المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مشروع الشرق الأوسط الكبير: إدارة أوباما الديمقراطية تنجح فيما فشلت إدارة بوش الابن اليمينية المحافظ


Eng.Jordan
05-01-2012, 01:49 PM
مركز الناطور للدراسات والابحاث
كثر الحديث في الأوساط الإستراتيجية والسياسية والإعلامية في الآونة الأخيرة عن مصير مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي صاغه المحافظون الجديد في الولايات المتحدة ضمن أجندتهم وسعوا إلى تنفيذه عمليا بعد فوزهم في الانتخابات عام 2000 ودخول البيت الأبيض.
بأتي ذلك على ضوء ما تزعمه قيادات في إدارة أوباما الديمقراطية وعلى رأسهم باراك أوباما عن أن الديمقراطيين نجحوا في تحقيق المشروع دون استخدام للقوة العسكرية في أفغانستان والعراق وفي حروب صغيرة في اليمن وفي الصومال.
وانطلاقا من هذا الادعاء كان نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن وهو أحد أكثر الأعضاء في إدارة أوبانا اقترابا وتقربا من مشروع الشرق الأوسط الكبير وأكثر تناغما مع إيديولوجية المحافظين الجدد أبرز من تغنى بإنجازات أوباما في تحقيق هذا المشروع باستخدام الدبلوماسية الناعمة والأساليب المرنة.
بايدن أطنب في إبراز إخفاقات إدارة بوش الابن وتداعيات تورطاته وإفراطه في استخدام القوة العسكرية، ومع ذلك كانت النتيجة كارثية في العراق وكارثة أفغانستان فصولها الدامية لم تنته بعد، كما بالغ في التنويه بحنكة ودهاء أوباما وبراعته في إدارة قواعد اللعبة في العالمين العربي والإسلامي مما مكن الولايات المتحدة من احتواء منطقة الشرق الأوسط الكبير من المغرب حتى باكستان وأفغانستان.
الرئيس الأمريكي باراك أوباما وخلال اجتماعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم الاثنين 5 مارس كان أكثر وضوحا وسفورا في حديثه عن منجزاته في تحقيق مشروع الشرق الأوسط.
ووفق الأدبيات الإسرائيلية السياسية والأمنية (مجلة دبكا ويكلي رقم 532) وتحليلات لدوري جولد وإفرايم كام وحتى جنرال الاحتياط عاموس يادلين فإن ما أفصح عنه أوباما كان في نطاق محاولاته أن يدرأ عن نفسه اتهامات إسرائيلية بالتقاعس في معالجة المعضلة النووية الإيرانية.
ووفقا لتلك التحليلات التي تابعها وحللها ووضع النقاط على حروفها الدكتور حسني العلي فإن أوباما أورد أمثلة ونماذج على هذه الإنجازات:


أن تدخلات إدارته عبر كل الوسائل أدت إلى الحيلولة دون وصول الحركات الأكثر عدائية لإسرائيل والولايات المتحدة إلى هرم السلطة في مصر وتونس واليمن، هذه التدخلات شكلت سورا واقية للإبقاء على الوضع في الأردن وفي المملكة السعودية وفي البحرين وحالت دون امتداد الربيع العربي إلى هذه الأقطار، وكذلك إلى عملقة القزم القطري وتوظيفه في هدم الكيانات العربية وليس الأنظمة العربية.
أن هذه التدخلات كان لها ولا يزال وجهان وجه دفاعي التدخل لصالح حلفاء الولايات المتحدة وشركائها وآخر هجومي التدخل عبر الحلفاء في المنطقة السعودية تركيا قطر والإمارات ودول أخرى لتقويض الدول التي مازالت تشكل آخر العقبات في طريق إنجاز مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي عجزت إدارة بوش عن تحقيقه رغم استخدام القوة العسكرية الأمريكية الباطشة نصف مليون جندي وقوات جوية وبحرية وبرية جرارة وضاربة وحاملات الطائرات.

استدعى حديثه عن تقويض وهدم آخر المعاقل التي مازالت صامدة في وجه الولايات المتحدة وشريكتها إسرائيل في مسيرتها نحو تحقيق مشروع الشرق الأوسط الكبير إيران وسوريا وحلفائهما التعرض للمسألة الإيرانية، هذه المسألة كانت تتصدر محادثات أوباما ونتنياهو بالإضافة إلى وسائل حسمها.
