المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القلقشندي


يقيني بالله يقيني
05-14-2012, 12:32 AM
http://www.shatharat.net/vb/mwaextraedit4/extra/81.gif

القلقشندي

اسمه :
شهاب الدين أبو العباس، أحمد بن عبدالله بن أحمد القلقشندي (756- 821 هـ)

مولده :
ولد سنة 756هـ = 1355م بقلقشند ( إحدى قرى مديرية القليبوية بالديار المصرية ) من أصل عربي صميم.

تعليمه :
درس القلقشندي بالقاهرة والإسكندرية على أكابر شيوخ العصر ، وتخصص في الأدب والفقه الشافعي ، وبرع في علوم اللغة والبلاغة والإنشاء ، وفي سنة 778هـ أجازة الشيخ ابن الملقن بالفتيا والتدريس على مذهب الإمام الشافعي . وقد تولى بعض الوظائف الإدارية إلى حين ، بيد أن براعته في الكتابة والإنشاء لفتت إليه أنظار رجال البلاط ، ومهدت له سبيل الاضطلاع بالمنصب الذي أهلته له مواهبه الأدبية والفنية ، وهو العمل في ديوان الإنشاء . وقد التحق بخدمة هذا الديوان في سنة 791 في عهد السلطان الظاهر برقوق .

محطات :
-تلقى ترجع شهرة القلقشندي في الجغرافيا إلى مصنفه الموسوعي الضخم صبح الأعشى في صناعة الإنشا الذي يقع في أربعة عشر مجلدًا، اختصره فيما بعد بعنوان ضوء الصبح المُسْفِرْ وجَنَى الدَّوْحِ المُثْمِر .

ويشمل صبح الأعشى وصفًا جغرافياً لنواحي مصر والشام والدول التي لها علاقة بمصر، مع التركيز على النظامين السياسي والإداري. وتنقسم موسوعة صبح الأعشى إلى عشرة أقسام أو مقالات، وتتركز المعلومات الجغرافية في المقالة الثانية، وإن كانت هناك معلومات جغرافية متنوعة في بقية الكتاب.

ما قاله النقاد :
يقول عنه ( محمد شمس الدين ) : القلقشندي أديب صانع وهو صاحب قلم سيال يرتكز على ثقافة واسعة في جميع ميادين العلم والأدب والفن وهو أيضاً ذو أسلوب مشرق الديباجة سلس المأخذ والعطاء .

مؤلفاته :
-صبح الأعشى في كتابة الإنشا
-ضوء الصبح المسفر وجنى الدوح المثمر
-الغيوث الهوامع في شرح جامع المختصرات ومختصرات الجوامع
-نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب
-مآثر الإنافة في معالم الخلافة
-قلائد الجمان في قبائل العربان

وفاته :
توفي سنة 821هـ =1418 م

يقيني بالله يقيني
05-14-2012, 12:34 AM
نصوص مختارة

من كتاب نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب

الفصل الأول في فضل علم الأنساب وفائدته

ومسيس الحاجة إليه لا خفاء أن المعرفة بعلم الأنساب من الأمور المطلوبة والمعارف المندوبة لما يترتب عليها من الأحكام الشرعية والمعالم الدينية فقد وردت الشريعة المطهرة باعتبارها في مواضع‏.‏

منها‏:‏ العلم بنسب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه النبي القرشي الهاشمي الذي كان بمكة وهاجر منها إلىالمدينة فانه لا بد لصحة الايمان من معرفة ذلك ولا يعذر مسلم في الجهل به وناهيك بذلك‏.‏

ومنها‏:‏ التعارف بين الناس حتى لا يعتزي أحد إلى غير آبائه ولا ينتسب إلى سوى أجداده وإلى ذلك الاشارة بقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وانثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا ‏"‏‏:‏ وعلى ذلك تترتب أحكام الورثة فيحجب بعضهم بعضًا وأحكام الأولياء في النكاح فيقدم بعضهم على بعض واحكام الوقف إذا خص الواقف بعض الأقارب أوبعض الطبقات دون بعض وأحكام العاقلة في الدية حتى تضرب الدية على بعض العصبة دون بعض وما يجري مجرى ذلك فلولا معرفة الانساب لفات ادراك هذه الامور وتعذر الوصول اليها‏.‏

ومنها اعتبار النسب في الامامة التي هي الزعامة العظمى وقد حكى الماوردي في الاحكام السلطانية الاجماع على كون الامام قرشيا ثم قال‏:‏ ولا اعتبار بضرار حيث شد فجوزها في جميع الناس فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الأئمة من قريش ولذلك لما اجتمع الانصار يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سقيفة بني ساعدة وأرادوا مبايعة سعد بن عبادة الانصاري احتج عليهم الصديق رضي الله تعالى عنه بهذا الحديث فرجعوا إليه وبايعوه وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ قدموا قريشا ولا تتقدموها‏.‏

قال أصحابنا الشافعية‏:‏ فان لم يوجد قرشي اعتبر كون الإمام كنانيًا من ولد كنانيا من ولد كنانة بن خزيمة فان تعذر اعتبر كونه من بني اسماعيل عليه السلام فإن تعذر اعتبر كونه من اسحاق فان تعذر اعتبر كونه من جرهم لشرفهم بصهارة اسماعيل بل قد نصوا أن الهاشمي أولى بالإمامة من غيره من قريش‏.‏

