المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإمبراطورية الأمريكية حين تُؤسس علي الكذب والخداع


Eng.Jordan
05-04-2012, 04:45 PM
بقلم/ خليل العناني * | 25/4/1424 هـ

لم تتخذ قوة عالمية من الكذب والخداع منهاجاً لتحقيق تفوق وسبق عالمي مثلما فعلت الولايات المتحدة في ترويجها للحرب علي العراق، والتي كشفت مدي الزيف والخداع الأمريكي ليس علي شعوب العالم وحدها بل علي الشعب الأمريكي ذاته.
ولم تكن خدعة أسلحة الدمار العراقية سوي حلقة بسيطة في سلسلة الأكاذيب والخدع التي حملها تيار المحافظون الجدد معهم منذ توليهم دفة الأمور في البيت الأبيض قبل أكثر من عامين.
وإذا كان البيت الأبيض يزخر بالفضائح السياسية والجنسية وغيرها، إلا أن فضيحة "عراق غيت" –التي تحاول واشنطن ولندن التملص منها الآن- ستظل واحدة من أعتي الفضائح السياسية في التاريخ البشري، ليس لكونها ارتبطت بأول حرب وأكثرها ضراوة في الألفية الثالثة فقط، ولكن لكونها كانت بمثابة فك عقال "المارد" الأمريكي كي يعيث في الأرض فساداً وفاحشة.
وستظل تمثل هذه الفضيحة الأمريكية سقطة حضارية سيذكرها التاريخ علي الدوام، لأنها تعد سابقة نحو انهيار مفهوم الديمقراطية الذي ما برحت الولايات المتحدة تروج له باعتباره الطريق الوحيدة للخلاص في العراق، في الوقت الذي كانت تضرب بأركانه عرض الحائط.
فمن الآن يصدق أن الشعارات التي رفعتها الولايات المتحدة إبان الاستعداد لحربها علي العراق كانت مجرد هراء وزيف لا أساس له من الصحة ولا وجود له في أرض الواقع، فالعراق حتى هذه اللحظة ما زال يغط في عبثية وانهيار واضح لمختلف مؤسساته التي تعهدت واشنطن بإعادة بناءها علي الطراز الأمريكي القائم علي الخداع والتزييف.
ولم يكن الصلف الأمريكي المستمر تجاه العراق سوي تعبير عن الرغبة في الإعلان عن تغير العالم وأن عهد السيولة الدولية قد ولي وانتهي بلا رجعة، وأن العهد الأمريكي قادم لا محالة، ولذا فلم يكن هناك أي مانع للكذب أو الخداع طالما الهدف الأسمى سيتحقق، وهي بذلك طبقت مقولة ميكافيللي الشهيرة "الغاية تبرر الوسيلة". فالغاية هي إعلان الهيمنة الأمريكية والولوج في القرن الأمريكي الجديد تحت زعامة المحافظين اليهود الجدد وذلك عبر بوابة بغداد.
ولم تكن الأصابع الصهيونية بعيدة عن كل هذا الزخم من الزيف والخداع فمعسكر الحرب بقيادة الوزير المتكبر رامسفيلد ونائبيه وولفتيز وبيرل وغيرهم من المفكرين وأصحاب الأقلام من امثال ويليم كريستول وروبرت كيجان وجون بولتون وفرانسيس فوكوياما وغيرهم كانوا الوقود المغذي لعجلة الحرب الأمريكية علي العراق، فالعقول الصهيونية تخطط والإدارة الأمريكية تنفذ.