أوباما كان في حديثه مع نتنياهو ليس ساعيا فقط لطمأنته وتهدئة روعه فيما يتعلق بموقف إدارته من البرنامج النووي الإيراني، وإنما للرد على الاتهامات الموجهة إليه من قبل الدوائر العسكرية والسياسية والإعلامية في إسرائيل بأنه لا يحترم التزامات الولايات المتحدة إزاء أمن إسرائيل وليس جادا في موقفه من منع إيران من حيازة السلاح النووي وإنما في منع إسرائيل من اللجوء إلى الخيار العسكري.
وفي معرض رده على هذه الاتهامات اضطر أوباما لأن يكشف أوراقه ومنها:


أنه اعترف أن المعركة في سوريا رغم عدم المشاركة الأمريكية المباشرة فيها هي معركة ضد إيران وضد برنامجها النووي وضد نظامها المتشدد.

وقال بالحرف الواحد: إن الأهمية الإستراتيجية للمعركة في سوريا التي تخوضها دول حليفة لنا وقوى المعارضة السورية المدعومة من قبلنا تأتي من كونها حرب ضد إيران لتقويض الحلف الإيراني السوري وتقويض النظام في دمشق سيستتبعه تقويض للنظام في طهران وبذلك تكون خواتيم هذه المعركة تقويض شامل ونهائي لبرنامج إيران النووي.
وتطرق إلى أن عوامل الحسم في هذه الحرب ليست عسكرية الطابع على الأقل من جانب الولايات المتحدة، ولا تستدعي تدخلا عسكريا كلاسيكيا كما حدث في ليبيا ومن قبل في العراق وأفغانستان، فهناك معركة تخاض من قبل أطراف وهذه الأطراف هي حليفة وصديقة للولايات المتحدة.
وانتهى أوباما إلى تذكير نتنياهو بأنه يعرف كل تفاصيل هذه المعركة من الألف إلى الياء لأن هذه التفاصيل ليست حديثة العهد بل هي صيغت بالتشاور والتنسيق مع إسرائيل ودول في المنطقة حتى قبل أن يدخل البيت الأبيض.
لم ينس الرئيس الأمريكي باراك أوباما في حديثه عن دوره في تحقيق مشروع الشرق الأوسط واحتواء مصادر تهديده وعلى الأخص الانتفاضات في تونس ومصر واليمن أن الأساس في تحقيق ذلك هو الدور التركي والسعودي والقطري والخليجي عموما، وأقر بأن دور هذه القوى العربية بالإضافة إلى دول إسلامية مثل تركيا وباكستان وأفغانستان والصومال كان حاسما في تحقيق مشروع الشرق الأوسط دون اضطرار لاستخدام القوة العسكرية، وأن هذه القوى وظفت كآليات وأدوات دون الحاجة إلى تورط عسكري أمريكي باهظ الثمن عسكريا وسياسيا واقتصاديا، وتباهى بأن الولايات المتحدة لم تخسر دولارا واحدا في المعركة في ليبيا وإنما دفعتها السعودية وقطر ودول الخليج الأخرى.

مشروع الشرق الأوسط الكبير
نقطة البداية ومرحلة الانطلاق ومآلات الفشل
من خلال قراءتنا لأدبيات اليمين الأمريكي المحافظ الذي حقق الفوز في انتخابات عام 2000 ومجيء إدارة (بوش) نستخلص أنّ مسألة السيطرة على الفضاءات الهامة حظيت بأهمية وأولوية في أجندة الإدارة الأمريكية، السيطرة على هذه الفضاءات أو المجالات الحيوية وضعت في خانة التوجهات السياسية والعسكرية والاقتصادية والإيديولوجية ذات الأهداف الواضحة، واحتلت منطقة الشرق المسلم الذي يضم العالمين العربي والإسلامي أو ما عرف بعد ذلك بالشرق الأوسط الكبير حيّزا كبيرا من هذا الاهتمام، ذلك ما عبّرت عنه بجلاء تلك الأدبيات حين راحت تتضمن شعارات واصطلاحات لافتة للنظر وباعثة على الريبة.