فلولا المعرفة بعلم النسب لفاتت معرفة هذه القبائل وتعذر حكم الإمامة العظمى التي بها عموم صلاح الأمة وحماية البيضة وكف الفتنة وغير ذلك من المصالح‏.‏

ومنها اعتبار النسب في كفاءة الزوج للزوجة في النكاح عند الشافعي رضي الله عنه حتى لا يكافئ الهاشمية والمطلبية غيرها من قريش ولا يكافئ القرشية غيرها من العرب ممن ليس بقرشي وفي الكنانية وجهان أصحهما أنه لا يكافئها غيرها ممن ليس بكناني ولا قرشي وفي اعتبار النسب في العجم أيضًا وجهان أصحهما الاعتبار فاذا لم يعرف النسب تعذرت معرفة هذه الاحكام ومنها مراعاة النسب الشريف في المرأة المنكوحة فقد اثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ تنكح المرأة لأربع لدينها وحسبها ومالها وجمالها فراعى صلى الله ومنها‏:‏ التفريق بين جريان الرق على العجم دون العرب على مذهب يرى ذلك من العلماء وهو أحد القولين للشافعي رضي الله عنه فاذا لم يعرف النسب تعذر عليه ذلك إلى غير ذلك من الأحكام الجارية هذا المجرى وقد ذهب كثر من الأئمة المحدثين والفقهاء كالبخاري وابن اسحاق والطبري إلى جواز الرفع في الأنساب احتجاجًا بعمل السلف فقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه في علم النسب بالمقام الأرفع والجانب الأعلى وذلك أول دليل وأعظم شاهد على شرف هذا العلم وجلالة قدره وقد حكى صاحب الريحان والريعان عن أبي سليمان الخطابي رحمه الله أنه قال‏:‏ كان أبو بكر رضي الله عنه نسابة فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فوقف على قوم من ربيعة فقال‏:‏ ممن القوم‏.‏

قالوا‏:‏ من ربيعة‏.‏

قال‏:‏ وأي ربيعة أنتم أمن هامتها أم من لهازمها قالوا‏:‏ بل من هامتها العظمى‏.‏

قال أبو بكر‏:‏ ومن أيها‏.‏

قالوا‏:‏ من ذهل الأكبر‏.‏

قال أبو بكر‏:‏ فمنكم عوف الذي يقال له لا حر بوادي عوف‏.‏

قالوا لا قال‏:‏ أفمنكم بسطام بن قيس ذو اللواء أبو القرى ومنتهى الاحياء‏.‏

قالوا لا قال‏:‏ أفمنكم الحوفزان ‏"‏ الحارث بن ئريك ‏"‏ قاتل الملوك وسالبها نعمها وانفسها قالوا لا‏.‏

قال‏:‏ أفمنكم المزدلف ‏"‏ ابن أبي ربيعة ابن ذهل بن شيبان ‏"‏ الحر صاحب العمامة الفردة قالوا‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ أفمنكم الملوك من كندة قالوا‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ أفمنكم أصهار الملوك من فقام إليه غلام من شيبان يقال له دغفل وقد بقل وجهه فقال‏:‏ إن على سائلنا أن نسأله والعبء لا تعرفه أو تحمله يا هذا إنك قد سألت فأخبرناك ولم نكتمك شيئًا من خبرنا فممن الرجل قال أبو بكر‏:‏ أنا من قريش‏.‏

قال بخ بخ أهل الشرف والرئاسة‏.‏

فمن أي القرشيين أنت قال‏:‏ من ولد تيم بن مرة‏.‏

قال الفتى‏:‏ امكنت والله الرامي من صفاء الثغرة‏.‏

أفمنكم قصي بن كلاب الذي جمع القبائل من فهر وكان يدعى مجمعًا قال‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ أفمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه قال‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ أفمنكم شيبة الحمد مطعم طير السماء الذي كأن وجهه قمر يضيء في الليلة الظلماء قال لا‏.‏

قال أفمن المفيضين بالناس أنت قال‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ أفمن أهل الندوة أنت قال‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ أفمن أهل السقاية أنت قال‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ أفمن أهل الرفادة أنت قال‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ أفمن أهل الحجاجة أنت‏!‏ قال‏:‏ لا‏.‏

واجتذب أبو بكر رضي الله عنه زمام ناقته فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الفتى‏:‏ صادف درأ السيل درأ يدفعه يهيضه حينًا وحينًا يصدعه أما والله يا أخا قريس لو ثبت لاخبرتك أنك من زمعات قريش ولست من الذؤائب أو ما أنا بدغفل‏.‏

قال‏:‏ فاخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبسم‏.‏

فقال علي رضي الله عنه يا أبا بكر لقد وقعت من الغلام الاعرابي على باقعة‏.‏

قال أجل يا أبا الحسن‏:‏ ما من طامة إلا وفوقها طامة وإن البلاء مؤكل بالمنطق‏.‏

ودغفل هذا هو دغفل بن حنظلة النسابة الذي يضرب به المثل في النسب وقد كان له معرفة بالنجوم وغيرها أيضًا من علوم العرب قدم مرة على معاوية إبن أبي سفيان في خلافته فاختبره فوجد رجلًا عالمًا فقال‏:‏ بم نلت هذا يا دغفل‏.‏

