المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المصادر الإسرائيلية لمشروع الشرق الأوسط الكبير


Eng.Jordan
05-01-2012, 03:43 PM
بقلم : د‏.‏ سعيد اللاوندي




‏‏ قبل سنوات حدثنا الدكتور عصمت عبدالمجيد‏(‏ وقت أن كان أمينا عاما للجامعة العربية‏)‏ فقال‏:‏ سألني شيمون بيريز رئيس الحكومة الاسرائيلية ذات مرة قائلا‏:‏ متي ستقبلون انضمام إسرائيل الي جامعة الدول العربية‏,‏ فأجبته‏:‏ سوف يحدث ذلك عندما تتكلم إسرائيل اللغة العربية‏.‏

والحق ان هذه الواقعة تكشف ضمن ما تكشف شيئين اساسيين‏:‏ الأول هو ان اسرائيل لا ترتاح كثيرا للجامعة العربية باعتبارها إطارا‏(‏ جامعا وشاملا‏)‏ لكل شعوب المنطقة الناطقة بالضاد والمشتركة في تاريخ وحضارة واحدة‏,‏ ويجمعها امل وألم مشترك‏.‏ وبالتالي فليس مستبعدا ان تخطط يوما لكسر هذا التجمع الذي يعزل ـ بحكم وحدته وتماسكه ـ اسرائيل ويجعلها تقف خارج السرب‏,‏ وهو ما يتنافي مع فلسفة وجودها وهي تفجير المنطقة وزرع اسافين الخلاف بين حكامها ونظمها السياسية لتصبح أشبه بالدمي المتحركة في يدها‏.‏
الشئ الثاني هو ان عصمت عبد المجيد يدرك ـ كأحد الآباء المؤسسين للعمل العربي المشترك ـ ان اللغة ليست مجرد‏(‏ رطانات‏)‏ يترنم بها اصحابها وإنما هي‏(‏ وعاء‏)‏ لثقافة وأدب وفكر يشكل الوجدان العربي‏.‏ ويصبغه بصبغة معرفية‏,‏ ترتبط بتاريخ المنطقة وبدينها الاسلامي الحنيف‏,‏ وبالتالي كان في رده ـ علي بساطته ـ إفحام للسائل لأنه يعلم ان اسرائيل جاءت الي المنطقة لا لتتماهي معها أو تذوب فيها وانما لتهيمن عليها وتعيد صياغتها بما يتواءم مع رغباتها وما تطمح اليه‏.‏

وبذلك فإن المبادرة الامريكية الخاصة بمشروع الشرق الاوسط الكبير او الاوسع او الموسع‏,‏ ليست في الاصل سوي احد اشكال الطموح الاسرائيلي الذي يتعامل مع المنطقة العربية خصوصا المنطقة الوسطي منها‏,‏ وكأنها امتداده الطبيعي من النيل الي الفرات‏..‏ فكأننا ـ والحالة هذه ـ امام مخطط اسرائيلي استعماري ـ واضح المعالم تتبناه ادارة المحافظين الجدد في امريكا وتضعه علي رأس اجندتها في السنوات العشر المقبلة‏.‏
وليس سرا ان الخطوط الكبري للمشروع الشرق اوسطي بل والتفاصيل الدقيقة ايضا قد تحدث عنها بإسهاب شديد شيمون بيريز في كتابه الشرق الاوسط الجديد الذي صدر قبل نحو عشر سنوات وتحدث فيه دون مواربة عن هدم الجامعة العربية‏(‏ التي تقوم علي قاعدة قومية‏)‏ لتحل محلها منظمة تعاون اقليمية تتحرك علي قاعدة‏(‏ فوق قومية‏..)‏

وقال ان ذلك سيكون الرد الوحيد علي الاصولية‏,‏ واضاف ان قيام هيكل اقليمي منظم‏(‏ بدلا من الجامعة العربية‏)‏ سيخلق اطرا جديدة للمنطقة ويوفر القدرة علي النمو الاقتصادي والاجتماعي وإطفاء نيران التطرف وتبريد رياح الثورة الساخنة‏.‏
ولا شك ان رائحة هذه الافكار الاسرائيلية الهادمة للجامعة العربية يمكن ان نشتمها في الصدام الذي وقع بين الامريكان والجامعة العربية إبان الازمة العراقية‏.‏