فضيحة واشنطن
وليس أدل علي صدق الفضيحة الأمريكية في العراق من ذلك الخلاف القوي بين جهاز المخابرات المركزية (سي أي ايه) الذي أعد تقارير أسلحة الدمار الشامل العراقية، وبين رجال البيت الأبيض وعلي رأسهم الرئيس بوش الذي بُح صوته في الإعلان عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل.
ويكفينا ما أشارت إليه صحيفة "الواشنطن بوست" في 13 يونيو بأن أبحاث وحدة القوات الخاصة السرية والتي أطلق عليها "تاسك فورس 20" والمؤلفة من جنود نخبة من كوماندوس دلتا لم تتوصل إلي أي شئ يمت بصلة لأسلحة الدمار الشامل العراقية، ويبدو أن تلك الأسلحة لم يكن لها وجود سوي في عقل صقور واشنطن وتابعيهم.
والأدهي من ذلك أن هناك معلومات مؤكدة حول تقرير سري أصدرته وكالة الاستخبارات التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" في ديسمبر الماضي تؤكد فيه علي أنها لا تمتلك أدلة مؤكدة علي امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل.
ولم يكن تقريري بوش وبلير اللذين صدرا أواخر العام الماضي حول الأسلحة العراقية سوي ندبة جديدة في جبين واشنطن ولندن، ولم يكن مستغرباً أن يعلن بعض مسئولي الإدارتين عن أن هذين التقريرين لم يكونا سوي محاولة لتبرير الحرب علي العراق.
كذلك لم يكن الوصف التفصيلي الذي عرضه كولن باول أثناء مرافعات مجلس الأمن قبل إعلان الحرب علي العراق وأشار فيه إلي تخزين العراق لأسلحته في شاحنات متنقلة سوي تمثيلية أمريكية أًحكم إعدادها في إطار مسلسل الكذب والخداع الأمريكي، وثبت بالدليل القاطع أنها مجرد حيلة "ملفقة" لإقناع العالم بامتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل.
ويأتي في هذا السياق المعلومات التي تواردت حول وجود تقرير للاستخبارات الأمريكية يؤكد علي عدم وجود " معلومات موثقة حول ما إذا كان العراق قد أنتج أو خزّن أسلحة كيميائية أو أنّه أقام أو سيقيم منشآت لإنتاج عناصر تستعمل في حرب كيميائية." كما يأتي في السياق نفسه ما أدلي به "كريغ تيلمان" مدير مكتب العلاقات العسكرية والإستراتيجية السابق في وكالة الإستخبارات التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية من أنه لم يكن هناك دليل قاطع علي وجود أسلحة كيماوية لدي العراق تبرر الحرب عليه.


فضيحة لندن
وعلى درب حليفه التكساسي سار توني بلير رئيس الوزراء البريطاني وضحي بكل عزيز ونفيس من أجل كسب ود بوش وزمرته، وأصبح مستقبله السياسي علي وشك والاندثار في واحدة من أكثر جرائم القرن زيفاً وخداعاً. فلم يكن التقرير الذي أدلي به بلير أمام مجلس العموم في الرابع والعشرين من سبتبمر الماضي والذي زعم فيه بأن العراق يملك أسلحة دمار شامل يمكنه إطلاقها في مهلة لا تزيد عن 45 دقيقة، سوي دليل علي عقد النية علي السير في الدرب الأمريكي حتي النهاية مهما كلفه ذلك الأمر من خسائر مؤكدة.
وقد تخيل بلير أن الانتصار الكاسح الذي حققته قواته في العراق سينجو به من مشانق الصحافة والإعلام في لندن، فلم يكد يمر شهرين علي سقوط بغداد حتي أفاق بلير علي كابوس الأسلحة العراقية الخادعة التي كثيراً ما تباري بها أمام منافسيه وخصومه من الأوروبيين ومن حزب المحافظين.
وكان اعتراف كل من رئيسي الاجهزة السرية ومكافحة التجسس البريطانيين بأنهما قد هددا بالاستقالة في سبتمبر الماضي احتجاجاً علي مبالغة بلير فيما يخص ملف أسلحة الدمار الشامل العراقية، بمثابة الضربة القاضية التي قد تطيح بحياة بلير ناحية الخروج نهائياً من قصر باكنجهام، وبأكبر فضيحة سياسية في تاريخ التاج البريطاني، ولن ينجيه منها الاعتذار الذي تطالبه به الصحافة البريطانية.
والأنكي من ذلك هو توارد المعلومات حول قيام بلير بسرقة بحث أكاديمي حول الأسلحة العراقية وتزويره كي يبدو دليل إدانة للعراق، وهو ما يكبل بلير بقيود جديدة قد تمس الشرف والكرامة المهنية.


