المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جهود علماء العراق في الردّ على الشيعة - مع مقدمة مختصرة في تاريخ تشيع العشائر العراقية


تراتيل
01-12-2012, 01:17 AM
جهود علماء العراق
في الردّ على الشيعة
مع مقدمة مختصرة في تاريخ تشيع العشائر العراقية

عبد العزيز بن صالح المحمود

( القسم الأول )
مقدمة مختصرة في تاريخ تشيع العشائر العراقية


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين[1].
مقدمة :
فهذا هو القسم الأول من بحث مختصر حول جهود علماء العراق في الرد على الشيعة في الفترة الممتدة من نشوء الدولة الصفوية في إيران وحتى سقوط الدولة العثمانية، حاولت فيها أن أوضح جهود علماء العراق في مقارعة التشيع كدين وفرقة منحرفة.
وما ذكرناه من جهود هو ما تمكنا من الوصول إليه، وإلا فهناك جهود لا تزال حبيسة المخطوطات في بطون المكتبات العامة والخاصة لا يعلم عنها شيء.
وهذه الجهود ليست مقصورة على مذهب أو جماعة من أهل السنة كلا بل هي عامة لكل أهل السنة بمختلف مذاهبهم الفقهية أو مناهجهم العقائدية، فتكوين العراق السُني المذهبي في تلك الأيام هو :
*حنفي المذهب ( وهو المذهب الغالب في العراق بين العرب والتركمان).
*الشافعي ( وهو مذهب بعض العرب السُنة والأكراد )[2].
*المالكية ( وهذا مذهب بعض أهالي سنة جنوب العراق إلى أن اختفى وتبدل بالمذهب الحنفي ولا يزال بعض كبار السن من أهل السنة في الجنوب العراقي يقولون نحن موالج باللهجة العامية العراقية بتبديل الكاف جيما؛ أي موالك )، وليس هذا غريبا فالمالكية كانوا بالعراق لغاية القرن السادس للهجرة ثم انحسر وجودهم وبقي قسم منهم على شواطئ الخليج والإمارات المتحدة أهلها أكثرهم مالكية.
*وقليل من أهل الجنوب حنابلة في قصبة الزبير في محافظة البصرة .
أما العقائد السُنية في العراق في يومها: فهي الماتريدية والأشعرية، وقليل من السلفية من بقايا أهل الحديث،و ازداد عددهم مع تأثر العراقيين بحركة محمد بن عبد الوهاب في بلاد نجد.
والطرق الصوفية المعروفة في العراق هي القادرية والنقشبندية والرفاعية، وكانت غالبة على العراقيين في ذلك الوقت.
كل هؤلاء ـ بكل مذاهبهم وعقائدهم وطرقهم ـ ساهم في رد التتشيع والدعاية ضده. وثمّة جهد غير منظور، ألا وهو التدريس والدعوة وثقافة مقاومة التشيع ومقارعته واعتبار مواجهته جهاداً .
ولقد كان لأهالي بغداد خصوصا والعراق عموماً وقفات شجاعة في مواجهة الغزو الصفوي الشيعي، فقد نقل المحقق عماد عبد السلام رؤوف في تحقيقه لكتاب (زبدة الآثار الجلية في الحوادث الأرضية) لداود جلبي في هامش (ص62-63) وصفا لأهالي بغداد ومقاومتهم الجيش الصفوي الذي أرسله الشاه عباس لاحتلال بغداد وقتل سُنتها وذلك سنة 1032م بعد حصار أكل الناس فيه لحوم الحيوانات والآدميين: (...يصف المؤرخ محيي الدين العباسي قاضي تكريت المعاصر للأحداث كفاح أهل بغداد في تلك الأيام العصيبة فيقول: (أن أهل بغداد قاموا بأعمال عظيمة قلما أمة قامت بها، بأن حاربوا الشاه وقتلوا منه كثيراً .... وقد شحنوا أبواب السور بكثرتهم وصعدوا الأبراج يرمون من مزاغلها العدو بالنشاب وليس من يعينهم ويدير حركاتهم، ومع هذا قاموا بحرب دامية استظهروا بها على العجم ، وفتحوا باب السور الوسطانية وخرجوا عليهم بالسيوف والخناجر وصارت ملحمة في الباب وعلى قناطر الباب ، دامت ثلث النهار حتى ملئ الخندق بأشلاء العجم ، ولما تراجع عسكر العجم من أطراف المدينة وقوي ساعدهم أوصدت الباب العالي ودام القتال إلى الليل ثم رجع العجم إلى مضاربه وخيامه ، وتركوا قتلاهم وجرحاهم في الخنادق لا يحصون ، ولما كان الغد أخذ أهل بغداد يقوون أخوانهم في الأبواب ويشحنونها بالمقاتلة، والنساء ينقلن إليهم الطعام و يزغردن فرحاً وتشجيعاً وكل هذا والمدينة خالية من الجند ..) نقلا من مخطوط نشر قسم منه في جريدة العراق 27 حزيران 1930 م ) ا.هـ ([3]).
وما كان الناس في يومها ليدافعوا لولا ثقافة سُنية أصيلة غرست فيهم ترفض التشيع ، ولولا ثقافة أودعها فيهم أهل العلم والدعاة .
ولما رفض الأكراد السُنة قبول التشيع وفضلوا النفي على التشيع، حدث هذا في زمن الشاه عباس الصفوي فشرد (15000) عائلة كردية إلى خراسان ، كما ذكره محمد أمين زكي في كتابه (خلاصة تاريخ الكرد وكردستان) ( 207 ،208 ، 211).
والدارس لأحوال العراق يجد هذه الجهود والأعمال متذبذبة بحكم الوضع السياسي فتارة تنشط وتارة تفتر. ومرد ذلك الوعي بحقيقة التشيع وخطره سواء عند العرب والتركمان والأكراد هو جهود علمائه ودعاته في هذا المجال، ولهذا وقف أهل العراق مع كل وال أو حاكم أو خليفة يخلّصهم من التشيع وأهله.
ولأهمية هذا الوعي في وقاية بلادنا ومجتمعاتنا من أخطار التشيع القادمة أذكر قصة ذكرها لي أحد الأخوة الباحثين الأفاضل حول سفر أحد فضلاء بغداد بعد دخول الصفويين بها إلى استانبول عاصمة الدولة العثمانية واحتياله لدخول قصر السلطان والأذان فيه بـ "حي على خير العمل" (أذان الشيعة) فأمر الخليفة العثماني بإحضاره وسأله عن سبب صنيعه هذا؟ فأجابه قائلا: هذا الأذان سيصل لقصرك وسيشيع في بلدك هذا إن لم تنقذ بغداد من الصفويين؛ فهبّ السلطان لنجدة بغداد و تحريرها و تمّ له ذلك.
وهكذا يفعل فضلاء العراق اليوم يؤذنون في كل عواصم الدول العربية؛ في الأردن ومصر والسعودية ودول الخليج والسودان واليمن وغيرها من بلاد الله ، منذرين شعوبها وحكامها علّها تلامس أسماعهم مثلما لامست صرخة تلك المرأة أذن المعتصم أوعلها تفعل ما فعله أذان العراقي الذي أذن في بلاط الخليفة العثماني ، فيهبوا جميعاً بكل الوسائل والحيل والفرص كي ينقذوا اليوم سُنة العراق بل العراق أجمعه، فلا يحفظ العراق إلا سُنته،وأهل السُنة أحن على الشيعة من أنفسهم،وليذكر الشيعة أيام حكم السُنة خير لهم أم أيام حكمهم بعد الاحتلال (عهد الجعفري والمالكي )!!؟؟.
وأرجو من المولى عزّ وجل أن لا يصدق في العرب والمسلمين قول الشاعر عمر أبو ريشة رحمه الله:

ربّ وا معتصماه انطلقت ...... ملء أفواه الصبايا اليتـم
لامست أسماعهملكنّهـا...... ...لم تلامس نخوة المعتصم
ولعل في ذلك تحفيزا وإيقاظاً لنفر من أهل جلدتي من السُنة ، سواء كانوا من أهل بلدي العراق الجريح ، أو من بلد من بلدان العالم الإسلامي يحمل عقيدة أهل السُنة والجماعة، أو شريك في الدم والعرق تدفعه عروبته لشيء من الغيرة، ويدفعه قول الشاعر يوم رأى الشعوبية تعمل عملها في أيام حضارتنا الأولى (نهاية الدولة الأموية ) فقال يصف الشعوبيين الفرس :
يدينون ديناً ما سمعت بـه عن الرسول ولا جاءت به الكتبُ
فمن يكن سائلاً عنأصل دينـ ـهم فإنّ دينهم أن تُقتـل العربُ

والله ولي التوفيق

نبذة عن العراق وشيعته وتشيّع قسم من أهله وعشائره

أعتقد أنه من المهم بداية أن ألقي بعض الضوء على تاريخ الشيعة بالعراق وأسباب تشيع بعض العشائر في الجنوب ، لتتضح للقارئ قيمة هذه الجهود العراقية في الرد على الشيعة ، فهي ليست جهود مبعثها الفراغ وحب النزاع أو الترف الفكري،ولكنها جهود دافعها التصدي للعدوان والطغيان الشيعي الصفوي .
فمن المعروف للباحثين في الشأن العراقي أنّ بلاد العراق هو منشأ التشيّع الأول، ومدينة الكوفة- التي بناها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه- كانت ملاذا للشيعة الأوائل[4]، وفي العراق قبور من يقدسهم الشيعة ويعتبرونهم – حسب زعمهم – أئمة معصومين ؛ حيث قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مدينة النجف، وفيه استشهد الحسين على أرض كربلاء، ومعه أخوه العباس وجميع شهداء معركة كربلاء، وفي بغداد قبر موسى الكاظم وحفيده محمد الجواد، وفي سامراء قبر علي الهادي وولده الحسن العسكري رضي الله عنهم أجمعين، وفي العراق أيضاً خرافة الشيعة ومحل غيبة المهدي المنتظر وغير ذلك كثير من القبور الصحيحة والمفتراة.
فالعراق بلد مقدس عند الشيعة، ورغم كلّ ذلك لم يكن العراق في يوم من الأيام بلدا شيعيا، لا شعباً ولا حكومة، بل كان العراق سُنيا منذ عهد الأمويين ثم العباسيين ثم إبان حكم المغول وبروز دولة اللإلخانيين ثم دولة الجلائريين ثم دول التركمان (الآق قونيلو، والقرة قونيلو ) ثم من بعدهم العثمانيين.
فعلى مرّ هذه الحقب والعراق[5] بشماله وجنوبه وشرقه وغربه بلد سُني حاكما ومحكوما، ويؤيد ذلك أن كل الرحالة والمؤرخين العرب والأجانب عندما مرّوا بالعراق أو بغداد ووصفوهما فإن كل هؤلاء ذكروا معالمه الأثرية سواء كانت المساجد أو المقابر أو التكايا أو الزوايا الصوفية أو دور العلم أو المدارس والربط والقصور كلها تدل على أصالة الوجود السُني، وأنه هو الأصل في كل تاريخ العراق وحضارته.
فقد مرّ بالعراق ابن بطوطة، والرحالة الإيطالي ماركو بولو، ومن ثم حمد الله الفارسي المتوفى سنة (740 هـ/1339م ) ومن ثم التركي نصوح السلاحي المطراقي الذي رافق السلطان سليمان القانوني في فتحه بغداد (944 هـ/1536م) ورسم صورة لمدينة بغداد، والرحالة الفرنسي جزبز تافرنيه (1632-1652م)،ومصطفى بن كمال الدين محمد الصديقي الدمشقي (1162هـ/1749م) والدانماركي كرستين ينبور (1766م) ،وصموئيل إيف (1779م) وكي لسترانج، وفيلكس جونس وكولينكوود (1853- 1854م) ثم رشيد خواجة (1908م) كل هؤلاء الشهود الرحالة والجغرافيين شاهدوا العراق ووصفوه ورسموا خرائط للعراق ولبغداد ، ولا تكاد تجد بغداد أو العراق إلا بلدا سنيا إلا يسيرا أو قليلا من المواطن الشيعية هنا وهناك .
نعم في العراق شيعة في بؤر ومناطق متفرقة؛ فالشيعة كانوا أول الأمر في الكوفة وهناك كان مركز التشيّع العلمي ثم ضعفت الكوفة، و تحول مركز العلم الشيعي من الكوفة إلى مدينة النجف – كان هذا في القرن الرابع الهجري – وبرزت بعد ذلك الحلّة المزيدية، وأصبحت الحلة ومن ثم النجف مراكز التشيع في العراق ؛ بها مدارسهم وعلماؤهم [6]، و في العهد العثماني برزت مدينة كربلاء بعد أن كانت قرية صغيرة ، ولا ننسى أن في غرب بغداد وفي الكرخ [7] كانت هناك محلات للشيعة في زمن الدولة العباسية.كما كان في بغداد قبر موسى الكاظم وحفيده وجامع براثا، وبقية بغداد كلها سني بجانبيه الرصافة والكرخ.
وكذا العراق فكلّه بلد سُني سواء في عاصمته بغداد وفي جنوبه البصرة وفي شماله الموصل أو ولاية شهرزور([8]) . واستمر هذا الحال في كل العهود التي تلت سقوط بغداد :
ففي عهد الإليخانيين (656-738هـ / 1258-1338م) وهم المغول وبعد أن خربوا بغداد وقتلوا أهلها:
- جاء إلى بغداد من سكنها من العشائر من حولها وأصبحت بغداد أكثر سنية فقد اندثرت حتى مدينة الكرخ الشيعية .
- ثم من بعدهم جاء الجلايريون (738- 795 هـ ) (1338- 1392 م ) .
- ثم حكم تيمورلنك المغولي (795- 808 هـ ) (1392-1411م ).
- ثم حكم الجلائريون[9]( 808-874 هـ) (1411-1469م )
- ثم حكم التركمان الآق قوينلو والقرة قوينلو (874-914 هـ ) (1469-1508م )
في كل هذه الفترات كان الحكم سنيا[10] بحتا لمدينة بغداد والعراق.
- ثم احتل الصفويون بغداد وجزءا من العراق سنة (914- 930هـ /1508 - 1523 م) ونصروا الشيعة وقتلوا السنة ، لكن بغداد والعراق بقيا بلدا سنيا .
- ثم طرد أمير كردي هو (ذو الفقار) الصفويين واحتل بغداد (930-936هـ /1523-1529م).
- وعاد الشاه طهماسب الصفوي واحتل بغداد (936- 941هـ /1529-1534م ).
- لكن العثمانيين الأتراك السُنة أنقذوا بغداد في يوم 24 جمادى الآخرة سنة (941هـ /1534م )[11]وعاد العراق سُنيا من جديد كما كان دائما .
- ثم في سنة (1030 هـ/1621 م) احتلت بغداد وبعض العراق من قبل الصفويين الذين بقوا إلى سنة ( 1048هـ /1633م) بيد أن العثمانيين السُنة أنقذوا بغداد والعراق من جديد بتاريخ 18 شعبان وظل العثمانيون إلى سقوط العراق بيد الأنكليز سنة 1917م.لذلك يقول كل المؤرخين الفتح العثماني بينما يقولوا الغزو الصفوي .