الحديث عن سايكس بيكو أمريكي وعن البحث عن المصالح وحمايتها وعن الحاجة إلى وضع اليد على الثروات وخاصة الطاقة (النفط والغاز) ثم المواقع الجيواستراتيجية من أجل أمن ورفاهية الشعب الأمريكي كشف مكونات الأجندة التي حملها اليمين معه، ومن أجل إيجاد مدخلات للانطلاق صوب هذه الأهداف سعيا وراء تحقيقها كان لا بدّ من غطاء سياسي، وارتكانا إلى ذلك كان لا مفرّ عن اصطناع العدو وكان هذا العدو جاهزا وهو “الإسلام” ومناطق تواجده وانتشاره في هذا الفضاء المكون من الدول العربية والإسلامية.
وانطلاقا من ذلك كان من الضروري أن تصطنع المبررات بعد اصطناعه العدو لاجتياح المجالات أو الفضاءات الحيوية وتوفير الغطاء السياسي، ولم يكن المنظرون الاستراتيجيين الذين سخروا جهودهم من أجل تقديم شتى التبريرات لاجتياح هذا الفضاء بحاجة إلى أن يجشموا أنفسهم شديد عناء لاصطناع هذه المبررات.
ومن هنا جاءت فكرة الشرق الأوسط الكبير والاتجاه إلى إخضاعه للهيمنة الأمريكية، هذه الفكرة تولدت وأنضجت في مؤسسات البحث الأمريكية وخاصة التي يهيمن عليها اليمين المحافظ.
واستنادا إلى متابعة علمية ودقيقة لأدبيات اليمين في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق (رونالد ريغان) من قبل محللين وباحثين فإنّ هذه الفكرة كانت نتاج جهد تجشمه غلاة الباحثين والمنظرين الاستراتيجيين الأمريكيين في مؤسسة التراث ومراكز الدراسات الملحقة بها.
هذه المتابعة والقراءات التي أردفتها للمشاريع الأساسية التي استهدفت المنطقة العربية والإسلامية تكشف عن تولي هذه المؤسسة صوغ عدة مشاريع أهمها:
1- ضرورة السيطرة على هذه المنطقة ذات الحيوية والأهمية جيواستراتيجيا واقتصاديا وجيوبوليتيكيا.
2- إعادة رسم خريطة المنطقة بعد إخراج السوفيت من أفغانستان بما يتساوق ويتواءم مع تعزيز وترسيخ السيطرة الأمريكية استباقا لملء الفراغ الذي سينشأ عن انسحاب السوفيت من آسيا الصغرى إذ كان احتمال تفكك الاتحاد السوفيتي في ضوء ما يلوح من إرهاصات وشواهد على هذا التفكيك واردا وقائما.
3- الاستعداد لإقامة تحالف أمريكي يضم دولا رئيسية في آسيا: تركيا وباكستان والهند وإسرائيل ثم تلحق إيران والعراق بعد تغيير الوضع القائم فيهما.
4- دعم الجماعات الأثنية والطائفية في طموحاتها من أجل نيل حريتها وسيادتها وتمتعها بالاستقلال.

من الثابت أنّ مؤسسة التراث نجحت في إحداث اختراق للبيت الأبيض في عهد (ريغان)، فلقد شرّع هذا الأخير باب البيت الأبيض لقيادات من اليمين وأتاح لها فرصة شغل مناصب هامة.
واعتمادا على ذلك فإنّ هذه العناصر التي تأهلت في مؤسسة التراث أتاحت للمؤسسة مجال القيام بدور هام في إنشاء شبكة متشعبة في البيت الأبيض والكونجرس ووزارتي الدفاع والخارجية وفي عقر الدوائر الحكومية الأخرى، وعندما تسلّم (بوش) الابن الرئاسة تحولت إلى الطاقم الذي أحاط بالرئيس داخل البيت الأبيض أو مجلس الأمن القومي أو وزارتي الدفاع والخارجية.
ومن الواضح أنّ تلك المشاريع ومن ضمنها مشروع الشرق الأوسط وجدت طريقها في ظل نفوذ غلاة اليمين إلى أجندة إدارة (بوش).