قال‏:‏ بقلب عقول ولسان سؤول وآفة العلم النسيان‏.‏

فقال اذهب إلى يزيد فعلمه النسب والنجوم‏.‏

وقد ذكر أبو عبيدة أن ممن يقاربه في العلم بالانساب من العرب زيد ابن الكيس النمري من بني عوف بن سعد بن تغلب إبن وائل وفيه دغفل المقدم ذكره يقول مسكين بن عامر الشاعر‏.‏

فحكم دغفلا وارحل إليه ولا تدع المطي من الكلال أو ابن الكيس النمري زيدًا ولو أمسى بمنخرق الشمال وممن كان مقدما في النسب من العرب النجار بن أوس بن الحارث بن سعيد ابن هذيم العذري من قضاعة‏.‏

فقد قال أبو عبيدة‏:‏ أنه أنسب العرب‏.‏

وقد صنف في علم الأنساب جماعة من جملة العلماء وأعيانهم كأبي عبيدة والبيهقي وابن عبد البر وابن هرم وغيرهم وهو دليل شرفه ورفعة قدره‏.‏

في بيان ما يقع عليه اسم العرب وذكر أنواعهم وما ينخرط في سلك ذلك أما من يقع عليه اسم العرب فقد قال الجوهري في صحاحه العرب جيل من الناس وهم أهل الامصار والاعراب سكان البادية والنسبة إلى العرب عربي والى الأعراب أعرابي والذي عليه العرف العام اطلاق لفظة العرب مشتقة من الأعراب وهو البيان أخذًا من قولهم أعرب الرجل عن حاجته إذا أبان سموا بذلك لأن الغالب عليهم البيان والبلاغة ثم أن كل من كان عدا العرب فهو عجمي سواء الفرس أو الترك أو الروم وغيرهم وليس كما تتوهمه العامة من اختصاص العجم بالفرس بل أهل المغرب إلى الآن يطلقون لفظ العجم على الروم والفرنج ومن في معناه‏.‏

أما الأعجم فانه الذي لا يفصح في الكلام وإن كان عربيًا ومنه سمي زياد الأعجم الشاعر كان عربيًا‏.‏

وأما أنواع العرب فقد اتفقوا على تنويعهم إلى نوعين عاربة ومستعربة‏.‏

فالعاربة هم العرب الأولى الذي فهمهم الله اللغة العربية ابتداءٍ فتكلموا بها فقيل لهم عاربة أما بمعنى الراسخة في العروبية كما يقال ليل لائل وعليه ينطبق كلام الجوهري‏.‏

وأما بمعنى الفاعلة للعروبية والمبتدعة لها لما كانت أول من تكلم بها‏.‏

قال الجوهري‏:‏ وقد يقال فيهم العرب العرباء‏.‏

والمستعربة هم الداخلون في العروبية من بعد العجمة أخذًا من استفعل بمعنى الصيرورة نحو استنوق الجمل إذا صار في معنى الناقة لما فيه من الخنوثة واستحجر الطين إذا صار في معنى الحجر ليبسه‏.‏

قال الجوهري وربما قيل لهم المستعربة ثم اختلف في العاربة والمستعربة فذهب ابن اسحاق والطبري إلى أن العاربة هم عاد وثمود وطسم وجديس واميم وعبيل والعمالقة وعبد صنم وجرهم وحضر موت وحضوراء وبنو ثابر والسلف ومن في معناهم‏.‏

والمستعربة بنو قحطان بن عابر وبنو اسماعيل عليه السلام لأن لغة عابر واسماعيل عليه السلام كانت عجمية أما سريانية واما عبرانية فتعلم بنو قحطان العربية من العاربة ممن كان في زمانهم وتعلم بنو اسماعيل العربية من جرهم ومن بني قحطان حين نزلوا عليه وعلى أمه بمكة‏.‏

وذهب آخرون منهم صاحب تأريخ حماة إلى أن بني قحطان هم العاربة وأن المستعربة هم بنو اسماعيل فقط والذي رجحه صاحب العبر‏:‏ الرأي الأول محتجًا بأنه لم يكن في بني قحطان من زمن نوح عليه السلام وإلى عابر من تكلم بالعربية وإنما تعلموها نقلًا عمن كان قبلهم من عاد وثمود ومعاصريهم ممن تقدم ذكرهم ثم قد قسم المؤرخون أيضًا العرب إلى بائدة وغيرها‏.‏

فالبائدة هم الذين بادوا ودرست آثارهم كعاد وثمود وطسم وجديس وجرهم الأولى ويلحق بهم مدين فانهم ممن ورد القرآن بهلاكهم وغير البائدة وهم الباقون في القرون المتأخرة بعد ذلك كجرهم الثانية وسبأ وبني عدنان ثم منهم من باد بعد ذلك كجرهم ومن تأخر منهم إلى زماننا كبقايا سبأ وبني عدنان‏.‏

