المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أوروبا تغلي


Eng.Jordan
05-23-2012, 09:53 AM
التاريخ: 23 مايو 2012


أوروبا غاضبة ومئات الآلاف في الشوارع، من مدريد لأثينا ومن إيطاليا للبرتغال. ورغم أن الكثير من المراقبين يصورون ما يجري في أوروبا، باعتباره معركة بين الديمقراطية وتوحش اقتصاد السوق، إلا أنك إذا دققت النظر في ما يجري على أرض الواقع، ستجد أن ما يجري حقيقة هو معركة بين المؤسسات الديمقراطية التي اشتراها السوق، وبين جموع المواطنين.
فمنذ بداية شهر مايو الجاري، تعيش أوروبا على صفيح ساخن. فإسبانيا التي صارت نسبة البطالة فيها هي الأعلى بين الدول الصناعية، حيث وصلت إلى 24%، خرج فيها مئات الآلاف إلى الشوارع احتجاجا على سياسات التقشف المفروضة على بلادهم، مقابل القروض الخارجية من الاتحاد الأوروبي.
وفي اليونان، تجمع عشرات الآلاف في أكبر ميادين العاصمة أثينا، احتجاجا على تلك الشروط ذاتها التي تفرضها "الروشتة" الأوروبية على بلادهم، والتي خربت الاقتصاد ودمرت حياة الكثيرين. وفي الوقت الذي خرج فيه مئات الآلاف في إيطاليا يتظاهرون احتجاجا على السياسات الاقتصادية، خرج الشباب في إيرلندا والبرتغال اللتين توشكان على الإفلاس للأسباب نفسها.
والحقيقة أن الغليان الحادث في تلك الدول الديمقراطية، مصدره موافقة النخب الحاكمة فيها على تلك السياسات المفروضة أوروبيا، بل وصنع سياسات داخلية تؤدي لإفقار الملايين ولا تمس الأقلية الثرية على الإطلاق.
ففي إسبانيا مثلًا، رفع المتظاهرون لافتات تقول "لا يمثلوننا". وهو المعنى نفسه الذي استخدمته حركة "احتلوا وول ستريت" الأميركية، حين أطلقت شعار "نحن الـ99%". وفي الحالتين فإن المقصود هو أن النخب السياسية والاقتصادية، تختلف مصالحها عن مصالح الأغلبية الكاسحة من المواطنين، وأن ما يجري هو باختصار تقشف مفروض على المواطنين، وتدليل للشركات والبنوك العملاقة التي أسهمت في حدوث الانهيار الاقتصادي. فسياسات النيوليبرالية الاقتصادية والمالية التي اتبعتها تلك النخب، ثبت فشلها الذريع، بل وتأثيرها المدمر على النسيج الاجتماعي في بلد بعد الآخر؛ من أميركا غرباً إلى اليونان شرقاً.
والآلاف التي خرجت للشوارع في البلدان الديمقراطية، فعلت ذلك لأنها أدركت أن المؤسسات الديمقراطية المنتخبة لم تعد تمثلها، لأن المال صار يلعب دورا جوهريا في اختيار من يقومون عليها. باختصار، فشلت المؤسسات الديمقراطية في الاستجابة لمطالب الناس، فخرجت تلك المطالب من المؤسسات للشوارع.
ومن يتأمل أحوال العالم هذه الأيام، يجدنا إزاء موجة عالمية جديدة. فمن ثورات العالم العربي إلى الحركات الاحتجاجية في أوروبا وأميركا، توجد قواسم مشتركة لا تخطئها العين.
صحيح أن الكثير من الحركات الاحتجاجية في أوروبا وحركة وول ستريت في أميركا، لا تنكر أن الثورة المصرية تحديدا كانت مصدر إلهام لها، إلا أن المشتركات تذهب لما هو أبعد من ذلك بكثير. فقد كسرت الأجيال الجديدة في كل مكان، حاجز الصمت وحاجز الابتعاد عن السياسة، حين أدركت أن مقدراتها ستتحدد بناء على معركتها التي تخوضها الآن.
والهدف المشترك حول العالم، هو العدل الاجتماعي. ففي مصر رفعت الثورة شعار العدل الاجتماعي والكرامة والحرية، بينما رفع الإسبان شعار "الحق في الوجود الإنساني"، وهم طالبوا بجمهورية جديدة تعتبر أن حق 99% من المواطنين في الوجود أصلاً حق جوهري.
ومما يؤكد أن ما يجري في أوروبا ليس معركة بين الديمقراطية والسوق، وإنما بين الناس والمؤسسات الديمقراطية التي اشتراها السوق، هو أن الغاضبين في أوروبا أطاحوا بالنخب المتصالحة مع مصالح الأقلية الثرية على حساب الأغلبية الكاسحة، في أول انتخابات جرت عندهم.
ففي فرنسا، اختار الفرنسيون فرانسوا هولاند، وعاقبوا ساركوزي الذي كان أحد الداعمين لتلك السياسات التقشفية. وهولاند بنى حملته على فكرة رئيسية، مؤداها أن هناك حاجة للتركيز على النمو الاقتصادي كأولوية، لا على سياسات التقشف.
وفي الانتخابات المحلية في بريطانيا، عاد حزب العمال يكسب أرضية ضد حزبي السلطة؛ حزب المحافظين والحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكمين، بينما طرد الناخبون أحزاب الوسط المهادنة لتلك السياسات من الحكم، في فنلندا والبرتغال وإيرلندا.
وحتى في ألمانيا، صاحبة الصوت الأكثر قوة وراء تلك السياسات الفاشلة وصاحبة أقوى اقتصاد في أوروبا، تعرض حزب أنغيلا ميركل لهزيمة محرجة في الانتخابات المحلية. وفي اليونان تقلصت مقاعد الحزبين الحاكمين، من الثلثين إلى الثلث.
والجدير بالاهتمام والتأمل حقاً، هو أن الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، لأنها هي الأخرى تناهض سياسات التقشف، قد حققت نجاحات انتخابية، وكان أكثرها إثارة للقلق هو فوز الحزب النازي في اليونان المعروف باسم "الفجر الذهبي"، بعدد من مقاعد البرلمان وصل إلى عشرين مقعدا.
فالحزب رغم عنصريته الفجة، استطاع أن يقنع قطاعا من الناخبين بأن الحل هو في القومية اليونانية ومعاداة المهاجرين.ورغم أنه لم يتضح بعد حجم التغيير الذي سيحدث في السياسات بموجب تغيير النخبة الحاكمة، إلا أن المؤكد أن الاستجابة للمطالب الشعبية صارت واحدة من بديلين فقط أمام أوروبا.
أما البديل الثاني فهو الإصرار على السياسات البائسة نفسها، الأمر الذي سيعني بالضرورة مزيدا من الراديكالية في مواقف الحركات الاحتجاجية، ومزيدا من النمو لتيارات التطرف الأوروبية التي تتبنى العنصرية، والتي تكون ضحيتها دوما الفئات الأقل حظا والأكثر ضعفا في المجتمع.