هذا الطاقم الذي أحاط بالرئيس الأمريكي وتبوأ موقع صدارة ونفوذ راح منذ اليوم الأول لتشكيل الإدارة الجمهورية يخرج هذه المشاريع من الأدراج ومن الرفوف، وبدأت دوائر صنع القرار تعدّ لوضع هذه المشاريع موضع التطبيق العملي، وكان على رأس الفريق الذي تولى هذه المشاريع (ريتشارد بيرل) الذي شرع منذ عام 2000 في وضع آليات لتنفيذ هذه المشاريع وعلى رأسها وفي القلب منها مشروع الشرق الأوسط.
لم تكن تحوج الإدارة الأمريكية سوى الذرائع والمبررات وكانت بصدد اصطناعها واصطناع الفوضى في هذه المنطقة.
وجاءت أحداث الحادي عشر من أيلول سبتمبر2001 لتوفر للولايات المتحدة الفرصة السانحة والذريعة الكبرى للانطلاق نحو تحقيق مشروعها ولم تكن هناك ذريعة أفضل من غزو المنطقة بدءا بأفغانستان ومرورا بالعراق دون انتهاء أو نهاية.
وفي خضم الاندفاع الأمريكي على المسار العسكري والتدخل المباشر بدأت تتكشف أهداف الحملة الأمريكية.
في مقدمة هذه الأهداف إعادة رسم الخارطة الجيوبوليتيكية للمنطقة بما يضمن خلق تواجد أمريكي لضمان المصالح النفطية والإستراتيجية الأمريكية.
ليس من معاد القول التأكيد أنّ شنّ الحرب على دول المنطقة بعد توجيه الاتهام إلى المشرقين العربي والإسلامي كان بمثابة ستارة لإخفاء مشاريع وأهداف كانت جاهزة ومعدّة، ونبادر إلى القول بأنّ الاستهداف الأمريكي لم يكن قاصرا على دول الشرق الأوسط (الصغير) وإنّما يشمل دول الشرق الأكبر والأوسع، وهذا التوسيع لخارطة المنطقة جاء بقرار أمريكي بإضافة كل من إيران وباكستان وبنجلاديش وجمهوريات القوقاز المسلمة.
يكشف الباحث في الشؤون الأمريكية الدكتور علي كامل المقيم في الولايات المتحدة عن الهدف من وراء هذا التوسع، يقول في دراسته الموسومة: “الشرق الأوسط بعد الحادي عشر من أيلول وتوسيع نطاقه” أنّ هذا التوسع هو إستراتيجية أمريكية دفينة كانت معدّة مسبقا، ويمضي: ” والهدف لا يخفى على أحد وهو السيطرة والهيمنة على منطقة تمتد من المغرب غربا وحتى باكستان شرقا بما تختزنه من مواقع جيواستراتيجية وثروة نفطية وبما تمثله من قلب العالمين العربي والإسلامي”.
أمّا منطلقات هذه الإستراتيجية لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة التي تحدث عنها المسؤولون في واشنطن حتى أصبح حديثهم أشبه بالثرثرة لكثرة ما رددوه فهي:
1- مبدأ استخدام القوة العسكرية لتحقيق هذا المشروع الذي يتأتى من خلال إحكام الهيمنة على الشرق الأوسط العربي والمسلم وفرض القطب الأمريكي الأوحد على النظام الدولي وتكريس هيمنته.
2- مبدأ التدخل في شؤون الدول تحت ذرائع حماية حقوق الإنسان وإشاعة الديمقراطية وإدخال الإصلاحات وصولا إلى الحكم الراشد.
هذه الآليات مازالت تحكم سلوك الولايات المتحدة في الشرق الأوسط الكبير ومازالت هذه الآليات تحتل صدارة اهتمام بل وأجندة الإدارة الأمريكية، فمن الواضح أنّ الولايات المتحدة وعلى الرغم من مواجهتها لأكثر من مأزق في العراق قبل الانسحاب منه في نوفمبر 2011، وكذلك أفغانستان مازالت مصرّة على إستراتيجيتها في إعادة ترتيب الأوضاع.
لم تكن نظرية وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة (رايز) إلاّ تعبيرا عن أطروحة إدارة (بوش) ومشروعها بشأن مشروع الشرق الأوسط الكبير، فما ورد في محاضرتها بجامعة ”برنستون” حول فرض الديمقراطية بالقوة العسكرية كشف عن تصميم الإدارة السابقة في البيت الأبيض على الاستمرار في تنفيذ هذا المشروع، ومن الجلي أنّ الإدارة الأمريكية السابقة اتخذت من موضوع الديمقراطية وحقوق الإنسان والإصلاحات أداة من بين أدوات أخرى للسير قدما على طريق فرض مشروعها.
