المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نتائج صادمة للانتخابات الرئاسية المصرية!


Eng.Jordan
05-26-2012, 11:55 AM
http://www.islamtoday.net/media_bank/image/2012/5/26/1_2012526_25592.jpg

البشير السيد أبو داود

حينما كتبت مقالي السابق "خطر الفلول على انتخابات الرئاسة المصرية"، أصابني الضيق الشديد من أول تعليق كتبه أحد القراء على المقال يقول فيه: "هذا ليس كلامًا معقولاً .. إنه مجرد هراء سخيف قبيح .. لن يحصل شفيق على أكثر من 5%"، وكانت صدمتي نابعة من يقيني بما أكتبه ومما غلب على تفكيري من دلائل ومؤشرات سردتها في المقال، وكلها متضافرة كانت تقرع أجراس التحذير من أن المرشح أحمد شفيق خطر كبير وحقيقي على الانتخابات، وأنه من السهل أن يدخل جولة الإعادة، وإذا دخلها فإن فرصه كبيرة للفوز بالمنصب الرفيع.
وقد تحقق، للأسف ما حذرنا منه، فأنا أكتب هذه السطور بعد ظهر يوم الجمعة، وقد استبانت الصورة بشكل كبير، بعد فرز 11327 لجنة من مجموع 13099 لجنة، أي 86% من مجموع اللجان، فقد تصدر المشهد مرشح جماعة الإخوان والمسلمين د. محمد مرسي بعدد أصوات يقترب من الملايين الخمسة، يليه في المركز الثاني الفريق أحمد شفيق بعدد أصوات أقل بقليل من أربعة ملايين ونصف المليون، وفي المركز الثالث المرشح اليساري حمدين صباحي الذي كان مفاجأة الانتخابات وحصل على ثلاثة ملايين وثلاثمائة ألف صوت، أما المركز الرابع فقد احتله المرشح الإسلامي المستقل د. عبد المنعم أبو الفتوح بثلاثة ملايين ومائة وخمسين ألف صوت.
ويمكن التوقف أمام عدة صدمات، جاءت مرة واحدة، بشكل جعل نتيجة الانتخابات صادمة ومخالفة للتوقعات والاستطلاعات والتحليلات:
الصدمة الأولى: كانت في هذا الأداء الكبير للمرشح الإخواني، صحيح أنه لم يكن بعيدًا أبدًا، والجميع يدرك ما تمثله جماعته من ثقل جماهيري، لكن نزوله متأخرًا بعام عن غالبية المرشحين، ثم لكونه كان مرشحًا احتياطيًا للمرشح الأساسي المهندس خيرت الشاطر، بالإضافة إلى الحملات الإعلامية التي شنتها غالبية القوى السياسية متحالفة مع إعلام الدولة ضد الجماعة ومرشحها، كل هذا جعل المراقبين يتوقعون ألا يكون أداء د. محمد مرسي على هذا النحو الجيد بل الممتاز.
ربما جاءت نتائج انتخابات المصريين في الخارج مؤشرًا على شعبية المرشح الإخواني، بعد أن تصدر نتائجها بجدارة، لكن كثيرًا من التحليلات رأت أن انتخابات الخارج ربما لا تكون مؤشرًا دالاً على انتخابات الداخل، التي تتحكم فيها عوامل أخرى، وكانت هذه التحليلات تتحدث عن المسيحيين، والقوى السياسية المتعددة والنشطة، والفئات الاجتماعية الأكثر فقرًا، وأنها ستغير المؤشر ولو قليلاً، لكن تأكد أن انتخابات الخارج كانت متطابقة مع انتخابات الداخل، فيما يخص د. محمد مرسي فقط، وإلا فإنها غير دالة تمامًا فيما يخص باقي المرشحين، وخاصة المرشح أحمد شفيق الذي لم يكن له ذكر في انتخابات الخارج.
