المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المادية - تعريفها - مراحلها


محمد خطاب
05-25-2012, 03:36 PM
المادية
يتميز الإنسان عن غيره من المخلوقات بأنه حيوان مفكر عاقل الأمر الذي هيأه في ان يبحث في وجوده وماهيته والغاية من ذلك ومن الذي أوجده.
وباختلاف مناحي التفكير عند الفلاسفة اختلفت الاجابات عن تلك الأسئلة حتى في المذهب نفسه.
ولعل اهم هذه التساؤلات كيف وجد الكون والانسان والحياة ومن اوجدها ,ولعل الاجابة علي هذا السؤال هو الذي بني المناهج المختلفة عند الفلاسفة .
والتفسير المادي للوجود كان احد الاجابات عن السؤال السابق والذي يقوم علي اساس اولوية المادة (الطبيعة - الواقع الموضوعي ) ويعتبر الوعي صفة لها .(اي ان السمة الاساسية للمادية هي تفسير العالم انطلاقا من نفسه بدون اضافات غيبية واختلاقات وهمية ) .
والوجود في المادية مفهوم يستخدم للدلالة علي الطبيعة او المادة او العالم الخارجي مقابل الوعي او الفكر .
وتفسيرا لما سبق يري الماديون ان العالم مكون من شيء واحد هو المادة التي هي اساس كل شيء موجود في العالم ولذلك فهم ينكرون وجود الروح والعقل والنفس وكذلك الدين الذي يقول بوجود خالق للكون والإنسان والحياة .
والمادية بذلك ترفض موضوع الميتافيزيقيا (ما وراء الطبيعة ) وترفض وجود الله الخالق وان وجود كل شيء يستند إليه في الوجود , وتري في ذلك غيبيات أوجدها الإنسان الغير قادر علي تفسير ما يحدث حوله من ظواهر فراح يعزوها إلي قوة خارقة موجودة خارج الطبيعة
ولقد مرت المادية بأدوار متعددة عبر التاريخ الإنساني فهناك فلاسفة تبنوا المادية منهجا قبل الميلاد وتابعهم علي ذلك فلاسفة محدثين ومعاصرين , وقد تميزت المادية القديمة عن المعاصرة والحديثة من حيث ان القدماء يفسرون الوجود الخارجي تفسيرا ماديا مطلقا فالأشياء لها وجود خارجي مستقل عن إدراكنا لها أو إن إدراكنا للأشياء لا يؤسس وجودها بأية حال ومن ثم فقد تم تفسير الموجودات كلها بالمادة .
أما الفلاسفة المحدثون فقد حاولوا ان يجدوا رابطا بين الأشياء وبين إدراكنا لها ليخرجوا بالنتيجة (أننا لا ندرك سوي المحسوسات وان التجربة العقلية هي أساس معرفتنا وأن المحسوس هو الحقيقة فكأنهم لم يجعلوا للعالم الخارجي وجودا مستقلا عن إدراكنا .
ومن اهم فلاسفة الفكر المادي الفيلسوف اليوناني :1-القديم طاليس(624 - 546 ) قبل الميلاد. الذي قال ان اصل الاشياء وجوهرها هو الماء وهو اول من تساءل عن العالم وعن المادة وفق منهجية علمية مادية محددة .وكان منهجه يسمي بالمنهج الايوني .
وهو صاحب نظرية طاليس في الهندسة وقد كان عالما في الرياضيات .
2-ديمقراطيس (460 - 370 ) قبل الميلاد
وهو صاحب المدرسة الذرية والتي نادت بازلية الذرات المكونة للأجسام وهو كما هو واضح انه مذهب ذري يقوم علي تفسير الوجود بالنظرية الذرية .
وقد تبنت الكنيسة آراء أرسطو طاليس في العلوم والمعرفة وكفرّت كل من قال بغير ذلك وظل ذلك مستمرا حتي عهد قريب في القرن العشرين .
ومن ذلك تبني الكنيسة أن الأرض هي محور الكون او مركز الكون لا الشمس .
وفي القرن السادس عشر قام كوبرنيكس(1473 - 1543 )بأول الثورات العلمية علي الكنيسة وذلك بكتابه (الثورة في عالم السماوات )وفيه يناقض النظرية الكنسية بأن الأرض هي مركز الكون وقال فيه ان الشمس هي مركز الكون ولكنه لم يستطع نشر كتابه علي الملاْ خوفا من محاكم التفتيش في ذلك الوقت التي كانت تكفر وتعدم كل من يقول بخلاف ذلك وقد تابعه علي ذلك العالم الفذ والذي اعتبره وبحق من الناحية العلمية المؤسس لعلم الميكانيكا والنسبية عند اينشتين ايضا العالم جاليليو (توفي عام 1642 ) وهو اول من بني مرصده وصاحب المنظار المعروف باسمه. وحوكم العالم الكبير من الكنسية وكادت تقطع رأسه لولا انه تراجع عن قوله وقال بمركزية الأرض ومات الرجل اعمي محبوسا في بيته
وكان هذا أول الصدامات بين الدين والعلم والذي علي أثره تولدت النظريات الغربية التي تفصل بين الدين والدولة أي أن الدين في الكنيسة فقط إما خارجها فلا شأن للدين في الحياة وأن يفعل الإنسان ما يحلوا له دون وازع أو قيد ألا القانون الوضعي الذي ينظم العلاقات بين الناس .