محاولات الشيعة لحكم العراق:

وقد حاول الشيعة قديما حكم البلاد إبان سيطرة البويهيون[12] على الحكم العباسي ( 320-447 هـ) إلا أنه ومع نصرة البويهيين للتشيع بقي العراق وأهله سُنة، وبقي حكام العراق هم العباسيين السُنة وإن كان حكمهم شكليا للبلاد، ولم يكن بوسع البويهيين إعلان التشيع؛ لأن أهل العراق السُنة يومها كانوا سيرفضون هذا الخيار، فعلماء العراق ومدارسهم كلها سُنية ولا تعرف في بغداد أي مدرسة شيعية.
وكانت مساعي الشيعة مستمرة لنصرة مذهبهم فتأسست دولة المشعشعين في بلاد الأحواز([13]) بين سنتي (840-914 هـ) وقد حاولت نشر التشيّع في الجنوب فنجحت في ذلك في مناطق البطائح (الأهوار) وهي الآن في محافظة ميسان ومركزها العمارة ([14]) ؛ وسبب ذلك يعود إلى أن أهل هذه المناطق غير تابعين لسلطة الدولة، ويثورون على كل حاكم، ويعيشون معيشة متخلفة بعيدة عن الحضارة والمدنية، وحياتهم قائمة على تربية الجاموس وصيد الأسماك والتنقل بين الأهوار، ومساكنهم من قصب[15]؛ لذا لم تستقر عندهم حضارة ولا مدارس علم ولا مساجد، وكان تشيعهم مردّه عدم وجود محصّن لهم ثقافي أو حضاري يحميهم .
وكان هَمُ المشعشعين الغزو والسطو على البلاد، فناسب أهل البطائح عقلية المشعشعين وأفعالهم لذلك كان هذا أحد أسباب قبولهم للتشيع ؛ فهذا مؤسسهم محمد بن فلاح عندما ظهر سنة 840 هـ في الكوفة وأدعى المهدية وكان قد خلط التصوف المنحرف بالتشيع، وادّعى ألهوية علي، فأفتى شيخه الشيعي أحمد بن فهد الحلي (ت:841هـ ) بقتله، فهرب إلى الأهوار وحماه سكان الأهوار المعدان (المعادي) والتفوا حوله،وهم أول جماعة حمته وكون معهم دولته، والعشائر المتأثرة به وقتها هم: بنو سلامة والسودان وبنو أسد وبنو طي وبنو حطيط ،وهؤلاء تأثروا بتشيعه الغالي وشرعوا بالإغارة على المدن السُنية كمدينة واسط ( قبل أن تندرس ) ومدينة جصّان[16] فقاتله أهلها السُنة وذلك في سنة 844 هـ وبعد مرور عام سيطر على مدينة الحويزة وانضم إليه من القبائل العربية: عبادة وبنو ليث وبنو سعد ، وهذا يعني أن بواكير انتشار التشيع في الجنوب بدأت من محمد بن فلاح المشعشعي[17].
وكذا كان لبروز الدولة الصفوية [18]في بلاد إيران على يد الشاه إسماعيل الصفوي دور آخر في نشر التشيع في العراق، بعد أن شيّع أهالي إيران السُنة عنوة ثم غزا العراق واحتل بغداد وقتل كثيرا من أهل السنة، وحاول تشييع العراق كله ولم يفلح، إلا أن التشيع أخذ بالازدياد في جنوب العراق لعدة أسباب فصلناها في بحثنا (تاريخ تشيّع العشائر العراقية) يسر الله نشره.

ونستطيع تلخيص بعض هذه الأسباب الرئيسة لتشيّع الجنوب والوسط :

