المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أبراج عاجية على الرمال!!


Eng.Jordan
05-01-2012, 02:03 PM
فهد بن عبدالله السماري
والأمر المستغرب من المنظور العلمي وليس من منظور اللوبي الإسرائيلي العاجي أن يمثل حدث من الأحداث منطلق تساؤل كبير حول نتائج مؤسسات علمية وأكاديمية معروفة والتشكيك في الفائدة من استمرارها؟!
هذا هو عنوان كتاب ظهر في أواخر العام الماضي في واشنطن على عجل بعد أحداث شهر سبتمبر، ألفه محرر مجلة الشرق الأوسط الفصلية والرئيس السابق لمركز موشي دايان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في تل أبيب الدكتور مارتين كريمر. وقام بنشر الكتاب ودعمه معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى المعروف بأهدافه ونشاطاته المخصصة لدعم إسرائيل في الولايات المتحدة الأمريكية. وضع المؤلف عنوان الأبراج العاجية لكتابه ليعلن أن مؤسسات دراسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة من الأقسام العلمية والمراكز والجمعيات العلمية وبرامج المنح، التي في زعمه حظيت بالدعم الأمريكي على المستوى الفيدرالي طوال العقود الماضية، فشلت في تحذير الولايات المتحدة مما حدث في شهر سبتمبر، لأنها على حد زعمه كانت بعيدة عن واقع المصلحة الأمريكية!! والمصلحة الأمريكية في نظر هؤلاء هي دعم إسرائيل زيادة على ما هو موجود على حساب المصالح الأخرى مهما كانت أهميتها للشعب الأمريكي ومستقبله.
والذي يقرأ هذا الكتاب يتبين له أنه يتكون من دراسات مستقلة لا يجمعها شيء واحد سوى الركض وراء نقد المؤسسات الحالية المهتمة بالشرق الأوسط في الولايات المتحدة في ظل الأوضاع المهيَّأة لتقبل أي خطوط فكرية تفسيرية ربما تؤثر على المستقبل.
والذي يعرفه أي متخصص وأكاديمي أن نقد أي مسيرة أكاديمية أو مجموعة من الدراسات التي تبلورت وتراكمت خلال خمسين عاماً لا يقوم على نقد حفنة من الدراسات والكتب ليصبح الرأي المقتصر على تلك الدراسات حكماً عاماً على جميع الدراسات والبرامج!؟ والأمر المستغرب من المنظور العلمي وليس من منظور اللوبي الإسرائيلي العاجي ان يمثل حدث من الأحداث منطلق تساؤل كبير حول نتائج مؤسسات علمية وأكاديمية معروفة والتشكيك في الفائدة من استمرارها؟! وعلى الرغم من ذلك فإن بعض الدراسات التي صدرت عن بعض تلك المراكز نبهت صنّاع القرار السياسي الأمريكي إلى ضرورة اعتبار بعض التطورات في المنطقة بسبب وجود الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية وعدم تطبيق قرارات الشرعية الدولية.
والواضح هو أن المؤلف نهج في أسلوبه نهجاً سياسياً وعاطفياً في دراسته لكي يصل إلى الدوائر السياسية الأمريكية ويقوم بإقناعها بشيء بعيد عن المنهجية العلمية المتعارف عليها مهما كان اتجاهها. فلقد اختار المؤلف محاور محددة لتوجيه سهامه النقدية غير المنطقية نحو مؤسسات دراسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة ووصفها بأنها أبراج عاجية على رمال الشرق الأوسط والعالم العربي تحديداً بسبب بعدها عن الواقع في رأيه وحيازتها على الدعم الفيدرالي الأمريكي، بينما يبدو من خلال مزاعم المؤلف انه هو الذي يرسم رؤية عاجية مضلِّلة!!
يقول "كريمر": إن الدراسات التي قام بتحليلها تدل - في زعمه - على أن هناك "عاطفة قوية في تلك المؤسسات تجاه الراديكالية في الشرق الأوسط وشكوكاً في دور امريكا ونفوذها العالمي". لم يوضح "كريمر" سبب ذلك علاوة على مبالغته في الوصف، وهو يعلم أن معظم تلك الدراسات التي أوردها كنماذج تعكس حقائق سياسية أسهمت فيها اسرائيل في الدرجة الأولى بسبب الاحتلال والصلف السياسي.
ويقول كريمر "إن هذا الانحياز نتج عنه فهم مشوَّه للتغيير في الشرق الأوسط". ولكن أي تغيير يقصده؟ هل هو تغيير نحو المسار الصحيح؟
ويضيف "كريمر" محوراً جديداً لإثبات مزاعمه ولمداعبة عواطف الدوائر السياسية الأمريكية مستغلاً الأوضاع الراهنة وهو محور الإسلام. فيقول في كتابه: "ان القارئ لتحليلات الأكاديميين خلال العقدين الأخيرين سوف يجد أن الحركات الإسلامية كانت تظهر على أنها قوى معتدلة تنشد الديمقراطية". ويحاول من خلال هذا الزعم أن يبين كيف أن هناك تفسيراً مغايراً للواقع في فهم الحركات الإسلامية مشيراً ضمناً إلى أن الأحداث الأخيرة أثبتت عكس ذلك تماماً كما يزعم. والسؤال هو: هل هذه مقارنة علمية يا ترى؟ أم أنها محاولة مكشوفة لربط الشرق بالغرب دونما اعتبار لوضوح المسافة والاختلاف وحقيقة الواقع؟!
