المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاستخبارات الصهيونية من المنشأ حتى عام 1948م


عبدالناصر محمود
01-08-2012, 02:39 PM
الاستخبارات الصهيونية
من المنشأ حتى عام 1948م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يعود تاريخ النشاط الصهيوني في ميدان المخابرات إلى مطلع
القرن العشرين وربما قبل ذلك بقليل ، فقد شهدت الفترة من
عام 1883م وحتى عام 1903م الموجة الأولى من الهجرة
اليهودية إلى فلسطين ، ومعها تزايد نشاط حركة (بيلو) Bilu
الصهيونية والذي لم يقتصر على قيادة عملية الهجرة وتأمينها،
بل امتد ليشمل التجسس على القوات العثمانية وإمداد بريطانية
بالمعلومات عن أوضاع تلك القوات .
وقد استمرت الحركة في القيام بهذا العمل إلى أن اكتشفت
السلطات العثمانية أمرها ، وألقت القبض على أعضائها
عام 1907م .
وقبيل الحرب العالمية الأولى ، تكونت عام 1914م منظمة
صهيونية أخرى تدعى ( نيلي ) Nili بقيادة أهارون
أهرونسون . وقد واصلت هذه المنظمة ما بدأته حركة (بيلو)
من أنشطة التجسس لصالح القوات البريطانية ، واستطاعت
ـ بالتعاون مع المخابرات البريطانية ـ نشر شبكاتها في
مختلف أنحاء فلسطين .
ووصل نشاط ( نيلي ) إلى ذروته مع تعيين أهرونسون
مستشاراً للقائد العسكري العثماني جمال باشا ، ونجاحها في
تجنيد أحد ضباط الجيش العثماني ، ويدعى نعمان بكليف .
فمن خلال هذا التغلغل في أوساط القوات العثمانية قدّمت
المنظمة للقوات البريطانية الكثير من المعلومات الحيوية حول
استعدادات الجيش العثماني ومواقعه في غزة وبئر السبع ،
مما كان له أبلغ الأثر في حسم معركة جنوب فلسطين في
خريف عام 1917م لصالح الحلفاء . إلا أن السلطات
العثمانية نجحت مرة أخرى في اكتشاف منظمة (بيلي) ،
والقبض على أعضائها ، وتصفيتها عام 1917م .
وهكذا فقد انصرف الجزء الأكبر من نشاط (بيلو) و(نيلي) إلى
خدمة القوات البريطانية وخاصة أثناء المواجهة مع القوات
العثمانية .
ولم يكن هذا التحالف بين الصهاينة الأوائل وبريطانية حدثاً
عارضاً أو مؤقتاً، بل كان بالأحرى مظهراً من مظاهر ارتباط
المشروع الاستعماري الصهيوني بالمصالح الامبريالية
عموماً .
فنظراً لافتقاد الصهاينة الأوائل لنفوذ فعّال في أوساط يهود
العالم، كان عليهم أن يعتمدوا على نفوذ قوة امبريالية كبرى،
وقد أدركوا استحالة تحوُّل الحلم الصهيوني إلى واقع دون
دعم ومساندة تلك القوة . ولهذا وضعوا مشروعهم منذ البداية
داخل الإطار الامبريالي ، وقاموا بدور الأداة في خدمة
المصالح الامبريالية داخل فلسطين وخارجها .
وقد استمر هذا الترابط يشكل سمة أساسية للنشاط الصهيوني
في ميدان المخابرات ، وإن تعددت مظاهره وملامحه عبر
الفترات التاريخية المختلفة .
وقد شهد عام 1920م بداية مرحلة جديدة في نشاط
المخابرات الصهيونية، حيث تم تشكيل فرع خاص بالوكالة
اليهودية لهذا الغرض سُمّي (المكتب السياسي) وتولّى
الإشراف عليه الضابط البريطاني اليهودي كيس .
وقام هذا المكتب بتنظيم شبكة تجسس واسعة تتستَّر وراء
بعض الهيئات كالنوادي الرياضية والجمعيات الخيرية
والمنظمات الاجتماعية ، كما استطاع تجنيد أعداد من الفتيان
العرب للحصول على المعلومات عن أوضاع الفلسطينيين
وعن أبرز قادتهم ، ولإثارة النزاع والشقاق في صفوفهم .