الجنوب والوسط عبارة عن قبائل غير مستقرة ، ثائرة باستمرار على الدولة المركزية في بغداد، وأصول هذه القبائل بدوية قادمة من جزيرة العرب إما لطلب الماء والكلأ ، وإما هربا من عدو قوي أو دم و ثأر، أو فرارا من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه بعد أن جرى القتال بينهم وبينه .
عدم الاستقرار هذا أدى إلى انعدام الحضارة فيه ؛ فلا مدن رئيسية فيه ؛ فالسائر في تلك الأيام من مدينة بغداد إلى البصرة بمحاذاة نهر دجلة لا يلاحظ وجود أي مدينة هناك سوى واسط وهي مدينة انتهت في القرن التاسع للهجرة، أما إذا سرت مع الفرات فلا توجد سوى مدينتي الحلة والنجف (وهما مدن شيعية منذ القدم) ثم تأتي بعد ذلك مدن وقرى صغيرة إلى أن تصل للبصرة.
ولا تكاد ترى في كتب التراجم والتاريخ أي مؤلّف أو عالم أو أديب سُني ينتمي لتلك المناطق ، فهي مناطق مهملة حضاريا وغير منتجة لأي جهد مبدع أو حتى جهد عادي ، فلا تتوفر فيها مدارس للعلم و ليس فيها إلا القليل من المساجد ، ولا زالت هذه المناطق إلى عهد قريب تعيش في جهل مبين، ومبادئ الدين وأصوله مغيبة عن معظمهم. هذه النقطة كانت مرتكز دعوة الشيعة في الجنوب وبعض الوسط .
والحقيقة إن التشيع لم يدخل للجنوب بعد تكوين الدولة الصفوية بل بقي الجنوب سنيا و في القرن الحادي عشر وبعد استقرار التشيع في إيران وشعور علماء الشيعة في لبنان والبحرين و العراق (النجف والحلة) أن ثمّة دولة شيعية (الصفوية ) تدعوهم لدعم التشيع، وذهاب عدد من العلماء للشاه الصفوي وتأليفهم كتبا عديدة له، يومها بدأ التخطيط لتشييع جنوب العراق لقلة العلماء السُنة بينهم وندرتهم باستخدام عدة وسائل منها :
* مجالس التعزية الحسينية في شهري محرم وصفر؛ وهي عبارة عن قصائد حزينة تحكي مقتل الحسين رضي الله عنه وتحمّل أعداءه السُنة (على حد تعبير الشيعة) دمه إلى يوم القيامة، ويجري فيها البكاء واللطم، وقد كانت عشائر الجنوب تؤثر عليها النظرة المقدسة لآل البيت ومن ينتسب لهم ، فقد كان للأحداث الدامية الأليمة التي مرت بمقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما الأثر البالغ في انحياز العديد من القبائل العربية في العراق إلى آل بيت النبي الكريم والتعاطف معهم ، بل والقتال وبذل الدماء لنصرتهم رضي الله عنهم هذا قديما وبقيت جذوره موجودة فيهم[19].
* المواكب الحسينية، وهي مسيرات يتم فيها ضرب الظهور واللطم وجرح الرؤوس بالطبر (آلة حادة مثل السكين، لكنها أكبر) وتستخدم فيها أصوات الطبول والبوق مع قصائد حزينة .
هذان الأمران أحدثتهما الدولة الصفوية واستخدمتهما في العراق والهند لنشر التشيع، علما أن في بداية الأمر لم يكن العربي يقبل هذه الأفعال وإنما ينظر لها ويشاهدها دون أن يمارسها أما من يقوم بها فهم الفرس والهنود والأذريون القادمين للزيارة وإحياء ذكرى مقتل الحسين في عاشوراء، ومع مرور الزمن أصبح أهالي الجنوب والوسط من العشائر العربية هم من يفعل ذلك .
* زيارة المراقد المقدسة عند الشيعة وترتيب أجور على هذه الزيارة ، وقد زخرف الصفويون مقامات وأضرحة الأئمة الشيعة بالذهب والزخارف كي تسلب لب هؤلاء الأعراب .
* استخدام الفرس زواج المتعة بجلب نساء من إيران لممارسة المتعة بين قبائل وعشائر العراق الجنوبية والوسطى العربية، التي تأبى هذا الفعل مع نسائهم العربيات لأنه عار، بينما يرتضيه شيخ العشيرة أو الوجيه مع نساء من غير العرب يهبن أنفسهن بدراهم معدودة أو مجانا ؛ فهي دعارة حلال أو شرعية (كما يسميها بعض الشيعة ).
* انتقال مركز التشيع من إيران إلى العراق في كربلاء والنجف ، فحين قضى الأفغان على الدولة الصفوية واستولوا على إيران وأرادوا إعادتها كما كانت دولة سنية سنة 1722 م، هربت مئات العوائل الفارسية للعراق وممن هرب كبار علماء الفرس الشيعة وذلك خلال الفترة ما بين (1722-1763 م) و.
*محاولات بعض حكام إيران تطبيق ونشر التشيع أثناء إحتلاله بعض المناطق العراقية فعندما احتل كريم خان زند الإيراني الشيعي مدينة البصرة سنة 1766م طبق الصلاة على الطريقة الشيعية ونشر خطب الجمعة، وسك عملات عليها أسماء الأئمة الأثني عشر، وزامن هذا ضعف العثمانيين وصعود دور المماليك في العراق سنة 1747م والذي شهد فيه العراق فوضى عارمة استغلها الشيعة العجم مع الفرس ودخلوا العراق بشكل كبير .
* الأعمال الخيرية لدولة أوذه الشيعية في شمال الهند (1720 - 1856م) حيث حوَّل حكام أوذة ووزراؤها ووجهاؤها أكثر من مليون روبيّة للأغراض الخيرية والمشاريع الاقتصادية والوظائف الدينية، فساهمت كثيراً في دعم المجتهدين الفرس في النجف وكربلاء، الذين كانت لهم صلة بدولة أوذة، وابتداءً من تشرين أول سنة 1852م أصبحت تبرعات أوذة الخيرية تدفع عن طريق الوكيل السياسي البريطاني في العراق، الذي منحت له سلطة قانونية للإشراف على إنفاق المال، وكان يقوم باختيار المجتهدين الشيعة الذين يتولون التصرف والتقسيم لهذه الأموال ، منهم خمسة هنود، معادلة للهيمنة الإيرانية.
وبحلول عام 1908م أشيع أن القسم الأعظم في هذه الأموال يدفع للمجتهدين الإيرانيين ؛ لأن البريطانيين يفكرون بالاستيلاء على إيران ويحتاجون لمساعدة علماءهم لتسهيل هذا الاحتلال [20][21]. . حتى عبّرت الدولة العثمانية عن ذلك بقولها " الدفعات السرية للأماكن المقدسة من السلطات الهندية البريطانية"
* مجيء كم كبير من تجار الفرس الشيعة واستقرارهم في المدن المقدسة الشيعية ككربلاء والنجف وفي بغداد في محلة الكاظمية ومدينة سامراء .
* تطوير النظام العشائري الذي تحول من بداوة إلى استقرار في الريف، والذي أدى إلى تقليص سلطة الشيوخ (شيوخ القبائل) وظهور سلطات جديدة مثل:
- السراكيل الذين كان دورهم كمراقبي عمل وكانوا وسطاء بين مالك الأرض والفلاحين وكانت وظيفتهم بالدرجة الأولى تنحصر في إبقاء الأرض مزروعة ليتسنى تحصيل الفوائد للملاك.
- فئة أخرى يطلق عليها اسم السادة (جمع سيد)[22] ينتشرون في المناطق العشائرية، لهم منزلة دينية مرموقة كون أن نسبهم يرجع إلى أسرة النبي الكريم على حسب قولهم. وقد تعزز موقعهم عندما عملوا كأولياء، وكان بعضهم يدعي امتلاك قوى خارقة لعلاج الأمراض، وكان لدعائهم وزن معنوي عند سكان الأهوار، وقد حظي هؤلاء بقدسية عند رجال العشائر الذين كانوا يقسمون الأيمان بأسمائهم، وكانت منزلتهم العليا تتجلى في حقيقة إنّ دية السيد القتيل هي ضعف دية الشخص الاعتيادي.
وكان السادة يمنحون موافقتهم ومباركتهم في الأعراس والختان ومراسيم الجنازة ، وهم الوحيدون الذين يقرؤون ويكتبون حينذاك وكانوا بمثابة همزة وصل لأهل العشائر مع العالم الخارجي.
كما أعطيت للأشراف (السادة) في الجنوب (قبل التشيع) منزلة تعززت بسبب عقدة عشائر الجنوب تجاه قضية مقتل الحسين، هذا الأمر الذي بقي متأصلاً فيهم، ولا يقدم على الأشراف سواهم حيث كان الشريف يُفضّل في ترؤس الحلف المبرم بين القبائل المتعددة كما هو معروف في (حلف المنتفق أو المنتفج) .
- كما كانت هناك فئة ثالثة تدعى بـ (المؤامنة) أو (العالم) وهؤلاء ليسوا بالضرورة من آل البيت ولهم منزلة أدنى من السيد، تدخل في الهيكل التشكيلي للمجتمع العشائري، وكانوا يُرسلون عادة من قبل الحوزة العلمية في النجف، وهم من خريجي المعاهد الفقهية ومفوضون في تسوية أمور الزواج والطلاق والميراث، وكانوا يقيمون المراسيم الدينية ويقودون المواكب الحسينية ، و يعتقد أنهم من ادخلوا زواج المتعة إلى الجنوب العراقي ، وبذلك أتيحت الفرصة لشيوخ العشائر الاقتران بعدد من الزيجات ولو كانت مؤقتة.