ويزيد "كريمر" من هجومه الشديد والحانق على مؤسسات دراسات الشرق الأوسط دون تردد أو اعتبار للمعقول ومنطق العلم قائلاً: "لقد أصبحت مؤسسات دراسات الشرق الأوسط معقل التطابق في الرأي ومعاداة التنوع الفكري". ويضيف قائلاً: "لقد دفع بمؤيدي الآراء الأخرى إلى هامش هذه الساحة وربما إلى خارج الإطار الأكاديمي". وزاد في نقده المنحاز ليصل باتهامه إلى تلك المؤسسات قائلاً بأنها "امبراطورية الخطأ التي استفادت من ملايين الدولارات الفيدرالية الأمريكية". هل يعقل هذا؟!
الغريب أن "كريمر" لم يستطع أن يقدم دليلاً واضحاً على اتهامه هذا للبنية الأكاديمية الشرق أوسطية بهذا الشكل وإيهامه بأن تلك المؤسسات تدار بشكل ديكتاتوري مطلق. والواضح هو أن "كريمر" ومن يدعم آراءه يريدون من تلك المؤسسات ان تتجه مائة في المائة إلى تأييد الرؤية الإسرائيلية فقط.
وإذا سألت بعض المتخصصين العرب القريبين من بعض مؤسسات دراسات الشرق الأوسط فسوف تلحظ ان هناك نقداً لمعظم تلك المؤسسات من حيث كونها تنحاز أحياناً ضد آرائهم، بل وجّه بعضهم تساؤلات حول سبب عدم نشر دراسات علمية لعدد من الباحثين من العالم العربي قدمت للمجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط التي تصدر عن جمعية دراسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة وأمريكا الشمالية.
والمحور الآخر الذي اختاره المؤلف ليصطاد في الظروف العكرة والمياه الآسنة هو ادوارد سعيد. فلقد استخدم المؤلف أسلحته جميعها ليهدم رؤية سعيد ونظريته العلمية المبنية على أدلة عميقة ومتنوعة التي كشفت جانباً من جوانب الاستشراق.
لقد عجز "كريمر" ان يؤلف كتاباً بحجم "الاستشراق" لادوارد سعيد وذلك لأن ليس لديه أدلة علمية على رؤيته المنحازة وغير الصادقة، كما عجز عن إثبات مواطن الضعف التي يريد أن يصل إليها فاتجه إلى الهجوم والمقارنة مع ما يخدم مصالح إسرائيل من وجهة نظره.
ومن المحاور الأخرى التي استخدمها "كريمر" في هجومه على البنية الأكاديمية الأمريكية المتخصصة في الشرق الأوسط، ما حظيت به الانتفاضة الفلسطينية من كتابات وتحليلات اعتبرها المؤلف خللاً في تلك البنية بينما لم تحظ - في رأيه - إسرائيل بدراسات جديدة في المقابل؟!
وهذا أيضاً أمره غريب لأن معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى وغيره من المؤسسات الأخرى في الولايات المتحدة نشرت الكثير عن إسرائيل وما يخدمها. ولكن الحقيقة التي لا يرغب كريمر في الاعتراف بها هو أن الغالبية من تلك الدراسات سياسية الغاية وعقيمة المنهج مما دعا بالمعهد المذكور أن يقدم خدمة جديدة في معرض كتاب الاجتماع السنوي لجمعية دراسات الشرق الأوسط في عام 2000م في فلوريدا تمثلت في توزيع كتبها بالمجان إذا اشتري أي كتاب من إصداراتها على منهج اشتر كتاباً وخذ الآخر مجاناً!!! هذا هو التسويق العلمي لإصدارات تستهدف أغراضاً معروفة.
ويركز "كريمر" في مجمل كتابه بشكل غير مباشر على الإيهام القائل بأن المراكز والمؤسسات المعنية بالشرق الأوسط في الولايات المتحدة فشلت في التنبؤ بأحداث سبتمبر، متناسياً انه بدراساته المنحازة وبعض المؤسسات التي تدعمه هي من بين الأسباب التي منعت وصول الرأي الصادق إلى دائرة الاهتمام الأمريكي دفاعاً عن إسرائيل وليس عن الولايات المتحدة!؟
ليس مستغرباً أن يدافع كريمر أو معهد واشنطن عن إسرائيل كما هو ليس بمستغرب أن ندافع نحن عن قضايانا العربية وعن الحق والعدالة، ولكن المستغرب هو أن يقوم كتاب مثل هذا بنسف تلك الأبراج العلمية سواء رضينا ببرامجها ونتاجها أم لم نرض، وذلك باستخدام رؤية عاجية تسعى إلى هدم المصالح الأمريكية والعالمية أجمع، وتقوم على تصفية لحسابات قديمة مع بعض المراكز وبعض الأكاديميين الذين لم يقبلوا ببيع قيمهم العلمية وحرصوا على قول الحقيقة العلمية مهما كان الثمن.




المصدر - صحيفة الرياض