المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الثقافة في برامج المرشحين


يقيني بالله يقيني
05-16-2012, 04:56 PM
http://www.shatharat.net/vb/mwaextraedit4/extra/81.gif

الثقافة في برامج المرشحين
بقلم: محمد سلماوي (http://www.ahram.org.eg/The-Writers/News/WriterTopics.aspx?WID=138)

في الوقت الذي غيرت فيه ثورة‏ 25‏ يناير الكثير من الأفكار والممارسات القديمة‏,‏ فإنها علي ما يبدو لم تقترب حتي الآن من حقيقة عانينا منها كثيرا في العقود الأربعة الأخيرة‏,‏ وهي غياب الثقافة عن فكر كبار المسئولين, وعلي رأسهم رئيس الدولة نفسه.



لقد كنت آخذ علي برامج الأحزاب في الماضي أن أيا منها لم يهتم بالثقافة, بل ولم يذكرها إلا لماما حتي إن بعضها لم ترد فيه كلمة الثقافة ولا مرة, وقد نتج عن ذلك قطيعة شبه كاملة في السنوات الأخيرة بين السياسة والثقافة, وأصبح تهميش دور المثقف سياسة ثابتة من عهد السادات إلي عهد مبارك.

ولقد اطلعت علي برامج مرشحي الرئاسة باحثا عن رؤيتهم للثقافة ودورها في المرحلة المقبلة, فلم أجد البعض قد اهتم بها ولم أجد للبعض الآخر برامج أصلا, وإنما أفكار تطرح في أحاديثهم لا تعدو كونها وعودا انتخابية لا تقوم علي دراسة ولا تعبر عن رؤية شاملة لبرنامج سياسي متكامل, وقد جمع بينهم جميعا غياب الثقافة كعنصر هام من مكونات المجتمع الجديد الذي نتطلع إليه.

وسط هذا الوضع يبرز برنامج السيد عمرو موسي الذي أدرك بخلفيته الدبلوماسية أن الثقافة هي القوي الناعمة ـ كما يسميها في برنامجه ـ وأنها أحد أهم أسلحة السياسة المصرية علي الساحتين الإقليمية والدولية, لذلك فهو يفرد لها قسما مستقلا في برنامجه الذي يحمل عنوان إعادة بناء مصر.. رؤيتي للجمهورية الثانية, يقول فيه إن دور مصر السياسي مرتبط بمدي ازدهار ثقافتها, ويدلل علي ذلك بأن الفترات التي شهدت ازدهارا للفنون والآداب والفكر هي تلك التي كانت لمصر فيها مكانة مرموقة علي الساحة الدولية, وأن الفترات التي شهدت تراجعا لمكانة مصر عربيا وإفريقيا ودوليا هي تلك التي انكمشت فيها الثقافة وذبلت أزهارها.

إن مثل هذا التكامل بين الثقافة والسياسة, هو ما نحتاجه في المرحلة القادمة, وإدراك أهمية الثقافة ممن يرشح نفسه للرئاسة يمثل منعطفا جديدا ينبئ بالفعل بمرحلة قادمة تختلف منطلقاتها ـ علي الأقل في هذا الموضوع ـ عما سبقها.

بعد ذلك يتحدث البرنامج عن دور الثقافة الذي لا غني عنه في إعادة بناء الإنسان المصري, ولست أفهم كيف يردد بعض المرشحين كالببغاوات شعار إعادة البناء وهم يغفلون تماما دور الثقافة كمكون أساسي للوجدان الشعبي, وللهوية المصرية؟ فهل يكون إعادة بناء الإنسان بالبرامج الاقتصادية وحدها؟ وبعدد المصانع التي يعدون بإقامتها؟ وبالمليارات التي يقولون إنهم سيأتون بها؟

إن الأداة الأولي إذا كنا جادين حقا في إعادة بناء الإنسان المصري هي الثقافة وإغفال دورها إنما يدل علي عدم جديةأو عدم فهم لكيفية إعادة البناء ووسائلها.

علي أن ما يميز برنامج عمرو موسي في هذا المجال ليس فقط أنه يعي أهمية الثقافة في إعادة بناء الإنسان أو في تأكيد مكانة مصر الإقليمية والدولية, أي في كونها وسيلة في هذا أو ذاك, وإنما هو ينظر إلي الثقافة في حد ذاتها كركيزة أساسية من ركائز المجتمع المتقدم.

ومن هنا فهو يتعرض لمشكلات النشاط الثقافي, والقيود التي تكبله ويطرح رؤية متكاملة لتذليلها, فنجده علي سبيل المثال يري ضرورة إلغاء القوانين الرقابية البالية التي طالما استخدمت في الماضي لأغراض سياسية حمت النظام أكثر مما حمت المجتمع, وهو في الوقت نفسه يشدد علي ضرورة حماية الدولة لحقوق الملكية الفكرية التي انتهكت بشكل منظم علي مدي السنوات الماضية دون تدخل من الدولة بإعمال القانون الذي لم يعد ينفذ حتي انتشر تزوير الكتاب أكثر من أي وقت مضي ووصل الأمر إلي حد أن أصبح الكتاب المصري يزور في مصر نفسها وليس في دول أخري لا يطولها نفوذ الدولة.

ومن السياسات المحددة في هذا المجال أيضا ما ورد في البرنامج من نية المرشح لإعفاء كل المواد التي تدخل في صناعة الكتاب من الضرائب والرسوم الجمركية, من ورق وأحبار وآلات طباعة.. إلخ, وهو ما يمكن أن يهبط بسعر الكتاب لأول مرة إلي النصف تقريبا.

وربما كانت أهم الخطوات الثورية في خدمة الثقافة التي يوردها برنامج المرشح الرئاسي عمرو موسي ما يتعلق بقضية تمويل النشاط الثقافي, فما من شك أن الميزانية المخصصة للثقافة تضاءلت كثيرا عما كانت عليه مثلا في فترة الستينيات من القرن الماضي والتي شهدت المرحلة التأسيسية للبناء السفلي للثقافة, وبرغم أن البرنامج يعتبر الإنفاق علي النشاط الثقافي مهمة أساسية للدولة باعتبار الثقافة خدمة ينبغي ضمان وصولها لكل المواطنين, وليست سلعة تخضع لاعتبارات السوق من الربح والخسارة, إلا أنه يعد بأن يصدر من القوانين ما يشجع رأس المال الخاص علي المساهمة في تمويل الأنشطة الثقافية, كما يحدث في كافة المجتمعات الديمقراطية, وذلك بتشريع جديد مقترح يقضي بخصم كل التبرعات التي تذهب للثقافة من الوعاء الضريبي للمتبرع, وإلغاء الحد الأقصي الحالي الذي ينص علي ألا تتعدي تلك التبرعات 15% من المستحق الضريبي.

إن مثل هذا البرنامج الثقافي يمكن أن يمثل قاعدة لنهضة ثقافية مقبلة تعيد الفنون والآداب في مصر إلي سابق مجدها, وتساهم في إعادة بناء الإنسان المصري وتدعم مكانة مصر ودورها الإقليمي وعلي الساحة الدولية أيضا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
دمتم بخير