* وقد هاجر العديد من أسر الأشراف السُنية من الحرمين وغيرها إلى بلاد الرافدين كأسرة أبي طبيخ التي هاجرت من الإحساء بحدود 1214 ه ، وأسرة السعدون من الحجاز قبل أربعة قرون، و(البو محمد) من الحجاز سنة 1213 ه ، والسادة العذارية - نسبة إلى زيد بن علي بن أبي طالب - من المدينة النبوية ، وكذا آل زوين قبل عدة قرون، وكما سبق ذكره فإن التشيع أعطى هذه الفئة ميزات لا تعطى للسيد السني؛ وإذا ما نزل شريف من الأشراف أو السيد بما هو المصطلح عليه في العراق فله المكانة العالية وينظر له بقدسية كبيرة، وإذا كان متواضع الحال أو معدماً منحه شيخ القبيلة أرضاً خصبة، ويوثق تلك المنحة بصك شرعي كما فعل شيخ الخزاعل لأسرة آل أبي طبيخ بحدود عام 1214 ه .
وكذلك ما فعلته قبيلة (العنافجة) إحدى فروع قبيلة آل كثير مع السيد أحمد الجابري الذي هاجر من العمارة على أثر خلاف بينه وبين والده، حيث أنزلوه منزل إجلال وإكرام وأعطوه أرضاً مزروعة.
لأن القبائل المتواجدة في وسط وجنوب العراق يعتبرون أن للسادة حقاً في أملاكهم الخاصة وكذا في وارداتهم السنوية فيقدمون ذلك مع الطاعة. يقول عبد الجبار فارس (شاهد عيان) : " ويندر أن نجد قرية خلت منهم أو عشيرة لا يحط معها بعضهم، وهم أينما حلوا كانوا من المقربين عند الشيوخ ولهذا صاروا يقطعونهم قسماً من أراضيهم ويخصصونها ملكاً لهم ... " .
بل نجد (التجمع القبلي) المكون من قبائل شتى يسمى أحياناً باسم الأسرة التي تنتمي إلى الرسول وحلت بينهم كـ(آل سيد نعمة)، حتى بلغ الأمر بأمير المحمرة ( من مقاطعة الأحواز - خوزستان - عربستان) خزعل بن جابر الكعبي العامري ( ت 1355 ه / 1936 م ) قوله المشهور لما طلب منه أحد أفراد أسرة السيد هاشم النزاري أن يسمح له بقتله وذلك لتحريضه القبائل ضد خزعل: " لو أعطيت ملك الدنيا لما رضيت أن ألاقي ربي ويداي ملطخة بدم علوي " .
وبناء على هذا التصور وهذه القدسية والهالة التي تحيط بأي أسرة علوية تنتسب إلى رسول الله. ونظراً لما يتمتع به السيد وسط القبيلة من مميزات ومكانة المذكور بعضها آنفاً، أكثر الادعاء بالسيادة ، وقل من هو مقطوع بنسبه كما يقول العزاوي.
ولكثرة السادة وازدياد نفوذهم تنبه فريق من الناس لتلك الظاهرة وأخذوا يتساءلون عنهم مما اضطر مدعي السيادة أحياناً إلى تغيير محلات سكنهم لتفادي تدقيق رجال العشائر تدقيقاً شاملاً في موقعهم. وحاول رؤوساء بعض العشائر لتعزيز مكانتهم وهيمنتهم على عشائرهم وقبائلهم تزويج بناتهم لبعض السادة [23].
* ولقد كان رد فعل القبائل والعشائر العربية وخاصة في منطقة الفرات الأوسط التي تتكون من (كربلاء، الحلة، الديوانية) - والنجف تعتبر أحد أقضية لواء كربلاء - على هجمات الوهابيين (أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب) لأكثر من مرة منها ودخولهم كربلاء عام 1801 م، أن حفز علماء الشيعة وعلماء النجف بالذات إلى تكثيف عملية تشيُّع قبائل العراق، وواكب ذلك سياسة العثمانيين الملحة في توطين العشائر التي بدأت في عام 1831 م. فتواكب العاملان على بناء جيش من أبناء القبائل لحماية المدينتين من الخطر الوهابي القائم كما سموه[24] .
وأخذ علماء الشيعة يعمقون قوة ربط أبناء القبائل بحب المدينتين (كربلاء والنجف) وتنظيم الزيارات المستمرة على مدار العام. إما أن يكون تاريخ ولادة النبي أو وفاة إمام أو زيارة أحد الأئمة وهذه أهمها: ( يزار قبر الحسين رضي الله عنه يوم عاشوراء ، وفي العشرين من صفر ، وفي غرة رجب ومنتصفه ، وفي منتصف شعبان ، وأول أيام عيد الفطر ، ويوم عرفة ، وأول أيام عيد الأضحى . كما يزار قبر الإمام علي رضي الله عنه في ذكرى المولد النبوي في الـ17 من ربيع الأول ، وفي الـ17 من رجب ( ذكرى الإسراء والمعراج ) ، وفي الـ18 من ذي الحجة ) [25].
* فسّر بعض المحللين للمجتمع العراقي دوافع اعتناق بعض الأفراد للتشيع طوعاً هو تهربهم من تبعات قانون التجنيد العثماني الذي كان يعرف بـ (السفربر) الذي كان المجند حينذاك إذا شارك في حملة عسكرية نادراً جداً ما يعود إلى أهله، وتخلصا من تداعياته لجأ عدد كبير من العراقيين إلى القنصليات الإيرانية واكتسبوا جنسيتها وتشيعوا هرباً من التجنيد العثماني.
* يذكر الكاتب علاء الدين المدرس في كتابه (ثقافة الوسط) ص370، أنه في منتصف القرن التاسع عشر اتفقت انكلترا وإيران (في عهد القاجاريين)على ضرورة وضع خطة محكمة لنشر التشيع بين العشائر العربية الجنوبية والخليج، وتتعهد الحكومة الإنكليزية بتسهيل مهمة الوافدين الإيرانيين والحصول على موافقة والي بغداد والباب العالي، ويتعهد الجانب الإيراني بالمقابل بإرسال رجال دين وأموال كافية لتنفيذ المهمة، وغرض الخطة هو زعزعة قبضة والي بغداد على جنوب العراق والخليج وتسهيل وتأمين طريق شركة الهند البريطانية من خلال السيطرة على الطريق البحري بين الشام وبغداد والبصرة والبحرين ورأس الخيمة ومسقط وموانئ إيران الجنوبية والهند.
وهذا الأمر يؤكده ما يلي :
- إن سياسة الاستعمار البريطاني واعتماده على مبدأ (فرق تسد) جعل بريطانيا تعتمد في استعمارها للعراق على كم كبير من التقارير التي كتبها فريق من السواح منذ أكثر من خمسة قرون وكانوا يتلقون الدعم المادي وغيره من عدة مؤسسات منها: الجمعية الملكية الجغرافية ، شركة الهند الشرقية ، المتحف الوطني ، مصلحة الاستخبارات العسكرية .
ومن أشهر هذه الرحلات الخاصة بالعراق وأقدمها رحلة الهولندي د. ليونهارت راوسلف عام (1573م) ، وجاكسون الذي زار العراق سنة 1767م وهو من موظفي ( شركة الهند الشرقية ) ، ورحلة كلوديوس جيمس ريج ( 1787 - 1820م ) وما دوّنه عن العشائر الكردية والعربية وعن اليزيدية يعتبر على جانب كبير من النفاسة [26]. ورحلة جيمس بيلي فريزر( 1783 - 1856م ) الذي كان كثير الاهتمام بوصف الحالة الاجتماعية ولاسيّما في ذكر عادات وطباع العشائر العربية والكردية التي مر بها [27] . ورحلة الليدي دراور التي وصفت في رحلتها النجف والكوفة وكربلاء والكاظمَية وسامراء وبغداد والموصل والبصرة ، والمرأة ، والعشائر ، واليهود ، واليزيدية ، والصابئة ، والأهوار ، والعادات والتقاليد [28] ، وتسيكر الذي زار منطقة الأهوار ودرس أحوالها الاجتماعية والاقتصادية[29].وقبائل بدو الفرات عام 1878م لـ(اللّيدي آن بلنت) [30]، وهنري ليارد زار بدو دجلة والفرات عام 1841م وعاش بين الجبور فترة من الزمن [31] . ومذكرات عن القبائل العربية البدوية للميجر ف.ل ايدي عام 1919م ، ومذكرات عن عشائر وشيوخ عانه ومنطقة البو كمال ومذكرة عن مدينة عانه للكابتن سي. سي. مايللز عام 1919م ، ومذكرات عن عشائر وشيوخ الشطرة للكابتن س. أس. أف. بركلي عام 1919م [32] ... حتى أن بعض المسؤولين المعتمدين كان يطلب من العارفين بأصول العرب وقبائلهم أن يكتب له ما يعرفه عنهم لدرجة أن كلوديس جيمز ريتش (ريك) المقيم البريطاني بالبصرة وفي بغداد عام 1808م ، كان داود باشا والي بغداد يعتقد بأنه متآمر مع الأكراد والإيرانيين [33]
وهكذا مع قلة الوازع الديني وقلة العلماء سرى التشيّع في الجنوب، وحصل هذا بالتحديد في القرن الحادي عشر والثاني عشر للهجرة، أي بعد سنة 1750 م تقريبا، وأصبح التشيع سمة غالبة على الجنوب العراقي وجزءا من وسطه.