أمّا وقد سقطت (رايز) في شباك التجبر والتشدد والإكراه بالحديث عن فرض أنماط سياسية وفكرية واجتماعية على دول المشرق الأوسط الكبير فإنّها تكون قد خرجت عن القاعدة المألوفة التي تشكل منطق الحوار واحترام رأي وإرادة الآخر، فلقد صاغت أفكارها ونظرياتها بروح غطرسة القوة وغرورها لتحقيق الأهداف الكونية للولايات المتحدة، هذه الأهداف تتمحور حول الإصرار على إحكام السيطرة على هذه المنطقة باسم مكافحة الإرهاب تارة وبذريعة نشر الديمقراطية وإقامة الحكم الراشد طورا آخر، لم يكن غريبا أن تفصح (رايز) عن هذا المنطق المرتكز على القوة والقهر لأنّ نشر الديمقراطية وتحقيق الإصلاحات لا يتم بهذا المنطق، ولم يعد بوسع أحد مهما كانت درجة ذكائه وتفكيره أن يتعايش مع هذا المنطق بعد أن دللت الأحداث أنّ هذا المنطق جرّ الولايات المتحدة إلى السباحة في مستنقعات أفغانستان والعراق وألحق الدمار والفوضى والاحتراب في أكثر من بلد.
من أبجديات الديمقراطية أنّها تقوم على التحاور وعلى الاختيار الحر لأي شعب دون إكراه أو إملاء، والشواهد الحسية والشاخصة تؤكد أنّ الولايات المتحدة لا تنطلق في تسويقها لفكرة الديمقراطية من نظرة حيادية موضوعية خالية من الأهواء والمآرب والمصالح، وما تسويق الديمقراطية إلاّ وسيلة وليس غاية، بل تنطلق من منهجية سياسية وإستراتيجية يراد بها الخلوص إلى إعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة بشكل يساعد على تكريس الهيمنة على هذه المنطقة بمختلف الأشكال استراتيجيا واقتصاديا وسياسيا وفكريا وثقافيا.
الرؤية التي عبّرت عنها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة (رايز) لا تقيم وزنا للآخر ممّا يعني أنّ الولايات المتحدة سعت ولا تزال تسعى إلى فرض أنماط فكرية وسياسية بأسلوب الصدام وليس بمنطق الحوار والاختيار، ويمكن أن نستشف في الوقت ذاته عند قراءة محاضرتها أطروحة الصدام في إبراز عامل القوة بفرض هذه الأطروحة.
برهنت (رايز) والسياسة الأمريكية عموما بما لا يدع مجالا للشك أنّ واشنطن لا تقبل حوارا ولا حلولا وسطا وهي مصممة على فرض خياراتها دون اعتبار لاختيارات الآخرين.
ولم تضف (رايز) وهي تعيد تأكيد الخيارات الأمريكية القائمة على منطق القوة والإكراه أي جديد على المشروع الأمريكي الذي يراد فرضه على منطقة الشرق الأوسط الكبير.
الأطروحة الأمريكية عن الديمقراطية والحرية
ستارة لتقنيع أهداف الهيمنة.
استنادا إلى الوقائع التاريخية فإنّ الرسالة الأمريكية عن ممارسة الديمقراطية والحرية ما هي إلاّ تقنيع لأهداف ومصالح أبعد ما تكون عن اختيارات وأهداف ومصالح الشعوب، المنطق الأمريكي الذي تسلح به اليمين المحافظ ممثلا في إدارة (بوش) لا يحاور حتى تصدق مقولته عن الحرية والديمقراطية، هذا المنطق منطق يهيمن لا يتأثر بالبيئات الأخرى بل ينتج مؤثرات في تلك البيئات.
وبناء على تلك الوقائع فإنّه يمكن القول أنّ الولايات المتحدة ظلت تتربص الدوائر بحريات الشعوب بل بنزوعها إلى الديمقراطية، وهذه الوقائع كثيرة وتحفل بها الموسوعات وبطون الكتب والدراسات وهي أكثر وأكبر ممّا تعدّ وتحصى.