ومنذ عام 1923م أصبح هذا الفرع خاضعاً لقيادة ( الهاجاناه)
وأطلق عليه اسم ( الشاي ) وهو اختصار للعبارة العبرية
[ شيروت يديعوت ] أي [ مصلحة المعلومات ]،وكان من أهم
أهدافها في تلك الفترة : دعم فكرة تأسيس الدولة اليهودية
فوق أرض فلسطين ، والتسلل إلى مؤسسات الانتداب
البريطاني للقيام بعملية تقويم للمواقف البريطانية حتى تتخذ
القيادة الصهيونية في المقابل المواقف الملائمة ، هذا إلى
جانب جمع المعلومات التي يمكن استخدامها في الدعاية
الصهيونية ، واختراق المؤسسات العربية والعناصر المعادية
للصهيونية في فلسطين وخارجها ،ومتابعة الاتجاهات
السياسية المختلفة داخل الجاليات اليهودية في العالم،وتأمين
عمليات تهريب الأسلحة وبرامج هجرة اليهود إلى فلسطين.
وقد اتسع نشاط (الشاي) بشكل ملحوظ بعد انعقاد المؤتمر
الصهيوني السادس عشر عام 1929م في زيورخ بسويسرا ،
فامتدت عملياتها السرية إلى أوربة الغربية والولايات
المتحدة الأمريكية .
وفي إطار التعاون مع السلطات البريطانية, حصلت (الشاي)
عام 1929م على وثيقة من قيادة الشرطة البريطانية تضم
أسماء الزعماء الفلسطينيين الذين تخطط بريطانية لاعتقالهم ،
وسعت لاستمالتهم والاستفادة من خدماتهم .
وقد برز في أوساط (الشاي) خلال تلك الفترة عدد من القادة
الصهاينة الذين عملوا من قبل في خدمة (الهاجاناه) مثل:
روبين شيلواح ، وموشي شرتوك ، (شاريت) ، وإلياهو
إبشتاين (إيلات) ، وعزرا دينين ، وكان لنشاطهم دور كبير
في تطوير عمل هذا الجهاز .
لقد قام دينين ـ على سبيل المثال ـ بتعلم اللغة العربية ودراسة
عادات أهلها ، وعقد صداقات حميمة مع بعض المواطنين
الفلسطينيين في يافا مسقط رأسه،وفي قرى منطقة المثلث ،
واستطاع تجنيد عدد من المخبرين هناك ، سواء عن طريق
الصداقة أو مقابل المال ، أو باستغلال الخلافات بين العائلات
ورغبتها في تصفية الحسابات فيما بينها .وأقام دينين أيضا
علاقات وثيقة مع الحراس اليهود في منطقة السهل الساحلي،
ومع بعض التجار هناك .
ومن ناحية أخرى ازداد التعاون بين (الشاي) والمخابرات
البريطانية مع تعيين تشارلز وينجت ضابطا للمخابرات
البريطانية في فلسطين عام 1936م، ولم يكن يهوديا، ولكنه
أبدى حماسا منقطع النظير للصهيونية،وقد عبَّر ييجال آلون
عن ذلك عندما وصف الضابط البريطاني قائلا إنه ( شرب
قصص التوراة مع حليب أمه ) !
وقد قام وينجت بإمداد (الشاي) بالمعلومات عن الأوضاع
السياسية والاقتصادية والاجتماعية للفلسطينيين ، وفي المقابل
قامت ( الشاي ) خلال الثورة الكبرى في فلسطين (1936ـ
1939م ) بتزويد المخابرات البريطانية بالمعلومات
الضرورية لتسهيل مهمتها في القضاء على الثوار .
وفي عام 1939م وافقت قيادة الجيش البريطاني في مصر
على طلب موشى شرتوك ـ الذي كان قد تولى رئاسة (الشاي)
منذ عام 1937م ـ لتدريب بعض المستوطنين اليهود في
فلسطين على أعمال المخابرات ، وفي العام نفسه تخرجت
أول مجموعة في دورة أقامها الجيش البريطاني للهاجاناه في
مستوطنة زمان هشرون ، وكان معظم أفرادها من اليهود
المهاجرين من البلدان العربية .
وبمرور الوقت نظمت (الشاي) سجلات خاصة بالفلسطينيين،
تم فيها جمع المعلومات عن الزعماء الرئيسيين والمحليين
وأبرز قادة الثورة، كما تمَّ عمل ملف لكل قرية فلسطينية