العجرفة الأمريكية
وعلي الرغم من زيادة الضغط الإعلامي والشعبي علي بوش وإدارته لفتح التحقيق حول ملف أسلحة الدمار الشامل العراقية، تظل العجرفة اليمينية الأمريكية ماضية في دربها نحو تجاهل هذا الضغط. وتخرج كوندليزا رايس علي العالم كله كي تؤكد- في استخفاف أمريكي واضح- علي أن الولايات المتحدة ستحصل علي أسلحة الدمار الشامل العراقية إن أجلاً أو عاجلاً.
وعندما شعر بوش نفسه بهذا الضغط اعترف ضمناً بأن إسقاط النظام العراقي السابق كان مهماً بغض النظر عن امتلاكه لأسلحة نووية من عدمه، بل ويؤكد أن قواته ستجد مخابئ تلك الأسلحة في العراق، وهو ما قد ينبئ باحتمالات نقل بعض هذه الأسلحة سراً للعراق في محاولة لتجنب الضغط العالمي واستمرار الزخم الشعبي الذي حققه من حربه علي العراق وذلك استعداداً لجولة الانتخابات الرئاسية القادمة.
ولذا لم يكن مستغرباً أن تخرج علينا أسبوعية "ويكلي ستاندرد" اليمينة المعروفة بمقولات جديدة تبرهن علي صدق المزاعم الأمريكية حول العراق، وتشير إلي أن منهج الضربات الوقائية (preemptive) الذي تنبته استراتيجية الأمن القومي الأمريكية قد فرض وجوب ضرب العراق وعدم الانتظار حتي يباغت الولايات المتحدة بهجوم نووي، ومهما كذبت الإدارة الأمريكية فيما يخص أسلحة العراق فلن يتعد هذا مقدار ما كذب به صدام حسين علي العالم علي مدار ربع قرن علي حد وصف المجلة الشهيرة.
وكانت أخر حلقة في مسلسل الصلف الأمريكي هو رفض الأغلبية الجمهورية في الكونجرس الأمريكي إجراء تحقيق رسمي في شأن ما إذا كانت الحكومة الأمريكية قد أساءت قراءة التهديدات التي كان يشكلها العراق قبل شن الحرب عليه أم أنه قد تم تضخيمها، وذلك تذرعاً بأن إجراء مثل هذا التحقيق قد يلحق الضرر بأجهزة الاستخبارات الأمريكية، وأن الإشراف الروتيني الذي تضطلع به لجان الاستخبارات والقوات المسلحة في الكونجرس سيكون كافيا لتقييم حجم الخطر الذي يشكله العراق.


نزاهة بليكس
وفي مقابل ذلك كله لم يصدق العالم تصريحات هانز بليكس رئيس فرق التفتيش النووي في العراق، من أن العراق لا يمتلك ولا يستطيع امتلاك أي أسلحة في ظل الحظر الذي فرض عليه لأكثر من عشر سنوات كانت كفيلة بهدم أي إمكانات عسكرية ممكنة.
كما جاءت تصريحات بليكس الأخيرة حول ابتزاز الولايات المتحدة له لإدانة العراق كي تميط اللثام حول انهيار المثل الأمريكية حول النزاهة والشرف والأمانة وتعيد العالم إلي أجواء الجاسوسية والخيانة التي سادت أواسط القرن الماضي بين قطبي الحرب الباردة.
ولم يكن غريباً أن يصف بليكس مسئولي الإدارة الأمريكية "بالدناءة والابتزاز" في إشارة واضحة لحجم الضغوط التي تعرض لها إبان توليه التفتيش في العراق.


الإمبراطورية تقوض الديمقراطية
في ظل هذا الزخم من الأكاذيب والأضاليل تظل مقولة بناء العراق الديمقراطي مجرد مهدئ ومسكن يخفي وراءه رغبة أمريكية جامحة للتفرد بالهيمنة العالمية، وتصبح بذلك الديمقراطية علي النهج الأمريكي مثل ديمقراطيات العالم الثالث التي تتحدث أكثر مما تفعل وتقوض أكثر مما تنفتح.
وفي هذا الإطار تظل الممارسات الأمريكية أثناء الحرب علي العراق بدءاً من التضليل الإعلامي وانتهاء بمسلسل الخداع الكبير حول الأسلحة العراقية خير دليل علي تخبط الإدارة الأمريكية الحالية وجنوحها بعيداً عن ثوابت الأمة الأمريكية التي دشنها الآباء المؤسسين للدستور الأمريكي. فقد كشفت الحرب علي العراق أكذوبة الديمقراطية الأمريكية عبر خداع الشعب الأمريكي نفسه الذي انتخب الإدارة الحالية وأعطاها حرية التصرف في الملف العراقي ظناً منه بتمسك هذه الإدارة بالعقد الاجتماعي الذي ربط الشعب الأمريكي بحكومته علي مدار أكثر من أربعة قرون وكانت الشفافية هي الضامن الوحيد لسمو هذه الأمة دون غيرها من الأمم، لذا فسيظل حساب الشعب الأمريكي لإدارته الحالية هو المعيار الأوحد علي استمرار النهج الديمقراطي الراسخ في عقول الأمريكيين، هذا إن لم تكن الإدارة الحالية قد قامت بعمليات "غسيل مخ" للشعب الأمريكي ذاته كما فعلت مع بقية شعوب العالم وقادته.

-------------------------
* كاتب ومفكر مصري