يقيني بالله يقيني
05-14-2012, 12:39 AM
من كتاب صبح الأعشى في صناعة الإنشا


الفصل الأوّل في فضل الكتابة

أعظم شاهد لجليل قدرها وأقوى دليل على رفعة شأنها أن اللهّ تعالى نسب تعليمها إلى نفسه وآعتدّه من وافر كرمه وإفضاله فقال عز آسمه‏:‏ ‏"‏ أقرأ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم عَلَّمَ الإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ‏"‏ مع ما يُروي أن هذه الآية والتي قبلها مفتَتَح الوحي وأوّل التنزيل على أشرف نبيّ وأكرم مرسَل صلى الله عليه وسلم وفي ذلك من الاهتمام بشأنها ورفعة محلها ما لا ثم بيَّن شرفها بأن وصف بها الحَفَظة الكِرام من ملائكته فقاق جلَّت قدرته‏:‏ ‏"‏ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كاتبِين ‏"‏ ولا أعلى رتبه وأبذخ شرفاً مما وصف وصف الله تعالى به ملائكته ونعت به حفظته ثم ذات ذلك تأكيداً ووفر محله اجلالاً وتعظيماً بأن أقسم بالقلم وهو الة الكتابة و ما يسطر به فقال تقدست عظمته ‏"‏ ن والقلم ومايسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون ‏"‏ والإقسام لا يقع منه سبحانه إلا بشريف ما أبدع وكريم ما آخترع‏:‏ كالشمس والقمر والنجوم ونحوها إلي غير ذلك من ألايات الدالة على شرفها رفعة قدرها‏.‏

ثم كان نتيجةُ تفضيلها واثرة تعظيمها وتبجيلها أن الشارع نَدَب الي مقصدها السنى وحثً على مطلبها الأغنى ففال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ قيِّدُوا العِلْم بالكتاب مشيراً الي القرض المطلوب منها وغايتتها المجتناة من ثمرتها وذلك أن كان ذيَ صَنْعة لا بدَ له في معانات من مادة جسمية تظهر فيها الصورة والة تؤىّ الى تصويرها وغرض ينقطع الفعل عنده وغاية تسْتَثْمر من صنعته‏.‏

والكتابة أحدى الصنائع فلا بدَّ فيها من الأمور الأربعة‏.‏

فمادتها الألفاظ ألتي تخَيَّلها الكاتب في أوهامه وتصوًر مِن ضم بعضها إلى بعض صورةً باطنة في نفسه بالقوة ة والخَطُّ الذي يخطه القلم ويقيد به تلك الصُّوَر وتصير بعد أن كانت صورة معقولة باطنة صورةً محسوسة ظاهرة - وآلتها القلم‏.‏

وغرضها الذى ينقطع الفعل عنده تقييدُ الألفاظ بالرسوم الخطية فتكمل قوّة النطق وتحصل فائدة للأبْعد كما تحصل للأقرب وتحفظ صًوره ويؤمن عليه من التغير والتبدل وأاضًياع‏.‏

وغايتها الشيء المستثمر منها وهي انتظام جمهور المَعاون والمَرافق العظيمة العائدة في أحوال الخاصة والعامّة بالفائدة الجسيمة في أمور الدين والدنيا‏.‏

ولما كان التقيد بالكتابة هو المطلوب وقع الحفُرّ من الشارع عليه والحث على ألاعتناء به تنبيهاً على أن الكتابة من تمام الكمال من حيث أن العمر قصير والوقائعَ متسعة وماذا عسى أن يحفظه الإِنسان بقلبه أو يحصلَه في ذهنه‏.‏

لاد ذو الرمة لعيسى بن عمر‏:‏ ‏"‏ اكتب شِعِرِي فالكتابُ أعجبُ إليّ من الحفظ إن الأعرابيّ لينسى الكلمة قد سَهِرتُ في طلبها ليلةً فيضَع موضِعَها كلمة في وزنها لا تساويها والكتاب لا ينسى ولا يبدّل كلاماً بكلام ‏"‏‏.‏

وقد أطنب السلف في مدح الكتابة والحث عليها فلم يتركوأ شأْوًا لمادح حتّى قال سعيد بن العاص‏:‏ ‏"‏ مَنْ لم يكتبْ فيمينه يُسرى ‏"‏‏.‏

وقال مَعن بن زائدة‏:‏ ‏"‏ إذأ لم تكتب اليد فهي رِجْل ‏"‏‏.‏

وبالغ مكحول فقال‏:‏ لا دية ليد لا تكتُب ‏"‏‏.‏

قال الجاحظ‏:‏ ولو لم يكن من فضل الكتابة إلا انه لا يسَجِّل نبيّ سِجِلأً ولا خليفة مرضيّ ولا يقرأ كتاب على منبر من منابر الدنيا إلا إذا آستُفْتِح بذكر اللهّ تعالى وذكر رسوله صلى الله عليه وسلم وذكر الخليفة ثم يذكر الكتاب كما هو مشهور في السجلات التي سجلها رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم لأهل نَجران وغيرهم وأكثرها بخط أمير المؤْمنين عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه في شرفه ونبله وسابقته ونجدته‏.‏

ومن ثم قال المؤيد‏:‏ ‏"‏ الكتابة أشرف مناصب الدنيا بعد الخلافة إليها ينتهِي الفضل وعندها تقف الرغبة ‏"‏‏.‏

ومن كلام أبي جعفر ‏"‏ الفضل بن أحمد ‏"‏ في جملة رسالة الكتابة أس المُلك وعماد المملكة وأغصان متفرقة من شجرة واحدة‏.‏

والكتابة قُطْب الأدب وملاك الحكمة ولسان ناطق بالفصل وميز أن يدل على رجَاحة العقل الكَتابة نور العلم وفِدَامة العقول ومَيْدأن الفضل والعدل‏.‏