و من الملاحظ أنه بحلول القرن العشرين كانت العشائر المستقرة ما زالت منقسمة على أسس طائفية، فعشائر المنتفك قد تشيعت، بينما بقيت عشائر الشحيم والسعدون على أصلها السُني، أما عشائر الفراعنة والزوابع وتميم فقد تفرقت بين شيعية وسنية، أما عشائر الجبور في حوض الفرات فقد تشيعت، بينما عشائر جبور دجلة احتفظت بمذهبها السني وهكذا

والسؤال المهم كيف أثر التشيع على عرب الجنوب فيما يتعلق بمحبتهم للعراق وروحهم الوطنية؟

وجوابه : إن قيادة عرب الجنوب – مع الأسف – هي بيد علماء الدين الشيعة، وهؤلاء أصبحت السيطرة عليهم سهلة من قبل المستعمر فإنّ الإنكليز و بناء على تلك المعلومات والتقارير والرحلات السابقة استطاعوا معرفة أغلب ما يتعلق بالقبائل وشيوخهم وتفرعاتهم ومدى ولائهم للدولة العثمانية وتسلحهم بل وحتى نوع السلاح ومصدره، وتمكن الإنكليز شيئاً فشيئاً باستخدام الترغيب بالأموال والأراضي والمناصب الإدارية، والترهيب بالحرمان والسجن والإبعاد عن البلد.
وفي نهاية المطاف تم لهم السيطرة على البلاد والتمكن في نهاية سنة 1917م ، من تأسيس قوات عسكرية قوامها أفراد العشائر سموها ( شَبَانة ) وتذكر (المس بيل) في مذكراتها سنة 1919م أن ما يقرب من ( 400 شيخ ورئيس ) من العشائر الفراتية في الحلة والهندية والناصرية والديوانية قد نظموا عرائض ومضابط يطلبون فيها استمرار الإدارة البريطانية المحتلة[34] . وهكذا انخرط الكثير من رؤساء القبائل والعشائر ذات الأصول الرفيعة في خدمة المستعمر .
كذلك تمكنوا من الهيمنة على كثير من شيوخ النجف وكربلاء ووجهائهم ، فقد تمكن السيد هادي الرُّفيعي - وهو سادن الروضة العَلَوية - من تنظيم مذكرة تحمل تواقيع 21 شخصية من وجهاء المدينة وتجارها يطلبون الحكم البريطاني المباشر[35] .
ومع هؤلاء ستة من المجتهدين في النجف كانوا على استعداد لتأييد إدارة بريطانيا حتى يتمكن أهل البلد من الحكم بأنفسهم ، وإذا ما بحثنا عن هؤلاء نجدهم : ثلاثة هنود كانوا رعايا بريطانيين: السيد (هاشم) الهندي النجفي ، ( محمود ) الهندي النجفي ، ومحمد مهدي الكشميري ، ومجتهد واحد من أصل فارسي هو جعفر بحر العلوم ، وحسن بن صاحب الجواهري (يحمل الجنسية الإيرانية )، وعلي بن محمد رضا كاشف الغطاء ، وكان على صلة وثيقة بكاظم اليزدي الإيراني أكبر المجتهدين علماً وصاحب النفوذ الكبير بين العشائر العربية الشيعية [36] .
لذلك فإن الوجود الشيعي العربي في العراق أصبح مرتبطا بسبب ولاء القبيلة لرجال الدين إما بإيران أو بأي مستعمر دخيل ، حصل هذا سابقا ويحصل اليوم بتعاونهم مرة مع الأمريكان ومرة مع إيران ، وأصبح التشيع خطرا على البلاد والعباد ، وضعف الولاء للقبيلة والوطن والعروبة وثمة نظرية لابد أن يدركها أهل الجنوب بوعي تام وهي :
كلما ضعف التدين الشيعي في الجنوب قوي ولاء القبيلة والعشيرة للوطن والعروبة .
وكلما قوي التدين الشيعي في الجنوب ضعف ولاء العشيرة للوطن ؛ لأن بوصلة التشيع تحولت منذ نشأة الدولة الصفوية إلى إيران ، وإيران تعمل لخدمة بلدها في تقوية آصرة الشيعة بهم باستخدام المرجعية ، أي تستخدم المذهب في خدمة إيران .
ومهما حاول بعض المخلصين من أبناء الجنوب التمرد على سلطان علماء الدين لم يفلحوا لأن التشيع قام على تقديس رجل الدين الشيعي المستخدم من قبل إيران .
وفتوى العالم عند الشيعة مقدسة حتى يقول المثل العراقي الشهير (ذبها براس عالم واطلع منها سالم ) ومعنى (ذبها ) أي إرميها أو علقها .
وأي مستعمر يغزو البلاد ينتظر الشيعة في الجنوب فتوى العالم ، وهذا بدوره مرتبط بالحوزة في إيران- إلا ما ندر- لذا فإن شيعة العراق لن يستقلوا بقرارهم ، ومهما حاول البعض تفسير غير ذلك سيتعب ؛ لأن قرار الفرد في الجنوب صودر لحساب رجل الدين الشيعي .
وحتى لو أفتى العالم بالقتال والجهاد فهو قرار لمصلحة إيران.
بينما لا تجد هذا عند السُنة ، فهم أحرار في قراراتهم حتى لو أفتى عالم لهم بغير ما أرادوا، فالسُنة وحدهم هم من يحمي العراق ووحدته وأصالته وهويته، وهم أصلح لكل العراق من غيرهم ، وأصلح حتى للشيعة في بقاء أرض العراق مستقرة وقراره مستقل .
انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني بإذن الله