لنأخذ بعض الأمثلة ونخضعها للتمحيص والدرس مثل الشيلي ونيكاراجوا في أمريكا اللاتينية، من المعروف أنّ الولايات المتحدة انقضت على الأنظمة الديمقراطية التي تولدت عن الاختيار الحر، كان مصير نظام (أليندي) في الشيلي المنتخب حرا وديمقراطيا هو الاغتيال والإطاحة به بانقلاب عسكري من جانب العسكر الذين دفعوا دفعا من قبل وكالة الاستخبارات المركزية وبتوجيهات من (كيسنجر).
في آسيا شاه إيران والانقلابات العسكرية المتتالية في تركيا وفي باكستان وفي إندونيسيا، كان المشهد مأساويا لأنّ الولايات المتحدة دعّمت إعادة الديكتاتوريات وحملت العسكر إلى سدّة الحكم الذين تحولوا إلى حلفاء استراتيجيين خدمة لمصالحها.
في المنطقة العربية تحالفت وانفكت تتحالف مع أكثر الأنظمة استبدادا وتخلفا وقمعا، أصبح راسخا في الإدراك الشعبي العربي أنّ الديكتاتورية والسياسة الأمريكية في المنطقة صنوان ورديفان لا يمكن الفصل بينها.
ولنتمعن في مثالين لا يزالان حديثا العهد: الولايات المتحدة مصممة للقضاء على حزب الله رغم أنّه انخرط في المنظومة السياسية وأصبح جزء من مكونات الخارطة السياسية اللبنانية.
والولايات المتحدة ترفض اندماج حماس في العملية السياسية على الساحة الفلسطينية رغم كونها مكون رئيسي برهن على حضوره في الانتخابات البلدية في قطاع غزة والضفة الغربية التي جرت عام 2006.
عندما تتحدث الولايات المتحدة عن الديمقراطية والحرية والإصلاح فإنّها تعني تحديدا بعض الدول التي لا تروق في نظرها وتستثني من ذلك النخب الحاكمة في غالبية الدول العربية وأنظمة غير ممثلة لشعوبها وهي نقيض صارخ للديمقراطية.
هذا التناقض الأمريكي الصارخ يتحسسه ويدركه ويستشفه الإنسان العربي العادي ولم تنجح إدارة (بوش) من خلال تعيين (كارولين هيوز) مساعدة لوزيرة الخارجية كمسؤولة العلاقات العامة في طمس هذه الحقيقة، إنّ مهمة (هيوز) لم تنجح في احتواء الإدراك الواعي والمتراكم لدى شعوب المنطقة من خلال عملية تجميل الوجه.
السبيل الصحيح والوحيد لتحقيق الديمقراطية والحرية والإصلاح هو أنّ تكف الولايات المتحدة عن دعم القمع وخنق الحريات وتزوير إرادة الشعوب عن طريق التلاعب بنتائج الانتخابات، عندها فقط تستطيع الشعوب أن تفرض خيارها الديمقراطي.
وبكلمات مختصرة وبعبارات موجزة فأنّ المشكلة ليس في الدعوة إلى الديمقراطية والحرية بمقدار ما هي وسيلة إلى السيطرة والاحتواء والهيمنة، وسيلة تلغي لغة التحاور وتعتمد لغة القوة والقوة وحدها، لقد أصاب الفيلسوف الفرنسي (غرانس) كبد الحقيقة عندما قال: “إنّ الولايات المتحدة تنتهج سلوك القوة المهيمنة وهي مصممة بشرعية هذه الهيمنة.”
ويمضي قائلا: “الإدارة الأمريكية التي تنتهج هذا السلوك مقتنعة أنّها تستند إلى رأي عام مقتنع بدوره بشرعية هذا السلوك”.
ويعزز هذا القول ما عبّر عنه الباحث الفرنسي (باسكال شنيو) حين قال: “نحن اليوم نواجه نظام يتخذ شكله الأحادي لأسباب ظرفية وليس لأسباب جوهرية نظرا لاحتمال انقلاب المعادلة في المدى المتوسط من جراء مبادرة كتل سياسية تعيد النظر في احتكار الولايات المتحدة لعناصر القوة”.
ويذهب آخرون من أساتذة العلاقات الدولية أنّ الولايات المتحدة تحاول فرض منطقها حتى تقطع الطريق على دول مثل الصين وروسيا واليابان وألمانيا وفرنسا لدخول المسرح الدولي وانتزاع صفة اللاعب الأوحد وهو اللاعب الأمريكي.