المادية - المبحث الثاني
في المبحث الأول عرفنا أن تعريف المادية أنها كل تفسير للكون والإنسان والحياة لا يرد الي الله ..
والمادية ككلمة أو كمدلول لم يستخدمها القران ن الكريم في آياته الكريمة ,فليس فيه مادة (مادي او مادية ),ولكن النص القرآني ذكر البشر الذين لا يعترفون بوجود الخالق وقد أطلق عليهم علماء الكلام المسلمين (الدهريين ) لقوله تعالي (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا موت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ) سورة الجاثية الآية 24 .وقوله تعالي (أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون ) سورة المؤمنون الآية 35. وقوله تعالي (وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا ائنا لمبعوثون خلقا جديدا) سورة الإسراء الآية 49. والقارئ لكتاب الله العزيز يجد الكثير من الآيات الكريمة تتحدث عن منكري البعث والخلق ولذلك كان الكثير من الآيات في القران الكريم يحث الناس علي التفكر في خلق الله والتفكر في خلق السموات والأرض لان التأمل والتفكر لابد وان يدل علي إن للكون خالقا عظيما لقوله تعالي ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب )سورة البقرة الآية 190. وقوله تعالي( ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا انتم بشر تنتشرون ) الروم 20.
و الآيات الكريمة حول هذا المعني كثيرة جدا حيث تشد الناس إلي التفكر العميق فيما حولهم ليروا في المخلوقات وجود الخالق ولذلك وصف هؤلاء الناس بأولي الألباب اي بأصحاب العقول الرشيدة .
وفي انجلترا جاء اسحاق نيوتن (1643 - 1727 )بعد موت كوبرنيكس وجاليليو ليكرس علم الميكانيكا ويؤكد علي علم الميكانيكا الأول الذي قام به كل من كوبرنيكس وجاليليو وأصبح العلم في القرن السابع عشر كمية مقاسه عن أن يكون كمية نوعية مستثني من ذلك التاريخ الطبيعي والكيمياء .
وخرج نيوتن بقوانينه الثلاث المعروفة وأصبح العلم مهتما بالظاهرة أو الحدث لصيغها في صورة قانون تقاس به تلك الظاهرة والحدث وأصبح من الضروري الربط بين النظرية والتطبيق كما ان المعرفة صارت تعني الصناعة أو الإنتاج بدلا عن كونها تأملا فقط.
أي أصبحت دراسة الواقع ومحاولة تفسيره تفسيرا علميا عن طريق الاستقراء والاستنتاج ثم تسخير ذلك لخدمة الإنسان هو المطلوب من العلم الحديث .
وبذلك يكون العلم الحديث قد تجاوز المنهج الصوري لأرسطو بحثا عن مناهج ذات أسس أخري يراها أكثر إقناعا .
وأصبح الإيمان بالتجربة إيمان مطلق مما أدي إلي ظهور النزعة التجريبية التي يتزعمها فرانسيس بيكون (1561 - 1626 )الذي دعا الي إسقاط مبحث الوجود لأنه موضوع نتجاوز فيه الواقع المادي حين نبحث فيه كما انه لا يمكن إثباته بالمنهج العلمي التجريدي
وبذلك أنكرت الوضعية المنطقية والوضعية الكلاسيكية المعرفة بغير تجربة وبذلك تكون قد أنكرت العقل والحواس وتزعم هذا الاتجاه اوجست كونت (توفي 1857 ) .أي أن هذا الاتجاه يكون قد أنكر كل تفكير قبلي ميتافيزيقي واستبعد البحث في الغايات القصوى والعلل الأولي ولم يعترف بغير الواقع المحسوس يعالجه بمنهاج البحث التجريبي
والحقيقة ان هؤلاء العلماء الأفذاذ لم يكونوا ملحدين أو غير معترفين بوجود لله ولكن كما ذكرت سابقا ان الكنيسة تبنت فكر أرسطو طاليس والذي بدوره تناقض تماما مع ما أظهروه من علوم ونظريات تناقض تماما قول الكتاب المقدس عندهم فلذلك كان جاليليو يملآ كتبه بالإشارات إلي أرسطو والكتاب المقدس بقصد معارضتها في مواقفهما العلمية
وبالتأكيد أن التناقض بين العلم والدين غير موجود في ديننا الإسلامي الحنيف فالقران هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولم يبن علي فلسفة احد من البشر إنما هو كلام الله الذي كان ولا يزال يتحدي الجميع بإعجازه وبنظمه الذي لا يمكن لبشر ان يأتي بمثله
د . محمد خطاب