والكتابة حلْية وزينة ولَبُوس وجمال وهَيْبة ورُوح جارية في أقسام متفرقة والكتابة أفضل درجةً ‏"‏ آرفع منزلة و من جهل حق الكتابة فقد وُسِم بوسم الغواة الجَهَلة وبالكتابة والكتَّاب قأمت السياسة والرياسة ولو أن فضلاً ونُبْلاً تصوّرا جميعاً تصوروت الكَتابة ولو ان في الصناعات صناعةً مربُوبة لكانت الكتابة ربًّا لكل صنعة ‏"‏‏.‏

قال صاحب موادّ البيات‏:‏ ومن المعلومات جميع الصنائع وسائل إلى دَرك المطالب ونَيل الرغائب و ان عوأئدها متفاضلة في الكثرة والقلة بحسب تفاضلها في الرفعةْ والضَّعة إذ كان منها ما لا يفي بالبُلْغة من قوَام العيش‏:‏ نحو الصنائع المهِينة السُّوقية الداخلةِ في المرافق العامية ومنها ما يوصل إلى الثروة ويجاوز حدّ الكفاية ويْحظى بالمال والنِّعم الخطيرة وهي الصنائع الخاصَة وإِذأ تؤمل ما هذه صفته منها علِم انه ليس منها ما يلحق بصناعة الكَتابة وألا يساويها في هذا النوع ولا ما يكسب ما تُكْسِبه من الفوائد والمعاون مع حصول الرفاهِيَة والتنزه عن دَنَاءة الَمكاسب ولا ما يوصل إليه من الحظوية ورَفاهِيَة العيش ومشاركة الملوك في آقتتاء المساكن الفسيحة والملابس الرفيعة والمراكب النبيلة والدوابّ النفيسة والخَدَم المستحسَنة وغير ذلك من آلات المروءة والأدوات الملوكية في أقرب المُدَد وأقل الأزمنة وناهيك بذلك من فضل هذه الصناعة وشرفها وآرتفاع خَطَرها وسمو قَدْرها إذ كان لها سَعَة لمثل هذه الجدوى التي لا يوجد مثلها في غيرها من الصنائع‏.‏

وكفى بالكتابة شرفاً ان صاحب السيف يزاحم الكاتب في قلمه ولا يزاحمه الكاتب في سيفه‏.‏

قال في موادّ البيان‏:‏ ‏"‏ ومن ثَمّ صار السلطان الذي هو رئيسُ الناس ومستخْدِم أرباب كلِّ صناعة ومُصَرِّفهم على أغراضه يفتخر بأن تكون فضيلتها حاصلةً له مع ترفُّعه عن التلبس بصناعة من الصنائع الحسنة وأَنَفته أن يقر اسمٌ من أسمائها عليه ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وذلك انا نرى كل ملك وسلطان يُوْثر ان يكونَ له حظ من بلاغة العِبارة وجَوْدة الخط وفي ذلك ما يدل على انها أشرث الصنائع رتبةً وأعلاها درجة وأن المشاركين للسلطان فيها ممن تكتنفه سياسته أفضلُ من سائر المُتَّصِلين بغيرها من الصنائع الاخَرة فقد عُلم ان الصنائع كلَّها مَعاوِن ومَرَافق لا تنتظم عِمَارة العالم إلا بتضافرها ومُرأفَدَةِ بعضها لبعض‏.‏

وإنها على ضريين‏:‏ خاصية وعامية فالعاميَّة صنائع المَهَنة وأهل الأسواق والحِرَف وإن شاركهم الخاصَة في الحاجة إليها لأنّ بها تنتظم أمورُ المعاملات وتعمر البلاد والخاصية التي تقع في حيِّز الملوك والسلاطين ويتوزَّعها أعوانُهم و اتباعهم وهذه الصنائع انما يقع التميير بين أقدارها بالنظر إلى مقدار عائدتها في أمور المُلك والسلطان والرعية مما كان معلَّقاً بالأمر الأهمّ وكانت لحاجة إليه ألزم وقدر المنفعة به أجسم والفساد العائد بوقع خَلَل فيه على أسباب المملكة أعظم ة ومرتبته في الصنائع الخاصة أشرف وألطف‏.‏

وليس من الصنائع صناعةٌ تجمع هذه الفضائل إلا صناعة الكتابة وذلك لان الملك يحتاج في انتظام أمور سلطانه الإ ثلاثة أشياء لا ينتظم ملكه مع وقوع خلل فيها‏:‏ أحدها رسم ما يجب ان يُرْسَم لكلٍّ من العمال والمكاتبِين عن السلطان ومخاطبتهم بما تقتضيه والثانىِ آستخراج الأموال من وجوهها وآستيفاء الحقوق السلطانية فيها‏.‏

والثالث تفريقها في مستحقها من أعوان الدولة وأوليائها الذين يحمُون حَوْزَتها ويسدُّون ثُغورها ويحفظون أطرافها ويذبّون عنها وعن رعاياها وغير ذلك من وجوه النفقات الخاصة والعامة ة ومعلومات هذه الأعمال لا يقوم بها إلا كُتَّاب السلطان ولا سبيل للكُتَّاب إلى الكتابة فيها إلا بالتدبر في صناعة الكتابة فهي إذَنْ من أشرف الصنَائع لعظيم عائدتها على السلطان ودولته‏.‏