استنادا إلى هذه الحقيقة فإنّ غطرسة الهيمنة والتي عكستها محاضرة وزيرة الخارجية في عهد دارة بوش (رايز) وجسدتها ممارسات أمريكية على الأرض في أفغانستان والعراق والموجهة الآن إلى سوريا وإيران لا تستقيم مع الدعوة إلى الحرية والديمقراطية، ولا يمكن لأي تحليل أن يستقيم في نظر أوساط الملاحظين دون أن يصار إلى القيام بعملية استقصاء علمي للأهداف الأمريكية التي تقف خلف هذه الأطروحة وهي أهداف يمكن أن نجملها -كما أسلفنا- في هدف رئيسي واحد هو الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط بجناحيه العربي والإسلامي.
ويبقى بعد ذلك السؤال المحوري: كيف تقيم الولايات المتحدة مشروع الشرق الأوسط الكبير؟.
يمكننا الحديث هنا عن استخدام آليات ووسائل هدم لا وسائل بناء، مازلنا نتذكر دعاوى أمريكية ظلت تتردد عنذ مجيء إدارة (بوش) ثم خليفتها إدارة (أوباما) يمكن إجمالها في عدة عبارات “لا بدّ من الهدم لإعادة البناء على أسس جديدة، إعادة هيكلة الأوضاع في المنطقة ورسم خريطة جديدة بمكونات جديدة”.
هذه المصطلحات التي حفلت بها الأدبيات السياسية والعسكرية والاقتصادية الأمريكية عكست بجلاء طبيعة الوسائل المستخدمة لتحقيق هذه الأهداف وفي مقدمتها الهيمنة.


استخدام القوة العسكرية في عملية الهدم والتقويض للكيانات القائمة أي استخدام العنف.
تطبيق سياسة التفتيت لتقويض الكيانات القائمة انطلاقا من سياسة “فرّق تسد”.
الفرض القسري لأنماط التفكير والحياة الأمريكية على الدول المشكلة لما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط الكبير أو الشرق المسلم بدعوى فرض الديمقراطية ونشر الحرية وحقوق الإنسان، وتحت عناوين أخرى لا تنسجم مع خصوصيات المنطقة.

هذه هي محددات الحركة الأمريكية إلى منطقة الشرق الأوسط الكبير التي تتواصل دون توقف.
وقد ترتب على هذا الاستخدام لتلك الآليات أن تعرّض العراق للاجتياح وتطبيق نموذج التفتيت والتشظي وإشاعة الاضطراب والفوضى، ويمكن لأي منصف أن يقدّم ما حدث في العراق وأفغانستان كمثال على كيفية بناء الشرق الأوسط الكبير في المفهوم الأمريكي ولقياس خطورة هذا المشروع على دول أخرى.
هذا النموذج الذي وجد تطبيقا له في العراق يعتبر نموذجا لبناء وتأسيس هيمنة أمريكية على منطقة تختزن في باطنها أكبر احتياطات نفطية تمتد من حقول الخليج والعراق حتى بحر قزوين والقوقاز.
ما يحصل على صعيد تطبيق المشروع الأمريكي هو التزاوج بين العوامل الإيديولوجية “مواجهة الخطر الإسلامي المقترن بالإرهاب” بالعوامل الاقتصادية والإستراتيجية واعتماد عوامل سياسية وثقافية مثل نشر الديمقراطية والحرية وصولا إلى الهدف الأساسي وهو السيطرة.
ولا نخال أنّ هذه الحقيقة غائبة عن أذهان المفكرين والباحثين ولا حتى على المسؤولين في هذه الدول ممّن يحاولون النجاة من هذه الحملة الأمريكية بمزيد من التقارب مع الولايات المتحدة والتكيف مع توجهاتها.