يضم الخرائط الخاصة بها والبيانات عن عائلاتها ، وكذلك
مصادر المياه وطرق الوصول إلى القرية والانسحاب منها.
وبالإضافة إلى هذه الأنشطة،قامت (الشاي) بجمع المعلومات
عن المهاجرين الجدد الذين وفدوا إلى فلسطين من البلدان
الخاضعة للحكم النازي، كما عملت على تعقّب الجماعات
المنشقة على (الهاجاناه) وأشرفت منذ عام 1940م على قسم
(للتجسس المضاد) أطلق عليه اسم ( ران )، وهو اختصار
للعبارة العبرية [ ريجول نجدي ]، وقد أنشئ هذا القسم في
(الهاجاناه) لإحباط محاولات الاختراق، ولتتبع العناصر
المتعاونة مع السلطات البريطانية خلال فترة توتر العلاقات
بين بريطانية وقيادة الحركة الصهيونية .
وقد تم توحيد (الران) و (الشاي) بصورة نهائية في مارس
عام 1942م، وافتتح في تل أبيب مكتب رئيسي للتنظيم
الموحَّد تحت اسم مستعار هو ( اللجنة من أجل الجندي ) .
استعانت الشاي في عملها بوحدة المستعربين التابعة للبالماخ
وقد تكونت في معظمها من يهود البلدان العربية الذين هاجروا
إلى فلسطين، بهدف التغلغل في الأوساط العربية وجمع
المعلومات عنها. وكان أعضاء هذه الوحدة ـ بحكم أصولهم ـ
أقدر على الاندماج مع المواطنين العرب،واقتضى عملهم
الظهور بالمظهر العربي، سواء من حيث الشكل أو اللغة
والسلوك أو التزوَّد بالوثائق العربية .
وقد جرى إعداد هؤلاء للتسلل إلى التجمّعات العربية وحضور
الصلوات والاجتماعات العامة ومعايشة العرب بشكل يومي .
كما أقام بعضهم عددا من المحلات التجارية والصناعية
كستار لأعمالهم .
ولم يقتصر نشاط هذه الوحدة على فلسطين،بل امتد إلى بعض
البلدان العربية الأخرى ومن بينها سورية ولبنان ومصر .
وعمل أعضاء الوحدة على كشف العناصر العربية المؤيدة
لألمانيا النازية خلال فترة الحرب العالمية الثانية، كانت
مصلحة المعلومات (الشاي) قد أصبحت من الناحية التنظيمية
جهازاً مستقراً يضمّ ثلاث دوائر رئيسة وهي :
ـ الدائرة العربية ، ويرأسها زلمان زليجسون ، وقد استطاعت
تجنيد ما يقرب من ستين مخبرا عربياً تم توزيعهم في مختلف
المناطق لجمع المعلومات . ومن ناحية أخرى عملت الدائرة
على مراقبة الصحف العربية ، وكانت تحصل بشكل دوري
على تقارير حول الأوضاع في البلدان العربية المجاورة وذلك
من قِبَلِ مبعوثي الوكالة اليهودية وخبرائها بشؤون المنطقة .
ـ الدائرة السياسية ، ويرأسها بوريس جورييل،وتُعَدّ أصغر
دوائر مصلحة المعلومات، وكانت مهمتها مراقبة ما يجري
في محيط سلطات الانتداب البريطاني ، وجمع المعلومات
المتعلقة بالشؤون السياسية والاقتصادية والقضائية ، وقد
قامت فيما بعد بتوسيع مجال عملها ليشمل مراقبة الصحف
والقنصليات واللجان الدولية في فلسطين مثل : اللجنة الأنجلو ـ
أمريكية ، ولجنة الأمم المتحدة . وكانت الدائرة على ارتباط
وثيق بدوائر الوكالة اليهودية .
ـ الدائرة الداخلية ، ويرأسها إيسر هلبرين (هاريل)، واختصت
بتعقب العناصر المنشقة على الهاجاناه، والحيلولة دون تسلل
هذه العناصر المضادة إلى صفوف المنظمة .
وقد شاركت الدائرة الأمنية التابعة للوكالة اليهودية مع
الهاجاناه في الإشراف على إدارة (الشاي)،وساهمت بنحو
60% من ميزانيتها، وقد تولى رئاسة (الشاي) ـ في تلك
الفترة ـ دافيد شالتيئيل، وكان نائبه إيسر بئيري . أما روبين
شيلواح فكان مشرفاً عليها من قبل الوكالة اليهودية .