قال الجاحظ‏:‏ ‏"‏ من أبْيَن فضلها ان جعلت في عِلْية الناس ‏"‏‏.‏

قال صاحب موادّ البيان‏:‏ ‏"‏ وقد عُرِفات الذين وضعوها وابتدهوها ورسموا رسومها هم الأنبياء عليهم السلام ‏"‏‏.‏

وقد ذكر علماء التاريخ ان يوسف عليه السلام كان يكتُب للعزيز وهارونَ ويوشع بن نون كانا يكتبانِ لموسى عليه السلام وسليمان بن دواد كان يكتب لأبيه وآصف بن برخيا ويوسف بن عنقا كانا يكتبان لسليمان عليه السلام ويحيى بن زكريا كان يكتب للمسيح عليه السلام‏.‏

وقد انتقل جماعة منها الإ الخلافة‏.‏

فأبو بكر كان يكتب لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثم صارت الخلافة إليه بعد ذلك‏.‏

وعمر بن الخطاب كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ثم صارت الخلافة إليه‏.‏

وعثمان بن عفان كان لكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ثم كتب لأبي بكر بعده ثم صارت الخلافة إليه‏.‏

ومعاوية كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ثم صارت إليه فيما بعْد وعبد الملك بن مروان كان يكتب لمعاوية بن أبي سفيان ثم انتقل الأمر إليه‏.‏

إلى غير هؤلاء من أهل هذه الصنعة ممن فَرَع الذروة العَليَّة من السيادة والسَّنام الباذخ من الرياسة على تغير الدّول وتنقلها بين العرب والعجم ة وفي ذلك ما يدل على علوِّ خَطَرها وآرتفاع قدرها‏.‏

قال صاحب العقد‏:‏ وقد تنبه قوم بالكتابة بعد الخُمُول وصاروا إلى الرتب العلية والمنازل السنية‏.‏

منهم سرجون بن منصور الرومي كان روماً خاملاً فَرَفعته الكتابة وكتب لمعاوية ويزيدَ بن معاوية ومَرْوانَ بن الحكم وعبدِ الملك بن مَرْوان ة ومنهم حَسَان النَّبَطيّ كاتب الحجاج وسالمٌ مولى هشام بن عبد الملك وعبد الحميد الأكبر وعبد الصمد وجَبَلة بن عبد الرحمن وقَحْذم جدّ الحجاج بن هشام القَحْذَميّ وهو الذي قلب الدواوين من الفارسية إلى العربية والربيعُ والفضلُ بن الربيع ويعقوب بن داود ويحيى ابن خالد وجعفر بن يحيى وابن المقفَع والفضل بن سهل والحسن بن سهل وجعفر بن الأشعث وأحمد بن يوسف وأبو عبد السلام الجُنْد َيْسابوريّ‏.‏

وأبو جعفر محمد بن عبد الملك الزيات والحسنُ بن وهب وإبراهيم بن العباس الصولي ونجاح بن سلمة وأحمد بن عبد العزيز‏.‏

وزاد صاحب الريحان والريعان‏:‏ مروانَ بن الحكم وعبد َالملك بنَ مروان‏.‏

قلت‏:‏ وهؤلاء بعض من شرفته الكتابة ورفعت قدره ولو اعتبر من شرُف بالكتابة وارتفع قدرُه بها لفاتوا الحصر وخرجوا عن الحدّ‏.‏

وهذا الوزير المهلبيّ كان في أوّل أمره في شدّة عظيمة من الفقر والضائقة وكان قد سافر مرة ولقي في سفرهِ ضيقةً حتى اشتهى اللحم ولم يقدر عليه فقال آرتجالاً‏:‏ ألا مَوْت يُبَاعُ فأشْتَرِيه‏!‏ فهذا العَيْشُ ما لا َخيْرَ فيه‏!‏ ألا موت لذيذُ الطعْم ياتي يُخَلِّصنِي من المَوْتِ الكريهِ‏!‏ ألارَحِمَ المُهَيْمنُ نَفْسَ حُرٍّ تصدّق بالوَفَاةِ على أخيه‏!‏ وكان معه رفيق له فاشترى لحماً وأطعمه‏.‏

ثم ترقّى بالكتابة حتَّى وُزِّر لعزّ الدولة بن بويه الديلمي في جلالة قدره‏.‏

وهذا القاضي الفاضل أصله من بَيْسان من غير بيت الوزارة رفعتْه الكتابة حتَّى وُزِّر للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وعلَتْ رتبته عنده حتى بلغ من رتبته لديه ان كان يكتب في كتب السلطان صلاح الدين عن نفسه بما أحب فكتب مرةً‏:‏ السلام على الملك العزيز آبن السلطان صلاح الدين في كتاب عن أبيه ثم كتب شعراً منه‏:‏ وغريبةٍ قد جِئْتُ فيها أوّلاً ومِن إقْتَفَاها كان بَعْدِي الثانِي فرَسُولَيَ السُّلْطانُ في إرسالها والناسُ رُسْلُهُمُ إلى السئُلْطانِ على دين الصابئة مشدّداً في دينه وبلَغَتْ به الكتابة إلى ان تولى ديوان الرسائل عن الطائع والمطيع وعز الدولة بن بويه وجهد فيه عز الدولة ان يسلم فلم يقعْ له ولما مات رثاه الشريف الرضيّ بقصيدة فلامه الناس لكونه شريفا يرثي صابئياً فقال‏:‏ انما رثيت فضله‏.‏