http://www.islamtoday.net/media_bank/image/2012/5/26/1_2012526_25593.jpgوإذا كان الإخوان قد حققوا في هذه الانتخابات ما يزيد عن الخمسة ملايين صوت، صعدت بمرشحهم إلى المركز الأول لكي يدخل جولة الإعادة مع مرشح النظام البائد أحمد شفيق، فإنه يلزمهم في جولة الإعادة الحصول على أكثر من ثلاثة عشر مليونًا من الأصوات، على اعتبار أن الجولة الأولى شارك فيها قرابة الخمسة وعشرين مليون ناخب، يشكلون نصف من لهم حق التصويت، وعلى اعتبار أن جولة الإعادة لن يقل فيها الحشد عن الجولة الأولى. ورقم الثلاثة عشر مليون ليس قليلاً، فمن أين سيأتي به الإخوان وقد استنفروا كامل طاقتهم، وباعتبار أن غالبية أصوات د. عبد المنعم أبو الفتوح ستتجه إليهم (مع أن هذا ليس مسلمًا بالكامل)، لكن بفرض أنهم حصلوا عليها كاملة فمعنى ذلك أنهم سيتمكنون من جمع تسعة ملايين صوت فقط، وهو ما يجعل التحدي كبيرًا، نسأل الله أن يكون الإخوان وأنصارهم عند هذا التحدي وأن يهزموا مرشح الفلول، بما يعنيه من تهديدات مختلفة ومتنوعة لثورة الخامس والعشرين من يناير، ومن عداوة شديدة للتيار الإسلامي.
الصدمة الثانية: كانت في هذا الصعود الكبير وغير المتوقع لمرشح النظام البائد أحمد شفيق، والذي سيتمكن من حصد ما يقل عن خمسة ملايين صوت. وهذه صدمة ما بعدها صدمة لكل ثوري أحب ثورة الخامس والعشرين من يناير وتعاطف معها، وحلم بتحقيق أهدافها. فهذا المرشح كان آخر رئيس وزراء للمخلوع مبارك، وجرت موقعة الحمل التي تم قتل المتظاهرين فيها في عهده، وهو للأسف لا يعترف بأن هناك ما يسمى موقعة الجمل، كذلك يعتبر الرئيس المخلوع أستاذه وقدوته ومثله الأعلى، ويرى ضرورة التصدي للإسلاميين ومشروعهم الذي يمثل خطرًا على مصر، كما يرى الاستعانة برموز العهد البائد في العمل السياسي. أي أن هذا الرجل وضع نفسه وبرنامجه في موضع الرافض لثورة الخامس والعشرين من يناير، والراغب في إعادة الأمور لما كانت عليه قبل الثورة.
لكن المشكلة ليست في شفيق وبرنامجه وأفكاره، المشكلة هي في الملايين الخمسة الذين اختاروه بمحض إرادتهم، وبكثافة تصويتية شديدة القوة. وهو ما يعني أن هذه الملايين هم من كارهي ثورة الخامس والعشرين من يناير، ومن المحبين للرئيس المخلوع والداعمين له، فيمكن القول أن من انتخب أحمد شفيق بإرادة حرة إنما انتخب واختار وأيد الرئيس المخلوع ونظامه البائد.
وهنا تتضح الصورة التي أكدتها الأحداث، فالناس لم يكفروا بالثورة ولم يكرهوا رموزها ولا اليوم الذي قامت فيه، إلا بعدما عانوا من الفوضى وانعدام الأمن ومن تسيب الأداء السياسي والإعلامي، الذي قاد إلى تدهور اقتصادي، لكنهم لم يستطيعوا إدراك أن كل هذا الذي حدث كان مخططًا له وكان مقصودًا تمامًا، فالمجلس الأعلى للقوات المسلحة لما فشل في سرقة الثورة سعى للتآمر عليها وتفريغها من مضمونها، فعمل على ألا يتدخل لمنع الفوضى، وترك الأمن مفقودًا لكي يصل الناس إلى ما وصلوا إليه عندما أعطوا أصواتهم لأحمد شفيق.