الخلاصة:
أن أوباما ترسخت لديه القناعة بأنه أنجز ما لم ينجزه سلفه الرئيس الأمريكي جورج ووكر بوش من تحقيق مشروع اليمين مشروع الشرق الأوسط أي مشروع الهيمنة، كما تباهى بأنه لم يضطر لاستخدام القوة على نطاق واسع وإنما في أضيق الأحوال ولكنه اعتمد على آليات ووسائل أخرى منها:
1- تصدر الفوضى الخلاقة “الهدامة” إلى دول عربية، ونعني بتصدير الفوضى ليست الانتفاضات الشعبية التي تفجرت في مصر وفي اليمن وفي البحرين، هذه الثورات أو الانتفاضات هي ثورات فجرها شباب ولاؤه المطلق للوطن سواء كان في نطاقه القطري أو نطاقه العربي القومي، ولكننا نقصد تحديدا الفوضى التي صدرتها الولايات المتحدة وحلف الناتو إلى دول مثل سوريا وإيران سواء عن طريق العمل الاستخباراتي التخريبي أو سواء عن طريق الدول الوظيفية التي وضعت نفسها تحت تصرف الولايات المتحدة مثل السعودية وقطر والبحرين ودول أخرى.
هذه الآلية هي التي تشكل رأس حربة في اليد الأمريكية والأوروبية من أجل تقويض أية قوة ممانعة ضد مشروع الهيمنة الأمريكي المسمى بمشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي فشلت القوات الأمريكية التي غزت العراق والتي قدرت بأكثر من 250 ألف فرد في تحقيقه عن طريق الانطلاق من العراق باتجاه الغرب نحو سوريا وباتجاه الشرق نحو إيران، وكذلك الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان عام 2006 والتي خططت وصممت بين رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت وبين جورج بوش الابن من أجل هدم ما سمي بملاذات محور الشر.
2- نجح أوباما وذلك ترجمة لخطابه الذي ألقاه في جامعة القاهرة وغازل فيه ما سمي بالإسلام البرجماتي المعتدل من أجل تحييده وإيجاد نوعين من الإسلام نوع معتدل يتعاون مع الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة، ونوع متشدد إرهابي يقف في مواجهة الولايات المتحدة.
هذا الغزل قاد أوباما وإدارته إلى إجراء حوارات مع حركات إسلامية سمح لها في ظل أجواء الانتفاضة بأن تشارك في الانتخابات مثل حركة الإخوان المسلمين في مصر وحركة النهضة في تونس وحركة العدالة والتنمية في المغرب.
التقارير الأمريكية تحدثت عن هذا الحوار الذي تولاه سفراء أمريكان في تونس وفي مصر وفي دول أخرى وكذلك أجرته وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون والمبعوث الأمريكي جيفري فيلتمان.
3- تركيا في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية التي خُدع بها الرأي العام العربي عندما تصور أنها ستكون سندا وظهيرا للعرب في معركتهم ضد العدو الإسرائيلي، لم تطلق رصاصة واحدة على إسرائيل رغم إطلاق ملايين التصريحات الطنانة، ولم تنتقم أو تثأر لمقتل 9 أتراك وإصابة 26 آخرين في قافلة الخير على متن سفينة مرمرة التي اعترضها سلاح البحرية الإسرائيلي ووجهت إهانة وصفعة قوية إلى حكومة العدالة والتنمية، وصمتت تركيا وها هي تصمت وهي ترى إسرائيل تقصف على مدى 24 ساعة قطاع غزة فلا تهدد ولا ترسل مقاتلين ولا تضخ السلاح إلى الفلسطينيين بل تضخه وترسل المقاتلين لمقاتلة سوريا، سوريا الشعب، سوريا آخر قلعة في الوطن العربي بقيت ظهيرا للقضية الفلسطينية بعد أن تم إخراج مصر نهائيا من معادلة الصراع وإنهاء دور العراق الذي كان متميزا ومشهودا له في الصراع ضد إسرائيل منذ عام 1948.
المعركة من أجل تحقيق مشروع الشرق الوسط في ظل إدارة أوباما خاضتها ومولتها أطراف عربية على رأسها قطر والسعودية ودول إسلامية على رأسها تركيا.
المنطقتين العربية والإسلامية المشمولتين بمشروع الشرق الأوسط لا يمكن لأي باحث موضوعي ومنطقي إلا أن يصفهما بأنهما تخضعان لاحتلال وسيطرة أمريكية لم تكن لتتحقق لأوباما لولا هذه الأطراف الوظيفية التي استعان بها أوباما لتحقيق مشروعه.
من إعداد: الدكتور حلمي عبد الكريم الزعبي
المركز العربي للدراسات والتوثيق المعلوماتي