيلة فإنه يتراكم في الجسم ولا تظهر آثاره إلا بعد سنوات، ولكنها آثار خطيرة، إذْ أنها تسبب تصلّباً في الشرايين واضطرابات الكلى والأمعاء والجلد والمعدة والغدّة الدرقية، والجهاز العصبي.. وقد تسبب عند بعض الناس القيء وقرح الفم وآلام المفاصل وفقدان الشهية.. وتطرح مصانع الألمونيوم مركبات الفلورايد كعادم يذهب معظمه في الهواء ثم يجد طريقه في آخر المطاف مرة أخرى إلى الأرض حيث يتحول إلى مادة ضارة بصحة الإنسان والحيوان. فعندما تمتصّه النباتات يتحوّل إلى مركّبات عضوية.. ومعنى هذا أن الخضار والفاكهة التي تُروى من هذه المياه المزوّدة بالفلوريد يمكن أن يتحول إلى قاتل حقيقي.
وهنا ينبهنا جريفين إلى تناقض موقف وكالة الأغذية والأدوية فيقول: "وهكذا في الوقت الذي تشن فيه الوكالة حرباً ضارية على الفيتامينات المشتقة من مصادر نباتية طبيعية ومنها فيتامين بي 17 تترك للشركات الصناعية الحبل على الغارب لتسميم مياه الشرب بفلوريد الصوديوم ليصل إلينا في كل كوب ماء نشربه".
(5)
مهزلة دوائية أخرى:
في أسبوع واحد من تقديم طلب للوكالة للتصريح باستخدام عقار مانع للحمل مصنوع من الأستروجين.. اتضح أن الوكالة لم تقم بأي اختبار للعقار.. كما اتضح أمام لجنة تحقيق بالكونجرس أن الوكالة اعتمدت على نتائج اختبارات أُجريت في بريطانيا.. ولما تم فحص التقرير البريطاني وُجد فيه هذه الفقرة: "أن الاختبار قد تم فقط على فاعلية الدواء وليس على سلامة الاستخدام الآدمي له".. الأكثر من هذا (كما لاحظ جريفين) أنه عندما سأل فاونتين عضو الكونجرس مدير الوكالة (تشارلز سى. إدواردز) ما هو السبب الجوهري في المعاملة التمييزية التي اختصّت بها شركة سيرل للأدوية (منتجة العقار) أجاب: "إنه للسلامة العامة" ولما سأله أن يُحدد له ماذا يعنى بـ "السلامة العامة" التي انطوى عليها قرار الوكالة السريع بالترخيص قبل إجراء ما يكفي من الدراسة للتأكد من سلامة الاستخدام الآدمي..؟؟ ارتبك السيد إدوارد قليلاً ثم نطق كُفراً فقال: "إنه ليس من سياستنا أن نقف عائقاً في طريق المصالح المالية لشركات الأدوية...!" هذا هو إذن السبب الحقيقي..
(6)
دواء آخر اسمه سيرك Serc تلَقّى أيضاً أفضلية في المعاملة من الوكالة التي منحته الترخيص متسرّعة وبدون أن تتثبّت من سلامة استخدامه كعلاج لبعض أمراض الأذن الداخلية التي تسبب دوخة و وشعور بانعدام الوزن.. ولكن ظهرت أدلة كثيرة وقوية أن الدواء قد تسبّب في تدهور أكثر عند كثير من المرضى.. وبرغم شكاوى الأطباء المتكرّرة، وحتى من الكونجرس، فإن الوكالة أخفقت في مطالبة الشركة بوقف تسويق هذا الدواء رغم اضطرارها للاعتراف بأن البيانات التي قدمتها الشركة عن دوائها كانت غير كافية وفيها أخطاء وعبارات طبية غير صحيحة.. كما اعترفت بأن مزيداً من الدراسة لا يزال مطلوباً.. ومع ذلك ظلّت الوكالة تدافع بإصرار غبيّ عن قرارها بالسماح للعقار المعيب للتداول في السوق بحجّة [أن الدراسة لا يمكن تمويلها ما لم يُصرّح للدواء بالتداول] ، بمعنى آخر على حد قول (جريفين): "إن الوكالة منحت ترخيصاً للشركة بتسويق دوائها وبيعه برغم عدم ثبوت فاعليته في العلاج، وبذلك جعلت الجمهور يقوم مجبراً بتمويل أبحاث للشركة غير مضمونة النتائج..!"
ويعلق جريفين على هذا الموقف مستغرباً فيقول: "أي تناقض فاقع بين هذا الموقف وبين موقف الوكالة الحاسم بل الضاري من دواء (لاترايل) وغيره من المنتجات الطبيعية الأخرى في علاج السرطان..!" ، ويوجه سناتور وليام بروكسماير نقداً مباشراً للوكالة في هذا السياق حيث قال: "إن الوكالة وكثيراً من مؤسسات المهن الطبية قائمة على قدم وساق ضد منتجي وبائعي الفيتامينات والأملاح المعدنية كأغذية أو مكملات غذائية.." وهكذا ترى أن الوكالة تتشدّد بلا منطق في منع استخدام أعشاب لا ضرر منها كمكّملات غذائية للوقاية من أمراض اضطرابات الهضم والتمثيل الغذائي"..
(7)
ويلخص إدوارد جريفين الموقف قائلاً: "هو إذن ازدواج المعايير الذي تمارسه وكالة الأغذية والأدوية.. عندما تسمح للناس بتعاطي الأسبرين ومئات الأدوية الأخرى التي أصبحت هناك علامات استفهام كثيرة على سلامتها الاستخدامية.. تسمح بتداولها بالبرميل، وتطلق الخمور للتداول بالقناطير والطباق للتدخين بالصناديق.. ومفروض علينا في مجتمعاتنا أن نشرب مع المياه فلوريد الصوديوم الضار.. ونطأطئ رءوسنا.. وتقول الوكالة لا بأس من هذا كله.. ولكن عندما تأتي الفيتامينات والمكّملات الغذائية الطبيعية تستأسد علينا الوكالة وتبرز أنيابها وتتحفز للهجوم بحجة المحافظة على صحة الشعب الأمريكي...!!" ويتابع قائلاً: "إن المرأة قد تبرّئها المحكمة إذا قتلت جنينها ولكنها تعاقب بالسجن وتُعامل كمجرمة إذا تعاطت نوى المشمش أو قدّمته لابنها لتنقذ حياته من مرض السرطان.. فإلى متى يمكن أن يتحمل الشعب الأمريكي هذا الازدواج الفاجع للمعايير..؟ ولمصلحة من تفعل كل هذا..!؟
والآن قد يتساءل القارئ: كيف تم إرهاب الأطباء الأمريكيين لمنعهم من استخدام فيتامين بي17 في علاج السرطان..؟ ن