المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إسرائيل بين كردستان وجنوب السودان!


Eng.Jordan
04-30-2012, 02:15 PM
د. صالح بكر الطيار:

لم يمض عام واحد على إعلان استقلال جنوب السودان حتى عاد شبح الحرب ليخيم على جوبا والخرطوم، مما يؤكد وجهات النظر التي كانت تعتبر أن انفصال الجنوب عن الشمال ليس سوى مقدمة لعملية تقسيم كبرى تستهدف العالم العربي وتسعى إلى محاصرته بعدة كيانات تكون من نتيجتها إسرائيل هي الرابح الأكبر نظراً لما لها من أصابع خفية أو ظاهرة في تحريك المخطط والدفع نحو تنفيذه.

ويذهب البعض إلى القول إن من المهم رصد تطورين يجريان الآن وهما البعد النفطي لكل منهما، والبعد الزمني من حيث حدوثهما في نفس التوقيت:

التطور الأول تمثل في إقدام حكومة كردستان في العراق على قطع النفط المصدر إلى تركيا بذريعة عدم دفع الحكومة المركزية في بغداد التزاماتها المالية إلى حكومة كردستان، وما أعقب ذلك من زيارة مسعود البرزاني إلى أنقرة رغم وجود توتر سياسي بينها وبين بغداد، ومن ثم تصريحه بأنه يعارض بيع واشنطن طائرات اف-16 إلى العراق.

التطور الثاني كان عبر إقدام دولة جنوب السودان على احتلال منطقة هجليج الغنية بالنفط بحجة أنها تعود ملكيتها إليها مما دفع بالخرطوم إلى وقف تصدير نفط جنوب السودان عبر الموانئ الشمالية ومن ثم قيام الجيش السوداني بتحرير المنطقة المحتلة، مما أدى إلى سقوط أكثر من ألفي قتيل وجريح.

ومعلوم أن السودان ينتج يومياً حوالي مائة وخمسين ألف برميل، وتبلغ حصة إنتاج حقول هجليج النصف تقريباً، أي ما بين الخمسة والخمسين والستين ألف برميل يومياً، بينما تنتج بقية الحقول في منطقة بليلة وبعض الحقول الصغيرة الأخرى بقية الإنتاج. والسودان لا يصدر منتجاته النفطية إلى الخارج عدا نسبة محدودة تصدر كوقود البنزين إلى الجارة أثيوبيا، بينما يستهلك السوق المحلي مشتقات الغازولين كلها. ومنطقتا هجليج وأبيي محل نزاع قديم بين السودان وجنوبه، حيث يدعي كل منهما حقه بهما، خاصة وأنهما غنيتان بالنفط والثروات الطبيعية الأخرى من معادن وذهب وغيرهما.

والقاسم المشترك الذي يجمع بين كردستان العراق وجنوب السودان هو أنهما ممن يقيم أفضل العلاقات مع إسرائيل وممن يسهل الحضور الاستثماري والاستخباراتي الإسرائيلي. والقاسم المشترك أيضاً أن الثروة النفطية متوافرة في هاتين المنطقتين.

وكما أن كردستان في حال استقلالها ستكون خنجراً في خاصرة بغداد، فإن دولة جنوب السودان أصبحت خنجراً في خاصرة الخرطوم. وكما من شأن نشوب أي نزاع بين كردستان والعراق أن يضعف بغداد على كل المستويات والصعد، فإن دور جنوب السودان ليس فقط إضعاف الخرطوم بل يطال أيضاً القاهرة.

وكما لوحظ الحضور الإسرائيلي الكبير في كردستان كامتداد لعلاقة تاريخية مهد لها مصطفى البرزاني، فهناك تهافت كبير على الحضور الإسرائيلي في جنوب السودان مهد له سيلفا كير الذي كان يتلقى الدعم العسكري من تل ابيب منذ أكثر من 22 سنة. ولهذا ما إن تم إعلان استقلال جنوب السودان حتى دعت دوائر اقتصادية يهودية الشركات الإسرائيلية إلى ضرورة الإسراع للاستثمار في جنوب السودان ونُشرت قائمة- وزعت على كبرى الشركات اليهودية- صادرة عن الأمم المتحدة بالمجالات التي يمكن الاستثمار فيها، خاصة وأن الأمم المتحدة قد خصصت مبلغ 30 مليار دولار لعام 2011 فقط لتطوير البنية التحتية في الدولة رقم 193 على مستوى العالم.

يضاف إلى ذلك أن أول زيارة خارجية قام بها سلفا كير كانت الى إسرائيل، ومن ثم قام نتنياهو بزيارة إلى جنوب السودان حيث جرى الاتفاق على تطوير التعاون بين الجانبين في كافة المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية. والحضور الإسرائيلي بهذا الحجم لا يستهدف فقط الخرطوم بل أيضاً القاهرة بدليل ما ذكرته الورقة البحثية التي نشرها موقع معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في 24/ 11/ 2010، تحت عنوان "السودان قبيل التفكيك.. عن النفط، الاستفتاء الشعبي والتدخل الأجنبي"، من إعداد يوئيل ججنسكي ويونتان شختر، أن مصر تعد من أكثر الدول حساسية من عملية انفصال الجنوب، نظرا لمخاوفها فيما يتعلق بكل أعمال التخصيص والتحويل لمياه النيل، خاصة على خلفية تعاون مصر والسودان مؤخرا في الصراع ضد إعادة توزيع مياهه، وفي حال انفصال الجنوب سيزداد الموقف المصري ضعفا حيال باقي دول حوض النيل.

أما على المستوى الدولي فإن الصين هي من أكبر المتضررين مما يجري من حروب بين الخرطوم وجوبا لأن حجم استثماراتها في كلا البلدين وصل إلى نحو 11 مليار دولار في مجال النفط والبنى التحتية والسدود والطرق والكهرباء.

وهنا، السؤال الذي يطرح نفسه هو هل يحصل مع بكين في السودان وجنوبه ما حصل معها في ليبيا حيث خرجت خالية الوفاض؟ إن ما يشهده العالم العربي اليوم هو امتداد لنكبة فلسطين خاصة وأن العرب، كما كانوا عام 1948 مشغولون بخلافاتهم، فإنهم اليوم لا زالوا يعيشون نفس الخلافات ولكن بعناوين أخرى.


* رئيس مركز الدراسات العربي الاوروبي


Alarab Online. © All rights reserved.