وكان شيمون بيريز قد اسهب في الحديث عن الاصولية معتبرا اياها ـ كما فعلت المبادرة الامريكية بالتمام والكمال ـ حركة مناهضة للديمقراطية‏...‏ وقال ان الفقر هو ابو الاصولية‏.‏
وليس خافيا ان هذه الافكار هي النبع الفياض الذي نهلت منه لاحقا المبادرة الامريكية التي تتعامل مع المنطقة وكأنها معمل تفريخ للإرهاب بسبب الفقر الناجم ـ في زعمها ـ عن ديكتاتورية الحكام وسوء ادارتهم لموارد البلاد وهو ما يستوجب من وجهة نظر قادة امريكا الحاليين ـ إحداث تغيير شامل في منطقة الشرق الاوسط ـ يتمثل في تحقيق اصلاحات سياسية واقتصادية وادارية والتدخل لتغيير مناهج التعليم والثقافة وفرض الممارسات الديمقراطية‏.‏

والحق ان شيمون بيريز كان الاسبق في الحديث عن هذه التغييرات الجذرية في منطقة الشرق الاوسط عندما تحدث عن ان مشكلة هذه المنطقة في العالم لا يمكن ان تحل علي يد دولة منفردة او حتي علي مستوي ثنائي او متعدد الاطراف‏,‏ فالتنظيم الاقليمي الذي يقترحه هو المفتاح الي السلام والأمن‏,‏ ولسوف يعزز اتساعه الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والازدهار إلا ان هذا التحول لن يتم بسحر ساحر او بلمسة دبلوماسية فتوفير السلام والأمن يقتضي ثورة في المفاهيم‏.‏

‏..‏ اللافت للنظر ان استبعاد المبادرة الامريكية ـ في كل صورها المعدلة وغير المعدلة ـ للقضية الفلسطينية وعدم اعتبارها محورا اساسيا لابد من الارتكاز عليه عند الحديث عن الاصلاح والتحديث في منطقة الشرق الاوسط واتهام قادة المنطقة بأنهم يستخدمون هذه القضية لدغدغة مشاعر الرأي العام العربي والاسلامي وكأنها ورقة يلعبون بها لضمان بقائهم طويلا في مقاعدهم‏..‏ كل هذه الافكار تعتبر محاور رئيسية في فكر شيمون بيريز الذي كتب يقول‏:‏ في الماضي كانت المشكلة الفلسطينية تشكل القضية المركزية في الصراع العربي ـ الاسرائيلي‏..‏ إنه امر لم يعد موجودا الآن‏,‏ فلقد اصبحت القضية المركزية هي السلاح النووي الذي في حال وصوله الي ايدي المتعصبين الدينيين سيشكل خطورة ليس علي الاقليم فحسب وإنما يمتد ليشمل العالم بأسره‏.‏ وينتقد بيريز بلدان الشرق الاوسط ويري انها جعلت من الحرب الباردة حقيقة مركزية في الحياة السياسية‏,‏ وفرصة لاستثمار نزاع عالمي بغية تعزيز النزاعات المحلية ومنها النزاع العربي ـ الاسرائيلي‏..‏ ويؤكد ان الاكثرية العظمي من الزعماء العرب تخطئ بافتراضهم ان الاجلال والاحترام والمكانة الرفيعة يمكن ان تحل مكان الطعام والغذاء إذ انهم يفقدون بصورة تدريجية دعم وتأييد الرأي العام‏..‏ لذلك فإن شعوبهم تجتهد في البحث وبصورة متزايدة ـ عن اجابة في الدعاية الاصولية‏.‏
العجيب ان المفردات التي يستخدمها شيمون بيريز وهو يتحدث عن السوق الشرق اوسطية المشتركة‏,‏ لا تختلف كثيرا عما جاء في دعوة الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش بشأن انشاء منطقة تجارة حرة مع‏23‏ دولة في الشرق الاوسط‏.‏

يبقي اخيرا ان نعترف ـ اعتراف الشجعان‏!‏ ـ بأن امريكا واسرائيل قد اتفقتا معا علي تغيير ملامح منطقة الشرق الاوسط إما بالقوة العسكرية او بالتخويف والوعيد او بالاقناع والمشاركة او حتي بالفوضي‏,‏ وما يحدث في العراق حاليا ليس بعيدا عن الاذهان‏.‏
‏..‏ ولعل هذا ما يعنيه شيمون بيريز بقوله‏:‏ لكي ننقذ مستقبل الشرق الاوسط‏,‏ لا يكفي تسوية خلافاته بشكل ثنائي او متعدد فالمطلوب هو بناء شرق اوسط جديد‏.‏ تكون لاسرائيل فيه اليد الطولي شئنا ذلك أم ابيناه‏!!‏