قال في مواد البيان‏:‏ ‏"‏ ولا عبرة بمَنْ قعد به الجَدُّ وتخلّف عنه الحظ من أهل هذه الصناعة إذ العبرة بالأكثر لا بالقليل النادر‏.‏

على أن المبرز فى هذه الصناعة ان قعدت به الأيام في حالٍ فلا بدِّ أن يُرْفَع قدرُه في أخرى‏.‏

لأن دَوْلة اللفاضل من الوأجبات ودَوْلَة الجاهل من الممكنات خصوصا اذا صادف الكاتب من الفاضل ملكاً فاضلاً أو رئيساً كاملاً فإِنه يوفيه حقه ويرقِّيه إلى حيث آستحقاقه‏.‏

فمن كلام بعض الحكماء‏:‏ تسْقُط الحظوظ في دولة الملك الفاضل فلا يتسنَّم الرتبة العلِيَّة إِلا مستوجبُها بالفضيلة‏.‏

وبالجملة فَفَضْل الكتابهً أكثر من أن يُحصى وأجلَّ من أن يُستقصى ة وإِنما حرِّمت الكتابة على النبي صلى الله عليه وسلم رداً على الملحدين حيثُ نسبوه إلى الاقتباس من كتب المتقدّمين كما أخبر تعالى بقوله ‏"‏ وقالُوا أسَاطيرُ الْأَوّلِين اكْتَتَبَهَا فَهِي تُمْلى عَلْيهِ بُكْرةً وأَصِيلاً ‏"‏ وأكد ذلك بقوله ‏"‏ وما كُنْتَ تَتْلُواْ مِنْ قَبْلِهِ من كِتَابٍ ولا تَخُطُّه بِيَمِينِكَ إذاً لاَرْتابَ المُبْطلُونَ ‏"‏‏.‏

وقد كان صلى الله عليه وسلم‏!‏ يات من القِصَص والأخبار الماضية من غير مُدَارسة ولا نظر في كتاب بما لا يعلمه إلا نبيٌّ كما رُوِيات قريشاً بمكة وَجَهت إلى أليهود‏:‏ ان عرّفونا شيئاً نسألة عنه فبعثوا إليهم ان سَلُوه عن أنبِياءَ أخذوا أحدَهم فرَموْه في بئر وباعُوه فسألوه فنزلت سورة يوسف جملةً واحدة بما عندهم في التوراة وزيادة‏.‏

ققال العتبيّ‏:‏ ‏"‏ الاًمِّيًة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فضيلة وفي غيره نقيصة لأن الله تعالى لم يعلِّمه الكتابة لتمكُّن الإنسان بها من الحيلة في تأليف الكلام واستنباط المعاني فيتوسل الكُفًار إلى أن يقولوا اقتدر بها على ما جاء به‏.‏

قال صاحب موادّ البيان‏:‏ ‏"‏ وذلك أن الإنسان يتوصل بها إلى تأليف الكلام المنثور وإخرأجه في الصُّوَر التي تأخذ بمجامع القلوب فكان عدم علمه بها من أقوى الحجج على تكذيب معانِديه وحسم أسباب الشك فيه ‏"‏‏.‏

وقد حكى أبو جعفر النخَاس أن المأمون قال‏!‏ لأبي العلاء المِنقريّ‏:‏ بلغني انك أمِّيئ وأنك لا تقيم الشعر وأنك تَلْحن في كلامك ‏"‏ فقال‏:‏ ‏"‏ يا أمير المؤمنين‏!‏ أما اللحن فربًما سبقنِي لساني بالشيء منه وأما الأميّة وكسْر الشعر فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اميّاً وكان لا يُنْشِد الشعر ‏"‏‏.‏

فقال له المأمون‏:‏ ‏"‏ سألتك عن ثلاثة عُيُوب فيك فزِدْتني رابعاً وهو الجهل يا جاهل‏!‏‏!‏ ذلك في النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة وفيك وفي قال الجاحظ‏:‏ ‏"‏ وكلام أبي العلاء المنقريّ هذا مِنْ أوابِد ما تكلَّم به الجُهًال ‏"‏‏.‏

على أن أصحابنا الشافعية رحمهم اللهّ قد حكَوْا وجهيْن فى ِانه صلى الله عليه وسلم هل كان يعْلَم الكتابة أم لا وصححوا انه لم يكن يعلمها معجزةً في حقه كما تقدّم‏.‏

ققال أبو الوليد الباجي من المالكية‏:‏ ‏"‏ ولو كتب صلى الله عليه وسلم لكان مُعْجزة لخرْق العادة قال‏:‏ وليست بأوّل مُعْجِزاته صلى الله عليه وسلم ‏"‏‏.‏

وإذا كانت الكتابةُ من بين سائر الضناعات بهذه الرتبةِ الشريفة والذِّروة المَنِيفة‏.‏

كان الكُتَّاب كذلك من بين سائر الناس‏.‏

قال الزبير بن بَكَّار ‏"‏ الكًتَاب ملوك وسائر الناس سُوقة ‏"‏‏.‏

وقال آبن المقفع‏:‏ ‏"‏ الملوك أحوج إلى الكُتَاب من الكتَاب إلى الملوك ‏"‏ ومن كلام المؤيد ‏"‏ كُتَّاب الملوك عيونُهم المبصرةُ وآذانُهم الواعية وألسنتهم الناطقه ‏"‏‏.‏