ولم تكن مصلحة المعلومات (الشاي) هي الجهاز الصهيوني
الوحيد الذي يعمل في مجال المخابرات، فقد نشأ إلى جانبها
في عام 1937م جهاز آخر لا يقل أهمية عنها ، ويعرف باسم
(( الموساد )) وهو اختصار للعبارة العبرية ( موساد لعالياه
بت ) أي ( منظمة الهجرة غير الشرعية ) .
ويقصد باصطلاح الهجرة غير الشرعية : عملية تسلل اليهود
سراً إلى فلسطين مخالفين بذلك القوانين التي أصدرتها
بريطانية ـ في شكل كتب بيضاء ـ لتحديد الأعداد السنوية
للمهاجرين اليهود .
وكان وراء تشكيل هذه المنظمة ثلاثة من القيادة العليا للهاجاناه
وهم : بيرل كاتزنلسون ، وتيزاك تابنكين ، وإلياهو جولومب،
وقامت (الموساد) بتنظيم هجرة اليهود من بلدان أوربة إلى
فلسطين، في فترة الحكم النازي وأثناء الحرب العالمية الثانية،
وأعدت لهم وثائق شخصية مزوَّرة لتضمن وصولهم بشكل
آمن . كما أوفدت عدداً من أعضائها إلى البلدان الأوربية
للإشراف على هذا العمل، فسافر كل من :
يهودا راجين وزنييف شيند وزفي يهيلي إلى باريس ، وسافر
دافيد باريال وليفي شوارتز وروث كليفر إلى أوربة الشرقية،
ويهود أفريل إلى يوغسلافيا، وشماريا زاميريت إلى هولندا،
بينما تولى أكثر المهام خطراً كلٌ من : بينو في برلين
وبارجيلاد في فييننا .
وقد نجح الأخير في عقد اتفاق مع القائد النازي الألماني
كارل أدولف إيخمان ـ والذي كان مسؤولا عن ( المكتب
المركزي للهجرة اليهودية ) ـ تم بموجبه تهجير آلاف اليهود
الألمان إلى فلسطين في عنفوان الحكم النازي، كما نجح بينو
في عقد صفقة مماثلة في برلين مع ممثلي الجستابو وفرق
الصاعقة .S.S.
ومن المثير أن يكون إيخمان نفسه ـ بعد سنوات قليلة من إنشاء
الدولة اللقيطة [ دولة إسرائيل ] ـ هدفاً لواحدة من أبرز عمليات
المخابرات الإسرائيلية حيث جرى اختطافه من أمريكا
اللاتينية واقتياده إلى الكيان الصهيوني .
لقد صارت (الموساد) إذن مهندساً لتلك الهجرة الجماعية التي
شكَّلت تحدياً واضحاً للقوانين البريطانية الخاصة بتحديد
أعداد اليهود المهاجرين إلى فلسطين،وكان نشاط تلك المنظمة
ـ جنبا إلى جنب مع العمليات التخريبية التي قامت بها
المنظمات الصهيونية الأخرى ضد المنشآت والسفن
البريطانية في نفس الفترة ـ تعبيرا عن التناقض المرحلي بين
بريطانية وقسم من قيادة الحركة الصهيونية،ودليلاً في الوقت
ذاته على وصول العلاقة بين الطرفين إلى درجة عالية من
التوتر .
ومن الضروري أن نتوقف قليلاً عند أحداث تلك الفترة،ونسلط
الضوء على حقيقة الخلاف، ذلك أن الكتابات الصهيونية ـ في
تعرضها للقضية ـ غالبا ما تعمد إلى المبالغة في تقويم المواقف
المختلفة،فتبدو أنشطة المنظمات الصهيونية عند البعض كما
لو كانت نوعاً من (النضال) ضدّ السلطات البريطانية التي لم
تدّخر وسعاً في ملاحقة تلك المنظمات .بينما ينظر البعض
الآخر إلى جهود (الموساد) في تشجيع هجرة اليهود،باعتبارها
(السيل الذي أغرق الانتداب البريطاني وجرفه في عام 1948م)
فأين تكمن الحقيقة ؟