[1] - هذا البحث ثلاث أجزاء :
الجزء الأول: مقدمة مختصرة في تاريخ تشيع العشائر العراقية .
الجزء الثاني : جهود العلماء في الفترة الواقعة بين ظهور الدولة الصفوية ولغاية سقوط العراق بيد الأنكليز .
الجزء الثالث : جهود علماء ودعاة العراق منذ سقوط العراق لغاية يومنا هذا .
[2] - بعض الباحثين يعكس الأمر ويقول إن المذهب في العراق السائد قبل العثمانيين هو الشافعي وإنما أزداد انتشار المذهب الحنفي بعد مجيء الدولة العثمانية ، وتحتاج المسألة الى تحرير.
([3])- هذا كان بالأمس واليوم بعد أن تمكنت أمريكا من احتلال العراق وتمكنت إيران من السيطرة على قطاعات كثيرة من البلاد ،مكّنت للشيعة كي يحتلوا بغداد وقف كل سُنة بغداد والعراق ينافحون ويذودون عن عراقهم السني واستطاعوا حماية بغداد من السيطرة الإيرانية الشيعية ، مستخدمين كل الوسائل السلاح والرأي ، لدفع هذا الاحتلال وقد نجحوا في إرجاع جزء منها ، وإن شاء الله تعود بغداد مدينة لأهل السنة كما كانت في جميع العصور ، وفي هذا عبرة لأربع أصناف من أهل السنة :
الأولى: لبعض أهل السنة والذي مكث خارج البلاد ولا يفقه المخطط التي تريده إيران؛ ألا وهو تغيير هوية العراق .
الثاني: من يقارع الأمريكان من أهل السنة ويتعاون مع إيران ويقتل بعض أهل السنة بحجج كثيرة، وهؤلاء نفر ابتلي بهم أهل العراق، كما ابتلي علي بن أبي طالب بأهل النهروان .
الثالث: وهم السنة العرب الذين لا هم لهم إلا مشاكل أوطانهم وتركوا سُنة العراق وراءهم ظهريا ، ولم يعرفوا أن خطر التشيّع قادم على الجميع ، وأن العراق بوابتهم الشرقية فإذا انكسرت اندلق التشيع على الجميع .
الرابع : ممن لم يفقهوا خطر التشيع من العرب بل طبلوا وزمروا لإيران وحزب الله سواء كانوا تيارات قومية أو إسلامية أو شيوعية .
[4] - مع العلم أن التشيع في بداية نشوءه لم يكن كالتشيع اليوم .
[5] - حاول اليهود اليوم أن يشيعوا أن ليس هناك بلد اسمه العراق وإنما هذا الكيان وجد سنة 1921م عند تولد الحكومة العراقية الحديثة وهذه مغالطة لبداية تقسيم العراق ، يعزف على وترها بعض القيادات الشيعية الدينية والقيادات الكردية.
[6] - برز في بغداد في القرن الرابع للهجرة الى القرن الخامس وبعد تولي البويهيين للحكم مجموعة من العلماء الشيعة المهمين كالكليني والطوسي والرضي والمرتضى، وقد عاش الشيعة بين كنف أهل السنة شعبا وحكومة آمنين ومارسوا أفكارهم بكل حرية ( وبدون تقية ) ولم يُضطهدوا بل كان الرضي والمرتضى لهم نقابة الطالبيين في بغداد ولهم قربة من الوالي وصلوا مع أهل السنة في مساجدهم، وهذا يعطي للقاريء فكرة عن السني عندما يحكم والشيعي عندما يحكم !! انظر مقال للكاتب الإيراني الشيعي جعفر سبحاني بعنوان: المراكز الثقافية الشيعية.
[7] - ليست محلة الكرخ الشيعية هي التي في جانب الكرخ حاليا، بل هي محلة قريبة من مدينة المنصور في جانب الكرخ اليوم وقد انقرض الشيعة هناك وأصبح الكرخ كله منطقة سنية إلا قليلا، حرر ذلك الباحث الشيعي المؤرخ مصطفى جواد في كتابه (دليل خارطة بغداد المفصّل في خطط بغداد قديما وحديثا ).
[8] - هي مدينة السليمانية حاليا وأهلها أكراد سنة منذ تأسيسها إلى يومنا هذا . مع العلم أن العراق كان يقسم إلى خمس إيالات أو ولايات هي : بغداد ، الموصل ، البصرة ، شهرزور ،الإحساء ، هذا في زمن سليمان القانوني و بقي هكذا إلى سقوطه بيد الإنكليز فأصبح العراق بين أربع أو ثلاثة ولايات : بغداد والبصرة ثابتتان والموصل وشهرزور متغيرتان .
[9] - يذكر بعض الباحثين أن لبعض الحكام الجلائريين ميولاً للتشيع ، وهو كذلك عند عدد من حكام المغول، وكان أول من تأثر منهم بالتشيع (أولجايتو محمد خربندة أو خدا بندة ) الذي حكم العراق وإيران خلال الفترة (703- 716هـ). وقد تأثر خدا بندة هذا بابن مطهر الحلي الذي رد عليه ابن تيمية في (منهاج السنة )، والفيروز أبادي في(القضاب المشهر في الرد على ابن المطهر )(تحت الطبع بتحقيقي في دار البخاري بمصر)
[10] - من حكام دولة القرة قونيلو الذي تأثر بالتشيع آسبان (اسبند ) بن قره يوسف والذي حكم بغداد من (836-848هـ). ولكنه في الوقت نفسه حارب المشعشعين.
[11] - ينبغي لأهل السنة اليوم أن يحيوا ذكرى هذا اليوم وأن تكتب فيه المقالات، وأن يعيدوا لذاكرة العراقيين ذكرى يوم الإنقاذ ، حتى و يتجدد الأمل لإنقاذ بغداد من مخالب الصفويين الجدد .
[12] - هم شيعة زيدية جارودية ؛ أي زيدية متعصبة .
[13] -الأحواز جنوب شرقي العراق هي اليوم تابعة لإيران .
[14] - يرجح الكاتب العراقي علي الوردي (كاتب شيعي) في كتابه البديع (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي) طبعة الوراق ( 173 -175 ) أن سكان الأهوار هم خليط من بقايا الأمم القديمة التي كانت بالعراق مع قبائل عربية مثل : البو محمد ، والبو نصر ، وبنو اسد ، وبنو خيقان ، وعشيرة الفرطوس وهؤلاء كلهم يسمّون معدان بلهجة العراقيين ويسمونهم أهل الفرات الأوسط ( الشروق وبالهجة العراقية الشروك) والحقيقة أن أهل الجنوب يحتقرون أهل الأهوار بسبب أصولهم، وبسبب تريبتهم للجاموس وصيدهم الأسماك فهذه أعمال في نظر أهالي الجنوب معيبة ، وكذا بسبب غدرهم.
وقد أشار لهذه الدراسات عدة كتاب منهم المستشرق ولفرد ثيسغر في كتابه (المعدان أو سكان الأهوار) ترجمة باقر الدجيلي (ص 15- 16 )، وشاكر سليم في كتابه ( الجبايش ) ( 1/26- 137 -138 ) (2/562-565) وكاتب مجهول عراقي اسمه ( أ . س. ح ) ( آل فتلة كما عرفتهم ) (ص113) ويرجح الوردي أن مؤلف الكتاب هو الكاتب الشيعي جعفر الخليلي.
[15] - ويسمون المعدان .
[16] - هي مدينة ما تزال موجودة في العراق على الحدود مع إيران تابعة لمحافظة واسط أهلها اليوم شيعة اقحاح.
[17] - انظر العراق بين احتلالين ( 3/109-213 ) ، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية (10/191-205 ).
[18] - كتبنا رسالة في هذه الدولة وتأثيرها وبيان خطرها بعنوان (عودة الصفويين ) نشرتها مجلة الراصد الألكترونية لأول مرة، ثم نشرتها مجلة القبلة الصادرة عن جمعية الكتاب والسنة في الأردن، ثم اشتهرت على المواقع الألكترونية، ونشرت في الأردن كرسالة ووزعت مجانا الآف النسخ منها، واليوم تنشر في مصر.
[19] - مقال قيم بعنوان (لمحات في دراسة قبائل العراق ) للأستاذ الدكتور أبي محمد الهاشمي.
[20] - دليل الخليج ، للوريمر (4/1963)
[21] - المصدر السابق (4/2048،2075،2081 )
[22] - ويسمون في البلاد الأخرى (الشرفاء) انظر كتاب (مسيرة الى قبائل الأحواز ) ص 118، لمحات اجتماعية لعلي الوردي (ج5/ق1/ص115 )
[23] - مقال (لمحات في دراسة القبائل العراقية )
[24] - انظر (دوحة الوزراء )رسول كركولي ،ص212،(ماضي النجف وحاضرها ) جعفر محبوبة (كاتب شيعي )(1/324-226)
[25] - انظر (عامان في الفرات الأوسط ) ص58.
[26] - الذخائر الشرقية ، كوركيس عواد ، (1/496).
[27] - المصدر السابق(1/498).
[28] - مصدر السابق (1/503).
[29] -مصدر السابق (1/504).، ورحلته طبعت في لندن سنة 1823م.
[30] - طبعت في مطبعة الملاح في سوريا سنة 1991م.
[31] - المصدر السابق ص24.
[32] -تقرير لدائرة الاستخبارات البريطانية عن العشائر العراقية ، ترجمة الدكتور عبد الجليل الطاهر .،ص4.
[33] - دليل الخليج (4/1953).
[34] - مقدمة التقرير السري لدئرة الاستخبارات ، ص10 ، وانظر لمعرفة حقيقة ثورة العشرين ( الحقائق الناصعة ) للفريق مزهر الفرعون (78).
[35] - لمحات اجتماعية (5/1/72)
[36] - شيعة العراق ، إسحاق النقاش، ص115.