وكانت ملوك الفرس تقول‏:‏ ‏"‏ الكتًاب نِظام الأُمور وجَمَال المُلْك وبهَاء السلطان وخزَّان أمواله والأًمَناء على رعيته وبلاده وهم أوْلَى الناس بالحِبَاء والكرأمة وأحقُّهم بمحبًة السلام ‏"‏ ومن كلام أبي جعفر الفضل بن احمد‏:‏ ‏"‏ للكُتَاب أقرَّت الملوك بالفاقة والحاجة وإليهم ألْقيت الأعنَّة والأزِمًة وبهم آعتصمُوا في النازلة والنكْبة وعليهم اتكلوا في الأهل والولد والذخائر والعَقْد وولاهَ العهد وتدبير المُلْك وقِرَأع الأعداء وتوفير الفيء وحِياطة الحريم وحفظ الأسرار قال في موادّ البيان‏.‏

‏"‏ وما من أحد يتوَسَّل إلى السلاطين بالأدب ويمتُّ إليهم من العلم بسبب إلا وهو باقلُه لا ينول ما يُنوّلُه إلا على وجه الإرفاق خلا الكاتب فإنه يُنَوّل الرغائب العظيمة من طريق الاستحقاف لموضع الفتقار إليه والحاجة ومن المعلوم انه لا يدً من واسطة تقوم بين الملوك والرعية لبُعد ما بين الطبقتين‏:‏ العُليا والدُّنْيا وليس من طبقات الناس من يساهِم الملوكَ في جَلالهْ القدر وعظيم الخطَر ويُشارك العامّة في التواضع والاقتصاد سوى الكُتَّاب فاحتيج إليهم للسِّفارة في مصالح الرعية عند السلاطين وآستيفاء حقوق السلاطين من الرعية والتلطف في الصلة بينهما ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ ‏"‏ ولعلم الملوك بخطر هذه الصناعة وأهلها وعائدتها في أموار السلطان صرَفوا العِناية إلى الكاتبة وخَصُّوهم بالحُظْوة وعرفوا لهم فَضْل ما جمعوه من الرأي والصناعة وكانت ملوك الفرس لرفعة رتبة الكتابة عندهم تجمع أحداثَ الكُتَّاب ونواشئهم المعترضين لأعمال الملك ويأمرون رؤساء الكتابة بامتحانهم فمن رُضِي اقِرَّ بالباب ليستعان به ثم يأمر الملك بضمهم إلى العُمَّال وآستعمالهم في الأعمال وينقلهم في الخِدَم على قدر طبقاتهم من حال الى حال حتى ينتهيَ بكل واحد منهم إلى ما يستحقه من المنزلة ثم لا يُمَكَّن أحد ممن عُرض آسمه على الملك من الخدمة عند أحد إلا بإذن الملك ‏"‏‏.‏

وفي عهد سابور‏:‏ ‏"‏ وليكن كاتبُك مقبول القول عندك رفيع المنزلة لديك يمنعه مكانهُ منك وما يظُنّ به من لطافة موضعه عندك من الضَّراعة لأحد والمُداهَنة له ليحمله هنأ أوْليته من الإِحسان على محض النصيحة لك ومنابَذَة من أراد عيبك وآنتقاص حقك ‏"‏‏.‏

ولم يكن يركبُ الهماليج في أيامهم إلا الملكُ والكاتب والقاضي‏.‏

قلت‏:‏ ولشرف الكتابة وفضْل الكُتَّاب صرف كثير من أهل البلاغة عنايتَهم إلى وَضْع رسائل في المفاخَرَة بين السيف والقلم إشارةً إلى ان بهما قِوامَ الملك وترتيبَ السلطنة بل ربما فضل القلمً على السيف ورُجِّح عليه بضروب من وجوه الترجيح كما قال بعضهم مفضلاً للقلم بقسم الله تعالى به‏:‏ إن آفْتَخَرَ الأبطالُ يوماً بسيفهمِ وعدُّوه مما يُكْسِب المَجْدَ والكرم كَفى قَلَمَ الكُتَّاب عِى اً ورِفْعةَ مَدَى الدَّهْرات الله أقسَمَ بالقلَم وكما قال ابن الرومي‏:‏ إن يخدُم القلم السيفَ الذي خَضَعتْ له الرِّقابُ ودأنَتْ خَوْفَه الأمَمُ فالموت والمَوْتُ لا شيء يغالبُهُ ما زَال يتبع ما يَجْرى به القَلَم ُ كذا قضى اللهُ للأقلام مُذْ بُرِيَت ان السُّيوفَ لها مُذْ أرْهِفَتْ خَدَمُ والمعنى في ذلك انها تؤثر في إرهاب العدوّ على بُعْدٍ والسيوف لا تؤثر إلا عن قُرْب مع ما فُضِّل به القلم من زيادة الجدوى والكَرَم وإلى ذلك يشير بعضهم بقوله مشيراً للقلم‏:‏ فَلَكَمْ يَفُلُّ الجيشَ وهو عَرَمْرم والبِيضُ ما سلفَتْ من الأغماد ِ وهَيَتْ له الاجامُ حين نَشَا بِها كرمَ السُيُول وَصَوْلَةَ الأساد


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دمتم بخير