لقد اتّسمت السنوات السابقة على الحرب العالمية الثانية
بتصاعد الرفض العربي داخل فلسطين وخارجها لسياسة
سلطات الانتداب البريطاني ولاستمرار عملية هجرة اليهود.
وتمثل ذلك في الانتفاضات المتتالية للشعب الفلسطيني،بدءاً
بانتفاضة حيفا عام1921م،وثورة البراق 1929م،وثورة
القسّام عام 1935م ثم الثورة الكبرى(1936ـ1939م)،فضلاً
عن مساعي الجامعة العربية والإجراءات التي اتخذتها بعض
الحكومات العربية، وقد عكست هذه المساعي ـ على ضعفها
وعدم تماسكها ـ حالة نفاد الصبر لدى الجانب العربي .
ورغبة منها في الحفاظ على مصالحها المختلفة بالبلدان
العربية،حاولت بريطانية من جانبها امتصاص الغضب العربي
بإصدار عدد من الوثائق ـ والتي تعرف كل منها بالكتاب
الأبيض ـ تتضمن تحديداً لعدد اليهود المهاجرين إلى فلسطين،
واقتراحات أخرى حول إقامة الدولة اليهودية وأوضاع
الفلسطينيين فيها،الأمر الذي اعتبره بعض قادة الحركة
الصهيونية ( خيانة نهائية ) من جانب الحليف البريطاني .
وكان ردّ الفعل الصهيوني لتردد بريطانية في تنفيذ جميع
مطالب الحركة الصهيونية هو إعلان التمرد الشامل والحرب
على المصالح البريطانية والتصميم على إقامة الدولة اليهودية
ووضع العالم أمام الأمر الواقع،وهكذا كانت أعمال العنف
مجرد ورقة ضغط ضدّ بريطانية لدفعها نحو مزيد من
التأييد لقيام الدولة الصهيونية .
ورغم التباين النسبي في مواقف الزعماء الصهاينة بشأن
أساليب الضغط،فقد أجمعوا على ضرورته. فعلى سبيل المثال،
كان بن جوريون حريصاً على عدم الدخول في صراع عنيف
مع القوة الامبريالية التي تحمي المشروع الصهيوني،لاقتناعه
بأن معركة الصهيونية ضدّالكتاب الأبيض هي معركة سياسية
في المقام الأول، وأن الهدف من الأعمال العسكرية هو دعم
الموقف السياسي فحسب .
أما موشي سنيه ـ الذي تولى قيادة الهاجاناه ما بين عامي 1940
و 1946م ـ فكان يؤمن بأن استعراض القوة اليهودية،بما
يظهر التصميم على تحقيق الأهداف الصهيونية،سيكون أمراً
ضرورياً لدفع بريطانية نحو موقع متقدم في مساندة الحركة
الصهيونية ودعمها ، وقد وقف إلى جانبه جابوتينسكي الذي
دعا إلى التحدُّث مع بريطانية (بلغة منطقية ،ولكن بصوت
عالِ وبأصبع غليظة)، لحملها على تبنّي كل مطالب الصهيونية
وفي المقابل اتّخذ حاييم وايزمان موقفاً يتَّسم بالمرونة، فاقترح
الوسائل الدبلوماسية الهادئة سبيلاً لإقناع بريطانية بتغيير
سياستها . ومن ناحية أخرى شهدت فترة الحرب العالمية
الثانية صراعات أكثر حدّة بين التنظيمات العسكرية الصهيونية
في فلسطين.فبينما وقفت بعض التنظيمات بوضوح إلى جانب
بريطانية والحلفاء،سعت منظمة (ليحى) للتحالف سراً مع
ألمانيا النازية،ونفَّذت ـ انطلاقاً من موقفها هذا ـ بعض العمليات
التخريبية ضدّ المنشآت البريطانية في فلسطين .
وهكذا فإن أي تقويم للخلاف يجب أن ينطلق من الاعتبارات
التالية :
أولاً : رغبة بريطانية في الحفاظ على مصالحها في فلسطين
والبلدان العربية الأخرى عن طريق امتصاص الغضب
العربي ببعض الحلول المؤقتة .

