المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ولا عزاء للشعراء‏!‏


يقيني بالله يقيني
05-13-2012, 11:07 AM
http://www.shatharat.net/vb/mwaextraedit4/extra/81.gif

ولا عزاء للشعراء‏!‏
بقلم: فاروق شوشة (http://www.ahram.org.eg/The-Writers/News/WriterTopics.aspx?WID=89)

كنت منشغلا ومهموما بالخبر الذي نقله إلي‏-‏ في أثناء مؤتمر مجمع اللغة العربية الأخير‏-‏ الدكتور ميلود حبيبي رئيس مكتب تنسيق التعريب في المغرب والدكتور علي القاسمي عضو المجمع المراسل المقيم في المغرب منذ سنوات طويلة عن رحيل الشاعر الكبير محمد الفيتوري‏.



وهو الخبر الذي نفاه منذ أيام اتحاد الكتاب السودانيين, فتجدد فرحي بكونه حيا لايزال, وهو الذي أصدر ست عشرة مجموعة شعرية, أشهرها ديوانه الأول أغاني إفريقيا الذي أصدره عام 1955 وهو لايزال طالبا في كلية دار العلوم. وحين ذاق تباشير الشهرة ترك الكلية والدراسة الجامعية وهو في السنة الثالثة, حين أغراه كامل الشناوي بالعمل معه في صحيفة الجمهورية مشرفا علي الصفحة الأدبية فيها.

وكنت منشغلا بالمجموعات الثلاث التي احتشدت بشعر الفيتوري عن افريقيا وكأنما قد أسقط عليها- كما قال محمود أمين العالم- مأساته الذاتية من السواد والزنوجة والفقر والتشرد ومواجهة ذلك كله بالتعالي والكبرياء المصطنعة, وهي: أغاني افريقيا واذكريني يا افريقيا وعاشق من افريقيا. كان شعره في ذلك الوقت أقرب إلي إيقاعات الطبول الافريقية وأناشيد الثوار في الغابات والجبال وصرخات المتمردين الباحثين عن الحرية والثائرين في وجه الاستعمار, والنداءات التي يطلقها واحد منهم, منحته الأقدار فصاحة التعبير ونصاعة البيان: إفريقيا إفريقيا استيقظي* استيقظي من حلمك الأسود/ قد طالما نمت ألم تسأمي*ألم تملي قدم السيد/ قد طالما استلقيت تحت الدجي*مجهدة في كوخك المجهد/ مصفرة الأشواق معتوهة*تبني بكفيها ظلام الغد/ جوعانة تمضغ أيامها*كحارس المقبرة المقعد/ عارية الماضي بلا عزة*تتوج الآتي ولا سؤدد!

كنا نحن المجايلين له بالرغم من فارق السن الكبير, فهو من مواليد عام 1929 ـ كنا نطرب وندهش وننتشي بهذا الشعر الزاعق وهذه اللغة العارية الحادة المدببة, ونري فيه جوهر الشعر وكيمياءه وحقيقته في آن. وهأنذا أعود إليه بعد أن تحررت القارة, وذهب الاستعمار, واسترد السود حريتهم وإنسانيتهم في كل مكان من العالم, فأراه ينتمي إلي حقبة من التاريخ بأكثر من انتمائه إلي ديمومة الشعر وصيرورته.

وأدهشني أن الفيتوري نفسه تنبه إلي هذا حين سأله أحدهم أن يعلل سبب غيابه الشعري الذي امتد بضعة أعوام بعد صدور ديوانه الأول, فأجاب بقوله: هذا الأمر كان مرده إلي أني عشت تلك الأعوام كلها خارج ذاتي, لم أكن أتكلم لغتي, ولا أفكر برأسي, ولا أري بعيني, كنت غريبا في وطني, غريب الوجه والصوت والرائحة, وهكذا وجدتني وقد مات في كل شيء.

لا أدري لماذا وجدتني أفكر في طوفان الشعر مواكبا لثورة الخامس والعشرين من يناير بالفصحي وبالعامية, حتي لقد طبعت عشرات الدواوين امتلأت بشعر من واكبوا هذه الثورة منذ قيامها حتي اليوم, وكم سيبقي منه, في ديوان الشعر المعاصر ليردده الناس في الزمن القادم.

ولماذا أسأل عن الزمن القادم؟ ما الذي سيردده الناس منها وما الذي سيصمد من حصاد هذا الإبداع للوجدان الإنساني الذي استقبل انفجار حدث الثورة بهزة فرح عميقة, ثم تابعها بعين الحلم والأمل, ثم سرعان ما شاهدها وهي في حالات التراجع ثم الانكسار ثم التشرذم والشتات؟.

هل هؤلاء الذين بادروا وواكبوا وعبروا وملأوا حناجرهم بهتاف الشعر قادرون- في ظل غياب الثورة عن الواقع اليومي للناس- علي إنشاد قصائدهم بمثل ما كانوا يمتلكونه من حرارة وإيمان وإصرار ومواجهة عندما نزفت بها أقلامهم وتفجرت بها أرواحهم؟

لقد كتبت ثلاث قصائد عن ثورة الخامس والعشرين من يناير, بدءا بوقفة مع الشهداء, ثم بنداء إلي الثوار أن يصهروا الجميع في سبيكة واحدة, ثم بأغنية حب وإكبار لميدان التحرير أقول في مستهلها: اخلع نعلك/ واخفض رأسك/ واخشع/ هذا ميدان التحرير وقدس الأقداس/ وحبة عين القلب/ ومنطلق الصبوات/ ومعتنق الأنفاس.

ثم ها نحن الآن نمر بالميدان الذي سميته قدس الأقداس ونراه في أحواله المتعاقبة وقد امتلأ بالقذارات البشرية وغير البشرية, وأصبح مستودعا للروائح والمخلفات العفنة, ولخيام هي في حقيقتها صورة من العشوائيات, ومصدر لهذه الروائح الكريهة والسلوكيات الشاذة.

وأقول لنفسي: ألم تكن تحلم بأن يجيء وقت تتصدر فيه هذا الميدان لوحة تذكارية كبري تحمل أوسمة الشرف والمجد لشهداء هذه الثورة ونصبا تذكاريا شامخا يقام تخليدا لأرواحهم وتمجيدا لبطولاتهم.

فإذا بالميدان يصبح في قبضة من احتلوه وورثوه, ورحل عنه الثوار الحقيقيون, سوقا شعبية كريهة وعشوائية بشعة, بعيدة كل البعد عن الحلم الشعري والتصور الوطني والإنساني.

ومن المؤكد أن كثيرا من الشعر الذي صاحب هذه الثورة وغني لها ونشر أورادها وأهازيجها علي الملأ, ينكس رأسه الآن خجلا أمام صورة هذا الواقع المتدني, بعد أن نجح المفسدون والمتربصون والمتواطئون من أعداء الثورة في أن يجعلوا قطاعا كبيرا من الناس يترحمون عليها, وعلي صورتها التي تجسد فيها فوران الالتحام والمشاركة, وشرف الحماس والتقديس:
ولا عزاء للشعراء!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دمتم بخير