المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شراء الكربون مقابل تهجير الصناعات الملوثة لبيئة الوطن العربي


Eng.Jordan
05-03-2012, 10:52 AM
http://alwatanalarabi.com//app/***root/img/upload/d9144_hamdy.jpg


بقلم: د. حمدي هاشم
drhhashem@yahoo.com الأربعاء, 01 فبراير 2012
يبوح عمران كوكب الأرض ويئن من بربرية الاستغلال الجائر للموارد الطبيعية، وتوحش الدول الصناعية الكبرى في تعظيم مكاسبها المالية، وتوحد السياسة الدولية في مباركة التدخل العسكري لاحتواء المخزون الاستراتيجي بمكامن الثروات الطبيعية. ناهيك عن حالة التخويف البيئي من الآثار المرتقبة للتغير المناخي العالمي وتكريس هيمنة الدول الغنية على مغانمها بالدول الفقيرة. وذلك بإلزام الدول الفقيرة بالقيود البيئية وزيادة في العبودية الجديدة هجرت إليها الصناعات الملوثة للبيئة. ويؤكد المشهد السياسي تأمين دول التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية للاحتياجات المستقبلية من بترول المنطقة العربية، سواء بالتدخل العسكري المباشر أو بدعمها غير المسبوق لثورات الربيع العربي. وما زالت هناك مناطق كثيرة في دول تستحوذ على ثروات المستقبل ومنها اليورانيوم، على سبيل المثال، ولا تملك القوة لحمايتها واستغلالها الاقتصادي، رهن للسيطرة عليها حسب التوقيت المناسب.

أصبحت دول الوطن العربي ـ ولا سيما مصر ـ بما تملكه من احتياطي استراتيجي من مختلف المواد الخام الأولية، علاوة على بيئة صحراوية غير مستغلة يقولون أنها ما زالت قادرة على تنقية ذاتها مما يلوثها، الملاذ البيئي الآمن لبعض دول قارات أوروبا والأمريكتين للاستثمار الصناعي فيها، بل تهجير صناعاتها غير الخضراء للملاجئ البديلة للتخلص من العبء البيئي المحلى. وقد اجتمع القادة السياسيين والاقتصاديين الأوروبيون على إغلاق المناطق الصناعية ذي المردود السلبي على صحة السكان والبيئة بدولهم المتقدمة أمام الاستثمار في "الصناعات القذرة"، بل تنقيتها بتفكيك مصانعها غير المتوافقة مع البيئة وعرضها للبيع بأبخس الأثمان للمستثمرين المحليين بالدول الفقيرة والمتخلفة، المستهدفة والمؤهلة لاستقبال تلك الصناعات، والتي تفضل سياسات المردود الاقتصادي في المدى القصير على العوائد البيئية الكبيرة في المدى البعيد.

أكدت تقديرات اللجنة الحكومية الدولية لتغير المناخ IPCC (عام 2000)، أن الدول العربية مجتمعة لا تتسبب إلا بحوالي 5% من الحجم الكلى للانبعاثات الحرارية في العالم. ويدل ذلك على فائض كبير في حصة المنطقة العربية من الكربون المسموح به، مما يؤهلها لاستقبال الصناعات المهاجرة ـ ومنها الأسمنت والسيراميك والكيماويات ـ وذلك مقابل شراء الدول الطاردة حصة من الكربون. بل ستنخفض مساهمة الدول العربية مع تجاوز كل من الصين والولايات المتحدة 50% في حجم مجموعة غازات الاحتباس الحراري. أما مصر فنصيبها لا يتعدى 1 % من مجموع ملوثات كافة الدول العربية، أي ما يوازي نحو 0,05% من حجم التلوث الجوى في العالم.

قبل ذلك، دافع اقتصاديون بالبنك الدولي عن سياسة نقل الملوثات والصناعات القذرة من الدول الصناعية إلى الدول النامية (1991)، وذلك بحجة قدرة البيئة الطبيعية على استرداد عافيتها بالدول المستقبلة، وأن نوعية وجودة الهواء فيها ما زالت عند مستويات منخفضة من التلوث مقارنة بفساد هواء لوس أنجلوس أو درجة تلوث الهواء بالمكسيك مثلاً. وقد اتفقت وزارة المالية الأمريكية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، على تشجيع وضرورة استغلال المميزات النسبية بهذه الدول النامية. ومن ناحية أخرى، يحذر على الدول الأوروبية قبل انتهاء المرحلة الأولى لاتفاقية كيوتو للتغير المناخي في 2012 زيادة أي خط لإنتاج الاسمنت، بل يجب عليها تفكيك بعض الخطوط القائمة لتخفيض مساهمتها في تزايد نسبة الكربون العالمي.

نستطيع القول أن رؤوس الأموال الأجنبية قد اتجهت لمصر، مع بداية مشروع الخصخصة الأمريكي (1992). وما لبثت أن استحوذت على قطاع الأسمنت، ومنها رؤوس أموال فرنسية ويونانية وبريطانية وبرتغالية ومكسيكية وإيطالية وهولندية وسويسرية. وبذلك توطنت صناعة الاسمنت ـ بكل أضرارها البيئية ـ وأصبحت مصر دولة مصدرة للاسمنت بعد ما كانت مستوردة له ( تنتج 48 مليون طن سنوياً). وتقدر التكاليف السنوية للخسائر البيئية بمليارات الجنيهات المصرية، نتيجة حصول هذه الصناعة على الطاقة المدعومة من المازوت والغاز الطبيعي. وكذلك الأيدي العاملة الرخيصة، علاوة على تكلفة فرصة العمل البديلة التي تصل ـ بحساب دعم الطاقة فقط ـ بأي مصنع أسمنت إلى 20 مرة قدر مثيلاتها في صناعات أخرى قياساً بصناعة الغزل والنسيج. وأيضاً تدنى سعر الطفلة والحجر الجيري، حيث لا يزال ثمن المتر المكعب لكل منهما يدور حول عشرة مليمات مصريةً (حسب قانون المحاجر لسنة 1956). بالإضافة إلى خسائر أخرى لا تقارن بارتفاع أرباح الطن من الاسمنت المصري للتصدير إلى 24 مرة قدر ربحية مثيله المنتج بدول غرب أوروبا. أضف إلى ذلك تجاوز قانون البيئة المصري المسئولية الاجتماعية لهذه الصناعة المهاجرة.

هنا يدور سؤال، هل تضمن عقد الاتفاق بالبيع ـ في كل صوره ومراحله ـ نصاً صريحاً حول المسئولية الاجتماعية وتكلفتها الاقتصادية التي يجب أن يتحملها بالكامل المشترى الجديد، وهل كان هناك دور يخص وزارة البيئة في مصر كطرف في تقدير أحمال وأعباء التلوث أو كرقيب مشارك بعد انتهاء الصفقة؟، وقد يستلزم ذلك مراجعة صفقات مشروع الخصخصة بالكامل. ونؤكد على ضرورة إعادة النظر في المحاسبة الاقتصادية لمدخلات صناعة الاسمنت من المواد الخام الأولية والطاقة المستهلكة والمجتمع المحلى من أجل ضبط موارد الدخل القومي واستدامة البيئة والتنمية البشرية.. وللحديث بقية.