ثانياً : المواقف المختلفة لقيادات الحركة الصهيونية من
سياسات بريطانية بشأن هجرة اليهود إلى فلسطين،وسعيهم
لممارسة مزيد من الضغط عليها لدفعها إلى تبنّي مطالبهم .

ثالثاً : الصراعات والانشقاقات داخل التنظيمات العسكرية
الصهيونية، والتي دفعت بعضها إلى موقع الصدام مع
القوات البريطانية .

لم يكن الخلاف إذن بين بريطانية وأحد أقسام الحركة
الصهيونية نقطة خارج سياق التحالف الوثيق والحتمي بين
المشروع الصهيوني والقوى الإمبريالية، بل كان يمثل بالأحرى
لحظة خاصة في نفس السياق .
فلم يصل الخلاف مطلقاً إلى حدّ القطيعة بين الطرفين،بل
شهدت الفترة نفسها أشكالاً متعددة للتعاون والتنسيق فيما بينهما
فقد تعاونت (الشاي) و (البالماخ) مع المخابرات البريطانية
في تتبع العناصر المنشقة على (الهاجاناه) والمناوئة لبريطانية
وتعاونا بالمثل في كشف العناصر المؤيدة لألمانيا النازية.
ويذكر ييجال آلون أمثلة أخرى لهذا التعاون فيقول :
( يبدو أن الحلفاء لم يكن لديهم وقت كافٍ لإعداد الحملة، لذا
فقد طلبوا من (البالماخ) الاشتراك في عمليات مستقلة
كمرشدين ومخبرين، وفي مهام استخباراتية خلف خطوط
العدو،وقد أعطى ذلك فرصة (للبالماخ) لتلقّي دورات تدريبية
على أيدي مدربين انجليز، وقام عدد من أفراد (البالماخ)
بالتسلل إلى معسكرات الألمان لأغراض التجسس، ولنفس
المهمة تنكر آخرون كعرب ودخلوا سورية ولبنان استعداداً
لاحتمال غزو ألمانيا للبلدين ) .

وإذا كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت عام 1945م ،
فإن التعاون بين الحركة الصهيونية وأجهزة مخابراتها وبين
الإمبريالية،لم ينته . ومع قيام الكيان الصهيوني ( الدولة
اللقيطة ) عام 1948م، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ
المخابرات الصهيونية [ اليهودية ] .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ بيلو : اختصار العبارة الدينية التوراتية ( بيت يعقوب لحن
فيلخاه ) أي ( أيا بيت يعقوب هيا نذهب ) . وقد نشأت
الحركة عام 1882م على أيدي بعض الطلبة اليهود من
( أحباء صهيون ) في خاركوف بروسيا .

ـ نيلي : اختصار العبارة العبرية ( نيتساخ يسرائيل لويشاكير)
أي : [ أزلية إسرائيل لن تنهار ] .

ـ البالماخ : اختصار العبارة العبرية ( بلوجوت ماحاتس )
أي : [ سرايا الصاعقة ]. وقد تم تكوينها عام 1941م لتكون
القوة الضاربة للهاجاناه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{ للتوســــع }
ـــــــــــــــــــــ
ـ المخابرات في الكيان الصهيوني ( القسم الأول ) نشرة
الأرض 7ـ1ـ1984م .

ـ موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية ـ تأليف
وإشراف ـ د/ عبد الوهاب المسيري .

ـ الاستخبارات الإسرائيلية ومكافحتها ـ الرائد كامل أحمد ـ
منشورات فلسطين المحتلة 1982م .

ـ الوثائق السرية للمخابرات الأمريكية : المخابرات الإسرائيلية
ترجمة وإعداد مجدي نصيف .

ـ المخابرات الإسرائيلية ، تاريخها وفروعها .. مجلة شؤون
فلسطينية ، العدد 115(يونيو 1981م ) ـ حمدان بدر .

ـ الدروب السرِّية ـ جون ودافيدكيمش : منشورات فلسطين
المحتلة 1981م .

ـ الموجز في تاريخ فلسطين الحديث ـ د/ عبدالوهاب الكيالي .

ـ إليكم الحقيقة ـ ج . م .ن . جفريز ـ ترجمة أحمد خليل الحاج .

ـ إنشاء وتكوين الجيش الإسرائيلي ـ ييجال آلون ـ ترجمة
عثمان سعيد .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ
{ م: كلية الملك خالد العسكرية ـ ع:9 ـ محمد هشام .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــ