المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ليتني .. !


جاسم داود
05-31-2012, 09:51 PM
ليتني .. !

دومًا ما تَكثُر الأقاويل عِندما يَروقُنا أمرٌ ما، وإذا بَلغ السَّيلُ الزُّبى فَتُسارِعُ أَدمِغَتنا بِالتقاط مواطن مُعيَّنة في ذلك الأمر الخارق في الرَّوعة، ونَقوم بإنشاء وتَزاوج الجُمل؛ لِيصبح مَحلَّ تشبيه، ومن ثَمَّ تُصبحُ تلك الأمور بتشبيهاتها لُغتنا المُتداولة.

أعلمُ يقينًا بأن الأسْطُر العُليا كَانتْ كَـ"شفرة دافنشي" في الغُموض، ولأن المرء جُبل على حبِّ رُؤية السَّماء صافيةً بلا غمَائم تُعكِّر صفْوَ تأمُّله؛ سَأُرفق مِثالاً، وسيكون ضَيفنا في هَذه المَقالة.
كلُّ روح مُستَوطِنة الأرض عَاشت في زمنٍ آخر يُقال له: "الطُّفولة"، وبغضِّ النظر فيما إن كَانَ هذا الزمن - الطفولة - جيد أو غير جيد، إلا أنَّ الأغلب، إن لم يكن الجميع - حسبَما يُمليه عليَّ اعتقادي - يَتَّفق على أن لهذا الزمن مَقاييسَ بالكاد مُختلفة عن مقاييس الأزمان الأُخرى - المراحل العُمرية - وبينما نحنُ مُتفقون وسائِرون على هذا الدرب، تَملَّكَنا عِشقٌ لا مَحدُود لهذا الزمن، وَبِتْنا نُقلِّب "خَلايانا" العَقلية؛ لِنَعيش زمنًا ولَّى واندثر مُنذ أمد، فأصبحتْ "خَلايانا" تَستَحضره - زمن الطفولة - في كل حين، حَتى تَمكَّن من إيقاعنا في شِباكه، فأصبحنا نذكرهُ حَتَّى بيننا وبين حديثنا لأقلامنا!

ولستُ هنا من أجل الحديث عمَّا سبق، فما حثَّني للكتابة أمرٌ قد يضرُّ أطفالَ أمة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ولأطوي طُول المسافة للوصول إلى المُراد إليكم بِهذه المَقولة، والتي تُؤمن بها أكثرُ من روح بشرية "ليتني طفلة وأكبر همِّي لُعبتي"، ولئنْ سَألني سائل عن العلاقة بين المقولة والضرر الذي قد يَجثو على أحباب الباري، فسأُجيب بأن: من أخبرك بأن أكبر همِّ الطفل لُعبته؟

ولئن قال لي ذلك السائل: كون الطفل يُكثر من جُرعة بكائه فور اختفاء مصدر تسليته، بينما تُكسى تَقاسيمُ وَجهه ثوبَ السعادة فور عُثوره أو حُصوله عليها، فسأُجيب قائلة: وكيفَ يُمكن للاعب كُرة أن يُمارس هوايته دُون وجود كُرة يُجري عليها اختباراته؟!
كذلك الطفل يبحثُ عن اللُّعبة؛ لأنهُ مُكتَشف بِطبيعته، وما يُثبتُ ذلك وضْعُ الطفل لكل ما استطاع أن يحصل عليه في فمه، لماذا؟ لأنه ببساطة يرغب في الاكتشاف.
وهذا لا يعني أنه يَرغب في الحصول فقط على الاكتشاف بالكاد، هُناك أسباب كثيرة لسنا هُنا بصدد سردها، ولكن رغبته - الطفل - في مُزاولة "مِهنة الاكتشاف" هي من أولويات اهتماماته، وليست اللُّعبة بحد ذاتها.

وعند الحديث عن الضرر المُتوقع حدوثه في حال إيمان واعتقاد الآباء بهذه المقولة، فسأكتفي بذكر واحدة، وستندرج الأضرار بعد ذلك بشكل مُترابط، أولها: انعدام فَهم الأمِّ - أو من يقوم برعاية الطفل - مِن فهم مقصده من الأمور، فإذا كانت اللعبة في نظرهم أكبر همِّه، فحتمًا سيتم تَجاهل رَغبته التي لن تَضر به شيئًا - حسبما يظنون - بينما يكْمن الخطر في فقْد الطفل لهَذه الرَّغبة الفطرية بالتَدريج، وبالتالي يُبرمَج عقله على كَبت الرَّغبات؛ نتيجة لإهمال رغبته، والتي كثيرًا ما يُقال عنها: "ما لها داعٍ"، وكثيرًا ما تُعبِّر الأمهات أثناء انشغالهن بأمور أخرى، بينما يسحب طفلها ثوبها مُرتجيًا إياها بأن تَهبهُ لُعبة، فيَقُلن: "مو وقتك"! بينما في حقيقة الأمر أنه إن لم يُشبِع الطفلُ رغبتَه في المرحلة العُمرية التي يسير بها، فَستتراكم لديه الرغبات، وسيتعلم طُرقًا وإستراتيجياتٍ خاطئة فيما بعدُ لإشباع رغباته.

وإذا عُدنا إلى تلك المقولة، فلتَسمح لي أن أحرِّفها بشيءٍ من التحرير، لأجعلها هكذا:
"لَيتني أملك قلب طفلة وأكبر همِّي اكتشاف ما بيدي".

دومًا ما تَحثُّنا النهايات لبداياتٍ جديدة، قادتْني هذه المقولة لأمرٍ هام، ارتأيت ذِكره في هذا المقام.


"إذا جلستَ في الظلام، بين يدي الملك العلاَّم، استعمل أَخلاق الأطْفال؛ فالطفل إذا طلبَ شيئًا ولمْ يُعطَه بَكى حَتَّى يأخُذه، كُن أنتَ هَذا الطِّفل واطلب حاجَتك".

إن أصبتُ فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.




دمتم برعاية الرحمن وحفظه
منقول بتصرف يسير