أما فرص شفيق في جولة الإعادة فإنها الأكبر إذا سارت الأمور هكذا، فأصوات عمرو موسى وغالبية أصوات حمدين صباحي وجانب من أصوات د. عبد المنعم أبو الفتوح، كل هؤلاء سيدعمون شفيق مما يعظم فرصه للفوز.
رأيت أحد الثوريين المتدنيين يضرب كفًا بكف، ويقول إنني لأول مرة أكره الرأي الشعبي والموقف الشعبي، إن الناس لم يحاولوا فهم من هو الطرف الثالث، لقد كان هذا الطرف الثالث هو الجيش وأحمد شفيق نفسه، وقد أوصلوا الناس لموقف خبيث مخطط سلفًا من الجيش، والناس تحركت بعدم تدبر وتدقيق.
متدين ثوري آخر سمعته يقرأ قوله تعالى: {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ، تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ، فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} غافر: 41-44.
قلت له ولكن شعبنا، وإن كان يغلب عليه الأمية، إلا إنه ليس كافرًا، وهو اتخذ موقفًا سياسيًا ولم يدع إلى النار وإلى الشرك، قال: كلامك صحيح، وأنا أستحضر موقف هذا العبد الصالح الذي رأى قومه يأخذون الموقف الخطأ، وأنا لا أكفّر أحدًا من الشعب المصري أبدًا، ولكنى لا أخفي مدى لومي ورفضي لموقف ملايين من شعبي أدارت ظهرها للثورة وللحق وللتغيير، وانحازت للباطل وللنظام السابق ولفساده ولظلمه، واختارت واحدًا من الذين يكرهون الثورة.
الصدمة الثالثة: كانت في الصعود اللافت للمرشح اليساري حمدين صباحي، وهو وإن كان مرشحًا ثوريًا يلقى القبول الجماهيري ويعبر عن الثورة وأهدافها، إلا إن كثيرًا من أعطوه أصواتهم قد جاء على حساب المرشح الإسلامي الثوري المستقل د. عبد المنعم أبو الفتوح، الذي يبدو أن إعلان قوى سلفية عن دعمها له قد أدى إلى انفراط كثير من الليبراليين وغير الإسلاميين المتحمسين له إلى المرشح حمدين صباحي. هذا بالإضافة إلى أنصاره الطبيعيين من الناصريين واليساريين والليبراليين والثوريين.
الصدمة الرابعة: في تراجع المرشح الإسلامي د. عبد المنعم أبو الفتوح، وهو الذي كان يشار إليه على أنه المرشح الأوفر حظًا في الانتخابات الرئاسية. وبالإضافة إلى ما ذكرناه لاحقًا من النزف الذي تعرض له بإعلان السلفيين دعمه، فإن الملاحظ أن الغالبية العظمى للسلفيين قد اختارت المرشح الإخواني د. محمد مرسي وأن السلفيين الذين صوتوا لأبي الفتوح أقلية لا تقارن بمن صوتوا لمرسي، وهكذا فإن الدعم الذي لقاه أبو الفتوح كان دعمًا من بعض القادة السلفيين فقط. فالشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل لم يعلن دعمه لأبي الفتوح إلا بعد أن انتخبه .. وترك لأنصاره حرية الاختيار، وقد اختارت أغلبيتهم د. محمد مرسي، وكذلك فعل الشيخ محمد حسان، بعكس الشيوخ الكثيرين الذين دعموا د. محمد مرسي وأعلنوا ذلك بوضوح، وهو ما ساهم في تشكل رأي عام سلفي داعم ومؤيد للمرشح الإخواني.
كلمة أخيرة: مازالت الفرصة قائمة لإسقاط مرشح الرئيس المخلوع مبارك، لكن الأمر ليس سهلاً، فهو يتطلب استحضار روح وأجواء ثورة الخامس والعشرين من يناير، واستحضار المصلحة العليا للبلاد، التي لا يمكن أبدًا أن يعبر عنها أحد رموز النظام البائد السابق.