منقول من موقع الراصد
القادسية

احمد ادريس
01-12-2012, 02:45 AM
بَاَرَكَ الله فيك وجَزَّاك خَيَّرَا
وإن شاءَ الله يسَتفَيد مَنّه الَجَّمِيع ولك شَكَرَي وتَقْدِيرِيّ
َّ عَلى آلَمَوآصَلَة الرائِعَة مَعَنْا لخَدَمَة هَذَا الِصرحَ آلَمَبَارَك

تراتيل
01-12-2012, 03:50 PM
وفيك بارك أخي الكريم
شكري وامتناني ..

محمد خطاب
01-23-2012, 09:02 PM
للأسف الشديد أن هناك الكثير من المثقفين العرب يصفقون لإيران ويبررون لها ما تفعل بالعراق بل وينكرون دورها في احتلال العراق وتعاونها مع الامريكان ، واصنف هؤلاء بالعميان أو المتعامين عن الحقيقة ، هل تساءل أحدهم لماذا يضع حسن نصر الله خلفه حين يخطب ( يالثارات الحسين ) .
هل قراوا التاريخ جيدا وعرفوا الدور الشيعي في تحطيم الدول الاسلامية ، وتعاونهم مع كل غازٍ للعالم العربي الاسلامي .
كم اصاب بالدهشة عندما أقرامقالا لعبد الباري عطوان يمجد ايران ويكيل لها المديح في كل حين .
وكم اصاب بالدهشة عندما يرى مثقف ان الخلاص آت من ايران .
هم لم يقرأوا ادبياتهم وكتبهم وفتاواهم ضد أهل السنة اينما وجدوا .
هو تحذير من المد الفارسي المغلف بحب آل البيت وهو منه براء .
تحياتي اختنا الكريمة