المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مخموم القلب، صدوق اللسان


جاسم داود
05-15-2012, 01:59 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


لو سئل أحدُنا: كم مرة تغسل قلبك في اليوم؟ لاستغرب ولدهش من السؤال، ولتلعثم ولم يعرف بماذا يجيب!!

ولو سئل: كم مرة تغتسل أو تستحم؟ لأجاب على الفور دون تلعثم، ذلك أن الاغتسال والتنظف الخارجي للبدن أمر طبيعي ومألوف في حياتنا، ولكننا لم نألف أن نُعنى بنظافة وطهارة قلوبنا من أدرانها.

نحن يا إخوة نحرص على نظافة أجسامنا الخارجية، ولكننا لا نحسن الوضوء!!
أتدرون لماذا؟

لأننا لا نحرص على الطهارة الباطنية!!.
قلبك الذي بين جنبيك، ما وضعه، وكيف حاله؟
أهو حي، أم ميت خرب؟
أهو عامر بالإيمان الحقيقي، أم أن الأمراض قد فتكت به وأهلكته؟.


إن القلب الطاهر النقي التقي، هو ذلك القلب الخالي من الحقد والبغض والغل والرياء والحسد والضغائن وسوء الظن، هو ذلك القلب المستريح من تلك الحرب الضروس التي يشعلها البعض في قلبه حسدًا وحقدًا على إخوانه لسبب دنيوي تافه، لا يستطيع معه أن ينام الليل ولا أن يهدأ فكره بالنهار، فهو يفكر دائمًا في الانتقام.

عن عبدالله بن عمرو، قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: "كل مخموم القلب، صدوق اللسان". قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: "التقي النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد".

فكيف حال قلبك أنت؟ إن كان قلبك ميتًا، فخالط من قلبه حي، فشتان بين أقوام موتى تحيا القلوب بذكرهم، وبين أقوام أحياء تموت القلوب بمخالطتهم.

قال لقمان لابنه: يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل القطر.

القلب يا إخوة، محطة توليد الطاقة في الجسم، أو قل: هو مفتاح التشغيل، فإن كان سليمًا، عملت باقي أعضاء الجسم بكفاءة، وإن أصابه خلل، اختلت آليات الإرسال والاستقبال في الجسم وأصابها (التشويش)، القلب هو تماما –كما قال عليه الصلاة والسلام– تلك المضغة التي إن صلَحت صلَح الجسد كله، وإن فسَدت فسَد الجسد كله، قال عليه الصلاة والسلام: "إن في ابن آدم مضغة إذا صلحت صلح سائر جسده، وإذا فسدت فسد سائر جسده، ألا وهي القلب". وصف رائع وبليغ، كيف لا، وقد أوتي جوامع الكلم، بأبي هو وأمي.. عليه الصلاة والسلام.


وهذا ينقلنا للحديث عن قضية هامة وخطيرة، وهي أننا نستمع للقرآن، ونحضر حلق العلم، ونسمع المحاضرات، ونقرأ الكتب، ولكن..
أين نفع هذا كله؟ لماذا لا نتأثر؟ لماذا لا تتهذب أخلاقنا ويتغير سلوكنا؟ أين الخلل، وما السبب في ذلك؟

السبب أننا لم نتربَّ حقيقة التربية الإيمانية، لم يأخذ القلب حظه من الرعاية والعناية، فالقلب يحتاج -كما قلنا- إلى غسيل باستمرار، لتطهيره وتنقيته من تلك الآفات التي ذكرناها آنفا، ليعمل بكفاءة في الاستقبال والإرسال.

أمراض القلوب التي ذكرناها آنفًا، لها علاقة وطيدة بحال أمتنا اليوم، تداعت علينا الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، أصبحنا غثاء كغثاء السيل، أصبحنا لقمة سائغة وفريسة سهلة في أيدي أعدائنا، ثم نقول: من أين هذا؟ قل هو من عند أنفسكم، نعم، ضعفنا وهزيمتنا وهواننا على الناس بسبب أمراض قلوبنا، وما أدت إليه من انشقاق صفنا وتمزق وحدتنا، أصبح بأسنا بيننا شديدًا، مع أن الأصل أن نكون أشداء على الكفار، رحماء بيننا، ولكننا قلبنا الآية، وكم منطق فيه الحقيقة تقلب.

لماذا يسيء أحدنا الظن بأخيه؟
التمس لأخيك العذر، فإن لم تجد له عذرًا فقل: لعل له عذرًا لا أعلمه، وإلا فاتهم قلبك، وقل: يا قلب ما أقساك!!.


ثم لماذا يحسد بعضنا بعضًا، ويحقد بعضنا على بعض؟! أليس همنا واحدًا، أليس كل واحد منا على ثغر من ثغور الإسلام؟

أنت أيها المسلم على ثغر من ثغور الإسلام فلا يؤتين من قبلك، فأنت إن زللت زللت معك، وزللنا جميعا، فنحن مشبكو الأيدي في صف واحد، لإعلاء بنيان واحد، فإن عثر أحدنا، نهضنا جميعا لنقيل عثرته، حفاظًا على سلامة البنيان من الانهيار بسقوط الواحد تلو الآخر، وإن زل أحدنا، ساعدناه على النهوض مرة أخرى، لا أن نكون أعوانًا للشيطان ولنفسه عليه!!، فمن مصلحتنا جميعًا أن يساعد بعضنا بعضًا لنبقى أقوياء، فبهذا تعلو الهمم وتسمو وترتقي.


سأل عمر بن الخطاب –رضي الله عنه– يومًا عن رجل يعرفه، فقالوا له: إنه خارج المدينة يتابع الشراب، فكتب له عمر يقول: إنني أحمد إليك الله الذي لا إله غيره، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب. فلم يزل الرجل يردد كتاب عمر وهو يبكي.. حتى صحت توبته. ولما بلغ عمر، قال: هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخاكم زل زلة فسددوه ووفقوه، وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه.


دمتم برعاية الرحمن وحفظه
الكاتبة : لبنى شرف